الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 505-544
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المائدة

صفحات 505-544
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

فيكون التقدير على هذا: ولكل ناحية وَجَّهَكَ إليها ربُّك يا محمد قبلةُ الله مولِّيها عباده ". وهو قول الأخفش الذي تقدم.
ومعنى " مولِّيها " مول وجهه إليها ومستقبلها.
وقال الطبري: " التولية في الآية للكل، ووُجدت للفظ " كل "، قال: " فمعنى الكلام: ولكل أهل ملة وجهة، الكل موليها وجوههم.
قال: وأما قراءة ابن عامر فمعناه: هو موجَّه نحوها، ويكون الكل حينئذ غير مسمى فاعله، ولو سمي فاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة، الله موليها إياه بمعنى موجهه إليها.
ورويت قراءة شاذة بإضافة " كل " إلى " وجهة "، وهي قراءة / لا تجوز لأنه لا فائدة في الكلام إذا لم يتم الخبر ". ولو ثَنيتَ على قراءة الجماعة لقلت: " هُمَا مُوَلِّياهَا "، وفي الجمع [هُمْ مَوَلُّوهَا]

وعلى قراءة ابن عباس / في التثنية " هُمَا مُوَلَّياهَا ". وفي الجمع [هُمْ مُوَلَّوْهَا].
فإن جئت بالمفعول الثاني في قراءة الجماعة، قلت في التثنية: " هُمَا [مُوَلِّياهَا هُمَا] وفي الجمع: " هُمْ مُوَلُّوهَا هُمْ ". ثم قال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾.
أي: بادروا إلى عمل الصالحات واستقبال ما أمركم الله عز وجل باستقباله وهو المسجد الحرام.
ثم قال: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعاً﴾.
أي: في أي مكان تكونون بعد موتكم يأت بكم الله جميعاً يوم القيامة.
﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: على جمعكم بعد مماتكم وغير ذلك قدير.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ الآية.
وقد تقدم شرحه ووقع التكرير للإفهام، ولئلا يصل ذلك إلى بعض دون بعض فكرر الله التأكيد ليصل إلى الجميع.
ثم قال: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
الناس هنا: مشركو العرب.
والمعنى: عرفناكم أن لكل وجهة موليها لئلا

يكون لمشركي العرب حجة أي: خصومة / ودعوى باطل [إلا لمشركي] قريش فإن [لهم عليكم] دعوى باطلة وخصومة بغير حق لقولهم لكم: رجع [محمد إلى] قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا.
هذا معنى قول مجاهد.
وقال قتادة: " هم مشركوا العرب، قالوا لمشركي قريش حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم ". قال الله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني﴾.
وعن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من أصحاب النبي [عليه السلام] أنه لما صرفت القبلة نحو الكعبة قال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله فيهم: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني﴾.
وهو قول عطاء والسدي وغيرهما.
فهو على هذا التاويل استثناء صحيح،

وهو مذهب الطبري، قال: " نفى الله جل ذكره أن يكون لأحد من الناس حجة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في استقباله الكعبة إلا مشركي قريش فإن لهم قِبَلَكُم خصومةً باطلة بأن يقولوا: إنما توجهتم إلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً وأنكم كنتم على ضلالة في استقبالكم بيت المقدس ". وقال بعض النحويين: " هو استثناء ليس من الأول، / و " إلا " بمعنى " لكن ". قال أبو عبيدة: / " " إلا " بمعنى الواو ". وهو قول بعيد من الصواب لأنه يفسد المعاني ويغير ما بني عليه الكلام.
و " إلا " إذا كانت بمعنى " لكن "، فإنما هي إيجاب لشيء بعدما تؤكده.
وقوله: ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني﴾.
أي: لا تخشوا هؤلاء الذين سفهوا عليكم بالحجج الباطلة، واخشوا عقابي

إن خالفتم أمري.
وهذا تحضيض من الله تعالى للمؤمنين على لزوم الصلاة إلى الكعبة وترك التوجه إلى غيرها.
وقال السدي: " معناه: فلا تخشوا أن أردكم إلى دينهم ". ثم قال: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
قال الأخفش: " هو معطوف على ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ﴾ أي: لئلا يكون، ولأتم نعمتي عليكم.
فالمعنى: / ولّوا وجوهكم حيث كنتم من الأرض إلى نحو المسجد الحرام كي لا يكون لأحد من الناس عليكم حجة سوى مشركي قريش، فإن لهم حجة باطلة، وكي أتم نعمتي عليكم بإتمام شرائح الملة الحنيفية.
وقال ابن جبير: " ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾: " أي: ولأدخلكم الجنة ". قال: " ولن تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة ". وقال الزجاج: " اللام متعلقة بمحذوف والتقدير: ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتكم، وأنه لا حجة لأحد عليكم إلا الذين ظلموا فإنهم [سيحتجون

عليكم] بالباطل ". وقيل: التقدير: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
ففي الكلام على هذا القول تقديم وتأخير.
وهو قول الأخفش المتقدم الذكر.
ثم قال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾.
تقديره: ولعلكم تهتدون اهتداء مثل إرسالنا إليكم رسولاً منكم تالياً عليكم الكتاب ومطهراً لكم من الذنوب ومعلماً لكم ما لم تكونوا تعلمون.
فكل ما بعد " رسول " نعوت له مكررة.
وقال الزجاج: " الكاف متعلقة بما بعدها، أي: فاذكروني كما أرسلت فيكم رسولاً منكم ". وهذا قول مردود لأن الأمر إذا كان له جواب لم يتعلق به ما قبله لاشتغاله بجوابه؛ تقول: " كما أحسنتُ إليك فأكرمني ". فتكون الكاف من " كما " متعلقة بـ " أكرمني " إذ لا جواب له.
فإن قلت: " كما أحسنت إليك فأكرمني أكرمك "، لم تتعلق الكاف من " كما " بـ " أكرمني " بأن له جواباً، ولكن تتعلق بشيء آخر أو

بمضمر.
فكذلك قوله: ﴿فاذكروني أَذْكُرْكُمْ﴾ / هو أمر له جواب، فلا [تتعلق " كما " به ولا] يحوز ذلك إلا على التشبيه بالشرط الذي يجاوب بجوابين، نحو قولك: " إذا أتاك فلان فأته ترضه "، فتكون " كما " و " أذكركم " جوابين [للأمر.
والأول أفصح] وأشهر.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أي: " ولأتم نعمتي عليكم إتماماً كما أرسلنا ". وقيل: الكاف في موضع / نصب على الحال، أي: ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال.
وقيل: المعنى: ولأتم نعمتي عليكم بإتمام شرائع دين الحنيفية ملة إبراهيم كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم تالياً عليكم آياتي، ومطهراً لكم ومعلماً لكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون.
وكل ذلك بدعاء إبراهيم صلى الله عليه وسلم [ في قوله]: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: 128] وقوله: ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة/ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [البقرة: 129].

فدل هذا المعنى على ان الكاف متعلقة بقوله: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فتلخيص المعنى: ولأتم نعمتي عليكم ببيان ملة أبيكم إبراهيم كما أجبنا دعوته فيكم، فأرسلنا إليكم رسولاً منكم.
ومعنى " يزكيكم " / يطهركم من دنس الذنوب.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب﴾ أي: القرآن، والحكمة والسنن والفقه في الدين.
﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي أخبار الأنبياء والأمم قبلكم، وما هو كائن من الأمور.
ومعنى ﴿فاذكروني أَذْكُرْكُمْ﴾.
قال ابن عباس: " إذا ذكر الله العبدُ وهو على طاعته ذكره برحمته، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته ". وقال عكرمة: " يقول الرب: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الصبح ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما ". وقال ابن جبير: " اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة ". وقال الربيع في الآية: " إن الله ذاكر من ذكره، وزائد من شكره، ومعذب من كفره ".

وكان بعضهم يتأوله من الذكر والثناء والمدح.
وقيل: المعنى: اذكروني واذكروا نعمتي عليكم شكراً لها، أذكركم برحمتي والزيادة من النعمة.
وقال السدي: " ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله جل وعز، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب ". والذكر فيما روي عن عمر رضي الله عنهـ ذكران.
أحدهما أفضل من الآخر وهما: / ذكر الله عند أوامره ونواهيه، وذكر الله بلسانه بالثناء عليه.
فالأول أفضل، وكلاهما فيه فضل وأجر وثواب، إلا أن ذِكْر الله عند أمره ونهيه - فيفعل ما أمر به وينتهي عما نهى عنه - أفضل من ذكره باللسان مع مخالفة أمره ونهيه.
والفضل كله والشرف والأجر والثواب في اجتماعهما من الإنسان.
وهو ألا ينسى ذكر الله عند أمره فيأتمر، وعند نهيه فينتهي، ولا ينساه من ذكره بلسانه.
وكذلك الصبر صبران.
وهما: الصبر على الطاعة وعن المعصية، / والصبر على المصيبة.
والأول أفضل.

