الفرقان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وبين الطوفان وبين موت نوح ثلاثمائة وخمسون سنة.
وبين نوح وإبراهيم ألفاً سنة ومائة سنة وأربعون سنة.
وبين إبراهيم وموسى سبعملئة سنة.
وبين موسى وداود خمسائة سنة.
وبين داود وعيسى ألف سنة ومائتا سنة.
قال وهب بن منبه: كان بين آدم ونوح عشرة آباء، وبين نوح وإبراهيم عشرة آباء.
قال عكرمة: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام.
قال القتيبي: قرأت في الإنجيل: أن بين إبراهيم وداود أربعة عشر قرناً، ومن داود إلى جالية بابل أربعة عشر قرناً، ومن جالية بابل إلى عيسى أربعة عشر قرن.
قوله: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ الآية.
[رسلاَ] نصب عطفاً على معنى ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾، لأن معناه إنا بعثناك وبعثنا رسلاً.
وقيل: هو منصوب بفعل يفسره ما بعده كأنه: وأرسلنا رسلاً قصصناهم عليك.
وقيل: المعنى: وقصصنا رسلاً قصصناهم عليك، والمعنى إنها معطوفة على ما
قبلها.
ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أنه أوحى إليه كما أوحى إلى من ذكر من الأنبياء، وكما أوحى إلى رسل قد قصهم عليه، وإلى رسل لم يقصهم عليه، تكذيباً لليهود إذ قالوا ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ ثم أعلمه أنه خص موسى بالكلام، وأكده بقوله ﴿تَكْلِيماً﴾ ليعلم أنه حقيقة لا مجاز، ولأن الفعل في كلام العرب إذا أكد بالمصدر علم أنه حقيقة لا مجاز.
قال كعب: كلم الله موسى بالألسنة كلها، فجعل موسى يقول: يا رب لا أفهم، حتى كلمه بلسان موسى آخر الألسنة.
وقوله: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ﴾ نصب على الحال من أسماء الأنبياء.
﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ﴾ أي كيلا يقولوا: هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: 134 - القصص: 47].
قوله: ﴿لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ.
. .﴾ الآية.
المعنى: إن جحدوا ما أنزل إليك يا محمد بأن قالوا: ﴿مَآ أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ فإن الله يشهد أنه أنزله إليك بعلم منه أنك خِيرته من خلقه ويشهد بذلك ملائكته
﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ أي اكتفوا به شهيداً على صدق نبيكم، أي: حسبكم ذلك.
وقيل معنى: ﴿بِعِلْمِهِ﴾ أي وفيه علمه، كما تقول: جائنا فلان بالسيف أي ومعه.
قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية في جماعة من يهود دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إني والله أعلم، أنكم لتعلمون أني رسول الله فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله ﴿لكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ ".
المعنى: إن الذين جحدوا نبوتك بعد علمهم بها ﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي: عن الدين الذي بعثك الله به، وهو الإسلام وهو قولهم: لمن سألهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ما نجد صفته في كتابنا، وقولهم: إن النبوة لا تكون إلا في ولد هارون، وذرية داود ﴿قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً﴾ أي قد جاروا عن قصد الطريق جوراً شديداً.
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ.
. .﴾. الآية.
المعنى: إن الذين جحدوا نبوة محمد، ووضعوا الحق في غير محله، ليس يغفر لهم الله ذلك، إذا ماتوا عليه، ولم يكن ليهديهم طريقاً إلى الحق، ولكن يخذلهم حتى يسلكوا طريق جهنم فيقيمون فيها، خالدين [فيها] أبداً.
وقيل معنى: ﴿[وَلاَ] لِيَهْدِيَهُمْ﴾ أي لا يوفقهم إلى الإسلام.
﴿وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ اي الخلق خلقه، والأمر أمره يفعل ما يشاء.
قوله: ﴿يا أيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ.
. .﴾ الآية.
﴿خَيْراً لَّكُمْ﴾ نصب عند سيبويه بإضمار فعل التقدير (وأتوا خير لكم).
وهو عند الفراء: نعت لمصدر محذوف.
وعند أبي عبيدة خبر كان، التقدير: يكن خيراً لكم.
وقيل: نصبه على الحال.
لأن التقدير: وآمنوا خيراً لكم، فلما حذف هو، الذي هو كناية عن مصدر يرتفع خير به، اتصل خبر بمعرفة قبله فنصب على الحال، وفي بعد، لأن خيراً غير جار على الفعل، ولا هو بمعنى الجار.
والمعنى: أنه خطاب لمشركي العرب وسائر أصناف الكفر.
والحق هو الإسلام.
والمعنى: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ أي: تجحدوا، رسالة صلى الله عليه وسلم وتردوها فعن ذلك لا يضر الله شيئاً.
لأن له ما في السموات والأرضين، فلن ينقصه كفركم شيئاً، ولم يزل الله عليماً بكم، وبما أنتم إليه صائرون وعاملون حكيماً في أمره إياكم.
قوله: ﴿يا أهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق.
. .﴾ الآية.
معنى ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ﴾: أي: آلهتنا ثلاثة.
﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ نصب ﴿خَيْراً﴾ عند سيبويه على إضمار فعل دل عليه الكلام لأنه أمرهم بالانتهاء عن الكفر والدخول في الإيمان، فالمعنى: وأوا خيراً لكم.
قال: لأنك إذا قلت أنتم فأنت تخرجه من شيء، وتدخله في آخر، ومثله عنده.
قواعد من سر حتى ملك ... أو الربا بينهما أسهلا
والمعنى: وآت أسهلا.
ومذهب أبي عبيدة أنه خبر كان، والتقدير يكن خيراً لكم، ورد ذلك المبرد
لأنه يضمر الشرط وإضماره لا يحسن.
ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف كأنه قال: انتهوا انتهاء خيراً لكم.
قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ انتصب انتصاب المصدر.
و ﴿أَن يَكُونَ﴾ إن في موضع [نضب] بحذف الخافض المحذوف، [والتقدير على أن يكون، وقد قيل: في موضع خفض بإعمال الخافض المحذوف].
ومعنى الآية: أنها خطاب للنصارى.
فمعنى: ﴿لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ أي: " لا تجاوزوا الحق في دينكم.
﴿وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله [إِلاَّ الحق]﴾ أي: لا تقولوا في عيسى إلا الحق فإن قولكم في عيسى غير الحق إذ تقولون إنه: ابن الله، فهذا قولهم على الله غير الحق.
و ﴿المسيح﴾ فعيل بمعنى مفعول بمعنى ممسوح وسمي بذلك لأن الله مسحه من الذنوب والأدناس.
وقد قيل: إنها لفظة أعجمية أصلها مشيحا فأعرب فقيل المسيح، وقد ذكرنا
ذلك في غير هذا الموضع بأشبع من هذا التفسير.
ومعنى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ﴾ الكلمة هنا الرسالة التي أمر الله ملائكته أن تأتي بها مريم مبشرة من الله لها التي ذكرها الله في آل عمران.
قال قتادة: كلمة [قوله] ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
ومعنى: ﴿أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ﴾ أعلمها بها وأخبرها، كما تقول: ألقيت إليك كلمة حسنة، بمعنى أعلمتك، بها.
ومعنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ أي: ونفخ منه، وذلك أنه حدث عيسى في بطن أمه بأمر الله، وتقديره من غير ذكر من نفخة جبريل عليه السلام في درع مريم بأمر الله إياه، فنسبه تعالى إليه لأنه عن أمره كان.
وسمي النفخ روحاص: لأنه ريح تخرج من الروح.
وقيل: معنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾: أنه كان بإحياء الله إياه بقوله ﴿كُنْ﴾ فمعناه وحياة منه.
وقيل: معنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ ورحمة منه كما قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22] فمعنى برحمة منه أي جعله رحمة لمن تبعه وصدقه.
كما قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾ [مريم: 20].
وقال أُبي بن كعب [في قوله] ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: 172] الآية.
قال: أخذهم فجعلهم أرواحاً، ثم صورهم ثم، استنطقهم، فكان روح عيسى عليه السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، والميثاق فأرسل تلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فحملت فهو قوله ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾.
وقيل: الروح في الآية معطوف على المضمر في ﴿أَلْقَاهَا﴾ والمضمر اسم الله، والروح اسم جبريل كان تقديره: ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم، كما قال:
﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: 193] وهو جبريل عليه السلام.
وقيل معنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ وبرهان منه لمن اتبعه، وذلك ما أنزل عليه من كتابه، وسمي البرهان روحاً، لأنه يحيى به من قبله
قوله: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح.
. .﴾ الآية.
﴿أَن﴾ في موضع نصب، أي: من إن، أو: عن إن.
والمعنى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح﴾ و ﴿لاَ الملائكة المقربون﴾ أن يقروا بالعبودية لله والإذعان له.
و ﴿المقربون﴾ هم من قرب منهم من الله في المنزلة لا قرب المسافة.
وقيل: هم من قرب منهم من السماء السابعة قاله الضحاك.
وفي هذا اللفظ دليل على فضل الملائكة على بني آدم.
ومعنى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ﴾ لن يتعظم ويستكبر.
﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ﴾ أي يتعظم من عبادته ويستكبر عنها.
﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ أي يبعثهم، فأما المؤمنون وهم المقرون بالوحدانية ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [بعد ذلك] تفضلاً منه.
[وذلك أنه تعالى [وعد] المؤمنين للحسنة عشر أمثالها، ثم يزيدهم تفضلاً منه] ما شاء غير محدود.
وقيل: الزيادة إلى سبعمائة ضعف، وقيل إلى ألفين.
قوله: ﴿وَأَمَّا الذين استنكفوا﴾ أي " تعظموا عن عبادته " ﴿واستكبروا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي مؤلماً.
﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: يستنقذهم من عذاب الله.