الشعراء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الناس قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ.
. .﴾ الآية.
المعنى: إنه خطاب لجميع الملل.
ومعنى: ﴿بُرْهَانٌ﴾ أي حجة.
ومن أجل تذكير البرهان في اللفظ قال ﴿قَدْ جَآءَكُمْ﴾ ولم يقل قد جاءتكم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم هو حجة على جميع الخلق.
﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ أي القرآن.
قوله: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ﴾ أي تمسكوا بالنور وهو القرآن فالهاء تعود على القرآن.
وقيل: معنى ﴿واعتصموا بِهِ﴾ أي اقتنعوا بكتابه عن معاصيه.
﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ أي: يوفقهم لإصابه فضله، ويهديهم لسلوك طريق من أنعم عليه من أهل طاعته.
وقال بعض الكوفيين في نصب الصراط: إنه على القطع من الهاء في إليه.
وقيل: معنى ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى ثوابه.
والهاء في إليه تعود على الله جل ذكره.
وقيل: تعود على الفضل.
وقيل: على الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب والرحمة في قول مقاتل: الجنة.
قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة.
. .﴾ الآية.
قوله: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ﴾ أي: كراهة أن تضلوا قاله المبرد.
وقال الكسائي والفراء: المعنى: لئلا تضلوا.
وروى ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يَدْعُوَنَّ أحدكم على ولده، أن يوافق من الله إجابة " المعنى: لئلا يوافق.
وقيل: المعنى: يبين الله لكم الضلالة لتجتنبوه.
ومعنى الآية: أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة، فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ.
. .﴾ الآية.
والكلالة من لا ولد له ولا والد من الموتى، فهو اسم للميت الذي لم يترك ولداً ولا والداً.
وقيل: الكلالة اسم للورثة الذين لا ولد فيهم ولا والد، وقد مضى ذكر هذا بأشبع من هذا.
وقيل: إنها نزلت في جابر بن عبد الله عاده النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، قال جابر: فقلت يا رسول الله: كيف أقضي في مالي؟ وكان له تسع أخوات ولم يكن له ولد ولا
والد، قال: فلم يجبني النبي صلى الله عليه وسلم بشيء حتى نزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية.
وقال الفراء وأنس: هي آخر آية نزلت من القرآن.
وقال جابر: نزلت في المدينة.
وقيل نزلت في سفر كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى حكمها: أن من مات لا ولد له ولا والد ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ إن مات وليس لها ولد ولا والد، وللاثنين فأكثر من أخيهما الثلثان.
فإن ترك إخوة ذكوراً وإناثاً ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ والأخ للأب يقوم مقام الأخ للأب والأم عند عدمه، وكذلك الأخت.
وقوله: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ فيه قولان:
قال الأخفش: التقدير: فإن كان من ترك اثنتين ثم ثنى الضمير على معنى من.
وقال المازني: فائدة الخبر هنا أنه لما قال ﴿كَانَتَا﴾ كان يجوز أن يكون الخبر صغيرين، أو كبيرين، فلما قال ﴿اثنتين﴾ اشتمل على الصغير والكبير فأفاد ذلك.
الهداية إلى بلوغ النهاية لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 347 هـ المجلد الثالث المائدة - الأنعام 1429 هـ - 2008 م
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
قال علقمة: ما كان في القرآن ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ فهو نزل بالمدينة، وما كان ﴿يا أيها الناس﴾ فهو نزل بمكة.
وهذا قول جرى من علقمة على معنى أن الأكثر كذلك، وليس يصحب ذلك في كل القرآن، بل " قد " يكون في المدني ﴿يا أيها الناس﴾ وفي المكي ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾.
ولكن ما كان فيه ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ فهو مدني، وما كان (فيه) ﴿يا أيها الناس﴾ ولَيْسَ فِيه ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ فهو مكي، وفي " النور " اختلاف.
قوله ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصيد﴾ نصب على الحال من المضمر في ﴿أَوْفُواْ﴾ يراد به التقديم، وقيل: هو حال من الكاف والميم " في قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾.
وقيل: من
الكاف والميم " في ﴿عَلَيْكُمْ﴾.
ومعنى الآية الأولى - من هذه السورة - أن العقود: العهود التي (قد) كان عاهد بعضهم بعضاً بها في الجاهلية من النصرة والمؤازرة، أمروا في الإسلام أن يوفوا بها، قال ذلك ابن عباس ومجاهد والضحاك / وقتادة والسدي والثوري.
وروي أن النبي عليه السلام قال: " أَوْفوا بِعَقْدِ الْجاهِلِيَّةِ وَلا تُحدِثوا عَقْداً في الإِسْلامِ ".
وقال الكلبي: العقود هنا الفرائض وما أُحِلَّ لهم وما حرم عليهم.
وقيل: هو كل شيء عقده الإنسان على نفسه: من حج أو يمين أو هبة أو عتق أو نكاح أو طلاق أو شبه ذلك.
وكل طاعة ألزمها الإنسان نفسَه، فليس له أن يخرج منها حتى يُتِمَّها، وعليه القضاءُ إن قطعها من غير عذر.
" و " قال ابن جريج: هي العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد، فهي لأهل الكتاب خاصة، وكان في كتاب رسول الله الذي بعثه إلى نجران: هذا بيانٌ من الله ورسولِه: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود﴾ إلى ﴿سَرِيعُ الحساب﴾.
وقال زيد بن أسلم: العقود - في هذه الآية - " سِتَّة ": " عهد الله وعقد الحلف وعقد الشركة وعقد البيع وعقد النكاح وعقد اليمين ".
(و) قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾ " الآية.
" قال الحسن: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم ". وقال قتادة والسدي والضحاك: بهيمة الأنعام: ﴿الأنعام﴾ كلُّها.
وقال ابن عمر: بهيمة الأنعام: ما في
بطونها.
قال عطية: هو بمنزلة كبدها يؤكل، وسئل ابن عمر عنه يخرج ميتاً، فأجاز أكله، يريد بعد ذكاة أمه، (لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ذَكاةُ الْجَنينِ ذَكاةُ أُمِّهِ ").
فأما إِن خَرجَ ميّتاً - والأم حية - فلا يؤكل أَلبتَّة، وقال ابن عباس مثل ذلك.
وروي " عن " الضحاك أن بهيمة الأنعام الوحش مثل (الظباء والحمر) وشبهه.
والأنعام - في اللغة - يشتمل على الإبل والبقر والغنم، وسميت الأنعام بهيمة، لأنها أُبْهِمَت عن التمييز.
وقوله ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ أي: فإِنَّه حرام، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة (والدم)﴾ [المائدة: 3] وما بعدها.
وقيل: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ هو الخنزير.
وقيل: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ هو الدم المسفوح، لأنه أحلها ثم حرّم دمها.
﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾: الحُرم جمع حرام، " وحرام " بمعنى مُحرِم.
وهذه الآية - على عدد المدني، من أول السورة إلى ﴿يُرِيدُ﴾ - فيها خمسة أحكام:
- الأول قوله: ﴿أَوْفُواْ بالعقود﴾.
- والثاني قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام﴾.
- والثالث قوله: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾.
- والرابع قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
- ودل على أن الصيد حلال لغير المحرم، فهو الحكم الخامس.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ الآية.
قوله: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ مصدر أصله الفتح، و [لكن] من أسكن جعله اسماً.
وقد توهم أبو عبيدة وأبو حاتم أن من أسكنه جعله مصدراً، فأنكراه على ذلك، وليس هو عند من أسكن مصدراً، بل هو اسم " ككسلان " و " غضبان ".
وقرأ يحيى بن وثاب ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بالضم.
وهي عند الكسائي لغتان: " أَجرَم " و " جَرَم "، ولا يعرف البصريون " أجرم " إلا في الجنابة.
ومن قرأ ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ بالكسر، فالمعنى: " ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا إن صدّوكم "، فالصد لم يكن بعد.
وفي حرف ابن مسعود شاهد للكسر، لأنه قرأ (إِن يَصُدّوكُم)، ومثله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ﴾ [محمد: 22].
ومن قرأ بالفتح، احتج أن الصد قد كان، وذلك أن الآية نزلت عام الفتح، سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست /، فالصدّ كان قبل الآية.
وقيل: " إِنْ " بمعنى " إذْ "، فهو صَدٌّ قد كان، فالكسر أولى به، ويدل على الكسر قوله: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله [وَلاَ الشهر الحرام] وَلاَ الهدي وَلاَ القلائد﴾ ولا كذا ولا كذا، فهو أمر للمؤمنين ألا يعتدوا إنْ صَدّ لهم، ولو كان الفتح الصواب لكان نَهْياً للمشركين ولم يقل ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾، وقد جعل النحاس هذه الحجة حجة للفتح، وهو خطأ، إنما
تكون حجة للكسر.
ومعنى الآية: أن الله نهى المؤمنين أن يحلوا شعائره، وهي معالمه وحدوده التي جعلها علماً لطاعته في الحج.
وقال عطاء: شعائر الله حرماته، حضهم على اجتناب سخطه واتباع طاعته.
وقال السدِّي: شعائر الله حرَم الله.
وقال ابن عباس: " شعائر الله مناسك الحج ".
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ نهاهم أن يرتكبوا ما نهى عنه المحرمَ أن يصيبه.
وواحد الشعائر: شعيرة، وقيل: هي " فعيلة " بمعنى: " مُفعَلَة ".
قال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا.
قال الأصمعي: أشعرتها: أعلمتها.
ابن قتيبة: الإشعار أن [يُجَلَّلَ] ويُقلَّد ويُطعَن في سنامه ليُعلَم بذلك أنه هدي، فنهى الله أن يستحلوه قبل أن يبلغ مَحِلَّه.
وقيل: الشعائر العلامات بين الحِلِّ والحَرم، فنُهوا أن يجاوزوها غير مُحرِمين، وهو مشتق من قولهم " شَعر فُلانٌ بالأمرِ " إذا علم به.
قال زيد [بن] أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن.
قال: والحرمات خمس: الكعبة الحرام، والبلد [الحرام]، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحرِم حتى يَحِلَّ.
وقال الكلبي: كان عامة العرب لا يَعُدُّون الصفا والمروة من الشعائر، ولا
يقفون في حجهم (عليهما، وكانت الحُمْسُ لا يرون عرفات من الشعائر ولا يقفون بها في حجهم)، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وغيرها.
وقوله: ﴿وَلاَ الشهر الحرام﴾ أي: لا تستحلوه بأن تقاتلوا فيه [أعداؤكم]، وهو مثل قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217].
وعنى بالشهر الحرام رَجَب مُضَر، كانت مضر تحرّم فيه القتال.
وقيل: عنى به ذا القعدة.
وقيل: إنهم كانوا يُحرّمونه مرة ويُحلّونه مرة، فنهوا
عن تحليله.
وقوله ﴿وَلاَ الهدي وَلاَ القلائد﴾: أما الهدي فهو ما أهداه المؤمن من بعير " أو بقرة " أو شاة إلى بيت الله، حرّم الله سبحانه أن يُغْصَب أهله عليه أو يمنعوا أن يبلغوه محلّه.
وقوله ﴿القلائد﴾ أي: لا تحلوا الهدايا المقلدات ولا غير المقلدات، فقوله ﴿الهدى﴾ هو ما لم يقلد، وقوله ﴿القلائد﴾ هو ما قلد منها.
وقيل: القلائد هو ما كان المشركون يتقلدون به - إذا أرادوا الحج مُقبلين إلى مكة - من لحاء السَّمِرُ فإذا انصرف تقلد من الشَّعَر، فلا يعرض له أحد.
وقيل: إنه كان يأخذ معه من شوك الحرم فلا يعرض له أحد.
قال قتادة: كان الرجل - في الجاهلية - إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلد من السَّمُر فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلا يعرض له أحد.
وقال عطاء وغيره: كان الرجل إذا خرج من الحرم تقلد من لحاء شجر الحرم فيأمن، فأمر الله المؤمنين ألا [يحِلُّوا] من تقلد بذلك.
وهو منسوخ، وكذلك / قال السدي وابن زيد.
وقيل: إنما نهى الله أن يُنزع شجر الحرم فيُتَقلّد به على ما كانت الجاهلية تصنع.
فالتقدير على هذه الأقوال: ولا أصحاب القلائد.
وقيل: كان الرجل إذا خرج من أهله حاجاً أو معتمراً - وليس معه هدي جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر فَأمِن بها إلى مكة، وإذا خرج من مكة علق في عنقه من لحاء شجر مكة فيأمن بها إلى أهله.
وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا يطوفون بينهما: فأنزل الله ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ أي: لا تستحلوا ترك ذلك، ﴿وَلاَ الهدي﴾ أي: لا تعرضوا لهدي المشركين، ﴿وَلاَ القلائد﴾ أي: لا تستحلوا من قلد بعيره، وكان أهل مكة يُقَلِّدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يقلدون بالوبر، وقوله ﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام﴾ أي: لا تستحلوا منع القاصدين للبيت الحرام.
وقرأ الأعمش (ولا آمِّي البَيْتِ) بالإضافة.
وقيل: المعنى: ولا تستحلوا منع قصد القاصدين البيت.
و" هذه الآية [نزلت] في رجل من ربيعةَ يقال له الْحُطَم " بن هند - كافرٍ، أتى حاجاً، قد قلد هديه، فأراد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إليه فنزلت الآية، فنهاهم الله (عن) ذلك.
قال ابن جريج: " قدم الحُُطَمُ البكري على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني داعِيةُ قومي وسَيِّدُ قومي، فأْعْرِض عَلَيَّ ما تقول، فقال له النبي: أدعوك إلى الله أن تعبده: لا تشرك به (شيئاً) وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.
قال الحطم: في أمرك غِلظة، أَرجعُ إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرتَ، فإن قبلوا أقبلتُ معهم، وإن أدبروا كنت معهم.
قال له النبي: ارْجِعْ.
فلما خرج قال: لقد دخل عليَّ بِوجهٍ كافرٍ وخرج عنّي بقفاً غادِرٍ، وما الرجل بمسلم.
فَمَرّ على سَرْح لأهل المدينة، فانطلق به وقَدِم اليمامة وحضر الحج، فتجهز [خارجاً]- وكان عظيم التجارة - فاستأذن أصحابُ النبي أن يتلقّوه ويأخذوا ما معه "، فأنزل الله عز وجل ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ الآية.
والحُطَم هذا هو القائل:
قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطم ... ليس براعي إبلٍ ولا غَنَم
ولا بِجَزَّارٍ على ظَهْرِ وَضَمٍ ... باتوا نِياماً وابنُ (هندٍ لَمْ) ينَمْ
(بَاتَ يُقاسيها) غُلامٌ كالزَّلَم ... خَدَلَّجَ (السَّاقَيْن) مَمْسوحَ الْقَدَم
وقيل: اسم الحُطم [ضُبَيْعَة] بن شرحبيل البكري، قال ذلك إذ ساق السرح وهرب به.
وقال ابن زيد: جاء ناس يوم الفتح يَؤُمّون البيت بعمرة وهم مشركون، فقال المسلمون: نُغِيرُ عليهم، فنزل ﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام﴾.
قال الشعبي: هذه الخمسة الأحكام منسوخة، كأنه يريد [أنها] نسختها ﴿[فاقتلوا] المشركين﴾ [التوبة: 5]، قال الشعبي: ولم ينسخ من سورة المائدة غير هذه.
وكذلك قال ابن عباس وقتادة في ﴿ولا آمِّينَ البيت الحرام﴾: أمر ألا يمنع مشرك من الحج، ثم نسخ ذلك بالقتل.
وقال ابن زيد: هذا كله منسوخ بالأمر بقتالهم كافة.
(و) قال قتادة: نسخ من المائدة ﴿لا آمِّينَ البيت الحرام﴾، نسخه آية القتل
في " براءة ".
ومن قال: نزلت كلها في شأن الحطم، قال: هي منسوخة.
ومن قال: الشعائر حدود الله ومعالمه، قال: هي محكمة.
وأما (الشهر الحرام) فهو منسوخ أيضاً، لأن الجميع قد أجمعوا على أن الله تعالى قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها.
(و) قوله / ﴿وَلاَ القلائد﴾ منسوخ، لأن المشرك لو تقلد بجميع شجر الحرم لم نؤمّنه الآن: إجماع من الأمة، فهو منسوخ.
وقد قيل: إن المائدة لم ينسخ منها شيء، لأنها آخر ما نزل فيما ذكرت عائشة رضي الله عنها.
وقد قال البراء: آخر سورة نزلت " براءة " وآخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ آخر النساء.
وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾
قال قتادة: هي للمشركين يلتمسون فضل الله ورضوانه عند أنفسهم وفيما يُصلح شأنهم في الدنيا خاصة.
قال ابن عباس: يترضون الله بحجِّهم عند أنفسهم، وقال مجاهد: يبتغون الأجر والتجارة.
وقيل: هي للمسلمين، فهي محكمة، لأن المشرك لا يبتغي رضوان الله وفضله بحجه.
وكونها في المشركين أبين في أقوال المفسرين وأكثر.
قوله ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا﴾ هذا إباحة (وليس بحَتْمٍ).
قال عطاء بن (أبي رباح): [أربع رخصة وليس بعزيمة]:
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا﴾، ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184].
﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: 36]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض﴾ [الجمعة: 10].
قوله ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ المعنى: لا يحملنّكم بغض قوم أن
تعتدوا من أجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، هذا على قراءة الفتح، ومن كسر فمعناه: إن فعلوا ذلك بكم فيما تستقبلون.
والقوم - هنا - أهل مكة صدوا النبي عليه السلام ومن معه عن المسجد الحرام يوم الحديبية.
وقيل: معنى ﴿" وَ " لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم.
وقوله ﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ قيل: إنها نزلت في النهي عن الطلب بِنُحول الجاهلية أمروا ألا يطالبوا بما (مضى من أجل أنهم صُدُّوا عن البيت، فيحملهم البغض [أن] يطالبوا بما) تَقدَّم في الجاهلية من قتل أو غيره.
ثم أُمروا أن يتعاونوا على
البر والتقوى، والبِرُّ: ما أُمِرْتَ به، والتقوى: ما نُهيتَ عنه: قاله ابن عباس.
وقال سهل بن عبد الله: " البر: الإيمان، والتقوى: السنة ". ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان﴾ ﴿الإثم﴾: الكفر، ﴿والعدوان﴾: البدعة.
﴿واتقوا الله﴾ أي: خافوه إنه شديد العقاب.
قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير﴾ الآية.
المعنى: أن الله تعالى حرم [أكَلَ كل] ما مات من الأنعام وغيرها قبل التذكية، وحرم الدم المسفوح ولحم الخنزير [مُذَكّى] أو غير [مُذَكّى] وحرم ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ وهو (ما ذبح) للأصنام والأزلام وشبهها مما أريد به غير الله، ومما تُعُمِّدَ في وقت ذبحه تَركُ ذكر اسم الله عليه، وحرم ﴿المنخنقة﴾ وهي التي
تَخْتَنِقُ بحبل أو بين حجرين أو عودين - ونحو ذلك - فتموت قبل التذكية، وحرم ﴿والموقوذة﴾ وهي التي تموت من ضرب عصا أو حجر أو [غير] ذلك فتموت قبل التذكية، وحرم ﴿والمتردية﴾ وهي التي تسقط من جبل أو في بئر ونحو ذلك فتموت قبل التذكية، وحرم ﴿النطيحة﴾ وهي التي تموت من نطح شاة أخرى لها، أو من نطحها لشاة أخرى، وكانوا يأكلون ذلك في الجاهلية من غير تذكية.
واختلف في ﴿النطيحة﴾ فقيل: (هي) " فعلية " (بمعنى " مفعولة " وقيل هي) بمعنى " فاعلة "، ولذلك ثبتت الهاء (فيها).
وقال الفراء: إنما ثبتت الهاء، لأنه ليس قبلها مؤنث فتحذف الهاء لدلالة المؤنث على التأنيث، إنما تحذف إذا كان قبلها ما يدل على التأنيث.
وحرم ﴿وَمَآ أَكَلَ السبع﴾ وهو أن [يؤخذ] منه وقد أكل بعضها وليس مما علّم / للصيد.
وكان سبب ذكر هذه الأشياء أن العرب الجاهلية كانت تضرب الشاة بالعصا حتى تموت وتأكلها، وكانت تأكل ما لحقت من الشاة وغيرها في فم الأسد، وكانت تخنق الشاة بالحبل حتى تموت وتأكلها، وكانت تأكل جميع ما ذكر الله تحريمهُ، فأنبأنا الله بتحريمه، وهذه حجة من أجاز أكل جميع ذلك إذا ذكى وفيه حياة على أي: حال كان.
قوله ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ اختلف العلماء في هذا الاستثناء: فأكثرهم على أنه مستثنى ذكر تحريمه، كأنه حرم علينا جميع ما ذكره إلا ما أدركنا ذكاته وفيه شيء من روح.
وأكثر الفقهاء على أن ما أدرك من جميعه فذكيّ وتحركت رجله أو طرف بعينه أو علم أنه بقيت (فيه) حياة، فإنه يؤكل.
ومنهم من يرى أن هذا الاستثناء إنما هو من التحريم، لاَ مِنَ المحرمات المذكورة، كأن تقديره: إلا ما أحله الله لكم بالتذكية، وهو مذهب أهل المدينة، فيكون المعنى: إلا ما ذكيتم مما ذكر مما تُرجى له الحياة لو ترك، لا ما ذكيتم مما لا ترجى (له) الحياة لو ترك، فكل ما أصيب من ذلك في مقتل، فلا تنفع فيه الذكاة وإن أدرك
وفيه حياة، هذا مذهب مالك وأهل المدينة.
ويدل على صحة هذا القول أن هذه الأشياء المذكورات بالتحريم لو كانت لا تحرم إلا بالموت قبل الذكاة، لكان قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ يغني عن ذكر ما بعده، ولا يكون لِذكرِ ما بعد الميتة فائدة.
وقد قال المخالف: الفائدة في ذكر ما بعد الميتة وهو من الميتة ما تقدم ذكره من أن (أهل) الجاهلية كانت تخنق الشاة حتى تموت وتأكلها وتضرب الشاة حتى تموت وتأكلها، فأعيد ذكرها بعد الميتة لهذا السبب.
وقد سئل مالك عن الشاة يخرّق بطنها وتدرك (و) فيها حياة، قال: لا أرى أن تذكى ولا تؤكل، وكذلك مذهبه في كل ما تيقن أنه لا يعيش مما نزل به: أنه لا يذكى ولا يؤكل إن ذكي وفيه بعض حياة.
وأصل التذكية - في اللغة - التمام، يقال: " لفلانٍ ذَكاءٌ " أي: تمام الفهم، " وذَكَّيْتُ النار ". أتْمَمْتُ إيقادَها.
وقرأ الحسن: (السَّبْع) بالإسكان، وهي لغة أهل نجد.
وأجاز مالك أكل ذبيحة السارق، ومنعه غيره.
ولا يؤكل ما ذبحه المُحْرِم من صيد، لا يأكله هو ولا غيره عند مالك وغيره، بخلاف ما ذبح السارق.
وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم﴾ مخصوص، لأن الدم الذي هو غير مسفوح - كالكبد وما أشبهه - حلال،
" وأحل النبي صلى الله عليه وسلم أكل الحيتان والجراد والميتة "، فالدم خصصه قوله في " الأنعام " ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ [الأنعام: 145]، والميتة خصصتها السنة.
وقوله ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ حرم الله ما ذبح ليقرب إلى الأصنام، وقيل: النصب حجارة يذبح عليها أهل الجاهلية ويعبدونها.
قوله ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام﴾: أي وحرم ذلك عليكم، وهو أن أحدهم
(كان) إذا أراد سفراً أو غزواً أجال القداح - وهي الأزلام - وكانت مكتوباً على بعضها " نهاني ربي "، وعلى بعضها، " أمرني ربي "، فإذا خرج القدح الذي عليه النهي لم يسافر، وإذا خرج الذي عليه الأمر سافر.
وقيل: الأزلام حصىً بيض كانوا يضربون بها.
وقيل: الأزلام كعاب فارس كانوا يتقامرون بها.
وقيل: هي الشطرنج.
ومعنى ﴿تَسْتَقْسِمُواْ﴾ تستدعوا القِسْمَ، كما تقول: استسقى إذا استدعى
السقي، والاستقسام من القِسْم، كأنهم يطلبون بها النصيب من سفرٍ أو بركة على ما يريدون.
وقال ابن إسحاق: كانت هبل أعظم صنماً لقريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة يروى أن إبراهيم وإسماعيل حفراها ليكون فيها ما يهدى إلى الكعبة من حلي وغيره، وكانت عند هبل سبعة أقداح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه " العقل " إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، وقدح فيه " نعم "، إذا ضربوا به فخرج " نعم " عملوا به، وقدح فيه " لا " فإذا أرادوا