الأنفال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات﴾.
أي أعطيناه الحجج والدالة على نبوته، وهي: إبراء الأكمة، وأحياء الموتى ونفخه في الط ين فيكو طائراً، وشبه ذلك.
﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾.
أي قويناه بجبريل، وقد تقدم الاختلاف في روح القدس.
وهو جبريل عند الضحاك وغيره.
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم﴾.
أي من بعد الرسل.
وقال قتادة: " من بعد [عيسى وموسى صلى الله على محمد وعليهما [وسلم خاصة.
" وهو قول الربيع.
﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا﴾.
أي لحجزهم عن القتال ومنعهم منه.
﴿ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
أي يوقفق من يشاء فيطيع، ويخذل من يشاء فيعصي.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾.
أي يأتي يوم هذه صفته، أنه لا بيع يه ولا خلة ولا شفاعة.
أي يأتون يوم هذه صفته.
وعني بالنفقة هنا الزكاة [و] التطوع.
أمرهم تعالى أن يدخروا لأنفسهم من ذلك من قبل أن يأتي يوم صفته أنه ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾: أي لاتباع [فيه] الأعمال فلا كسب ﴿وَلاَ خُلَّةٌ﴾: أي لا صداقة.
﴿وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾: أي لا شفاعة للكافرين.
فالآية عامة، أي لا صداقة ولا شفاعة للكافرين.
فالآية عامة الظاهر خاصة، قد بينت أنها خاصة/ للكافر السنة.
ويجوز أن يكون/ المعنى: ولا شفاعة إلا بإذن الله بدليل قوله بعد هذا: ﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23].
وفي القرآن جواز الشفاعة لمن شاء الله لأنه قد قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28]، وقال عز وجل: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
فهذا كثير يدل على جواز الشفاعة يوم القيامة/ ممن شاء الله عزو جل ولمن شاء الله سبحانه فالآية مخصوصة [في الكفار]، لا شفاعة لهم ولا فيهم.
قوله: ﴿والكافرون هُمُ الظالمون﴾.
كما تقدم في أول الآية/، ذكر صنفين كافرين ومؤمنين في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾.
صرف آخر الآية إلى الكفار بعد أن خص ذكر أهل الإيمان في وسط الآية بما ذكر تعالى.
قوله: ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ الآية.
أجاز النحاس: لا إله إلا إياه على الاستثناء.
وروي عن أبي ذر أنه سأل النبي [عليه السلام] فقال له: أي ما أنزل عليك من القرآن أعظم "، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ ".
وقال ابن عباس: " أشرف آية في القرآن الكرسي ". نبه الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية ألا يعبد غيره، وأن يحذر مما وقع فيه من تقدم ذكره، في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ واختلفوا فاقتتلوا وشبهه.
وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِي إِذَا نَامَ، لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ الله حَتَّى يَنْتَبِهَ.
وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا انْتَبَهَ، لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ الله حَتَّى يَعُودَ، وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ اللهِ عز وجل حَتَّى يَعُودَ.
وَمَنَ قَرَأَهَا عِنْدَ حِجَامَةٍ كَانَتْ لَهُ مَنْفَعَتَانِ: مَنْفَعَةٌ لِلْحِجَامَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَمَنْفَعَةٌ لِلْحِجَامَةِ
الَّتِي تَكُونُ بَعْدَهَا.
وَمَنْ قَرَأَهَا كُلِّ صَلاَةٍ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ ".
وروى أبو هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: " لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ، وَسَنَامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، مِنْهَا آيَةٌ لاَ تُقْرَأُ فِي بَيْتٍ فِيهِ شَيْطَانٌ إِلاَّ خَرَجَ مِنْهُ، وَهِيَ آيَةُ الكُرْسِي ".
وقوله: ﴿الحي القيوم﴾.
الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا يزول.
وقيل: بل هو اسم من أسمائه تسمى به، فقلناه تسليماً لأمره.
وقوله: ﴿القيوم﴾.
قال ابن عباس: " معناه: الذي لا يزول ".
وقال مجاهد: " معناه القائم على كل شيء ".
وهو " فَيْعُولٌ " من " قَامَ "، ولا يحسن أن يكون " فَعُولاً " لأنه يلزم منه أن يقال: " قَوُومٌ ".
وقال ابن كيسان: " ليس في كلام العرب، فعول من الواو ".
وروي عن عمر أنه/ قرأ " الْقَيَّامُ " ووزنه " فَيْعَالٌ " من " قَامَ ".
وقرأ علقمة " الْقَيِّمُ "، ووزنه عند البصريين " فعيل "، ثم أدغم فكان أصله قيوماً، وأصل عند الكوفيين " قويم " مثل فعيل، ويلزمهم ألا يعل كما لم يعل " طويل " وشبهه.
وصفات/ الله مطلقة في غاية الكمال والتمام، لا يجوز عليها حوالة ولا تغيير، بخلاف صفات المخلوقين.
قوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾.
أي نعاس.
قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم.
ولا نوم فيستثقل.
وأصل " سنة " وسنة، كزنة وعدة.
قال السدي: " السنة ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان ".
وقال الربيع: " السنة هو الذي كون به الإنسان بين النائم واليقظان، وهو الوسنان، والنوم الاستثقال ".
نفى الله تعالى عن نفسه الآفات التي تدخل على المخلوقين، فتذهب حسهم تعالى عن ذلك.
وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وَقَعَ نَفْسِ مُوسَى صلى الله عليه وسلم: هَلْ يَنَامُ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ؟ فأَرَسَلَ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكاً فأَرَّقَهُ ثَلاَثاً ثُمَّ أَعْطَاهُ قَرُورَتَيْنِ، فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِهِمَا.
فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ/ تَلْتَقِيَانِ ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنْ الأُخْرَى، حَتَّى نَامَ نَوْمَهُ فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ فَانْكَسَرَتْ القَارُورَتَانِ، فَجَعَلَ اللهَ لَهُ ذَلِكَ مَثَلاً "، أي أن الله لو كان ينام لم تمتسك السموات والأرضون
كما لم تمتسك القارورتان في يدي موسى عليه السلام.
قوله: ﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
أي من يشفع لمن أراد الله عقوبته إلا بأمره لهم بالشفاعة.
وهذا دليل على جواز الشفاعة بإذنه لمن شاء من رسله وأوليائه.
وقيل: معناه: من ذا الذي يذكر الله بقلبه حتى يأذن له، لا إله إلا هو.
قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
قال ابن جريج: " يعلم ما مضى أمامهم من الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما يكون بعدهم من أمر الدنيا والآخرة ".
وهذا يدل على/ قدم علم الله تعالى، وأنه لم يزل/ عالماً ولا يزال.
﴿إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾.
ما شاء هو أن يعلمه.
قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض﴾.
قال ابن جبير عن ابن عباس: " كرسيه: علمه "، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
قال أبو هريرة: " الكرسي بين يدي العرش ".
قال مجاهد: " ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة ". قال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه ". قال ابن زيد: " حدثني أبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم /: " مَا السَّمَوات السَّبْع فِي الكُرْسِيِّ إِلاَّ كدرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ ". وقال أبو ذر: سمعت النبي [عليه السلام] يقول: " مَا الْكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إِلاَّ كَحَلَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ ". وروى ليث عن مجاهد أنه قال: " ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة ". وروى الأعمش عن مجاهد أنه قال: " مثل السموات تحت الكرسي كحلقة ملقاة في الفلاة ". وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: " الكرسي الذي وسع السموات والأرض موضعه من العرض موضعه من السرير، ولا يقدر قدر العرش إلا
الذي خلقه ".
وقال الحسن: " الكرسي هو العرش نفسه ".
وقال الضحاك: " كرسيه الذي يوضع تحت العرش ".
وقيل: " كرسيه: قدرته ".
اختار الطبري أن يكون علمه لقوله: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، ولقوله: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر: 7].
وفيه لغتان: ضم الكاف وكسرها.
قوله: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ﴾.
أي لا يثقله ولا يشق عليه.
يقال: ما آدَكَ هو لي آئِدٌ ".
وقال القتبي:: يقال: آدَاهُ يَؤُودُهُ، [وَأَدَهُ] يئده، والوأد الثقل ". والهاء في
﴿يَؤُودُهُ﴾ لله جل ذكره.
وقال أبو إسحاق: " يجوز أن تكون للكرسي ".