وقوله: ﴿واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾.
أي اشكروه على نعمة الإسلام والهدى ولا تجحدوا إحسانه إليكم ونعمه عندكم.
والشكر معناه الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة.
ومعنى الكفر التغطية للشي.
ثم قال: ﴿يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاة﴾.
هذه الآية حض من الله تعالى للمؤمنين على طاعته، واحتمال المكروه في الله عز وجل.
فالمعنى: استعينوا على طاعة الله بالصبر والتسليم لأمره في جميع ما يأمركم به، واستعينوا على ذلك أيضاً بالصلاة لأن بها تتقربون إلى الله سبحانه، فيجيب دعاءكم ويقضي حوائجكم.
قال قتادة: " احتجوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في انصرافه إلى الكعبة: [وقالوا: سيرجع محمد] إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا بالصبر

والصلاة ". وقيل: الصبر هنا الصوم، لأنه يقطع عن اللذات.
وقيل: الصبر هنا الصبر عن المعاصي.
﴿إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾: أي: ناصرهم وراض بفعلهم يظهر دينه على سائر الأديان لأن من كان الله معه فهو الغالب.
ثم قال / تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾.
هذا يدل على أنه لا يقال للشهيد ميت، إنما يقال: شهيد وقتيل.
فالمعنى: هم أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها.
قاله مجاهد.
قال قتادة: " كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارَف في طير [خضر تأكل من ثمار] الجنة، وأن مساكنهم السدرة، وأن للمجاهد في سبيل الله عز وجل ثلاث خصلات: من قتل في سبيل الله عز وجل منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً

عظيماً، / ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً ". قال الربيع: " هم أحياء في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاءوا.
منها يأكلون، من حيث شاءوا ". وقال عكرمة: " أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة ". وروى ابن عباس عن النبي [ صلى الله عليه وسلم] أنه قال: " الشُّهَدَاءُ عَلَى نَهْرٍ بِبَابِ الجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ ". ويُرْوى أنهم بباب الجنة في روضة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً.
[فنهى الله المسلمين أن يسموهم] أمواتاً وأمرهم أن يسموهم شهداء.

وعن النبي [ صلى الله عليه وسلم] أنه قال / في شهداء أحد: " هَؤُلاءِ الشُّهَدَاءُ، وَأَنَا عَلَيْهِمْ شَهِيدٌ، جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ في طَيْرٍ خضرٍ تَرْتَعُ فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ ". وقيل: المعنى: لا تقولوا: " هم أموات في دينهم، بل هم أحياء في دينهم ". والقول الأول عليه أهل العلم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات﴾.
أي: لنختبرنكم ولنمتحننكم بشدائد الأمور فيظهر من هو في الصبر والاحتساب على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم باقٍ، ممن ينقلب على عقبيه كما ابْتَلَيْتُكُمْ بتحويل القبلة.
وقد عدهم الله بذلك الامتحان في آية أخرى فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين / خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم﴾ [البقرة: 214] الآية إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. قال ابن عباس: " أخبر الله عز وجل المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصابرين﴾.
وأخبر في الآية الأخرى أنه هكذا فعل بأوليائه قبلهم لتطيب أنفسهم فقال: ﴿مَّسَّتْهُمُ البأسآء والضرآء وَزُلْزِلُواْ﴾ [البقرة: 214].

وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف﴾.
يعني خوف العدو.
﴿والجوع﴾: يعني القحط.
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الصابرين﴾: أي: الصابرين على الامتحان، ثم بيّنهم فقال: ﴿الذين إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
أي نحن وأموالنا له، ونحن إليه راجعون.
وقيل: معناه: ونحن مقرون بأن نبعث ونعطى الثواب على تصديقنا والصبر على ما ابتلينا به.
ثم قال: ﴿أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: مغفرة من ربهم.
وقيل: ترحم من ربهم ورحمة.
﴿وأولئك هُمُ المهتدون﴾.
قال الليث في قوله: ﴿إِنَّا للَّهِ﴾ الآية " معناها: نحن والذي أصبنا به لله ونحن وإياه إلى الله راجعون ".

