الأعراف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قال وهب بن منبه: " لما سألوا نبيهم أن يبعث الله إليهم ملكاً يقاتلون معه سأل نبي الله في ذلك، فأمره أن ينظر إلى قرن في بيت فيه دهن، فقيل له: هذا الدهن/ إذا نشَّ عند دخول رجل فهو الملك، فَأَدْهِنْ رأسه منه ومَلَّكْهُ عليهم، فأقام النبي ينتظر متى يدخل ذلك الرجل عليه.
فخرج طالوت يوماً في طلب دابة له، ومعه/ غلام له فمر ببيت النبي فقال غلام طالوت لطالوت: لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن دابتنا ليرشدنا إليها، ويدعو لنا بخير، فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران شأن دابتهما ويسألانه الدعاء، إذ نش الدهن الذي في القرن، فأخذه النبي وقال لطالوت: قَرِّبَ رأسك فَدَهِّنْهُ من الدهن، [ثم قال] له: أنت ملِك بني إسرائيل.
فشاع الأمر في بني إسرائيل [وأتت] عظماء بني إسرائيل لنبيهم وقالوا: ما لطالوت يُمَلَّك علينا ونحن أحق بالملك منه لأنك قد علمت أن الملك والنبوة في آل لاوي وآل يهوذا فقال لهم: ﴿إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ﴾: أي اختاره وزاده بسطة في العلم والجسم ".
وقال السدي: " لما سألوه ملكاً يقاتلون معه أتاهم بعصا، وقال: إن صاحبكم طوله طول هذه العصا، فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها، فقال لهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا ما كنت قط أكذب منك الساعة ". قال ابن عباس: " كان من بني إسرائيل سبط نبوة وسبط خلافة، ولم يكن طالوت من أحد السبطين، فلذلك قالوا: ﴿أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا﴾ أي من أين له ذلك؟، وليس هو [من أحد] السبطين ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ﴾، لأنا من أحد السبطين ". وقال غيره: " [كان طالوت من سبط قد أتوا] ذنباً فنزع منهم الملك، فلذلك أنكروا أن يكون ملكاً إذ هو من سبط قد أتوا ذنباً، ونزع منهم الملك ". قال وهب بن منبه: " كان طالوت يطول بني إسرائيل من منكبيه إلى فوق؛
يزيد ذلك على أطولهم ".
قوله: ﴿والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: يضعه حيث يشاء.
﴿والله وَاسِعٌ﴾.
أي: يوسع من فضله على من يشاء.
﴿عَلِيمٌ﴾ بمن هو أحق بالمملكة، وبما فيه حسن العاقبة وهذه الآية تدل على جواز إقامة المفضول لأن نبيهم كان أفضل من طالوت فقد قدم المفضول على الفاضل.
قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية.
دلت هذه الآية على أن في الكلام حذفاً واختصاراً كأنهم قالوا: ما آية ملكه وما علامته؟ فقال: آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة.
وهذا التابوت كان عندهم من عهد موسى صلى الله عليه وسلم وهارون/، فسلبهم إياه ملوك من أهل الكفر، فجعل الله رده عليهم آية لملك طالوت.
قال ذلك/ قتادة والربيع، قالا: " كان التابوت في البرية، وكان موسى صلى الله عليه وسلم / خلفه عند فتاة يوشع بن نون، فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت.
وقال أهل التفسير: كان بنو إسرائيل ينبهون بالتابوت ويستنصرون به على الأعداء، ويقدمونه أمامه إذا قاتلوا أهل الكفر.
فلما عصوا الله عز وجل وخالفوا أنبياءه، أظهر الله عليهم أهل الكفر، فسلبوهم التابوت وجعلوه في مخرأة عناداً وتصغيراً له.
فلما تقذر الموضع الذي هو فيه، ابتلاهم الله بالواسير، فضاقوا بها ذرعاً وعلموا السبب الذي من أجله ابتلوا بها، فأجمع رأيهم على أخراج التابوت، فأخرجوه وجعلوه على بقرة ذات لبت، فحملته الملائكة حتى وضعته بين بين إسرائيل، فرضوا بطالوت ملكاً.
وكان لهم في هذا التابوت آية عظيمة كانوا يهزمون به العدو ويظهرون به على الكفار.
فقالوا: إن جاءنا التابوت آمنا وسلمنا، وكان العدو الذين أخذوه أسفل
الجبل - جبل إيلياء عبدة أوثان - وكان ملكهم/ جالوت، وكان طالوت قد أعطاه الله شجاعة وقوة وشدة وبطشاً، وكان الكفار قد جعلو التابوت في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح مكنسة رؤوسها، وبعث الله عز وجل على أهل تلك القرية فأراً يبيت الرجل الفأرة فيصبح ميتاً قد أكلت ما جوفه، فاستشأموا بالتابوت، وقالوا: هذا بلاء قد أصابكم مذ كان هذا التابوت بين أظهركم، قد رأيت أصنامكم تصبح كل غداة منكسة،، ولم تكن تصنع هذا إلا مذ كان التابوت معها فأخرجوه من بين أظهركم.
فدعوا بعجلة فحلموا التابوت عليها ثم علقوها بثورين ثم ضربوا على جنوبها.
فمرت الملائكة تسوق الثورين حتى وقفوا على بني إسرائيل فكبروا، وحمدوا الله وجدوا في الحرب ".
وقال ابن عباس: " لم يبق من الألواح إلا سدسها، وكانت العمالقة
أخذت التابوت وهم فرقة من عاد، فحملت/ الملائكة التابوت بين السماء والأرض وهم ينظرون حتى وضعته عند طالوت، فسلموا له الأمر وملكوه.
وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا بين أيديهم التباوت ".
قال ابن عباس: " بلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة ".
قال وهب: " كان نحو ثلاثة أذرع في ذراعين ".
/ قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾.
قيل: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان.
قال ذلك على بين أبي طالب.
وروي عنه أنه قال: " هي ريح خجوج ولها رأسان ".
وقال مجاهد: "السكينة لها رأس كرأس الهر، وجناحان وذنباً كذنب الهر ".
وقال السدي: " هي طست من ذهب من الجنة تغسل فيه قلوب الأنبياء، وفيها رضاض الألواح.
وكانت الألواح من درر وياقوت وزبرجد ".
وروي عن وهب بن منبه " أن السكينة روح/ من الله يتكلم، إذا اختلفوا في شيء، بين لهم ما يريدون ".
وقال ابن جريج: " سألت عطاء عن السكينة فقال: هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها ".
وقال الربيع: " السكينة الرحمة ".
وقال قتادة: " السكينة الوقار ".
وروى الضحاك عن ابن عباس أن السكينة دابة مثل الهرّ
لعينيها إشعاع، فإذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليهم، فنهزم ذلك الجيش من الرعب.
وقال بعض بني إسرائيل من علمائهم: " السكينة رأس هرة ميتة كانت إذ صرخت في التابوت صراخ الهر، أيقنوا بالنصر ".
واختار الطبري أن تكون السكينة ما يسكنوه إليه من الآيات، وهو قول عطاء، وكل ما ذكرنا من الأقوال فهي آيات تسكن إليها النفوس، فهي داخلة تحت هذا القول.
وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ موسى﴾.
قيل: هي عصا موسى، ورضاض الألواح لأن موسى صلى الله عليه وسلم حين ألقى
الألواح تكسرت، فوقع منها رضاض، فجعل في التابوت.
قاله عكرمة وقتادة والسدي.
وروي عن ابن عباس.
وقال مقاتل: " البقية رضاض الألواح، وصر في طست من ذهب وعمامة موسى وعصاه ".
وعن السدي أنه قال: " هي التوراة ورضاض الألواح والعصا ".
وقال أبو صالح: " هي لوحان من التوراة وثياب موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم وعصاهما وكلمة الفرج، لا إله إلا الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين ".
وقيل: هي عصا موسى وعصا هارون ورضاض الألواح.
قاله أبو صالح وعطية بن سعد.
وقال الثوري: " هي العصا والنعلان ".
وقيل: " هي العصا وحدها.
وقال القتبي: " هو من المَنِّ الذي كان ينزل عليهم ورضاض الألواح.
قوله: ﴿تَحْمِلُهُ الملائكة﴾.
قيل: حملته إليهم عياناً حتى وضعته بين أظهرهم.
وقيل: حملته حتى وضعته في دار طالوت.
وقيل: حمل إليه التابوت بأمر الملائكة، كما تقول: " حَمَلَ السلطان الأمير إلى بلد كذا "، وإنما/ أمر بحمله ولم يحمله هو/ بنفسه، فلما وصل إليهم التابوت أقروا غير راضين، وخرجوا للقتال ساخطين.
قال ابن زيد.
وقيل: معنى ﴿تَحْمِلُهُ﴾ تسوقه علجة تجرها بقر.
وقد ذكرنا ذلك.
ومعنى ﴿إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
إن كنتم تصدقون إذا جاء التابوت، ولم يكونوا مؤمنين قبل مجيء التابوت لأنهم كذبوا بنبيهم/ فيما قال لهم وسألوه أن يبين صدقه بآية.
قوله: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ الآية.
أي مختبركم، وذلك أنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين العدو [وكان قد أخرجوا] في ثمانين ألفاً، ولم تخلف منهم إلا ذو عذر.
والنهر بن الأردن وفلسطين، امتحنهم الله به على عطش كانوا فيه.
فقال: " من شرب منه فليس مني:، أي ليس من أهل ولايتي ".
﴿إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ سمح الله لهم في الغرفة.
/ ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾، أي من تركه، ولم يشرب منه فهو مني.
فلما جاوزوا النهر شربه أكثرهم، ولم يقنعوا بغرفة، فكان من شرب عطش، ومن اغترف غرفة روى.
وجعل الكفار منهم يشربون فلا يروون، والمؤمن يغترف
بيده فترويه.
فعبر معه منهم أربعة آلاف، وهم الذين اغترفوا، ورجع ستة وسبعون ألفاً "، وهم الذين شربوا.
وقال ابن زيد: " قال طالوت حين فصل، لا يصحبني إلا من نية في الجهاد، فلم يتخلف عنه مؤمن، ولم يصحبه منافق رجعوا كفاراً، وأخذ من بقي منهم غرفة، ومنهم من لم يمسه ".
وكان البراء يقول: " إن أصحاب النبي عليه السلام يوم بدر، على عدة من جاز مع طالوت النهر، وذلك ثلاثمائة وبضعة عشر ".
وقال السدي: " عبر/ النهر معه أربعة ألاف، ورجع ستة وسبعون ألفاً، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده، قال المنافقون منهم: ﴿لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ﴾، فرجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وخلص طالوت في ثلاثمائة وبضعة عشر، - عدة أهل بدر -، وهم الذين قالوا: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله﴾.
ومعنى ﴿يَظُنُّونَ﴾ يوقنون، ويجوز أن يكون " يشكون " أي يشكون هل يقتلون [في تلك الغزاة، أو يسلمون، ليس هو شك في البعث.
قال أكثر المفسرين: واختبرهم الله بالنهر، وامتحنهم/ بالعطش الشديد فشربوا إلا قليلاً منهم اغترفوا ولم يكثروا وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر وكان جالوت في مائة ألف.
قوله: ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ أي إذا صبروا في طاعته.
وذكر ابن وهب أن ابن عباس قال لكعب: أخبرني عن ست آيات في القرآن لم أكن علمتهن، ولا تخبرني عنهم إلا بما تجد في كتاب الله المنزل: ما سجين؟ [المطففين: 8] وما عليين؟ [المطففين: 18] وما سدرة المنتهى؟ [النجم: 14]، وما جنة المأوى؟ [النجم: 15] وما بال أصحاب الرس ذكرهم الله في الكتاب؟ [ق: 12]
وما بال طالوت رغب عنه قومه؟، وما بال إدريس ذكره الله فقال ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: 57].
قال كعب: " والذي نفسي بيده لا أخبرك عنهن إلا بما أجد في كتاب الله المنزل.
أما " سجين "، فإنها صخرة سوداء تحت الأرضين السبع مكتوب فيها اسم كل شيطان.
فإذا فبضت نفس الكافر، عرج بها إلى السماء، فغلقت أبواب السماء دونها ثم رمي بها إلى سجين فذلك سجين.
وأما " عليون "، فإنه إذا قبضت نفس المسلم عرج بها إلى السماء، وفتحت لها أبواب السماء، حتى تنتهي إلى العرش، فتخرج كف من العرش فتكتب له: نزله وكرامته فذلك " عليون ".
وأما سدة المنتهى، فإنها سدرة عن يمين العرش، انتهى إليها علم العلماء فلا يعلم العلماء ما وراء تلك السدرة.
وأما " جنة المأوى "، فإنها جنة تأوي إليها أرواح المؤمنين.
وأما " أصحاب الرسّ "، فإنهم كانوا قوماً مؤمنين يعبدون الله في ملك جبار لا يعبد الله فخيرهم أن يكفروا أو يقتلهم، فاختاروا/ القتل على الكفر، فقتلهم ثم
رمى بهم في قليب فلذلك سموا اصحاب الرس ".
وأما " طالوت "، فإنه كان من غير السبط الذي الملك فيه فلذلك رغب عنه قومه.
وأما " إدريس "، فإنه كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله على جميع أهل الأرض، فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه فأذن الله له أن يؤاخيه.
. الحديث " وهو مذكور في مريم بتمامه والله المستعان.
/ قوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ الآية.
أي أنزل علينا الصبر لقتالهم وانصرها عليهم.
قوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ الله الملك﴾.
أي أتى داود، وذلك أن جالوت برز وقال: من يبرز فيقتلني، فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم، فأتى بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته، وأن يحكمه في ماله فألبسه/ طالوت سلاحاً، فكره داود أن يقاتله بسلاح، وقال: إن الله إن لم ينصرني عليه، فلا تغني السلاح شيئاً، فخرج بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار، ثم
برز إليه.
فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ فقال داود: نعم.
فقال جالوت: ويحك ما خرجت/ إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة، لأُبَدِّدَنَّ لحمك ولأطعمنك اليوم الطير والسباع ".
فقال له داود: " بل أنت عدو الله شر من الكلب ". فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاغ، فأصاب بين عينيه حتى نفذ في دماغه، وصرع جالوت وانهز من معه، وأخذ رأسه.
ورجع الناس إلى طالوت، فادَّعَوْا قتل جالوت، فأتى بعضهم بسيف وبضعهم بشيء من جسده، والرأس مع داود.
فقال طالوت: " من جاء بالرأس فهو الذي قتله.
فجاء داود به، وطالب طالوت بما وعده.
فندم طالوت على ما جرى بينهما من الشرط، فقال طالوت: إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق وأنت رجل جريء شجاع، فاجعل صداقها ثلاثمائة غلفة من أعدائنا - يرجو بذلك أن يتقل داود -: فغزا معه داود، وأسر ثلاثمائة وقطع غلفهم وجاء بها، فلم يجد بداً من تزويجه وأدركته الندامة، فأراد قتل داود حتى
هرب منه إلى الجبل، وحاضره طالوت، فلما كان ذات ليلة تسلط عليهم النوم فنزل داود/ فأخذق إبريق طالوت الذي كان يشرب فيه، وقطع شعرات من لحيته وشيئاً من هدبة ثيابته ورجع إلى كانه، وناداه: أن تعهد حرسك، فإني لو شئت قتلتك البارحة، وهذا إبريقكم وشيء من شعر لحيتك، وشيء من هذبة ثيابك، وبعث به إليه.
فعلم طالوت أنه لو شاء قتله، فعطفه ذلك عليه فأمنه وعاهده ألا يرى بأساً ثم انصرف ".
قال ابن إسحاق: " إن داود كان له أربعة إخوة خرجوا مع طالوت، وبقي داود في الغنم يرعاها لهم، وكان أصغرهم، فأمره أبوهأن يحمل إليهم زاداً ويرجع، وفخرج داود ومعه زاد إخوته ومخلاته فيها حجارة، ومقلاعه الذي يرمي به فمر بحجر فناداه يا داود، خذني فاجعلني في مخلاتك/ تقتل بي جالوت، فإني حجر يقعوب، فأخذه [وجعله] في مخلاته ومضى فناداه حجر أخر مثل ذلك، وقال: أنا حجر إسحاق، فأخذه ومضى، فنادي ثالث مثل ذلك، وقال: أنا حجر إبراهيم فأخذه/ ووصل إلى الوقوم فدفع إليهم أزودتهم، فسمع داود خوض الناس في العسكر وتعظيمهم لأمر
جالوت فقال لههم: " إنكم لتعظمون من أمره، والله لو أراد الملك لقتلته فأدخلوني على الملك طالوت.
/ فأدخل عليه فقال: أيها الملك، إني أراكم تعظمون أمر هذا العدو ووا لله لو أردته لقتلته.
فقال له طالوت: يا فتى، ما عندك من القوة على ذلك، وفيمن جربت نفسك؟
قال داود: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه وآخذ برأسه فأفك لحييه عنها، فآخذها من فيه، فادع لي بدرعك حتى ألبسها، فدعا بالدرع فلبسها.
فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت فلما التقى الناس، قال داود: أروني جالوت.
فأروه إياه على فرس، فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تتواثب في مخلاته [ويقول] هذا: خذني، وهذا خذني.
فأخذ أحدها وجعله في مقلاعه، ثم أرسله فصك به بين عينيه، ورفعه، وتنكس عن دابته فقتله.
وانهزم وقال الناس: قتل داود جالوت، وخلع طالوت حتى لم/ يسمع له ذلك ".
﴿وَآتَاهُ الله الملك والحكمة﴾.
أي داود.
والحكمة: النبوة.
قوله: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية.
أي بدفع أهل الطاعة عن أهل المعصية، وبالبر عن الفاجر.
﴿لَفَسَدَتِ الأرض﴾.
أي بهلاك أهلها.
وروى ان عمر عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " إِنَّ الله لَيَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مَائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْبَلاَءَ " ثم قرأ ابن عمر ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض﴾.
وعن جابر بن عبد الله، قال: قال [النبي عليه السلام]:
" إِنَّ اللهَ لَيُصْلِحُ بِصَلاَحِ المُسْلِمِ وَلَدَهُ، وَوَلَدَ وَلَدِهِ، وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَاتِ جِيرَانِهِ.
وَلاَ يَزَالُونَ فِي حِفْظٍ مَا دَامَ فِيهِم ".
وأكثر أهل التفسير على أن المعنى: لولا أن الله يدفع بمن يصلي عن من لا يصلي، وبمن يتقي عن من لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم.
وقيل المعنى: لولا أن الله أمر بحرب الكفار، لكان إفسادهم في الأرض أكثر، ولولا أمره في الحرب لَعُمِلَ بالكفر، فيهلك الناس بذنوبهم.
قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق﴾.
أي هذه آيات الله، أي علاماته تتلى عليك يا محمد.
﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾.
أي ما تلي عليك من إماتة من ذكر وإحيائه، وبعث طالوت ملكاً وقتل داود جالوت، وشبه ذلك مما تقدم من الآيات/ التي لا يخبر بمثلها إلا نبي، وإنك إذ جئتهم بهذه الآيات والحجج وأنت أمي لا تقرأ الكتاب لمن المرسلين إذ لا يأتي بهذه الآيات المعجزات إلا مرسل.
قوله: ﴿تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا/ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾.
" تلك " إشارة إلى ما تقدم ذكره من الرسل: موسى وإبراهيم ويعقوب وإسماعيل وإسحاق وداود ممن تضمنه ما تقدم.
قال أبو العزم " ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله﴾ هو موسى، ورفع بعضهم درجات: هو محمد صلى الله عليه وسلم أرسله إلى الناس كافة، وكلمته الشجرة، وأنشق له القمر وأطعم الخلق الكثير ومن اليسير من الطعام في أشباه لهذا لا تحصى، رفع الله بها درجة محمد صلى الله عليه [وسلم].
وروى أبو موسى الاشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أُعْطِيتُ خَمْساً/ لَمْ يُعْطَهُنَّ [أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي: بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِل لِنَبيٍّ كَانَ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ قَدْ سَأَلَ الشَّفَاعَةَ وَإِنِّي أَخَّرْتُ شَفَاعَتِي فَجَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً ".