الحجر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
به ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
قال ابن جريج: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بالله﴾: من يؤمن بالله.
قال ابن العباس: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذه الآية ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، ونزلت ﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾.
وروي أن شاس بن قيس كبير اليهود دس على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان بينهم من الحروب والدعاء طمعاً أن يقرف إلفتهم، فلما ذكروا بذلك ثار بينهم سر حتى أخذوا السلاح، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووعظهم وذكرهم بالله والإسلام، فرجع القوم، وعلموا أنها نزعة من الشيطان، فبكوا وتعانقوا [وانصرفوا] مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآيات في توبيخ أهل الكتاب على فعلهم وتذكير الأنصار ووعظهم.
قوله ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
هذا خطاب للمؤمنين، ومعنى ﴿اتقوا الله﴾ راقبوه ودوموا: على طاعته.
ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي: حق خوفه وهو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر،
قال السدي وطاووس وقتادة، وغيرهم.
﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾: لربكم.
وعن ابن عباس ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
وعن قتادة إنها منسوخة بقوله: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ وكذلك قاله الربيع ابن أنس، وقاله السدي وابن زيد.
وأهل النظر على أن هذا لا نسخ فيه لأن الأمر بالتقوى لا ينسخ ولكنه خفف بالآية الأخرى.
ومعنى ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ﴾ أي: كونوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت، وليس ينهاهم عما لا يملكون ولكن هذا معناه.
وحكى سيبويه: لا أرينك هاهنا، وهو لم ينه نفسه، وإنما المعنى لا يكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه.
قوله: ﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾.
أي: تعلقوا بأسباب الله ﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ أي: تمسكوا بدين الله.
والحبل في اللغة الذي يتوصل به إلى البغية.
قال ابن مسعود: حبل الله الجماعة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كتاب الله حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض ".
وقيل: حبله، عهده وأمره، وأكثر المفسرين على أنه القرآن، وقال أبو العالية حبل الله الإخلاص والتوحيد.
وقال ابن زيد: حبل الله: الإسلام.
وقال القتبي: حبل الله: دينه.
وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " أيها الناس عليكم بالطاعة، والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الطاعة والجماعة هو خير مما
تحبون في الفرقة "
وهذا تذكير للأنصار إذ كانوا يقتتلون في كل شهر فلما أتى الإسلام واجتمعوا عليه ألف الله بينهم وزالت العداوة التي كانت بينهم عشرين ومائة سنة، وقد كانوا بني عم.
ومذهب البصريين أن ﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ﴾ تمام الكلام، ومذهب الكوفيين أن ﴿إِذْ كُنْتُمْ﴾ متصل بـ ﴿واذكروا﴾.
﴿وَكُنْتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النار﴾، هذا مثل لما كانوا عليه من الكفر، أنقذهم الله من ذلك بالإسلام.
وشفا الحفرة: طرفها.
وقيل: ﴿فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم قاله السدي، فالآية للأنصار خاصة لما أزال الله عنهم من القتل الذي كان بينهم.
وقيل: هي لقريش لأن بعضهم كان يغير على بعض فلما دخلوا في الإسلام حرمت عليهم الأموال والدماء فأصبحوا إخواناً.
والهاء في ﴿مِّنْهَا﴾ تعود على النار، وقيل على الحفرة.
قوله ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير﴾ الآية.
معناها: ولتكن منك أيها المؤمنون جماعة مستقيمة يدعون [الناس] إلى الخير، وهو الإسلام، ويأمرونهم بالمعروف أي: باتباع محمد عليه السلام.
وما جاء به، وينهونهم عن المنكر، وهو التكذيب لمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به أولئك الذين يكونون هكذا من المفلحين.
وقيل: إن [من] هاهنا لبيان الجنس، ولأن المعنى ولتكونوا كلكم أمة مستقيمة يدعون إلى الخير.
[ومن] مؤكدة أن الأمر للمخاطبين ومثله ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 30] فلم يأمرهم باجتناب بعض الأوثان وإنما المعنى: فاجتنبوا الأوثان فإنها رجس، فكذلك لم يأمر بعض المؤمنون بالدعاء إلى الخير دون البعض إنما أمرهم كلهم، ودل على ذلك قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ [آل عمران: 110].