/ قال ابن جبير: " لم يعط هذه الآية أحد من الأمم قبلنا ولا نبي قبل نبينا.
ولو علمها يعقوب عليه السلام لم يقل: ﴿يا أسفى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: 84].
وقال عكرمة: " انطفأ مصباح / النبي [عليه السلام] ليلة فقال: ﴿إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
فَقِيلَ: يَا نَبِيَّ اللهِ: أَمُصِيبَةٌ هَذِهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ آذَى المُؤْمِنَ فَهُوَ لَهُ مُصِيبَةٌ، / وَلَهُ فِيهِ أَجْرُ المُصِيبَةِ ". وروي أن النبي [ صلى الله عليه وسلم] قال: " مَا مِنْ أَحَدٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَاسْتَرْجَعَ إِلاَّ اسْتَوْجَبَ مِنَ الله ثَلاثَ خِصَالٍ؛ كُلُّ خَصْلَةٍ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ". قَال أبو عبيد: يعني قوله: ﴿أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون﴾.
قوله: ﴿إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله﴾.

إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
الصفا والمروة جبلان متحاذيان بمكة معروفان، ولذلك دخلت الألف واللام فيهما للتعريف.
وجمع الصَّفَا أَصْفَاء كَرَحَا وأَرْحَاء.
ويجوز في جمعه: صُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كَعَصَا وَعُصِيُّ وعِصِيٌّ.
وجمع مَرْوَة مَرْو [كَتَمْرَةٍ وَثَمْرٍ]، وإن شئت مَرَوَاتٍ كَتَمَراتٍ.
والصفا في اللغة الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً.
والمروة الحصاة الصغيرة.
وقوله: ﴿مِن شَعَآئِرِ الله﴾.
أي: من معالم الله التي جعلها لعباده مشعراً يعبدونه عندها إما بالدعاء وإما بالصلاة، وإما بأداء ما افترض عليهم من العمل عندهما.
وقيل: شعائر الله من أعلام الله التي تدل على طاعته من موقف ومشعر ومذبح، والواحدة شعيرة من " شَعَرْتُ بِهِ ".

وكان مجاهد يرى أن الشعائر جمع شعيرة من إشعار الله تعالى عباده ما يجب عليهم من طاعته، قال: " أَشْعَرْتُهُ بِكَذَا "، أي: أعلمته به.
وقال الطبري: " إنما أعلم الله عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنّها الله تعالى لهم، وأمر بها خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وهو [خبر يراد به] الأمر لأن الله سبحانه قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين باتباع ملة إبراهيم.
ثم قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
هذه الآية نزلت في سبب أقوام من المؤمنين قالوا في سبب أصنام كانوا يطوفون بها في الجاهلية قبل الإسلام تعظيماً لها: كيف [نطوف بها، وقد] علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل / شرك بالله سبحانه؟ فلا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله عز وجل.
فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ من أول الآية.

والجناح الإثم، مأخوذ من قولهم: " جَنَحَ عَلَيْه " إذا مال، و " جَنَحَ عَنِ الحَقّ " إذا مال عنه.
ومنه سمي جناح الطائر لأنه مائل في ناحية، وقوله ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: 32]: معناه يدك لأنها في موضع الجناح.
والهاء في (عَلَيْهِ) تعود على (مَنْ).
و " من " تصلح للحاج أو المعتمر.
قال السدي: " ليس عليه إثم، ولكن له أجر ". قال الشعبي: " كان على الصفا في الجاهلية صَنَم يسمى " إِسافٌ "، وعلى المروة وثن يسمى " نَائِلَةٌ "، فكانوا في الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوَثَنيْن.
فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام امتنع المسلمون من الطواف بالصفا / والمروة لأجل الصنمين، فأنزل الله عز وجل ﴿ إِنَّ الصفا والمروة﴾ الآية.
وذُكر الصفا لأن الصنم / الذي كان عليه مذكر - يعني إسافاً - وأُنِثَ المروة

لأن الوثن التي كانت عليه مؤنثة - يعني نائلة -. وقال أنس بن مالك: " كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية ". وقال عروة: " قلت لعائشة رضي الله عنها - وأنا يومئذ حديث السن -: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فما أُرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما ". قالت عائشة: كلا، لو كانت كما تقول كانت: " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " إنما نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة.
فلما جاء الإسلام، سألوا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله [جل ذكره]: ﴿إِنَّ الصفا والمروة﴾ الآية.
وهو قول مجاهد وابن زيد.

