الحديد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿دَانِيَةٌ﴾ وقف إن رفعت " الجنات "، ﴿وَيَنْعِهِ﴾ تمام.
قوله: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾ الآية.
﴿الجن﴾: مفعول أول لِ (جَعَلوا)، و ﴿شُرَكَآءَ﴾: مفعول ثان، ويجوز " أن يكون ﴿الجن﴾ بدلاً من ﴿شُرَكَآءَ﴾ "، والمفعول الثاني: اللام في (لله) وما عملت (فيه)، وأجاز الكسائي رفع (الجن) على معنى: هم الجن.
وقرأ يحيى بن يعمر: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ بالنصب وإسكان اللام، على معنى: وجعلوا لله خَلْقَهُم شركاء، لأنهم يخلقون الشيء، بمعنى: يقدرونه ويعبدونه.
ومعنى: ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ): اختلقوا كذباً.
والتشديد فيه معنى التكثير.
ومعنى الآية: أن المشركين جعلوا الجن شركاء لله، كما قال عنهم {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: 158]، ومعنى جَعلِهم الجن شركاء لله: أنهم أطاعوهم كطاعة الله.
وقيل: نسبوا إليهم الأفاعيل التي لا تكون إلا لله.
قال ابن جريج: هم الزنادقة.
وقال القتبي: هم " الزنادقة جعلوا إبليس يخلق الشر، والله يخلق الخير ".
ومعنى الآية ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾: أي: والله خلقهم، والهاء والميم تعود على الفاعلين
/ ذلك.
﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وبنات (بِغَيْرِ عِلْمٍ)﴾ قالت العرب: الملائكة بنات الله، وجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون، وهم البنون، وقال اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله كذباً واختراقاً منهم.
﴿سبحانه﴾: أي: تنزيهاً له عما يقولون، ﴿وتعالى﴾ عن ذلك.
قوله: ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَد﴾ الآية.
المعنى: هو بديع السماوات، أي: (مبتدعها ومحدثها) بعد أن لم تكن.
﴿أنى يَكُونُ لَهُ وَلَد﴾ أي: من أي: وجه يكون له ولد ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة﴾؟ أي: إن الولَدَ إنما يكون للذَّكَر من الأنثى، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، فيكون له وَلد، لأنه خالق كل شيء.
وقيل: المعنى: من أين يكون له ولد وولد كل شيء يشبهه، ولا شبيه لله.
وهو خالق كل شيء، وهو عليم بكل شيء، لا يمكن أن يكون وَلدٌ لِمَن هذه صِفَته، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
قوله: ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية.
والمعنى: فذلكم الذي ذكرت صفته هو الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء.
وقد تعلق القائلون بخلق القرآن بقوله: ﴿خالق كُلِّ شَيْءٍ﴾، قالوا: القرآن شيء، فهو داخل تحت الخلق.
وقد جرت هذه المسألة بين عبد العزيز بن يحيى المكي وبين بشر
ابن غياث المريسي القدري بحضرة المأمون، اختصرت الحكاية لطولها:
قال عبد العزيز: قلت لبشر: ما حجتك في خلق القرآن؟، وانظر: إلى أَحدّ سهمٍ في كنانتك فَاْرمِنِي به.
قال: فقال لي بشر: تقول: إن القرآن شيء أم غير شيء؟.
(قال عبد العزيز): فقلت له إن كنتَ تريد أنَّه شيء إثباتاً للوجود ونفياً للعدم، فَنَعَم هو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم لذاته وأنه كالأشياء فلا.
قال له بشر: قد أَقْرَرْتَ أنه شيء وادّعيتَ أنه لا كالأشياء، فأت بنصٍ على ما زَعَمتَ.
قال عبد العزيز: فقلت: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40]، فبِقولِه تكون الأشياء، وليس هو كهي.
وإنما تكون الأشياء بقوله وأمْرِه.
فقولُه خارج
عن الأشياء المخلوقة، ألا ترى إلى قوله: ﴿أَلاَ لَهُ الخلق والأمر﴾ [الأعراف: 54]، فجمع في لفظة " الخلق " جميع المخلوقات، ثم قال: ﴿والأمر﴾ يريد الذي كانت به هذه المخلوقات كلها.
والأمر غير المخلوقات، وهو قوله: ﴿كُنْ﴾ [النحل: 40].