وقال من زعم أن [من] للتبعيض، إنما أمر الله بعض المؤمنين بالدعاء إلى الخير، لأن الدعاء ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون الناس إليه، وليس كل الخلق علماء، فالأمر واقع لمن فيه علم، وهو بعض الناس، فمن للتبعيض على أصلها.
والأمة: الجمعة، والقائمة: المستقيمة، الطريقة الصحيحة: الديانة.
وقرأ عثمان بن عفان رضي الله عنهـ: [وينهون عن المنكر ويستعينون بالله [على] ما أصابهم " زاد خمس كلمات، وما يقرأ بذلك اليوم لأنه خلاف لخط المصحف المجمع عليه] ".
قوله: ﴿(وَلاَ تَكُونُواْ) كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا﴾ حذر الله المؤمنين أن يكونوا مثل اليهود الذين اختلفوا في كتابهم وتفرقوا فرقاً.
أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالجماعة، وينهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالاختلاف والمراء والخصومات في دين الله.
وقال الحسن: هم اليهود والنصارى اختلفوا في دينهم فنهانا الله عن مثل ذلك.
ثم أخبر أن هؤلاء المختلفين لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه أي: عذاب عظيم في هذا: اليوم الذي تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه.
ويجوز في غير القرآن كسر التاء في ﴿تَبْيَضُّ﴾ و ﴿وَتَسْوَدُّ﴾.
ومعنى تبيض: تشرق كما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: 38 - 39] فهي تشرق لما تصير إليه من [النعيم، وتسود وجوه من أجل ما تصير إليه] من العذاب.
قوله ﴿أَكْفَرْتُمْ﴾ معناه: فيقال لهم أكفرتم؟ قال جماعة من العلماء: عنى بهذا بعض أهل القبلة من المسلمين وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي.
فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ".
قال أبو أمامة ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ﴾: (هم) الخوارج.
وعن أبي بن كعب أنه قال صاروا يوم القيامة فريقين: يقال لمن اسود وجهه:
أكفرتم بعد إيمانكم وذلك الإيمان هو الذي كان قبل الاختلاف حين أخرجهم من ظهور آدم وأخذ منهم عهدهم وميثاقهم، فقال الله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: 172] فأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، ثم لما خرجوا إلى الدنيا كفروا، فيقال لهم يوم القيامة: ﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فالآية عنده للكفار خاصة.
قال: والآخرون فقاموا على إيمانهم المتقدم فهم في رحمة الله خلوداً.
وقال الحسن: ﴿فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ﴾ هم المنافقون أظهروا الإيمان وأسروا الكفر.
واختار الطبري قول أبي بن كعب أن يكون للكفار، ويكون الإيمان هو الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من ظهور آدم كالذر فأقروا بأنه ربهم ثم كفروا بعد ذلك.
وذكر النحاس في قوله: ﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال: عنى بها اليهود بشروا بالنبي صلى الله عليه وسلم واستفتحوا به قبل بعثه فكان ذلك منهم إيماناً، فلما بعث كفروا به هذا معنى قوله.
قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ الله﴾ أي: في ثواب رحمة الله وهي الجنة وتأولها مالك في أهل الأهواء.
وروى أبو أمامة: أنها في الحرورية، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة، ولا
اثنتين، ولا ثلاثاً، ولا أربعاً، حتى بلغ سبعاً.
وروى عبد الملك بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله تبارك وتعالى: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية مسودة وجوههم زرقاً عيونهم قد دلعوا ألسنتهم يسيل لعابهم على صدورهم يقذرهم كل من في القيامة فيقولون: ما لنا؟ ما عبدنا شمساً، ولا قمراً، ولا وثناً، فيأتيهم النداء من عند الله صدقتم ما عبدتم شمساً ولا قمراً
ولا وثناً ولكن جاءكم الكفر من حيث لا تحتسبون ".
قوله ﴿تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: هذه آيات الله تتلى عليكم يا محمد بالحق.
. .
وليس يريد الله أن يظلم أحداً من خلقه.
أعيد ذكر الاسم في الآية لأنه أفخم ولأنه لا يقع فيه أشكال إذ هذا الاسم إنما هو للرب لا يشركه فيه أحد.
وقال الكوفيون: إنما أعيد ظاهراً، لأن كل واحد من الاثنين في قصة مفارق معناها للأخرى وليس مثل قول البيت في قول الشاعر:
" لا أرى الموت يسبق الموت شيء ". ... لأن الثاني من تمام الأول وإنما أظهر في البيت اضطراراً وليس كذلك الآية.
قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية.
قال ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وقيل: هو خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم.
وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ ابن جبل.
وقال الحسن وغيره: الخطاب لأمه سيدنا محمد عليه السلام كلهم وكانوا يقولون نحن آخرها وأكرمها على الله.
وعن الحسن أنه قال: معناها كنتم خير الناس للناس.
وقال أبو هريرة في معناها: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعماقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وروي أن النبي عليه السلام قال " ألا إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله " وقال يوماً وهو مسند ظهره إلى الكعبة: " نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها ".
وقيل: كان زائدة، والمعنى أنتم خير أمة بمنزلة قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ﴾ [البقرة: 142] أي: أنت عليها وبمنزلة ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين﴾ [النمل: 142]، وقد ذكر هذا كله في مواضعه وفي بعضه اختلاف.
وقيل: المعنى كنتم في اللوح المحفوظ خير أمة، ومثله
﴿واذكروا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً﴾ [الأعراف: 85] أي إذ أنتم.
وقيل المعنى: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف أي: إذا كان هذا حالكم
فأنتم خير أمة.
ومعنى: ﴿تَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ تشهدون ألا إله إلا الله وتقرون بما أنزل الله وتنهون عن المنكر تقاتلون على ذلك.
والمنكر: هو التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به هذا قول ابن عباس.
وأصل المعروف هو فعل كل ما كان مستحسناً جميلاً غير مستقبح.
قوله: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ الآية هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم معناه لم يضروكم أيها المؤمنون أهل الكتابين ﴿إِلاَّ أَذًى﴾ بألسنتهم لا غير يسمعونكم تكذيب نبيكم صلى الله عليه وسلم وقوله البهتان في عيسى وعزير صلى الله عليهما وسلم، وهو استثناء منقطع.
وإن قاتلوكم ولُّو الأدبار وانهزموا ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾، فهذا وعد من الله أن أعداء [هم] لا ينصرون، وأنهم هم المنصورون.
قوله ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة أَيْنَ مَا ثقفوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله﴾ الآية.
معناها: ألزم الله المكذبين بمحمد الذلة وهي الصغار حيثما وجدوا، فهم تحت أقدام المسلمين لا منعة لهم فهم في ذلة وخوف ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله﴾ [أي بسبب من الله].
أو بسبب من المؤمنين، فإنهم يأمنون على أنفسهم، وذرياتهم، والذلة لا تفارقهم، والسبب هو العهد إذ عوهدوا.
وتقدير الآية عند الكوفيين إلا أن يعتصموا بحبل من الله وحبل من المؤمنين، ولذلك دخلت الباء وهي متعلقة بهذا الفعل المحذوف.
وقال بعض الكوفيين - أيضاً -: هو استثناء من الأول محمول على المعنى لأن المعنى ضربت عليهم الذلة بكل مكان إلا بموضع من الله.
وقال بعض البصريين: هو استثناء ليس من الأول.
وقوله: ﴿أَيْنَ مَا ثقفوا﴾ تمام، ثم قال: ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله﴾ أي: لكنهم (يعتصمون) بحبل من الله.
قوله: ﴿وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾، أي: تحملوا وانصرفوا ورجعوا به، وحقيقته: لزمهم ذلك، يقال: تبوأت الدار أي: لزمتها.
(تم السفر الأول من كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية والحمد لله الذي بعونه.
.).
قوله: [ عز وجل] ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله﴾ أي: تبوءهم الذي باءوا به من غضب الله، وضرب الذلة بدل مما كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، فكأنهم ألزموا الذلة، والغضب لفعلهم هذا، ثم قال: ﴿ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ أي: فعل بهم ذلك بعصيانهم واعتدائهم كذلك في موضع نصب وهو ذلك الثاني.
قوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾.
هذا مردود على [قوله] ﴿مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون﴾ ثم قال: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ أي: ليس المؤمنون والفاسقون سواء وتم الكلام، ويعني بذلك من آمن من أهل الكتاب ومن لم يؤمن.
والفراء يقدره بمعنى ليست تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة من حالها كذا وأمة على غير ذلك، وهو غلط من وجوه: أحدها أنه يقدر محذوفاً ولا يحل التمام سواء، وترتفع أمة بسواء، وإذا فعل ذلك لم يعد على اسم ليس ذكر وساء ليس بجار على الفعل فيرفع الظاهر، والمضمر الذي يضمر لا يدل على شيء من الكلام.
وأبو عبيدة يجعل ﴿لَيْسُواْ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث، ويجعل ﴿أُمَّةٌ﴾ اسم ليس و ﴿سَوَآءً﴾ الخبر ويقدر محذوفاً، وهو ذكر الكفار من أهل الكتاب، وهو بعيد لأن ذكر أهل الكتاب قد تقدم، فليس [هو] مثل أكلوني البراغيث لأنه لم يتقدم [له] ذكر.
وتصغير ﴿آنَآءَ﴾ أوينا تبدل من الألف التي هي فاء الفعل واواً كما تقول: أويد في آدم، ومعنى الآية: أنه تعالى أعلمنا أنه ليس أهل الإيمان من أهل الكتاب والكفر سواء، والضمير في ﴿لَيْسُواْ﴾ يعود على ما تقدم من ذكر المؤمنين والفاسقين (من أهل الكتاب فقال): من أهل الكتاب ﴿أُمَّةٌ﴾ شأنها بالمدح والثناء هذا
مذهب البصريين.
والكوفيون يجعلون أمة مرفوعة بسواء والكلام عندهم متصل، وقد تقدم ما يدخل عليهم كأن تقديره عندهم لا يستوون من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة، قالوا: وترك ذكر الأخرى لدلالة ذكر المؤمنة عليها ومن مذهبهم ألا يجوز سواء [علي] قمت حتى تقول أم قعدت، وأجازوا هنا الحذف، ويجيزون الحذف إذا كان الكلام مكتفياً بواحد نحو ما أبالي، وما أدري لاكتفاء ما أبالي بواحد، أجازوا ما أبالي أقمت، وما أدري أجليت يريدون أم فعلت كذا ويحذفونه، ويلزمهم الا يجيزوا الآية على تأويلهم لأنهم لا يجيزون الحذف مع سواء لنقصانه، وقد أجازوه في الآية، وهذا تناقض لأنهم أجازوا في الآية ما لا يجوز في الكلام.
روى ابن وهب عن مالك: أمة قائمة أي قائمة بالحق وهو قول مجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس وروي مثله عن ابن عباس.
ونزلت هذه الآية في قول عكرمة وابن جبير وابن عباس في عبد الله بن سلام
وثعلبة بن سعية، وأسيد بن عبيد وهم أخيار أهل الكتاب في الوقت، وأسلم معهم غيرهم فقال: من بقي من أحبار يهود: ما آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - إلا شرارنا فأنزل الله الآية يفضل فيها من آمن منهم على من لا يؤمن.
وقال الحسن: إن قوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَآءَ الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يريد ما بين المغرب والعشاء.
وقال ابن مسعود: معناها ليس أهل الكتاب سواء وأمة محمد صلى الله عليه وسلم، القائمة يتلون آيات الله ويؤمنون بالله، ويفعلون كذا وكذا.
قال مجاهد: قائمة عادلة.
وقال قتادة: قائمة على كتاب الله عز وجل وفرائضه وحدوده.
وقال ابن عباس: قائمة أي: مهتدية على أمر الله سبحانه مستقيمة.
وقال السدي: قائمة مطيعة.
وقال الأخفش: من أهل الكتاب أمة (أي: ذو أمة) بمعنى: ذو طريقة حسنة.
وواحد آناء الليل اني: كقُنو وأقناء، وقيل واحد أني كمعي وأمعاء وحكى
الأخفش أني.
وقال قتادة: آناء الليل ساعاته أي: يتلون في ساعات الليل.
وقال السدي: هي جوف الليل.
وقال ابن مسعود: [آيات الله] آناء الليل صلاة العتمة يصلونها، وما سواهم لا يصليها وروى ابن مسعود " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ليلة، وقد أخر الصلاة قال: فجاء النبي عليه السلام ومنا المصلي ومنا المضطجع فبشرنا، وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب: فأنزل الله عز وجل ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ الآية ".
وروى الثوري عن منصور أنه نزلت في قوم كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء.
ومعنى يتلون آناء الليل: يتبعون بعضها بعضاً، (ومعنى) ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يصلون.
وقيل: المعنى يتلون الآيات في الصلاة، وهم مع ذلك يسجدون في الصلاة يعني السجود المعروف في الصلاة.
ثم وصفهم الله فقال: ﴿يُؤْمِنُونَ بالله﴾ أي: يصدقون به وبما أنزل على أنبيائه من غيب الآخرة ﴿وَيَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ أي: بالإيمان بالله ورسوله ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ أي: ينهون الناس عن الكفر بالله، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، ودل هذا من وصفهم على أن غيرهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
قوله: ﴿مِنَ الصالحين﴾.
أي: من عداد الصالحين.
قوله: ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ﴾ الآية.
من قرأ بالتاء رده على المخاطبة في ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ تفعلون وتصنعون.
ومن قرأ بالياء رده على الإخبار في قوله: ﴿أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ الله﴾ ويفعلون كذا وكذا ثم قال ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ﴾.
والياء فيها تخصيص لهؤلاء المذكورين.
والتاء فيها عموم لجميع الأمة واختار الطبري وغيره التاء.
ومعنى [فلن تكفروه] فلن يغطى عليه، فتتركوا بلا مجازات عليه، وقال قتادة: " فلن تكفروه " فلن يضل عنكم.
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ﴾ الآية.
هذه الآية وعيد بالأمة الفاسقة من أهل الكتاب الذين تقدم ذكرهم، ومعنى الكفر هنا تغطية ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم وجحوده، ومعنى (ذلك) أن أموالهم لم تمنع عنهم ما ينزل بهم من العذاب في الآخرة شيئاً.
قوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا﴾ الآية.
المثل هنا بمعنى الشبه ومعناها: شبه ما يتصدق به الكافر يا محمد كشبه ريح فيها صر، وهو البرد الشديد ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ أي: زرعهم الذي أملوا إدراكه كما أمل الكفار وجود عملهم في الآخرة.
ومعنى ﴿ظلموا أَنْفُسَهُمْ﴾: عصوا الله ورسوله فأهلكته فصدقة الكافر كزرع هذا الظالم لنفسه، ونفقة الكافر هنا: صدقاتهم على أقربائهم تقرباً إلى الله عز وجل.
وقيل: نفقتهم هو ما ينفقون على قتل النبي صلى الله عليه وسلم وأذاه.
وقيل: هي نفقة الكافر في الدنيا.
وقيل: هي قوله بلسانه ما ليس في قلبه فهو لا ينفعه [كما لا ينتفع] بالزرع الذي أصابته الريح التي فيها برد شديد.
ومعنى ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ أي: كمثل مهلك ريح، فتحقيق المثل إنما هو للحرث.
والتقدير: مثل نفقة هؤلاء كمثل حرث أصابته ريح فيها صرٌ فأهلكته، فهو بمنزلة قوله: ﴿كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً﴾ [البقرة: 171] والمعنى: [كمثل] المتعوق به أي: مثلهم في أنهم لا يعقلون ما يقال لهم كمثل الغنم لا تعقل بما يقال لها.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ.
. .﴾.
نهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين والمنافقين أولياء في هذه الآية.
والبطانة: الدخيلة الذين يطلعهم الرجل على سره لأنهم كانوا لا يبقون غاية في التلبيس على المؤمنين، فأمر الله المؤمنين ألا يداخلوهم.
وقيل: البطانة: الأصدقاء، وقيل: للأخلاء، والمعنى في ذلك متقارب ومعنى ﴿مِّن دُونِكُمْ﴾ أي: من دون أهل دينكم كما قال: ﴿فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ﴾ أي: على أهل دينكم
﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ أي: لا يقصرون في السوء والشتات بينكم، وهي البطانة
المنهي عنها.
﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يتمنون لكم العنت والشر في أنفسكم ودينكم.
وقيل: " ودوا عَنَتكم، أي: ما شق عليكم، وما نزل بكم من مكروه وضر.
وأصل هذا أن يقال: أكمة عنوت: إذا كانت طويلة شاقة.
ويقال: عنت العظم: إذا انكسر بعد جبر، ومنه قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت [مِنْكُمْ]﴾ [النساء: 25] أي: المشقة.
ونزلت هذه الآية في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودة قال ذلك ابن عباس.
فنهاهم الله أن يصادقوهم دون المؤمنين وأن يستهجوهم في شيء من أمر دينهم فإنهم لا يقصرون في الخبال والشر لهم.
وأكثر أهل التفسير على أنها نزلت في النهي عن مصافاة اليهود والمنافقين
ومخالطتهم ومصادقتهم وإنشاء الشر إليهم وأخبرهم أنهم يودون كفرهم وإضلالهم وما ينزل بهم من شر.
وقوله: ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ هو خبر مستأنف وليس بحال من البطانة.
وقد قيل: إن ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ صفة ثانية للبطانة والصفة الأولى ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾.
﴿قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: ظهرت بألسنتهم وهو إقامتهم على الكفر، أو النفاق، والذي تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة لكم مما بدا لكم بألسنتهم ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ أي: العبارات من أمر هؤلاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عن الله آياته ومواعظه.
﴿هَآأَنْتُمْ أولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ الآية.
معناها: " أنتم أيها المؤمنون تحبون الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين.
وقيل [هم] المنافقون نهى الله المؤمنين عن محبتهم لأن المؤمنين أحبوهم لما أظهروا الإيمان، فأخبر الله بما يسرون من العداوة والبغضاء لهم، ولأنهم لا يحبونهم، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ فقال: ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي: بل يبطنون لكم
العداوة والغش.
وأولاء عند الطبري بمعنى: الذين، وهي على بابها عند غيره وأنتم: ابتداء، وأولاء: الخبر.
وذهب القتبي إلى أنه نداء والمعنى: أنتم يا هؤلاء.
وقيل: الضمير للمنافقين بدليل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا﴾
وقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ﴾ الكتاب هنا بمهنى: الكتب كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس، يريد الدراهم.
وقال ابن عباس: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ﴾ أي: بكتابكم وبكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك.
وهذا يدل على أن الآية التي قبلها في اليهود دون المنافقين لأنهم أهل كتاب، ولا كتاب للمنافقين.
قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ أي: عضوا على ما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم - والأنامل أطراف الأصابع - ﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ أي: بالغيظ
الذي بكم أي: اهلكوا به، وهو دعاء في لفظ الأمر.
[قوله] ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾.
معناها أي: إن تنالوا سروراً، [وظفر] بعدوكم وزيادة الناس في الدخول في الإسلام، وتصديق النبي صلى الله عليه وسلم ساء ذلك اليهود.
وقيل: يعني المنافقين - وإن يصبكم ضرر من عدوكم واختلاف بينكم فرح بذلك اليهود.
وقيل: هم المنافقون.
﴿لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾.
من قرأ بكسر الضاد، والتخفيف، فهو من ضاره يضيره، وجزمه لأنه جواب الشرط.
ومن قرأ يضركم فهو يحتمل ثلاثة أوجه: يجوز أن يكون ضم لالتقاء الساكنين مع الإدغام، وأصله يضرركم من ضره يضره فيم على لغة من قال: مد يا في كمن قال مديا.
وأهل الحجاز يظهرون في مثل هذا التضعيف، وقوله ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ﴾ أظهر على لغة أهل الحجاز، ولا يضركم أدغم على لغة غيرهم.
وقال الكسائي والفراء: رفعه على إضمار الفاء على معنى فليس [يضركم].
وقيل: هو مرفوع على تقدير التقديم والمعنى لا يضركم كيدهم إن تصبروا كما قال:
يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع
وإجماعهم على الأخير يدل على قراءة من قرأ بالتخفيف.
وروى المفضل عن عاصم لا يضركم بالتشديد والفتح، وهو أحسن من
الضم لأن الضم فيه إشكال.
قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين﴾ الآية.
معناه واذكر إذ غدوت.
واليوم الذي عنى به ذلك: يوم أحد عند مجاهد، وهو قول ابن عباس والسدي.
وقال الحسن: هو يوم الأحزاب.
واستدل من قال يوم أحد بقوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ ولم يختلف المفسرون، وأهل السير أن الطائفتين هم بنو سلمة وبنو حارثة، وأن الذي ذكر من أمرهما إنما كان يوم أحد.
واحتج من قال هو [يوم] الأحزاب بأن أهل الأخبار والتواريخ يقولون: إنما راح النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعدما صلى الجمعة بالناس في المدينة والله يقول: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ ولم يقل: وإذ رحت.
وقيل: " إنما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة غدوة أن يفتقدوا مواضع لنفسهم وجلس حتى صلى عليه السلام ثم خرج، فتبوؤه كان بالغداة بأمره لهم ومشورته إياهم ".
و" لما شاورهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما يصنع أتاه النعمان بن مالك الأنصاري فقال: يا رسول الله، لا تحرمني الجنة فوالذي بعثك بالحق، لأدخلن الجنة.
فقال: بم؟ قال: يا
نبي الله بأني أشهد ألا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله وأني (لا) أفر من الزحف، قال: " صدقت " فقتل يومئذ.
وقالت: الأنصار: يا رسول الله، ما علمنا عدواً لنا أتانا في دارنا قط فكيف وأنت فينا؟ وسألوه الخروج إليهم وكان رأي عبد الله هذا اسم أبيه أُبي واسمه عبد الله بن أُبي بن سلول ألا يخرج ويدعهم يدخلون وأكثر عليه الأنصار بالخروج إليهم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرعه فلبسها فلما رأوه قد لبسها ندموا وقالوا: كيف نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوحي يأتيه، فقاموا، واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته، فيضعها حتى يقاتل " ".
قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾.
معناه: ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾.
والعامل في " إذ " ما قبله.
والفشل: الجبن والضعف.
والطائفتان هم بنو حارثة وبنو سلمة وذلك يوم أحد هموا بأمر فعصم الله منه، وهم خيار الأنصار.
وقد قال مجاهد: أما بنو سلمة فهو نحو سلع يوم الخندق قال السدي: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد في ألف رجل فلما خرج رجع عبد الله بن أُبي بن سلول في ثلاثمائة فهمَّ بنو حارثة، وبنو سلمة بالرجوع حين رجع عبد الله فعصمهم الله، وبقي رسول الله في سبعمائة وبنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس.
قال جابر بن عبد الله: نحوهم بنو سلمة وما يسرنا أنها لم تكن.
فمعنى: إذ همت طائفتان منك أن تفشلا [لقول الله] والله وليهما.
قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ.
. .﴾.
هذا تذكير من الله لنبيه عليه السلام وللمؤمنين بنصره لهم في بدر، فالمعنى: فكذلك ينصركم فيما بقي.
ومعنى ﴿أَذِلَّةٌ﴾: قليلون، فقد نصركم الله وأنتم قليلون فهو إلى نصركم وأنتم كثيرون أقرب، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، ويوم أحد ثلاثة آلاف ويوم حنين اثني عشر ألفاً.
وكانت بدر في سبع عشرة ليلة خلت من رمضان لثمانية عشر [شهراً] من الهجرة بعد تحويل القبلة بشهرين، كذلك رواه مالك وكانت أحد على رأس واحد وثلاثين شهراً من مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في شوال يوم السبت للنصف من شوال من سنة ثلاث.
قال مالك: فقتل من المهاجرين يوم أحد أربعة ومن الأنصار سبعون.
قال مالك: " بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يوم أحد كسرت رباعيته وأصيبت وجنته، وجرح في وجهه وتهشمت البيضة على رأسه وأنه أتى بماء في جحفة فكان يغسل به عنه الدم، وأحرق له حصير فأتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اشتد غضب [الله] على قوم أدموا وجه رسوله " فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ الآية ".
وقال أنس: كان يمسح الدم عن وجهه ويقول: " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم " فأنزل ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾.
قال أبو سعيد الخدري: " رمى عتبة بن أبي وقاص يومئذ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] فكسرت رباعيته اليمنى وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب شجه في جبهته، وأن ابن قميئة جرح وجنته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، وأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة حتى استوى
قائماً، ومص ما لك بن سنان، ابو أبي سعيد الخدري الدم عن وجهه ثم ازدرده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من مس دمه دمي لا تصيبه النار " ".
وسمي الموضع بدراً لأنه كان لرجل يسمى بدراً، فسمي الموضع باسم صاحبه.
وقيل: كان هناك بير يسمى صاحبه بدراً، فسمي الموضع باسم صاحب البير، وقيل هو اسم للموضع وهي قرية بين المدينة والجار، وهو أول قتال قاتله النبي عليه السلام، اجتمع فيه مع المشركين على غير تواعد.
وقوله: ﴿فاتقوا الله﴾ أي: قد كنتم قليلين فنصرتم بلزومكم الطاعة، وقد نزل بكم ما نزل يوم أحد وأنتم كثرة، وذلك لمخالفتكم لأمر نبيكم صلى الله عليه وسلم وهو ما فعل الرماة جعل الله عز وجل
" ما أصيب من المشركين يوم أحد عقوبة لما فعل الرماة، إذ عهد إليهم النبي عليه السلام ألا يبرحوا من مكانهم فمضوا للنهب وظنوا أن المشركين قد فرغ منهم، وقد كان قال لهم النبي عليه السلام: " لا تبرحوا، فلن يزال النصر لنا ما ثبتم في مكانكم " فلما رأوا المشركين قد انهزموا اطمأنوا وزالوا من مكانهم طمعاً في النهب فرجعت الهزيمة على المسلمين، فأصيب خلق كثير كل ذلك بذنوب الرماة ومخالفتهم ما أمر به نبيهم صلى الله عليه وسلم فذلك قوله: ﴿فاتقوا الله﴾ أي: لا تعصوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمره لكم.
قوله ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾.
إذ متعلقة بتشكون.
والمعنى: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم، وذلك كله يوم بدر، وذلك أن المسلمين حُدِّثوا أن كرز بن جابر الحارثي بمد المشركين فاغتنموا لذلك، فقيل لهم ﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ﴾ ﴿بلى إِن تَصْبِرُواْ﴾ على عدوكم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ أمر دينكم ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالاف مِّنَ الملائكة مُسَوِّمِينَ﴾ ثم لم يأت كرز، ولم يمددهم الله بخمسة آلاف.
وقال أبو أسيد مالك بن ربيعة وكان شاهد بدر وقد ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم [ببدر] ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، فعلى هذا يكون الله قد أمدهم وفعل بهم ما وعدهم به.
وقال ابن عباس: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف على بدر، ونحن مشركان ننتظر الواقعة على من تكون.
قال: فبينما نحن على الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلاً يقول: أقدم حيزوم قال: أما ابن عمي فأكشف قناع فلبه فمات مكانه، أما أنا فكدت
أهلك، وتماسكت.
وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر وإنما كانوا في غيره من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون.
وحكى أبو داود المازني وكان شهد بدراً قال: إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري.
وحكى ابن عباس عن أبي رافع أنه قال: كنت أسلمت مع العباس بمكة، وكان العباس يكتم إسلامه، وكان قد خرج مع القوم وكنت أجلس في حجرة زمزم أنحت القداح، فوصل إلينا خبر أهل بدر وما نزل بهم، فسرنا، فدخل أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة، ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم فقال أبو لهب: هلم يا ابن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال له: أخبرني كيف كان أمر