وقوله: ﴿حِفْظُهُمَا﴾.
أي حفظ السموات والأرض.
﴿وَهُوَ العلي﴾.
أي ذو الارتفاع عن شبه خلقه بقدرته.
﴿العظيم﴾.
أي لاشيء أعظم منه جلالة وهيبة وسلطانا.
ولا يحسن أن يكون بمعنى العلو في المسافة والارتفاع من مكان إلى مكان تعالى الله عن ذلك - إنما هو علو قدرة وجلالة وهيبة وسلطان، لا علو ارتفاع من مكان إلى مكان، ليس كمثله شيء.
لا يجوز عليه الحركة ولا الانتقال ولا التغير من حال إلى حال، فافهمه.
وقيل: معنى ﴿العلي﴾: العلي عن النظراء والأشباه، لا علو مكان.
وقيل: إن ﴿العظيم﴾ هنا بمعنى المعظم، الذي يعظمه خلقه لم يزل على ذلك.
ولا يحسن أن يتأول أن تعظيمه محدث.
/ بل لم يزل معظماً قبل كون الخلق كما
لم يزل قادراً وعالماً قبل كون المعلوم والمقدور، ولا يزال معظماً بعد فناء الخلق.
وقد طعن/ في هذا القول.
وقيل: يلزم ألا يكون معظماً قبل الخلق ولا بعدهم، إلا معظم له.
فالجواب عن ذلك ما ذكرنا أنه لم يزل ولا يزال كذلك كالعلم والقدرة وشبههما.
تقول العرب: " هذه خمر عتيقة "، بمعنى معتقة.
وقيل: معنى " العظيم ": أن له عظمة هي صفة له/ لا تكيف.
قوله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾.
أكثر الناس على أن هذه الآية مخصوصة نزلت في أهل الكتاب ألا يكرهوا على الدين، إذا أدوا الجزية.
فأما أهل الأوثان فلا تؤخذ منه الجزية ويكرهون على الدين.
قاله ابن عباس؛ قال: " كانت المرأة تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَهُ، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: لا ندع
أبناءنا، فأنزل الله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين﴾ الآية، فمن شاء لحق، ومن شاء لم يلحق ".
وقد قيل: إن الآية منسوخة منسخها: ﴿يا أيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ [التوبة: 73].
وأكثر الناس على أن هذه الآية نزلت في غير عبدة الأوثان، ومن [لاكتاب له]، ومن لا يؤدي الجزية من أهل الكتاب.
والألف واللام في " الدِّين " عوض من ضمير يعود على الله.
والمعنى: " وهو العلي العظيم لا إكراه في دينه ".
وقيل: هما للتعريف.
والدين: الإسلام.
قوله: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾.
قرأ أبو عبد الرحمن " الرَّشَدَ " بفتحتين، وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل والشُّغْل والشَّغَل والسُّقْم والسَّقَم والعُدْم والعَدَم/ والعُرْب والعَرَب، والعُجْم والعَجَم، والسُّخْط والسَّخَط، والحُزْن والحَزَن، والوُلْد والوَلَد.
والرشد إصابة الحق، والغي ضده.
وهو مصدر غَوِيَ يَغْوِ غَيّاً، وأصله " غَوْياً ". وبعضهم يقول: غَوَى، يَغْوى بالفتح فيهما.
وقال بعضهم: غَوَى يَغْوِ/ إذا عدا الحق فضل، فمعناه: استبان الإيمان من الكفر.
قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت﴾ أي بالشيطان، والجبت: السحر.
وقيل: الكاهن.
وقال مجاهد في قوله ﴿يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت﴾ [النساء: 60]، هو كعب بن الأشرف، وهو مشتق من " طغى " مقلوب وأصله طَغَوُوتٌ مثل جَبَرُتٌ.
وقيل أصله طَيَغُوتٌ لأنه يقال: طَغَوْتُ وَطَغَيْتُ.
وقيل: هو في معنى الطغيان وليس بمشتق منه، إنما يؤدي عن معناه، كما
قيل: رجل لآلٌ من اللؤلو، يؤدي عن معناه، وليس بمشتق منه.
قوله: ﴿بالعروة الوثقى﴾.
أي تمسك بأويثق ما يستوثق به ويتمسك به.
وقيل: الجبت والطاغوت كل ما يعبد من دون الله.
قال سيبويه: " الطاغوت واحد مؤنث يقع على الجميع ".
وقال المبرد: " هو جماعة "، ويريد الشياطين.
وقال أنس: " العروة الوثقى: القرآن ". ذكره عنه ابن أبي شيبة.
/ وقيل: العروة الوثقى: العهد الوثيق.
وقال ابن عباس: " العروة الوثقى: لا إله إلا الله.
قوله: ﴿لاَ انفصام لَهَا﴾.
أي لا انكسار لها.
وقال/ السدي: " لا انقطاع لها ".
﴿والله سَمِيعٌ﴾.
أي يسمع إيمان المؤمن وكفر الكافر.
﴿عَلِيمٌ﴾.
أي عليم بمن وافق قلبه في الإيمان لسانه وأخلص في قوله.
قوله: ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ﴾.
أي يتولاهم بتوفيقه فيخلصون ويثبتون على الإيمان ويعينهم على عدوهم ويتولى ثوابهم.
قوله: ﴿مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾.
أي: من الكفر إلى الإيمان.
نزلت هذه الآية في قوم كانوا قد كفروا بعيسى فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به، فكانوا في ظلمة ثم صاروا في نور، وهم العرب وعبدة الأوثان والجاهلية، كلهم من آمن منهم، وكان قوم آخرون آمنوا بعيسى فكانوا في نور، فلما جاءهم محمد كفروا به فصاروا في ظلمة وهم النصارى.
روى ذلك عن ابن عباس ومجاهد.
قوله: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت﴾.
أي الشياطين.
وهذا مما يدل على أن الطاغوت جمع.
قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات﴾.
أي من الإيمان إلى الكفر، وهم الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم يعني قريشاً وكفار العرب.
وقيل: هم اليهود.
وقيل: هم النصارى كانوا مؤمنين بعيسى صلى الله على محمد وعليه وسلم.
هذا قول مجاهد وغيره.
وإنما مثل الكفر بالظلمة، لأن الظلمة تحجب البصر عن إدراك الأشياء، كذلك الكفر يحجب القلب عن إدراك الحقائق، حقائ الإيمان.
﴿أولئك أَصْحَابُ النار﴾.
هو إشارة إلى الكفر.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.
ألِف ﴿أَلَمْ﴾ ألِف توقيف لفظها.
لفظ الاستفهام، وفيها معنى التعجب والتنبيه على ما يتعجب منه.
والهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ تعود على ﴿الذي﴾، أو على إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
ومعنى: ألم تعلم، ألم تر بقلبك يا محمد.
قوله: ﴿أَنْ آتَاهُ الله الملك﴾.
الهاء تعود على [الكافر الملك] وعليه أكثر الناس.
وقيل: هي تعود على إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
/ والذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن كنعان بن كوشب بن سا بن نوح.
قاله مجاهد.
قال قتادة: " نمروذ، صاحب الصرح، وهو أول من تجبر في الأرض ببابل ". أخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه القصص ليكون ذلك عبرة وتعجباً مما كان، وليكون حجة على أهل الكتاب ومشركي العرب لأنه نبأ لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها، أو من يوحى إليه، فلما لم يكن محمد عليه السلام عندهم/ ممن
يقرأ [الكتاب فينقل منهان وجب أن يكون ذلك] بوحي، فيجب قبول قوله، والإيمان به ضرورة لمن وفق.
قال مجاهد: " نمروذ، هو أحد الأربعة الذين ملكوا الأرض كلها: كافرَيْن ومؤمنَيْن، فالمؤمنان: سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم، وذو القرنين عليه السلام.
والكافران: نمروذ، وبخت نصر البابلي ".
قوله: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾.
أي حين قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت: أي يملك ذلك ولا يملكه أحد غيره، قال نمروذ: " أنا أحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله وأقتل آخر ".
قال له إبراهيم: " فإن الله يأت بالشمس من مشرقها، فأت بها/ إن كنت صادقاً من مغربها ".
قال الله: ﴿فَبُهِتَ الذي كَفَرَ﴾.
أي الكافر، أي انقطع وعجز عن الجواب.
وقرىء: " فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ " أي فبهتَ إبراهيمُ الكافرَ ف " الذي " في موضع نصب، على هذه القراءة.
قال قتادة: " دعا نمروذ/ برجلين فقتل أحدهما واستحيى الآخر، وقال: أنا أحيي وأميت.
فقال له إبراهيم: " فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب.
/ فبهت الذي كفر " فلم يجب لأنه لو ادعى أنه [هو الذي يأتي] بالشمس من المشرق لكذبه جميع أهل مملكته، لأنهم يعرفون أنه محدث، والشمس كانت على حالها قبل حدوثه، فليس يقدر أن يقول: " أنا أتيت بها من المشرق قبل حدوثي، ولو ق ل: أنا آتي بها من المغرب لعجز عن ذلك.
فلما رآى أنه لا مخرج له سكت وانقطع فبهت.
قال زيد بن أسلم: " كان الناس يمتارون من عند نمروذ طعاماً، وكان أول جبار في الأرض، فخرج إبراهيم يمتار مع الناس فكلما مر بنمروذ ناس قال لهم: من ربكم؟ قالوا: أنت.
حتى مر به إبراهيم عليه السلام، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت.
قال: أنا أحيي وأميت.
قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب.
فبهت الذي كفر، ورد إبراهيم بغير طعام.
فرجع إبراهيم عليه السلام إلى أهله، فمر على كثيب أعفر - يعني من رمل - فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم.
فأخذ منه فأتى أهله فوضع متاعه ثم نام.
فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رأى أحد، فصنعت له منه، فقربته إليه.
وكان قد عهد أهله ليس عندهم طعام، فقال من أين هذا؟ قالوا: من الطعام الذي/ جئت به.
فعلم أن الله عز وجل قد رزقه [فحمد الله
تعالى]، ثم بعث الله جل وعز ذكره إلى نمروذ ملكاً يقول له: أن آمن بي [وأتركك] على ملكك، قال: وهل رب غيري؟، فجاء الثانية فقال له فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه.
فقال له الملك: أجمع جموعك إلى ثلاثة أيام.
فجمع الجبار جمعه، وأمر الله عز وجل الملك ففتح عليهم باباً من البعوض، فطلعت الشمس ولم يروها من كثرتها، فبعثها الله سبحانه عليهم، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ولم يبقى إلا [العظام، والملك كما هو لم يصبه] من ذلك شيء، فبعث الله عز وجل عيه بعوضة فدخلت في منخره، فمكمث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، فأرحم الناس به من جمع يديه ثم يضرب بهما رأسه، وكان قد تجبر أربعمائة سنة فعذبه الله بها أربعمائة سنة وأماته.
وقال السدي: " لما أخرج إبراهيم صلى الله عليه وسلم من النار، أدخل على الملك، ولم يره
قبل ذلك، فقال له: من ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت.
فلما قال له إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب فبهت وقال: إن هذا إنسان مجنون، فأخرجوه، ألا ترون أنه اجترأ على ألهتكم، وأن النار لا تأكله.
وخشي الملعون الفضيحة من قومه فأخرجوه، وهو قوله ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءاتيناهآ إبراهيم على قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83].
قوله: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾.
أي لا يهديهم للحجة عند الخصومة لما هم/ عليه من الضلالة قاله ابن اسحاق.
وليس (الظالمين) بوقف، لأن (أو كالذي) معطوف عليه.
/ قال الفراء والكسائي: " معنى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: هل رأيت كالذي حاج، أي كالذي مر على قرية، فهو معطوف عليه ". وقيل: الكاف زائدة، والمعنى: " الم تر إلى الذي حاج أو الذي مر على قرية.
قوله: ﴿أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾.
قال ابن عباس وقتادة وعكرمة والربيع والسدي: " وهو عزير ".
وقيل: هو أرميا.
وروي أن اسمه أرميا، وهو الخضر.
وقال مجاهد: " هو رجل من بني إسرائيل ".
وقال وهب بن منبه: " القرية بيت المقدس.
لما خربت وحرقت، وقف أروميا على ناحية الجبل، فقال: أَنَّى يحُيْى/ هذه الله بعد موتها ". على معنى: التطلع على مشاهدة قدرة الله، لا على الإنكار لإحياء الله إياها فأراه الله ذلك.
والذي خربها بخت نصر البابلي.
وكذلك قال قتادة/ وعكرمة والضحاك غير أنهم قالوا: " وقف عليها عزير ".
وقال ابن زيد: " هي القرية التي خرج منها ألوف حذر الموت، فقال [لهم]
الله: موتوا.
قال: فمر بها رجل وهي عظام تلوح، فنظر وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها ".
﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾.
أي خالية من أهلها.
﴿على عُرُوشِهَا﴾.
[أي على أبنيتها]، سقوفها وبيوتها.
وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قولهم: " قَرَبْتُ الماءَ " إذا جمعته.
وقال السدي: معنى ﴿خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾: ساقطة على سقفها.
وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها.
قال وهب بن منبه: " أوحى الله إلى أرميا، وهو بأرض مصر بعد أن خرب بخت نصر بيت المقدس: أن الحق بأرض الشام، فركب حماره حتى كان ببعض الطريق ومعه سلة من تين وعنب، وكان معه سقاء جديد فَمَلأَهُ ماء، فلما بدا شخصُ
بيت المقدس وما حوله نظر إلى خراب لا يوصف، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ ثم سار حتى تبوأ منزلاً، فربط حماره بحبل جديد، وعلق سقاءه، وألقى الله عليه السبات، فلما نام نزع الله روحه مائة عام.
فلما مرت من المائة سبعون عاماً أرسل الله ملَكاً إلى ملِك من ملوك فارس عظيم، فقال: إن الله يأمرك أن تسير بقومك فتعمر بيت المقدس إيليا وأرضها، حتى تعود أَعْمَرَ ما كانت.
فقال له الملِك: أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب/ لهذا العمل.
فأنظره، فانتدب ثلاثة آلاف قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل وما يصلحه من أداة العمل، فسار إليها قهارمته، فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عين أرميا خاصة، وأخر جسده ميتاً، فنظر إلى إيليا وما حوليها تعمل وتعمر وتجدد حتى صارت كما كانت بعد ثلاثين سنة تمام المائة، فرد الله إليه روحه، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه؛ أي لم يتغير.
ونظر إلى حماره واقفاً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، أحياه الله له وهو يرى.
ونظر إلى الحبل لم يتغير، وقد أتى عليه ريح مائة عام ومطرها وشمسها وبردها، فعندها قال له: كم
لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم.
قال: بل لبثت مائة/ عام ".
وإنما قال: يوماً أو بعض يوم، لأنه فيما ذكر قتادة وغيره: أميت ضحى، وبعث آخر النهار، فظن أنه يومه الذي كان فيه ".
قوله: ﴿فانظر إلى/ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانظر إلى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.
من قرأ " نُنْشِرُهَا " بالراء، فمعناه كيف نحييها، من: " أَنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ: أَحْيَاهُ ". ومن قرأ بالزاي، فمعناه: كيف نرفع بعضها إلى بعض من النَّشْزِ، وهو المرتفع، ومنه نشوز المرأة وهو ارتفاعها عن موافقة زوجها.
ومنه قوله:
﴿وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ﴾ [المجادلة: 11]، أي ارتِفعوا وانْضَموا.
قال وهب بن منبه وغيره: " معناه: وانظر إلى إحياء حمارك وإلى عظامه كيف أنشرها ثم أكسوها لحماً.
قال وهب: " كان ينظر إلى حماره يتصل بعضه ببعض، ثم كسي لحماً ثم جرى فيه الروح فقام [ينهق.
ونظر إلى عنبه] وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه.
فلما عاين ما عاين، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير ".
قال السدي: " كانت الطير قد ذهبت بعظام الحمار إلى كل سهل وجبل فبعث الله ريحاً، فجاءت بها واجتمعت/ وهو ينظر.
فركب بعضها في بعض فصار حماراً من عظام لا لحم فيه ولا دم، ثم كسى اللحم والدم، ثم أقبل ملك يمشي فأخذ بمنخر
الحمار فنفخ فيه فنهق.
فقال عندما عاين: أعلم أن الله على كل شيء قدير ".
ومن قرأ [بوصل ألف " أعلم " جعل الفعل] لله والقول لله، والله هو القائل له بعدما أراه من البراهين: " اعْلَمْ يا أرميا أن الله على كل شيء قدير ".
قال الضحاك: / " أول ما نفخ الله الروح، ففي رأسه وبصره، وبقي جسده ميتاً، فرأى حماره قائماً كهيئته يوم تركه وطعامه وشرابه كهئته، فقال له الله جل ذكره: ﴿وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي عظامك، فأراه التئام عظامه، وكون اللحم عليها، ونفخ الروح في باقي جسده.
[والعبرة] في نفسه أعظم.
فلما رأى ذلك وحيي كله قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ". وكذلك قال قتادة.
وقال: ابن زيد: " أراه إحياء جسده، والتئام عظامه وهو ينظر، والحياة في عينيه ورأسه فقط ".
قال ابن زيد: " جعل الله الروح في بصره ولسانه، فنظر إلى خلقه والتئام عظامه، وأمره أن يدعو بلسانه إلى عظامه وأعضائه أن تلتئم فنادى بلسانه ليلحق كل عضو بآلِفِه فجاء كل عظم إلى صاحبه حتى اتصلت وهو يراها، / حتى إن الكسرة من العظم لتأتي إلى الكسرة الأخرى فتتصل بها، ثم شدت بالعروق والأعصاب وهو يرى.
ثم التحمت وهو يرى، ثم كسيت بالجلد وهو يرى، ثم جرى [فيها الروح، فقال عند ذلك]: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ". وقال الله له ذلك يأمره به.
ويجوز أن يكون الأمر منه لنفسه فتستوي القراءتان.
وقد قاله الطبري.
فالعطف في قوله: ﴿أَوْ كالذي﴾ مردود على معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ لأن معناه: هل رأتي مثل الذي حاج إبراهيم.
فعطف على المعنى فقال: ﴿أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ﴾، تقديره: " أو رأيت مثل الذي مر ". [و] العطف على المعنى كثير كما قال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وشهدوا أَنَّ الرسول حَقٌّ﴾ [آل عمران: 86]، ف " شهدوا " معطوف على معنى إيمانهم لا على كفرهم، تقديره: " بعد أن/ آمنوا وشهدوا ".
وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال الأعمش: " جاء شاباً وولده شيوخ ".
وقال السدي: " جاء فوجد داره قد بيعت وبَلِيت، وهلك من كان يعرفه.
فقال: اخرجوا من داري، قالوا: من أنت؟ قال: أنا عزير.
قالوا: هلك عزير منذ كذا وكذا سنة.
فأخبرهم بما جرى عليه، فخرجوا له من الدار ".
وروي أن عزيراً كان ممن سباه بخت تنصر ومضى به إلى إرض بابل فرأى عزير دير هرقل قد خرب، ومضى عليه حين من الدهر، فقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وقد عمر الدير وذلك كله بأرض بابل.
وعلى [أن] القرية بيت المقدس أكثر أهل التفسير.
وقوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ من أثبت الهاء في الوصل، فهو من سانَهْتُ فسكون الهاء عَلَم الجزم، والهاء أصلية، وهو أحسن.
ومعناه: أنه مأخوذ من " السَّنَةَ "، أي لم تأخذه السِّنُونَ وتحله.
ومن قرأ " يتَسَنَّه " فأصله يتسنن، من " سَنَّ المَاءَ " إذا تغير.
فمعناه لم يتغير
فأبدلوا من النون/ الآخيرة ياء، فقالوا: يتسنى كما قالوا: " تَقَضَّيْتُ " في " تَقَضَّضْتُ "، ثم حذفت الألف للجزم [و] زيدت الهاء في الوقف لبيان الحركة.
وقرأ طلحة من مصرف: " لَمْ يَسَّنَّ " أدغم التاء في السين.
وقد قال بعض أهل اللغة: " لَمْ يَتَسَنَّ " من أَسِنَ الماء إذا أنتن.
ويلزمهم من هذا " يَتَأَسَّنْ ".
وقال الشيباني: " هو من قولهم: " حَمَأٌ مَسْنُونٌ ".
ومعنى " يَتَسَنَّ ": يتغير.
ولا يجوز عند أأبي إسحاق أن يكون من " مَسْنُونٍ " لأن معنى " مَسْنُونٍ "، مصبوب.
والصحيح أنه من السَّنَةِ، فتكون الهاء أصلية/ تقول في تصغيرها: " سُنَيْهَةٌ " على قول من قال: " يَتَسَنَّه ". و " سُيينةٌ " على قول من
قال: " يتسن ".
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾.
" إذا " في موضع نصب بمعنى: " واذكر ".
وقيل: هو معطوف على ما قبله لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ﴾: " ألم تر بقلبك يا محمد، فتذكر الذي حاج، وتذكر إذ قال إبراهيم ". قال قتادة: " مر إبراهيم عليه السلام على دابة قد تقسمتها السباع والدواب والطير والرياح، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ ". وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن زيد: " مر إبراهيم بحوت نصفه في [البر، ونصفه في البحر]، فما كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان في البر فدواب البر تأكله.
فقال له الخبيث الشيطان/ يا إبراهيم: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾؟، ليرى ذلك/ عياناً ".
ومعنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: أي ليطمئن إلى ما تَاقَ إليه من العيان لا أنه شك
دخل عليه.
وقال السدي: " لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربه عز وجل أن يأذن له فيبشر إبراهيم عليه السلام بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس هو في البيت فدخل داره.
وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أغير الناس يغلق بابه إذا خرج، فلما جاء وجد في داره رجلاً ثانياً، فبادر إليه ليأخذه، / وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال له ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار فقال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك، قال له: من أنت؟ ق ل: ملك الموت، جئت أبشرك أن الله قد اتخذك خليلاً، فحمد الله تعالى، وقال: يا ملك الموت.
أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار، فقال: [يا إبراهيم، لا تطيق] ذلك، قال: بلى.
فعرض عليه فإذا هو برجل [أسود ينال] رأسه السماء، يخرج من فيه لهب النار، وليس من شعرة في جسده إلا صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار.
فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق، وقد تحول ملك الموت في الصورة
الأولى فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه ذلك، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين، قال: فَأَعْرِضْ.
فَأَعْرَض إبراهيم عليه السلام ثم التفتَ فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً في ثياب بيض.
قال: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمني عند ربه عز وجل من قرة العين والكرامة إلا صورتك/ هذه لكان يكفيه.
فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم صلى الله " عكلى محمد " وعليه وسلم يدعو ربه، يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حين أعلم أني خليلك.
قال: أو لم تؤمن بأني خليلك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بذلك ".
وقال ابن عباس: " ما في القرآن آية أرجى عندي منها "، يريد أن إبراهيم دخل قلبه الشك، فنحن آكد أن يعترضنا ذلك.
وقال عطاء بن أبي رباح: " دخل قلب إبراهيم صلى الله عليه وسلم بعضُ ما يدخل
قلوب الناس ".
وروى مالك عن الزهري أن ابن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رَحِمَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْهُ، إِذْ قَالَ إِبْرَاهيِمُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾، وَقالَ: ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ".
واختار الطبري هذا القول لرواية أبي هريرة لهذا الخبر عن النبي [عليه السلام] لأن الشيطان يعرض لجميع الخلق.
وقد قال النبي [عليه السلام]: " ذَلِكَ مِنْ مَحْضِ الإِيمَانِ ".
وهذا القول من نبي الله صلى الله عليه وسلم إنما هو على التواضع والتذل لله، ونفى التكبر كما قال: " لاَ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ " ويعيذه الله من الشك الذي يدخل في قلوب المذنبين المؤمنين.
ويجوز أن يكون قوله: " نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم "، يعني به أمته، كأنه
صلى الله عليه وسلم يعذرهم فيما يوسوس [به إليهم الشيطان].
وقد عفا الله عما يوسوس به الشيطان في قلوب المؤمنين إذا لم يبدوه ولم يعتقدوه.
وقال قال سعيد بن جبير: " معنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليزداد يقيناً ".
وعن ابن عباس: " ليطمئن قلبي " في إجابتك إياي إذا دعوتك بأمرٍ وسألتك فيه ". ولم يرد أن إحياء المتى يطمئن به.
قال أبو إسحاق: " ولم يكن شاكاً، ولكن أراد مشاهدة ذلك عياناً ليزداد يقيناً، فليس الخبر كالمعاينة ".
قوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير﴾.
قال مجاهد/ وابن جريج وابن زيد: " أخذ طاووساً وديكاً وغراباً وحمامة ".