وقال (الله) تعالى: ﴿لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: 4] أي: من قبل الخلق ومن بعد الخلق.
وقد أخبر عن الأشياء المخلوقات في غير موضع من كتابه، وأنه خلقها بأمره وقوله، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بالحق﴾ [الأنعام: 73]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ [الحجر: 85، الأحقاف: 3]، والحقُّ هو كلامُه.
فأمُره، كلامُه، وكلامُه: أمرُه، وأمرُه: الحقُّ، والحقُّ: أمرُه، وكلامُه: الحقُّ، والحقُّ: كلامُه.
فهذا يدل على أن كلامه لا كالأشياء المخلوقة، لأنها به كانت (وحَدَثَت).
وأما ما يدل على أنه " شيء " فقوله: ﴿إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 93]، فدل على أن الوحي شيء، ودل ما تَقدَّم على أنه لا كالأشياء.
قال بشر: قد زعمت أن الله يخلق الأشياء، وادّعيتَ أنَّها تكون بقوله، وأنَّها
تكون بالحق، وأنَّها تكون بأمره، وهذا متناقض.
قال عبد العزيز: إِنّ قولَه هو كلامُه، وقولَه هو الحقُّ، وأمرَه هو كلامُه: فالألفاظ الثلاثة ترجع إلى معنى واحد، كما سمى كلامه: نوراً وهدىً وشفاءً ورحمةً و ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾، وكله يرجع إلى شيء واحد، [كذلك ذاك.
وكما سمى نفسه: فرداً صمداً واحداً]، وهو شيء واحد لا كالأشياء.
وهذا إنّما منعه بِشْر لجِهلِه بِلُغةِ العرب.
قال بشر: (لَستُ) أَقْبَلُ لغةَ العرب، ولا أَقَبل إلا النص.
قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله﴾ [الفتح: 15]، ثم قال: ﴿كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: 15]، فسمى القرآن كلامه، ثم سماه: قوله، وقال: ﴿وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: 91]، فسمى القرآن حقاً، وقال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق﴾ [الأنعام: 66]، وقال:
﴿لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ [يونس: 94]، ومثل هذا كثير.
قال بشر: قد أقررت يا عبد العزيز أن القرآن شيء على صفة ما، وقد قال تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْ﴾ [الأنعام: 102، الرعد آية 16، الزمر آية 62، غافر آية 62]، وهذه لفظة لم تدع شيئاً من الأشياء إلا أدخلته في الخلق، ولا يخرج عنها شيء، قد تقَصَّتْ جميع الأشياءِ، فصار القرآن مخلوقاً بنص القرآن.
قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25]، فهل أبقت الريح - يا بشر - شيئاً لم تدمره؟
قال بشر: لا.
قال عبد العزيز: فقلت له: قد - والله - أَكْذَب الله قائل هذا بقوله: ﴿فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25]، فأخبر أن مساكنهم كانت باقية وهي أشياء كثيرة، وقال تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم﴾ [الذاريات: 42]، وقد أتت على الجبال والشجر والأرض فلم تجعله رميماً، وقال عز وجل: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 23]، يعني بلقيس، فهل
أوتيت ملك سليمان وهو أضعاف ملكها؟.
فهذا تكسير لقولك يا بشر.
ولكن ما تقول - يا بشر - في قوله تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: 166]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: 255]، وقال: ﴿أُنزِلَ بِعِلْمِ الله﴾ [هود: 14].
وقال: ﴿وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: 11، فصلت: 47]!، فأخبر تعالى أن له علماً.
أفتقرُّ - يا بشر - أن له علماً كما أخبر في كلامه أو تخالف التنزيل؟.
فعلم بشر أنه (إنْ) قال: " له علم "، فيقول له: أهو داخل في الأشياء المخلوقة أم لا؟.
فإن قال: " دخل "، كفر.
وإن قال: لا.
أجاز ما منع في الكلام.
وأبى أن ينفي العلم فخالف التنزيل، فحاد، ثم قال: معنى علمه: أنه لا يجهل.
قال عبد العزيز: لم أسألك عن هذا، قد علمت أن الله لا يجهل، انما سألتك:
هل تثبت له علماً كما أثبته لنفسه؟، وليس نفيك السوء - يا بشر - عن الله يوجب إيجاب المدح، لأن قولك: " هذه الأسطوانة لا تجهل " ليس هو إثباتاً أن لها علماً.
ولم يمدح الله ملكاً (ولا نبياً ولا مؤمنا بِنَفِي الجهل) ليدل على (أنه) إثبات العلم، وإنما مدحهم بالعلم، فقال: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 12]، ولم يقل: " لا يجهلون "، وقال لنبيه: ﴿(وَتَعْلَمَ) الكاذبين﴾ [التوبة: 43]، ولم يقل: " ولا تجهل "، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ [فاطر: 28]، ولم يقل: " الذين لا يجهلون "، فمن أثبت العلم نفى الجهل، وليس (كل) من نفى الجهل أثبت العلم، (و) على الخلق جميعاً أن يثبتوا ما أثبت الله لنفسه.
فقال بشر: أتقول: ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: 75، لقمان: 28] وإن له (سمعاً وبصراً) كما أثبت (له عِلْماً)؟.
قال عبد العزيز: فقلت: إنما على الناس أن يُثبتوا ما أثَبتَ، وينفوا ما نفى، ويُمسكوا عن ما أمسك الله.
فأخبرنا تعالى أن له علماً، فقلت: " له علم "، ولم يخبرنا أن له سمعاً ولا بصراً، فأمسكنا عن ذلك.
فقال بشر: قد زعمت أن لله علماً، فما معنى علم الله؟.
/ قال عبد العزيز: هذا ما لا يعلمه إلا الله، قد تَفرَّد بذلك، وقد أمرني بشر أن أترك قول الله وأَمرَه، واتبع أمر الشيطان، لأن الله أخبر عن الشيطان أنه (يأمرنا أن) نقول (على) الله ما لا نعلم، وحرم الله علينا أن نقول عليه ما لا نعلم بقوله: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169، الأعراف: 33]، فقد اتبع بشر طريق الشيطان، وارتكب ما حرم الله علينا.
قال عبد العزيز: فانقطع بشر، فقلت له: يا بشر، ألست تقول إن لله نَفْساً بقوله: ﴿واصطنعتك لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]، وبقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28، 30]؟.
قال بشر: نعم له نفس كما أخبرنا.
قال عبد العزيز: فقلت له: قال الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ (الموت)﴾ [آل عمران: 185]، أفتقول - يا بشر - إن نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس المخلوقة؟.
فأبى بشر من القول بذلك، فقال له عبد العزيز: وكذلك كلام الله ليس بداخل في الأشياء المخلوقة.
فسكت بشر.
قال عبد العزيز ثم قلت له: القرآن نزل على أربعة أخبار:
- خبر مخرجه مخرج الخصوص، ومعناه الخصوص، كقوله: ﴿اسجدوا لأَدَمََ﴾ [البقرة: 34، الأعراف: 11، الاسراء: 61، الكهف: 50، طه: 166]، وكقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ﴾ [آل عمران: 59]: هذا خاص في لفظه ومعناه.
- والثاني: خبر مخرجه مخرج العموم، ومعناه معنى العموم، كقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾ [النمل: 91]، فكل شيء له، مخلوقاً كان أو غيرَ مخلوقٍ، وصفاته له، وخلقه له.
- والثالث: خبر مخرجه العموم ومعناه الخصوص، نحو قوله: ﴿يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ [الحجرات: 13]، و (النّاسُ) يجمع آدم وعيسى وغيرهما، ولم يكونا من ذكر وانثى.
ومنه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156] وهي لم تَسَع إبليس والكفار، لقوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ﴾ [ص: 85]. - والرابع: (خبر) مخرجه الخصوص ومعناه العموم، كقوله: ﴿وَأَنَّهُ (هُو (َ رَبُّ الشعرى﴾ [النجم: 49]، فخص " الشعرى "، والمعنى: أنه رب كل شيء: الشعرى وغيرها، ولكن خصّها الله باللفظ، لأنهم كانوا يعبدونها.
فهذا اختصار بعض ما جرى بينهما، فنرجع إلى ما كنا فيه.
قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: قال الفراء: الوكيل: الكافي.
ومنه قولهم: " ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل﴾ [آل عمران: 173]، أي: كافينا الله ونعم الكافي ". وقال قتادة: الوكيل: الحفيظ.
وقيل: الوكيل: الولي.
وقيل: الرب.
وقيل: الكفيل.
قوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ الآية.
قال ابن عباس: معناه: لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها.
وليس معناه: لا تراه، كما زعمت المعتزلة القدرية، وقد قال الله عن فرعون: ﴿إِذَآ أَدْرَكَهُ الغرق﴾ [يونس: 90] فوصف بأن الغرق أدرك فرعون) ولم يخبر أنه رآه، لأن الغرق ليس مما يُرى، فليس الإدراك هو الرّؤيةَ، وقد يرى الشيءُ الشيءَ ولا يُدرِكه، كما حكي عن أصحاب موسى حين قرب منهم أصحاب فرعون: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]، وكان أصحاب فرعون قد رأوا أصحاب موسى، ولم يكونوا
ليدركوهم، لأن الله قد وعد نبيَّه أنهم لا يُدرَكون بقوله: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾ [طه: 77]، ولذلك قال لهم موسى: (كَلاّ) أي: ليس يُدرِكونا، فليس (قوله): ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ بمعنى: لا تراه الأبصار.
وإنما معناه: لا تحيط به الأبصار، لأنه غير جائز أن تحيط به الأبصار، ومثل هذا وصفه بأنه يُعلم ولا يحاط به.
/ وقيل: معناه: لا تراه الأبصار في الدنيا، قال السدي وغيره.
والكلام على جواز رؤية الله جل ذكره في الآخرة يطول، وبجوازه يقول أهل السنة والجماعة، و (به) تواترت الأخبار وتتابعت الروايات عن النبي
عليه السلام، وهو معنى قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22، 23]، وهو المفهوم من قوله تعالى في الكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]، فلو كان الخلق كلهم محجوبين عن ربهم، ما خص ذكر الكفار بالحجاب.
وفي تخصيصه الكفار (بالحجاب) دليل على أن المؤمنين غير محجوبين عن ربهم، فأما قول من قال: إن معناه: " عن رحمة ربك " وقال في (الآية الأخرى): " إلى رحمة ربها ناظرة "، فهو قول متقاحم بالباطل، مُدَّعٍ ما ليس لفظُه في الكلام، مُخرِج للخطاب عن ظاهره، متكلِّف إضمارَ ما ليس في الكلام عليه دليل، ألْجَأَهُ إلى ذلك كله نَصْرُ باطله (بباطل مثله)، أعاذنا الله من ذلك كله.
وقيل: معنى (الأبصار) هي في هذا: أبصار العقول، كما قال: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ [الأنعام: 104]، فالمعنى: لا يدركه نفاذ العقول فتتوهمه وتُكيّفه إذ ليس كمثله شيء متوهّم محدود.
قوله: ﴿وَهُوَ اللطيف الخبير): (اللطيف)﴾: مشتق من اللطف وهو التأني يقال: " أُلطُفْ لِفُلانٍ في هذا الأمرِ "، أي: " تأن له " من وجه يَخلُص (منه) إلى بغيته، (فالله لطيف بالخلق) حتى صاروا إلى ما يصلحهم.
وقيل: ﴿اللطيف﴾
هو الذي فعل أفعالاً لطيفة، و ﴿الخبير﴾: العالم بالشيء.
فهو لطيف لإِحْكامهِ الخَلْقَ، وهو العظيم، لأنه خلق الخلق العظيم.
قوله: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ الآية.
المعنى: أن الله أمر نبيه أن يقول للمشركين ذلك.
والبصائر: الهدى.
وقيل: الآيات الدالة على الهدى.
﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ أي: استدل وعرف نفع نفسه، ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾: أي: من ضَلّ فعلى نفسه، ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: لست عليكم برقيب أحصي أعمالكم، إنما أنا مُبلِّغ.
وقيل: المعنى: (لست) آخذُكم بالإيمان أخذَ الوكيل عليكم، وهذا قبل الأمرِ بالقتال، فلّما أُمِر النبي بالقتال، صار حفيظاً ومسيطراً على كل من تولى.
وقيل: المعنى لم أُؤْمَرْ بحفظكم عن أن تَهلكوا.
قوله: ﴿وكذلك نُصَرِّفُ الآيات وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ الآية.
المعنى: وكما صرفنا لكم الحجج والعلامات فيما تقدم مثل ذلك أفعل في كل ما جهلتموه ولم تعرفوه، ومعنى (نُصَرّف): نبيّن.
وقوله: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ أي: " ولئلا يقولوا درست ".