وعن ابن عباس أنه قال: " كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة.
فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله: لا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شرك / كنا نضعه في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقال قتادة: " كان حي تهامة في الجاهلية لا يسعون بين الصفا والمروة، فأخبرهم الله عز وجل أن الصفا والمروة من شعائر الله ". والحج في اللغة القصد.
يقال: " حججت إليه " بمعنى قصدت / إليه.
وقيل: الحج التكرر في الإتيان مرة بعد مرة.
فمن أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج.
فعلى هذا إنما قيل للحجاج حاج لإنه يتكرر إلى البيت وقت الدخول ووقت الإفاضة وفي غير ذلك.
وقيل للمعتمر متعمر، لأنه إذا طاف انصرف بعد زيارته.
فمعنى الاعتمار الزيارة، وكل من زار إنساناً فهو له معتمر، يقال: " اعْتَمرْتُ فُلاَناً "، أي: قصدته.
والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع

وسعى، وإن بَعُد، فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي مع تمام سعيه إذا رجع.
ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أن يجزيه دم إن نسي السعي بينهما، ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك.
وقال عطاء: " هو تطوع ولا شيء عليه إذا نسي ذلك ". واحتج بأن في قراءة ابن عباس: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وكذلك هي في مصحف ابن مسعود.
وكذلك روي عن أنس بن مالك أنه قال: " هو تطوع ". وروي ذلك عن مجاهد.

والعمل على القول الأول لإجماع المصاحف المعمول عليها، المجتمع على ما فيها من إسقاط " لا " منها كلها.
وإيجابها عن ابن عباس أشهر وأوضح.
والإسناد عن أنس ضعيف.
وجميع من قرأ على مجاهد من الأئمة المشهورين لم ينقل عنه إلا بغير " لا ". وقد روى جابر عن النبي [ صلى الله عليه وسلم] أنه: " لَمّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ قَالَ: " إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ "، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ ". ثم قال: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: شاكر له على تطوعه، عليم بما تطوع.
وقال ابن زيد: " معناه: فمن تطوع خيراً فاعتمر، فإن الله شاكر عليم، والعمرة / تطوع، والحج فرض ". ثم قال: ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى﴾.

يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وتركوا اتباعه مع كونه مذكوراً عندهم في التوراة والإنجيل موصوفاً.
وذكر عن ابن عباس أن معاذ بن جبل سأل بعض أحبار اليهود عن ما في التوراة من ذكر النبي عليه السلام فكتموه إياه، فأنزل الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ﴾.
إلى: ﴿اللاعنون﴾.
وهو قول مجاهد.
وقال قتادة: " هم أهل الكتاب كتموا الإسلام، وهو دين الله سبحانه وكتموا محمداً وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ". / وقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكتاب﴾.
يعني بالكتاب هنا: التوراة والإنجيل.
وهذه الآية وإن كانت خاصة لبعض الناس فإنها عامة لكل من سئل عن علم يعلمه فكتمه.
وقال النبي [ صلى الله عليه وسلم] " مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجَامٍ

مِنَ النَّارِ ". ثم قال: ﴿أولئك يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون﴾.
أي: أولئك الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم يلعنهم الله عز وجل بكتمانهم، أي: يبعدهم الله من رحمته ويطردهم.
وقوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون﴾.
قيل: معناه: ويسأل ربَّهم اللاعنون أن يلعنهم لأن كل لاعن إنما يقول: " اللهم العن هذا ". وقيل: اللاعنون البهائم؛ إذا أسْنَتَتِ السَّنَةُ، قالت البهائم: " هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم ". وقال عكرمة: " يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب / يقولون: منعنا

القطر بذنوب بني آدم ". وإنما جُمِعَ جَمْعَ السلامة على هذا القول، وهو ما لا يعقل لأنه لما أخبر عنهم بمثل ما يخبر عن بني آدم جمعهم كما يجمع بني آدم.
وقال قتادة: " اللاعنون هنا: " الملائكة والمؤمنون ". وقاله الربيع.
قال مقاتل " اللاعنون كل ما على وجه الأرض إلا الثقلين: الجن والإنس، وذلك أن الكافر إذا أدخل قبره ضربته / الملائكة بمقمعة حين تقول له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيصيح صيحة يسمعها كل ما على وجه الأرض من غير الجن والإنس، فلا تَقِر تلك الصيحة في سمع شيء إلا لعنه ". قال مجاهد: " اللاعنون البهائم ". ولما وصفت باللعنة: جاز جمعها بالواو والنون، وإن كانت لا تعقل.
وله نظائر كثيرة.
وقيل: / اللاعنون الملائكة الذين يسوقون أهل الكفر إلى النار.
والهاء في ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ تعود على اللعنة.

واللعن أصله الطرد والبعد من الرحمة.
قال مقاتل: " اللعنة النار ". وحسن ذلك عنده لما كانت عاقبة اللعنة المصير إلى النار.
وقال السدي: " اللاعنون ما عدا بني آدم والجن ". وروي عن البراء بن عازب: " أن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين: الجن والإنس ". / وهو قول الضحاك.
ويروى عن ابن مسعود أنه قال: " اللاعنون: الاثنان إذا تلاعنا ألحقت اللعنة مستحقها منهما، فإن لم يستحقها واحد منهما رجعت على اليهود ". وقيل: هذه اللعنة إنما تكون يوم / القيامة كما قال تعالى:

﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: 25].
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾.
أي تابوا من الكفر وأصلحوا أعمالهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وبيّنوا للناس أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو عندهم في كتابهم موصوف.
وقيل: المعنى: وبيّنوا التوبة بإخلاص العمل.
ثم قال: ﴿فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: أي: أقبل توبتهم.
﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾: أي على من تاب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ أي رحيم بالخلق أن أعذبهم بعد توبتهم من كفرهم.
ثم قال: ﴿إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله﴾.
أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته.
﴿والملائكة﴾: أي ولعنة الملائكة.

﴿والناس﴾: يعني قول الناس: ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله﴾.
وعني بالناس أجمعين هنا المؤمنون خاصة.
قاله قتادة والربيع.
وعن أبي العالية أن ذلك يكون يوم القيامة، قال: " إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون ". وهو اختيار الطبري واحتج بقوله تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18].
وقال السدي في قوله: ﴿والناس أَجْمَعِينَ﴾: " أنه لا يتلاعن إثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: " لعن الله الظالم " إلا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنه ظالم، فكل واحد من الخلق يلعنه ". ثم قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
أي: خالدين في جهنم باللعنة، لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ولا هم ينظرون لمعتذرة يعتذرون بها كما قال: ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: 35] ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36].

قاله أبو العالية.
[و] إنما جاء لفظ ﴿والناس أَجْمَعِينَ﴾ بلفظ العموم، وقد علم أن أهل دينهم لا يلعنونهم لأنهم وإن كانوا لا يقصدون باللعنة أهل دينهم فلا بد لهم أن يقولوا: " لعن الله الظالم " أو " الظالمين " فيدخل في ذلك كل كافر كائناً من كان.
ثم قال: ﴿وإلهكم إله وَاحِدٌ﴾.
أي: معبودكم أيها الناس واحد، لا معبود غيره يستحق العبادة.
﴿الرحمن الرحيم﴾ / أي: الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بأوليائه.
ومعنى " واحد " في صفته ونعته وأنه لا شبيه له ولا نظير.
وليس معناه واحداً في العدد لأن كل مفرد من المخلوقات واحد في العدد، فالمعنى أنه من فرد واحد في الألوهية والقدرة والصفات [لا ثاني] له.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ الآية.
هذه الآية فيها تنبيه من الله عز وجل لخلقه على قدرته ونعمه.
والآية دالة على

توحيده المقدم ذكره في الآية الأولى.
والمعنى: إن في رتبة هذه الأشياء وحدوثها وإحكام صنعتها لعلامات بينة، ودلالة واضحة على توحيد خالقها وإيجاب العبادة له دون غيره لقوم يعقلون.
وروي أن قوله: ﴿وإلهكم إله وَاحِدٌ﴾ الآية، لما نزلت، قال المشركون: " ما البرهان على ذلك ونحن ننكر ذلك، ونزعم أن لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ الآية، احتجاجاً عليهم فيما ادّعوا.
هذا قول عطاء.
والمعنى بهذه القدرة والآيات تعلمون أن الإله إله واحد لا تجب العبادة إلا له.
وقال أبو الضحى: " لما نزلت: ﴿وإلهكم إله وَاحِدٌ﴾ الآية، قال المشركون: إن كان هذه هكذا، فليأتنا بآية.
فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ الآية.
وروى ابن جبير " أن قريشاً سألت / اليهود عما جاءهم به موسى / من الآيات

/ فحدثوهم بالعصا وبيده بيضاء، وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى صلى الله عليه وسلم من الآيات، فحدثوهم أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.
فقالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: " ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزداد يقيناً ونتقوى به على / عدونا ". فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربّه، فأوحى الله عز وجل إليه: " إني أعطيهم أن أجعل لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كذبوا بعد، عذبتهم عذاباً لم أعذبه أحداً من العالمين ". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " دَعْنِي وَقَوْمِي فَأَدْعُوهُم يَوْماً بِيَوْمٍ فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ " الآية.
أي: إن في ذلك لآية لهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم آية.
وقاله السدي وغيره.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً﴾ إلى قوله: ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: ومن الناس من يعبد آلهة / وأصناماً من دون الله، يحبون الأصنام كحبهم لله.
أي يُسوّون بين الله وبين الأصنام في المحبة، والمؤمنون أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وجاءت الهاء والميم للأصنام وهي لا تعقل لأنها كانت عندهم ممن يعقل ويفهم، فخوطبوا على ما كان في ظنهم فأجريت مجرى من يعقل بالهاء والميم.

قال ابن مسعود: " قال رسول الله [عليه السلام]: " مَنْ مَاتَ يَجْعَلُ لله نِداً، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ "، وأنا أقول: " من مات لا يجعل لله نداً، أدخله الله الجنة ". وقيل: المعنى: يحبون الأصنام كحبكم أنتم الله، وأنتم أشد حباً لله من الكفار لآلهتهم.
وقيل: جاء ضمير الأصنام بالهاء والميم، وهي لا تعقل لأنهم لما عبدوها أنزلوها منزلة من يعقل.
وقال السدي: " الأنداد هنا ساداتهم الذين كانوا يطيعونهم كما يطيعون الله.
ثم قال: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾.
أي: ولو ترى يا محمد الذين كفروا وظلموا أنفسهم حين يرون عذاب الله لرأيت أمراً عظيماً، ولعلمت أن القوة لله جميعاً.

فجواب " لو " محذوف، وفتح " أن " على تقدير فعل محذوف وهو جواب " لو ". وقيل: إن " أنْ " فتحت بـ " تَرَى ". وهو قول المبرد والأخفش.
و" ترى " بمعنى تعلم، التقدير: " ولو يعلم الذين ظلموا جميعاً لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة دون الله ". وهذا إنما يكون على قراءة من قرأ بالياء.
وقيل: معنى: " ترى " تنظر، وأن التقدير: ولو تنظر يا محمد الذين ظلموا حين يرون العذاب لأقروا أن القوة لله.
وقيل: فتحت " إن " على تقدير اللام أي: لأن القوة لله، والجواب أيضاً محذوف تقديره: لعلموا مبلغ عذاب الله ونحوه.
ومن كسر " إِنّ " كسرها على الابتداء، وجواب " لو " محذوف أيضاً.

وقيل: إنَّ كسرَها على إضمار القول أي: " يَقولونَ: إِنَّ القُوَّةَ للهِ ". ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا﴾.
والمعنى: وإِن الله شديد العذاب حين تبرأ الذين اتُّبعوا - وهم سادات الكفار وأهل الرأي منهم الجبابرة - من الذين اتَّبعوا - وهم أتباع السادات.
﴿وَرَأَوُاْ العذاب﴾: أي: ورأى الجميع / عذاب الله وذلك كله في القيامة.
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب﴾.
يعني القرابات التي كانت بينهم في الدنيا والصداقات فلم ينتفعوا.
هذا قول قتادة وعطاء والربيع.
والهاء في " بِهِمْ " ترجع على التابعين والمتبوعين.
وكذلك الهاء في " يُرِيهِمْ " و " أعْمالِهمْ ". وقال السدي: " الذين اتبعوا هم / الشياطين تبرأُوا في القيامة ممن اتبعهم من الإنس ". وقيل: الآية عامة في كل من اتبع على شرك تبرأوا في الآخرة ممن اتبعهم.
قال مجاهد: " الأسباب: الوصايل والمودة ". وقاله ابن عباس.

قال قتادة: " صارت مواصلتهم في الدنيا عداوة يوم القيامة ". قال تعالى ذكره: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: 25].
وقال: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67].
وعن ابن عباس أيضاً: " أن الأسباب هي المنازل التي كانت لهم من أهل الدنيا ". وعنه أيضاً: " الأسباب: الأرحام ". وقال السدي: " الأسباب الأعمال التي كانوا يعملونها في الدنيا ". وقاله ابن زيد.
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب﴾: أعمال أهل التقوى.
وقيل: أعطوا [أسباب أعمالهم السيئة، وتقطعت بهم أسباب] أعمال أهل التقوى.
وأصل " السبب " الحبل يتعلق به إلى الحاجة التي لا يوصل إليها إلا

بالتعلق، ثم يقال لكل ما هو سبب إلى حاجة: سبب وإن لم يكن حبلاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾.
أي: وقال الأتباع: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنبرأ من هؤلاء القادة الجبابرة الذين اتبعناهم في الدنيا على الشرك كما تبرأوا منا الآن.
ثم قال ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ /. أي: كما أراهم الله العذاب وتبرأ بعضهم من بعض كذلك يريهم / أعمالهم حسرات عليهم: أي ندامات.
والمعنى: كذلك يريهم الله عذاب أعمالهم السيئة ليتحسروا على عملها.
قاله الربيع وابن زيد.
وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي افترضها الله عليهم في / الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها ليتحسروا على تركها.
قال السدي: " يرفع الله لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا الله، فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فيريهم الله

ذلك، فذلك حين يندمون ". وقال ابن مسعود: " ليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة؛ فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة فيقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة.
ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله مَنَّ عليكم ". فالمعنى على هذا: كذلك يريهم الله ثواب أعمالهم التي كانت / تلزمهم في الدنيا فتركوها وضيعوها حسرات عليهم.
والحسرة في اللغة: أشد الندامة.
ثم قال: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النار﴾.
أي: ليسوا يخرجون من النار أبداً، يعني به القوم الذين تقدمت صفتهم وتبرأ بعضهم من بعض، وتمنى بعضهم الرجعة إلى الدنيا.
وهذه الآية تدل على فساد قول من زعم أن عذاب الله عز وجل للكفار له نهاية.
وقوله: ﴿يا أيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً﴾.
أي: كلوا مما أحل الله لكم من الأطعمة على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.

قوله: / ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾.
قال ابن عباس: " خطواته: عمله ". وقال مجاهد: " خطاياه ". وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد.
أي: خطاياه التي يأمر بها ويدعو إليها.
وقال السدي: " خطوات الشيطان: طاعته ". وقال أبو مجلز: " هي النذور في المعاصي ". قوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
أي: ظاهر العداوة، فالمعنى: النهي عن اتباع ما يدعو إليه الشيطان مما هو خلاف لطاعة الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بالسوء﴾.
أي بما يسوؤكم، ولا تسركم عاقبته.
﴿والفحشآء﴾: أي: ما فحش ذكره مثل الزنا والكفر.

قال السدي: " السوء: المعصية، والفحشاء: الزنا ". ثم قال تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
أي ويأمركم أن تقولوا ذلك، وهو تحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوام التي كانت أهل الجاهلية تحرمه، ولم يأمر الله بذلك.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله﴾.
إلى قوله: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
الهاء والميم في " لهُمُ " تعودان على " من " في قوله ﴿مَن يَتَّخِذُ﴾.
وقيل: تعودان على " الناس " من قوله: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ﴾.
وهو اختيار الطبري.
وذكر ابن عباس أن النبي [عليه السلام] دعا نفراً من اليهود إلى الإسلام، ورغبهم وحذرهم عذاب الله.
فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ أي: وجدنا.

فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا﴾ الآية.
والمعنى: وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتبعوا ما أنزل الله؛ أي: اتبعوا ما حرم الله عليكم فحرموه وما [أحل الله] لكم فحللوه، ولا تحدثوا تحريم ما أحل الله لكم مثل البحائر والوصايل والسوائب والحوام التي قد حرمتم من عند أنفسكم، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأبوا إلا الكفر واتباع الكفر.
قال الله تعالى: / ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾.
أي: لا يعقلون شيئاً من الدين، ولا يهتدون إلى شيء من الخير تتبعونهم.
فالمعنى: كيف تتركون ما أمركم به الله عز وجل وتتبعون طريق من لا يهتدي للحق ولا يعقل الخير.
ثم قال: ﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾.
أي: مثل الكافر في قلة فهمه لما يتلى عليه من عند الله عز وجل وما يدعى إليه ويوعظ به، مثل البهيمة التي تسمع الصوت إذا نعق بها، ولا تعقل ما يقال لها.
قال عكرمة: " معناه: مثلهم كمثل البعير أو الحمار تدعوه فيسمع الصوت، ولا

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل