الصف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
بطاعة الإنس لهم.
وقالوا: ﴿وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا الذي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ وهو الموت.
(قَالَ) الله: ﴿النار مثواكم﴾ أي: مقامكم بها خالدين.
وقوله: ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ استثناءٌ ليس من الأول، والمعنى: إلا ما شاء الله من الزيادة في عذابكم.
وسيبويه يمثل هذا بمعنى " لكنَّ ". والفراء يمثّله بمعنى: " سوى ".
ومثله في " هود ": ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ أي: ما شاء من الزيادة، وقال الزجاج: معنى الاستثناء هنا إنِّما هو: إلاّ ما شاء رَبُّك من محشرهم ومحاسبتهم.
وقال
الطبري: المعنى فيه أنه استثنى مدة محشرهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك المدة التي استثنى الله تعالى من خُلُودِهِمِ في النَّار.
(و) قال ابن عباس: جعل الله أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إلى مشيئته، وروي عنه أنه قال: هذه آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، لا ينزلهم جنةٌ ولا ناراً.
وقال: هذا الاستثناء لأهل الايمان.
﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ﴾ العليم: هو العالم الذي كمل فيه علمه، والحكيم: / الذي قد أكمل في حكمته، ويكون " الحكيم ": الحاكم، أو بمعنى الحكم.
قوله: ﴿وكذلك نُوَلِّي بَعْضَ الظالمين بَعْضاً﴾ الآية.
المعنى: وكما فعلنا بهؤلاء ما ذكرنا، نجعل بعضهم لبعض ولياً على الكفر
بالله، استدراجاً لهم وجزاء على مخالفتهم أمر الله، وما اجترحوا من المعاصي.
قال مجاهد: يجعل بعضهم ولياً لبعض.
وقال قتادة: المؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أين كان وحيث كان.
وقيل: المعنى: يتبع بعضهم بعضاً في النار.
قال ابن زيد: المعنى: يسلط ظَلَمَةِ الجن على ظَلَمَةَ الإنس.
وقيل: المعنى: يجعل ظَلَمَةَ الجن أولياء لَظَلَمَةِ الإنس جزاء بما كانوا يكسبون، وهذا كقوله: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36] إلى ﴿فَبِئْسَ القرين﴾ [الزخرف: 38].
قوله: ﴿يامعشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ (الآية).
معنى الآية: أنها خبر من الله ما هو قائل لهم يوم القيامة، ومعنى:
﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ أي: يخبرونكم بحجتي وأدلتي على توحيدي، ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ أي: يحذرونكم لقاء عذاب يومكم هذا، وهذا تقريع يكون لهم يوم القيامة على ما سلف منهم.
قال الضحاك: أرسل الله إلى الجن رسلاً منهم بدلالة هذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾.
وقيل: معناه: أَنَّ (مِنْكُمْ) للإنس خاصة، والرسل من الإنس لا غير، وهذا كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22]، واللؤلؤ إنّما يخرج من الملح دون العذب.
وتأول ابن عباس أن رسلُ الإنس رسلٌ من الله، ورسل الجن رسلٌ (رسلِ) الله منهم، وهم النذر، وهم الذين سمعوا القرآن وَلَّوْا إلى قومهم منذرين.
فهذا قول حسن.
وقيل: إنه لما كانت الإنس والجن تخاطب وتعقل، قيل: ﴿رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ وإن كان من أحد النوعين، ومعنى (مِنْكُمْ): أي: منكم في الخلق والتكليف والمخاطبة.
(و) قرأ الأعرج ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ بالتاء، على تأنيث المخاطبة.
وقوله: ﴿قَالُواْ شَهِدْنَا﴾ أخبر الله عنهم بما يقولون يوم القيامة إذا قيل لهم ذلك، ومعنى الشهادة: أنهم شهدوا أن الرسل قد أتتهم بآياته وأنذرتهم عذابه، ولم يؤمنوا، ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا﴾ أي: غرتهم زينتها فلم يؤمنوا، ﴿وَشَهِدُواْ على أَنْفُسِهِمْ﴾ (بالكفر).
قوله: ﴿ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ (مُهْلِكَ) القرى (بِظُلْمٍ)﴾ إلى ﴿(يَعْمَلُونَ)﴾ [الآيتان].
﴿ذلك﴾ في موضع رفع على معنى: الأمر ذلك، هذا مذهب سيبويه.
وهو
عند الفراء في موضع نصب، (المعنى: فعل) ذلك.
والمعنى: لم يكن ربك - يا محمد - مهلك القرى بشرك من أشرك وأهل القرى غافلون عن شرك من أشرك، فمعنى ﴿بِظُلْمٍ﴾: بشرك قوم آخرين فيهم، وهذا مِثْلُ: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [فاطر: 18].
وقيل: المعنى: لم يكن الله يعاجل قوماً بالعقوبة قبل أن يرسل إليهم الرسل، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة، [فيقولوا]: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيظلمهم.
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ درجات مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ أي: ولكل عامل - في طاعة أو معصية - منازل ومراتب يبلغه الله إياها، إن خيراً فخيراً وإن شراً (فشراً) وليس الله بغافلٍ عما يعملون.
وروي عن النبي أنه قال: " الدَّرجةٌ في الجنَّةِ فوقَ الدرجةِ كما بين السماءِ والأرض، وَإِنَّ العَبْدَ - من أهلِ الجنةِ - لَيَرْفَعُ بصرَهُ فَيَلْمَع له برقٌ يكاد يَخطَف بصرَهُ، فيقول: ما هَذا؟ فيقال له: هذا نورُ أخيكَ فلان.
فيقول: أخي فلان!، كنا في الدُّنيا نعمَلُ جميعاً، وقد فُضِّلَ عَليَّ هَكذا! فيُقالُ: إِنَّهُ أفضلُ منكَ عملاً.
ثم يُجْعَلُ في قلبِه الرِضى فَيَرْضى بمنزلتِهِ ".
قوله: ﴿وَرَبُّكَ الغني ذُو الرحمة﴾ الآية.
المعنى: وربك - يا محمد - الغني عن عبادة من أَمَرَهُ بالعبادة، وطاعة من أمره بالطاعة؛ وهم المحتاجون إليه، لأن بيده موتهم وحياتهم ورحمتهم وعقابهم.
وقوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ معناه: إن يشأ الذي خلَق خلْقَه لغير حاجة منه إليهم، يذهبهم، أي: يهلكهم، ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ (أي) يأتي بخلقٍ غيرهم.
﴿كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾: أي: أنشأكم مكان خَلَقٍ آخرين، لم يرد أنهم من أصلاب قوم آخرين، انما المعنى: مكانهم.
كما تقول: " أعطيتك من دينارك
ثوباً "، بمعنى: مكان الدينار ثوباً، وليبس معناه: أن الثوب بعض الدينار.
وقرأ زيد بن ثابت (ذِرِيّةِ) بالكسر، وقرأ أبان بن عثمان (ذَريَّة) بفتح الذال وتخفيف الراء.
قوله: ﴿(إِنَّ مَا) تُوعَدُونَ لآتٍ﴾ الآية.
المعنى: أن الذي توعدون به - أيها المشركون - آت، أي: واقِعٌ بكم، ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: ليس تعجزون ربكم هرباً، (أنتم) في قبضته.
قوله: ﴿قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾ الآية.
المعنى: قل لهم يا محمد: اعملوا على مكانتكم: أي: على حيالكم وناحيتكم.
وقال القتبي: " على موضعكم ".
وتحقيق معناه: اعملوا على ما أنتم عليه، كما تقول للرجل: " اثبت مكانك "، أي: اثبت على ما أنت عليه.
وفي الكلام تهديد، فلذلك جاز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه، وهو الكفر، إنّما هو توعد وتهديد، كما قال: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً﴾ [التوبة: 82]، ودل على ذلك قوله: ﴿(فَسَوْفَ) تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار﴾، فالمعنى: اثبتوا على ما أنتم عليه إن رضيتم بالنار، فأنا عامل بما أمرني به ربي، فسوف تعلمون غداً من هو على الحق، وتكون له العاقبة الحسنة، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾.
وقوله: ﴿مَن تَكُونُ﴾: (مَنْ) في موضع رفع على أنه استفهام، وفعل " العلم "