وقيل: المعنى: وليقولوا درست صرفناها، لأنهم لما آل أمرهم بَعدُ - (عند تصريف الآيات) - إلى أن يقولوا لمحمد: " درست ". صار كأنه إنما صرَّفها ليقولوا ذلك، مثل ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ﴾ [يونس: 88]، و ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً (وَحَزَناً)﴾ [القصص: 8] وشبهه، وأهل اللغة
يسمون هذه اللام لام الصيرورة، لأن السبب الذي " صيرهم ليقولوا له ": " درست "، هو تصريف ﴿الآيات﴾.
ومعنى (دَرَسْتَ): قَرأْتَ وتَعلَّمْتَ كتب الأولين.
ومن قرأ (دارَسْتَ) فمعناه: قارَأْتَ أهل الكتاب فتعلمت منهم وتعلموا منك.
ومن قرأ (دَرَسَتْ) / بإسكان التاء، فمعناه: تقادمت وَاّمَحتْ، أي: الذي
تتلوه علينا قد مَرَّ بنا قديماً و (تطاولت) مدته.
وروى الحسن: (دَارَسَتْ) بألف وإسكان التاء.
ولا يجيزها أبو حاتم، لأن الآيات لا تدارس.
ومعنى الآية عند غيره: وليقولوا: دارستك أمتك.
﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: صرفناها لنبين القرآن لقوم يعلمون.
فالهاء (في) ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ للقرآن، وقيل: للتصريف.
قوله: ﴿اتبع مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ الآية.
المعنى: أن الله أمر نبيه باتباع القرآن والإعراض عن المشركين ثم نسخ ذلك بآية القتال في " براءة ".
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكُواْ﴾ الآية.
أعلم الله نبيه أنه لو شاء الله لهداهم فلم يشركوا.
وقيل: المعنى: لو شاء لأنزل عليهم آية تضطرهم إلى الإيمان.
ثم قال لنبيه: وما أرسلناك عليهم حفيظاً، أي: إنما أرسلناك مبلغاً، لم ترسل لتحفظ عليهم أعمالهم، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي: بِقَيّم تقوُمُ بأرزاقهم وأقواتهم.
وهذا كله قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نُسخَ الأمرُ بالقتال هذا كله.
قوله: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ الآية.
﴿عَدْواً﴾: مصدر، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله.
وفي قراءة المكيين: ﴿عَدْواً﴾ جعلوه واحداً يدل على الجمع، كما قال: ﴿إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ [النساء: 101]، ونصبه على الحال.
وقد روي عنهم: (عُدُوّاً) بضمتين، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة، ونصبه على المصدر، يقال: عدا يعدو عَدْوا (وعُدُوّاً) وعُدْواناً.
ومعنى الآية: أن المشركين قالوا: لتنتهن عن سَبّ آلهتنا أو نهجو ربكم، فأمر (الله) المسلمين ألا يسبوا آلهتهم لئلا يسبوا الله جهلاً منهم بخالقهم ورازقهم.
(ثم قال تعالى): ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ (أي) كما زيّنَا لهؤلاء عبادة الأوثان، كذلك زيَنّا لكل جماعةٍ - اجتمعت على عمل من الأعمال، طاعة أو معصية - عَمَلَهم، ثم مرجعهم بعد ذلك إلى الله فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم عليها.
قوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم﴾ الآية.
المعنى: أن الله جل ذكره لمّا نزّل في " الشعراء " ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4]، أقسم كفار قريش: ﴿لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربَّك أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فأنزل الله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وهو خطاب للمؤمنين السائلين النبي في ذلك.
وقيل: معنى الآية: أن الكفّار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية، وحلفوا ليؤمنن إِنْ أتت، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربك أن ينزلها (عليهم) حتى يؤمنوا،
(فأنزل الله): وما يشعركم أيُّها المؤمنون بذلك؟، أي: بصحة قولهم (ثم قال) مستأنفاً مخبراً عنهم - بما يفعلون لو نزلت -: إنها إذا جاءت لا يؤمنون.
وهذا معنى الكسر، وهو الاختيار عند أكثر النحويين.
وهذه الآية هي التي توعّدوا بها / في الشعراء في قوله: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4]، فقال الله لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله﴾ وهو القادر على إنزالها.
والذي سألوه هم أنهم قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.
فسأل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك،