إبراهيم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
بعضهم بعضاً في الدنيا لاختلاف أديانهم فيها.
﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب﴾ أي: لا ينقص عنهم: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخرون عن الوقت.
وقيل: لا ينظرون لمعذرة يعتذرون بها.
وكل ما في القرآن من اللعنة فالخط فيها في المصحف بالهاء إلا في موضعين كتبت بالتاء: في آل عمران ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الله عَلَى الكاذبين﴾ [آل عمران: 61] و [في] النور ﴿والخامسة أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكاذبين﴾ [النور: 7] هذان بالتاء لا غير.
قوله ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك﴾ أي: استثنى من تاب ممن ذكر قبله.
وقيل: هو ناسخ ل ﴿كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ﴾ الآية وقد ذكرناه.
ومعنى: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي: أصلحوا أعمالهم، وقيل: معناه وعملوا الصالحات.
قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ عنى بها من كفر ببعض الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم ثم
كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فلن تقبل توبتهم عند الموت ومعاينته.
قال قتادة: عنى بها اليهود لأنهم كفروا بالإنجيل - وبعيسى عليه السلام ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم - والقرآن.
وقيل: عنى بها اليهود والنصارى كفروا بكتابهم، فبدلوه، ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ بمحمد عليه السلام.
وقيل: كفرهم الأول هو حجدهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وازدادوا كفراً [أي: ذنوباً].
وقيل: هم اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، [ وازدادوا كفراً] لم يتوبوا مما فعلوا في الصحة لم تقبل توبتهم عند الموت.
وقيل: ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ ماتوا على الكفر.
[و] اختار الطبري أن يكون المعنى: ثم ازدادوا كفراً بما أصابوا من الذنوب، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم حتى يتوبوا من كفرهم
بمحمد صلى الله عليه وسلم والآية عنده عنى بها اليهود.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ﴾ الآية.
معناه: لن يقبل ممن كان بهذه الصفة جزاء ولا فدية ولو كانت ملء الأرض ذهباً، روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت ما هو أيسر من ذلك ".
وقال الزجاج معناه: لو عمل من الخير فتصدق بملء الأرض ذهباً - وهو كافر - لم ينفعه ذلك مع كفره.
قوله: ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
قال ابن مسعود وغيره: البر هنا الجنة.
﴿لَن تَنَالُواْ﴾ حتى تتصدقوا ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أي: تهوون، ومثله ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8] [وقوله] ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
ولما نزلت هذه الآية " جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فحمل النبي (عليه السلام) [عليها] أسامة بن زيد وهو ولده فوجد زيد في نفسه فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما إن الله قد تقبلها منك ".
وقيل: إن البر العمل الصالح الذي يدهو إلى الجنة.
وفي الحديث " عليكم بالصدق فإنه يدعوا إلى البر، والبر يدعو إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإنه يدعو إلى الفجور والفجور يدعو إلى النار ".
قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ﴾ أي: فتصدقوا بشيء فإنه محفظ لكم.
وقال الحسن: النفقة هنا يعني بها الزكاة الواجبة.
قوله: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ الآية.
إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أخبرنا الله تعالى أن الأطعمة كلها كانت حلالاً لولده يعقوب إلا ما حرم يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة، وحرمه وُلْدَه على أنفسهم من غير فرض من الله تعالى عليهم، وكان بيعقوب صلى الله عليه وسلم عرق يسمى النساء، فيأخذه بالليل ويتركه بالنهار فحلف: إن الله عافاه منه ألا يأكل عرقاً أبداً، فحرَّم الله عليهم لبغيهم فنزلت التوراة بتحريم ما كانوا حرَّموه على أنفسهم، فذلك قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ثم قال: إن أنكرتم ذلك فاتوا بالتوراة فاتلوها فإنكم تجدون ذلك فهذا قول السدي.
وقيل: إن الذي حرموه على أنفسهم إنما تبعوا فيه يعقوب صلى الله عليه وسلم، ولم تنزل التوراة بشيء منه، ولكنهم ادعوا أنه في التوراة فقال الله: قل يا محمد ايتوا بالتوراة فإنه لا شيء فيها مما يقولون.
وقال ابن عباس: حرم إسرائيل على نفسه وعلى ولده العرق وليس
بمكتوب في التوراة.
فمجاهد وقتادة وابن عباس وغيرهم يقولون: الذي حرم إسرائيل على نفسه هو العرق لعرق كان به يؤذيه.
[وقال عطاء] وابن جريج: حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وهو قول الحسن.
" ويروى أن عصابة من اليهود حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا أي شيء حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدكم بالذي أنزل التوراة هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب - مرض مرضاً شديداً، فطال سقمه منه، فنذر لله نذراً لئن عافاه الله منه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لُحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فقالوا: اللهم نعم ".
وروي انه حرم على نفسه أحب الطعام إليه إن برئ، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وشحومها، وشحوم الضأن والبقر والمعز، فحرم ذلك على نفسه.
قوله: ﴿فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب﴾ الآية.
أي: فمن ادعى بعد قراءة التوراة - وعدم ما ادعيتم من تحريم العروق ولحوم
الإبل وألبانها فيها -: إن ذلك في التوراة، وأن الله أنزل تحريم ذلك فيها فهو ظالم.
قوله: ﴿قُلْ صَدَقَ الله فاتبعوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ معناه: قل يا محمد صدق الله في جميع ما أخبرنا به وأن إسرائيل حرم لحوم الإبل وألبانها من غير تحريم من الله في كتابه، فإن كنتم أيها اليهود على حق في قولكم ﴿فاتبعوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ فإنه لم يكن مشركاً.
والوقف على قوله ﴿قُلْ صَدَقَ الله﴾ حسن.
قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ.
. .﴾ الآية.
أخبر الله تعالى: أن أول بيت وضع للناس مبارك وهدى للعالمين هو الذي ببكة، وكان قبله بيوت إلا أنه ليس لهن هذه الصفة، هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ فهو على قوله أول بيت وضعت فيه البركة والهدى مقام إبراهيم.
وقال الحسن: هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض.
وقال ابن عمر: هو أول بيت وضع في الأرض، خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء على زبد وبيضاء فدحيت الأرض من تحته.
وقال مجاهد: أو بيت خلق الله: الكعبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وقال السدي.
وقيل: إن موضع الكعبة موضع أول بيت وضعه الله في الأرض.
وقال قتادة:
هبط البيت مع آدم حين هبط، يطوف حوله كما يطاف حول العرش ثم رفعه الله في الطواف فصار معموراً في السماء، ثم إن إبراهيم تتبع منه أساساً حين أمره تعالى ببنائه فبناه على أساس قديم.
ومعنى وضع للناس [أي]: لعبادة الله.
وسئل النبي عليه السلام عن أول مسجد وضع؟ فقال: " المسجد الحرام، ثم مسجد بيت المقدس وكان بينهما أربعون سنة ".
وبكة: حول البيت مع الطواف (من) قولهم بكة: إذا زحمه، فسميت بذلك البقعة للازدحام [الذي يكون] فيها وما عدا ذلك في خارج المسجد: مكة.
قال ابن شهاب: بكة البيت والمسجد، ومكة الحرم كله.
وقال مالك: بكة موضع البيت، ومكة غيره من المواضع.
قال ابن القاسم: يريد القرية.
وروي عن ابن وهب أنه قال: بكة موضع البيت، ومكة ما حول البيت
من المواضع.
وقيل: إنما سميت مكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها.
قال مقاتل: بكة ما بين الجبلين، ومكة الحرم كله وإنما سميت بمكة لأنها تمك المخ من العظم أي تمحقه لما يحتاج (إليه) الإنسان من السعي والطواف والعمل.
يقال: مككت العظم إذا أخرجت ما فيه.
وقيل: سميت مكة لأن الناس كانوا يمكون، ويضجون فيها من قوله:
﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35] يقول: تصفيق وصفير.
وقال الضحاك: بكة هي مكة، وعلى ذلك أهل اللغة أن الميم بدل من الباء كما يقال: لازب، ولازم وسبل شعره وسمله إذا استأصله.
وسميت بكة لأن الناس يتباكون حولها الرجال والنساء يعني يزدحمون، وقيل سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة.
قوله ﴿فِيهِ ءايات بينات.
. .﴾ الآية.
هي: مقام إبراهيم، المشعر الحرام ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾.
وقال مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، وهي آيات كثيرة.
منها: الصفا والمروة والركن والحطيم والملتزم والحجر وغير ذلك، ومنها: أن الطائر لا يعلو البيت صحيحاً ويعلوه مريضاً للتشفي [به] ومنها: أن الجارح يتبع
الصيد فإذا دخل الحرم تركه.
ومنها: أن الغيث إذا كان من ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان من ناحية الشامي كان الخصب بالشامي، والعراقي كذلك، وإن عم الأركان عم الخصب الدنيا.
ومنها: أن الجمار تزداد فيه كل عام لا يحصى كثرة وهي ترى على قدر واحد.
وأمثال ذلك كثيرة لا تحصى.
وعلى هذا القول يكون ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ خبر مبتدأ.
وقد قرأ " فيه آيات بينة " على أنها المقام الموجود الساعة ويكون أيضاً ما بعد مبتدأ.
ومعنى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ كان أهل الجاهلية من جنى منهم جناية ثم لجأ إلى حرم الله لم يطلب، ولم ينتصف وأما في الإسلام فليس يمنع من حدود الله عز وجل مانع.
وعن يحيى بن جعدة ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ قيل: كان آمناً من النار.
وأهل التفسير على أن المعنى: ومن دخله فاراً من غيره مستجيراً به أمن ممن يطلبه.
وقيل: [المقام] هو الحجر الذي فيه أثر رجلي إبراهيم عليه السلام.
وروي أن الله عز وجل أمره أن يؤذن بالحج كما قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي الناس بالحج﴾ [الحج: 27] فوقف على المقام وهو الحجر، فأعطاه الله في صوته ما يسمعه كل من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأعطاه من القوة حتى رسخت رجلاه مقر الحجر فنادى يا عباد الله، أجيبوا داعي الله، والحج إلى بيته الحرام يخرجك من النار، ويسكنكم الجنة " فالناس اليوم يلبون دعوة إبراهيم فمن أجابه مرة حج مرة ومن أجابه مرتين حج مرتين، وكذلك (أكثر) من ذلك.
قوله: ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً.
. .﴾.
هذا فرض من الله واجب علينا مع وجود الاستطاعة.
قال ابن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهـ: الاستطاعة: الزاد والراحلة، وهو قول ابن جبير والحسن.
وعن ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل.
وقال الضحاك: إن قدر [أن] يؤاجر نفسه ويمشي فهو مستطيع.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " السبيل الزاد والراحلة ".
وعن علي رضي الله عنهـ أنه قال: من ملك زاداً وراحلة يبلغانه إلى بيت الله عز وجل فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً.
وقال عكرمة: السبيل: الصحة.
وقال ابن زيد: السبيل القوة في النفقة والجسم والحملان.
وقيل السبيل الطاقة بأي وجه.
وهو اختيار (الطبري) وجماعة من العلماء، وهو مذهب مالك وأصحابه.
والهاء في " إليه " تعود على البيت " وقيل على الحج ".
قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي: من لم يحج وهو يقدر عليه.
وقيل: معناه من لزمه فرض الحج فأنكره فإن الله غني عن حجه.
وقال ابن عباس: من كفر من قال الحج ليس بفرض.
وقيل: معناه من اعتقد أنه لا أجر له في سعيه وحجه، ولا إثم عليه في تأخيره قاله مجاهد.
" وسأل رجل من هذيل النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا نبي الله من تركه كفر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذلك " أي: كافر.
وعن مجاهد أيضاً أنه قال: معنى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾ أي: وكفر بالله واليوم الآخر، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس عند نزول فرض الحج، وخطبهم وأمرهم بالحج وأنه فرض عليهم.
فحج البيت هو ملة واحدة وهي: من آمن بالله، وتركه خمس ملل، وهم الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل عز وجل: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين﴾.
وعن ابن عباس أنه قال لما نزلت: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً﴾ الآية، قالت: الملل كلها نحن مسلمون فأنزل الله ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت﴾ فحج المؤمنون وقعد الكافرون.
قال ابن زيد معناه ومن كفر بهذه الآية يعني التي تقدم ذكرها وهي: مقام
إبراهيم ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾.
قال عطاء: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ بالبيت.
وقال السدي: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ معناه: من وجد ما يحج به ثم لم يحج فهو كافر.
ويروى عن عمر أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى الأمصار فينظرون إلى كل رجل لم يحج وهو واجد فيضربون عليه الجزية ما هم بمسلمين.
وعنه أنه قال: لو أن ناساً تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما قاتلناهم على الصلاة والزكاة.
واختار بعضهم أن يكون المعنى: ومن كفر فأنكر فرض الله ووجوبه.
قوله: ﴿قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله﴾.
هذا خطاب لليهود والنصارى وتوبيخ لهم لأنهم كفروا بمحمد وهم يشهدون أنه حق يجدونه عندهم في التوراة مكتوباً والله يشهد عليهم بأنهم على باطل في إنكارهم له وهم يعلمون أنه نبي حق.
قوله ﴿قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ﴾ الآية.
هو أيضاً لليهود والنصارى، ومعنى صدهم عن سبيل الله هو جحدهم
بمحمد وما جاء به من الدين، والسبيل: الطريق.
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ " أي يبغون لها أي: السبيل أي: يطلبون السبيل المعوج وهو الميل عن الحق في الدين.
العوج بالفتح يكون في الحائط والعود ونحوه.
قال السدي: وكانوا إذا سألهم أحد هل يجدون محمداً صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ قالوا: لا، فيصدون عن الإيمان به، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو السبيل إلى الله سبحانه.
قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في قوم من اليهود أرادوا أن يحدثوا الفتنة بين الأوس والخزرج، وقد كان بين القبيلتين فتنة فذهبت بالنبي عليه السلام، فأراد قوم من اليهود أن يحدثوها بينهم، فنهى الله عز وجل عن ذلك وأخبرهم أنهم إن أطاعوهم كفروا، ثم قال:
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيَاتُ الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [معناه: وعلى أي حال تكفرون أيها المؤمنون وآية الله تقرأ عليكم ورسوله] بين أظهركم يدعوكم إلى الحق ويبينه لكم، فليس لكم عذر في ارتدادكم عن الحق ﴿وَمَن يَعْتَصِم بالله﴾ أي: يمتنع