آل عمران
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقال عكرمة: " الأول بكفرهم بعيسى، والثاني بكفرهم بمحمد [ صلى الله عليه وسلم] ".
وقال مجاهد: " الأول بكفرهم بعيسى [ صلى الله عليه وسلم] والإنجيل.
والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ".
قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.
أي وللجاحدين بمحمد صلى الله عليه وسلم عذاب مهين.
وسُمي مهيناً لأنه يذل الكافر فلا يخرج من ذلته أبداً.
فأما العذاب الذي يعذب به أهل الكبائر فليس بمهين لأنه يتخلص منه برحمة الله وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
ووصف الله العذاب بالمهين يدل على أن ثم عذاباً غير مهين، وهو ما ذكرنا.
قوله: ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾.
معناه أنهم إذا قيل / لهم: آمنوا بالقرآن، قالوا: نؤمن بالتوراة، ويكفرون بغيرها من جميع الكتب.
[" ووراء " هنا بمعنى: " سِوَى "].
وقيل: هي بمعنى " بعد ".
﴿وَهُوَ الحق﴾.
أي والذي بعد التوراة الحق مصدقاً للتوراة، وهو القرآن [لأن] كُتُب الله يصدق بعضها بعضاً، وفي كل واحد منها الأمر / بالتصديق بغيره من الكتب.
قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله﴾.
أي: إن كنتم تؤمنون بالتوراة كما زعمتم، فَلِمَ قتلتم الأنبياء؟.
قال كعب: " كانت بنو إسرائيل يقتلون سبعين نبياً في يومهم، وتقوم
سوق بقلهم في آخر النهار ".
فقال: فلم تقتلون أنبياء الله، وهو محرم عليكم في التوراة إن كنتم في / ادعائكم أنكم تؤمنون بالتوراة صادقين.
والمراد بهذا آباؤهم، كل ذلك تكذيب لهم وتعيير.
" وتَقْتُلُونَ " بمعنى " قتلتم "، أي: فلم قتل أسلافكم ودل على ذلك قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: 25].
وقال في موضع آخر: ﴿قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ / إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 183]. فأتى بلفظ الماضي على معنى: فلم قتلتم أسلافكم إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله كما زعمتم.
وقيل: إنَّ " إنْ " بمعنى " ما " والمعنى ما كنتم مؤمنين إذ فعلكم هذا ورضاكم به مُتماد.
وإنما جاز أن يخاطبوا بذلك وهم لم يفعلوا لأنهم
مقيمون على ما كان عليه أسلافهم من سفك الدماء وتغيير التوراة، فخوطبوا بما يخاطب به الفاعل لأنهم مثلهم وإن لم يفعلوا، إذ كان اعتقادهم لا يختلف فهم مشاركون لهم في الفعل راضون بما صنع أسلافهم.
فألزموا ما لزم أسلافهم من التقريع والمخاطبة.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ موسى بالبينات﴾ أي بالآيات الواضحات.
﴿ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ﴾ أي إلها.
والهاء في ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ تعود على موسى صلى الله عليه وسلم.
وقيل على المجيء.
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ الآية.
أخذ الله ميثاق بني إسرائيل بأن يعملوا بما في التوراة بقوة أي: بجد وعزم ونشاط وكان ذلك إذ رفع فوقهم الطور.
قوله ﴿واسمعوا﴾: أي: استمعوا ما أمرتم به، وتقبلوه بالطاعة.
﴿قَالُواْ سَمِعْنَا﴾: أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك.
وخرج في هذا من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة كما قال: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: 22].
وقد يخرج من الغيبة إلى الخطاب كما قال تعالى: ﴿الحمد للَّهِ﴾ [الفاتحة: 2]، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5].
قوله: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ﴾.
أي: حب العجل من أجل كفرهم.
وقيل: المعنى إنهم سقوا من الماء الذي ذري فيه براية العجل.
وقال السدي: " إنهم شربوا من الماء الذي ذري فيه سحالة العجل بأمر موسى صلى الله عليه وسلم / لهم.
فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب فذلك قوله: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾.
وأولى هذه الأقوال قول من قال: حب العجل.
لأن الماء لا يقال فيه: أشربته بمعنى " سقيته ".
وروي أنهم قالوا لموسى صلى الله عليه وسلم: " إن عبادة العجل أسهل علينا من عبادة الرحمن، لأن العجل إن عصيناه لم يعذبنا، والرحمن إن عصيناه / عذبنا ". فأنزل الله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾.
قوله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾.
معناه أي: قل يا محمد: بئس الإيمان إيمان يأمركم بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن التوراة تنهى عن الجحود بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتنهى عن القتل وعن تبديل ما أنزل الله وأنتم على ذلك مصرون.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: أي: في قولكم إن كنتم تؤمنون بما أنزل إليكم.
وقيل: معناه: ما كنتم مؤمنين.
قوله: ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت﴾.
معناه: إن كانت لكم الجنة على قولكم وأنتم إليها صائرون، فتمنوا الموت فإن ذلك لا يضركم.
ففضحهم الله تعالى في كذبهم ودعواهم، وَعَلِم الناس أن تأخرهم عن التمني يدل على كذبهم، وكذلك امتنع النصارى إذ دعاهم النبي [عليه السلام] إلى المباهلة في عيسى صلى الله عليه وسلم فافتضحوا، وعلم أنهم كاذبون في دعواهم.
قال النبي [عليه السلام] " لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوا المَوْتَ لماتُوا وَلَرَأَوْأ مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ.
وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ لَرَجَعُوا / لاَ يَجِدُونَ أهْلاً وَلا مَالاً "، رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وإنما دعوا إلى تمني الموت لأنهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18].
ويقولون: ﴿لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾ [البقرة: 111]. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إن كنتم صادقين / فيما تقولون، فتمنوا الموت فلم يفعلوا فَبَانَ كذبهم.
قال ابن عباس: " [قيل لهم]: ادعوا بالموت على أي: الفريقين أكذب فأبوا ".
وقوله: ﴿مِّن دُونِ الناس﴾.
أي: من دون جميع الناس.
وقيل: من دون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
قوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾.
أي: لا يتمنونه لما يعلمون من ظلمهم وكذبهم وإنكارهم [لنبوة محمد] عليه السلام.
وهو عندهم في التوراة [فلو يتمنوا الموت] لهلكوا، فهم لا يفعلون ذلك أبداً.
قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
أي: من تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم [ وتبديلهم للتوراة وعبادتهم للعجل] وغير ذلك مما سلف لهم، فأضيفت الجناية إلى اليد، وإن كانت تكون بغير اليد من لسان واعتقاد لأن معظم الجنايات باليد تكون، فجرت الإضافة في كلام العرب إلى اليد في جميع ذلك من أجل أن بها يكون أعظم الجنايات.
قوله: ﴿عَلِيمٌ بالظالمين﴾.
أي: عليم بمجازاتهم / على ما فعلوا.
تم الجزء [الثاني]
قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ﴾.
أي لتعلمنّهم يا محمد حريصين على الحياة لما يعلمون ما لهم في الآخرة من الخزي، لأنهم يعلمون أنك نبي ويجحدون ذلك.
قوله: ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ الآية.
أي: وأحرص من الذين / أشركوا وهم المجوس.
وقيل: هم قوم يعبدون النور والظلمة.
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾: إخبار عن أحد الذين أشركوا لو يعمّر ألف سنة، كان قد بلغ من حبهم في الحياة أن جعلوا تَحِيَّتَهُمْ: " عِشْ أَلْفَ سَنَةٍ "، حرصاً على الحياة، فهؤلاء الذين يقولون أن لهم الجنة خالصة، هم أحب في الحياة من جميع الناس ومن هؤلاء الذين أدّاهم [حرصهم على الحياة أن جعلوا تحيتهم]: عِشْ ألف سنة " وذلك لما قد علموا من سوء ما قدموا لأنفسهم.
وقيل: " إن [معنى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾: أي: أحد اليهود] الذين قيل لهم تمنوا الموت.
والأول أشبه بالآية.
قال قتادة: " حببت إليهم الخطيئة طول العمر ".
قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ الآية.
أي: وما أحدهم بمباعده.
ومنجيه من العذاب التعمير.
وقيل: المعنى وما التعمير بمباعده من العذاب (وَأَنْ يُعَمَّرَ)، بدل من التعمير.
وقيل: " التقدير: وما الحديث، أو ما الأمر بمزحزحه من العذاب أن يعمر ". وهو مذهب الكوفيين من النحويين.
ولا يجيزه البصريون، لأن الباء لا تدخل على الجملة التي تفسر المجهول وهو الأمر أو الحديث أو الخبر ونحوه.
قوله: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ الآية.
قال ابن عباس: " جبرائيل وميكائيل مثل عبد الله وعبد الرحمان ".
قال عكرمة: " جبر " و " ميك " و " إسراف " [عبد و " إيل ": الله عز وجل] .
ومعنى الآية فيما قال ابن عباس: " إن عصابة من اليهود سألوا النبي [عليه السلام] عن مسائل، منها أن قالوا: أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه، وعن ماء الرجل وماء المرأة، وعن الذكر والأنثى، وقالوا أخبرنا من هذا النبي الأمي في التوراة؟ ومن وليُّه من الملائكة؟ فأخذ [عليهم النبي عليه السلام عهوداً] أنهم يؤمنون إن أخبرهم وناشدهم الله على ذلك فأخبرهم أن إِسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً فَنَذَرَ إِنْ عَافَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحُومَ الإِبِلِ، وأَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانَهَا، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " اللَّهُمّ اشْهَدْ، ثُمَّ نَاشَدَهُمْ اللهَ وَقالَ: " هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُل أَبْيَضٌ غَلِيظٌ، وَمَاءُ المَرْأَةِ أَصْفَرٌ رَقِيقٌ، فَأَيُّهُمَا عَلاَ كَانَ لَهُ الوَلَدُ وَالشَّبَهُ بِإِذْنِ / الله عز وجل، وَإذَا عَلاَ مَاءُ الرَّجُلِ كَانَ / الوَلَدُ ذَكَراً، وَإِِنْ عَلاَ مَاءُ المَرْأَةِ / كَانَ أُنْثَى؟ قَالُوا: اللُّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ نَاشَدَهُمْ اللهَ، وَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ [هَذَا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ
تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ؟] قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ.
قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ: [قَالُوا: وَأَنْتَ] الآنَ، فَحَدِثْنَا مَنْ وَلِيُّكَ مِنَ المَلاَئِكَةِ وَنُجَامِعُكَ.
/ فَقَالَ: إِنَّ وَليِّي جِبْرِيل وَلَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيّاً قَطْ إِلاَّ وَهُوَ وَلِيُّهُ.
قَالُوا: فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ؛ لَوْ كَانَ وَلِيُّكَ سِوَاهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ تَابَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ إلى ﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ".
وروى الشعبي أن عمر بن الخطاب جرت بينه وبين اليهود مناظرة طويلة، فأقسم عليهم: هل تعلمون أن محمداً نبي فأقروا به.
فقال: ولمَ أهلكتم أنفسكم، وأنتم تعلمون أنه نبي؟ فقالوا: إنه قَرَن بنبوته عدونا من الملائكة وهو
جبريل، ولو قرن بها ميكائيل لآمنا به.
فسألهم عمر عن هذه العدواة فقالوا: إن جبريل ينزل بالعذاب والسخط والشدائد والغلظة، وإن ميكائيل ينزل بالرأفة والرحمة والتخفيف.
فقال لهم عمر: وما منزلتهما عند الله؟ قالوا: أحدهما على يمينه، والآخر على يساره.
فقال عمر: فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما - والذي بينهما - لَعَدُوٌّ لمن عاداهما، وسِلْمٌ لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل.
ثم انصرف [عمر عنهم، فوجد النبي [عليه السلام] خارجاً من خوخة [لبني فلان، فقال لعمر]: ألا أقرئك آيات نزلت قبل؟ فقرأ عليه: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ إلى ﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
فقال عمر: وَالذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك، فأسمع اللطيف الخبير سبقني إليك بالخبر ".
وروي عن عمر هذه القصة بغير هذه الألفاظ إلا أن المعنى يؤول إلى شيء واحد.
ومعنى ما في هذا الحديث من ذكر اليمين واليسار، إنما يراد به القرب في المنزلة من الله عز وجل على التمثيل فلا يحل لأحد أن يتمثل في هذا، وفيما شابهه جارحة إذ ليس كمثله شيء.
قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ﴾ الآية.
أي: نزل الفرقان من عند الله على قلب محمد، ولو قال قلبي لكان جيداً، والعرب / تقول: " قل يا زيد للقوم عندي الخبر " " وقل لهم عندك الخبر ". كل ذلك حسن جيد.
ولا يقرأ إلا بما في المصحف.
قوله: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما سلف من الكتب والرسل.
ثم قال: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته﴾ الآية.
روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: " لقي يهودياً عمر رضي الله عنهـ فقال له اليهودي: إن الذي يذكره صاحبك هو عدو لنا.
فقال له عمر: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ الآية، قال: ونزلت على لسان عمر.
وكُرّر ذكر جبريل وميكائيل على معنى التأكيد.
وقيل: لمعنى التفضيل والتخصيص.
وقيل: كرر لأن من أجلهما نزلت الآيات، فكرر ذكرهما للإفهام، ولئلا يقولوا: إنهما غير داخلين في الملائكة المذكورين.
وكرر إظهار اسم " الله " لما في الإضمار من الاحتمال إذ لو قال: (فإنه عدوٌ للكافرين) لجاز لكافر أن يقول: إن المعنى الذي يعادي هؤلاء عدو
للكافرين / فينقلب المعنى.
ويجوز أن يُقال: إن الهاء تعود على أحد المذكورين جبريل أو ميكائيل فيشكل ذلك وظهر الاسم لارتفاع الاحتمال.
وميكائل بالسريانية، وهو بالعربية عبيد الله، وإسرافيل بالسريانية واسمه بالعربية عبد الرحمن، وجبريل بالسريانية واسمه بالعربية عبد الله.
هكذا وقع في كثير من التفاسير، والله أعلم بذلك.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
روي عن ابن عباس " ان رجلاً من اليهود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك لها.
فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: علامات واضحات، ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ الفاسقون﴾.
ثم قال: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً﴾ الآية.
عهدهم هاهنا ما عقدوا على أنفسهم من اتباع التوراة، والعمل بما فيها، وإظهار أمر محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به.
ثم نقض ذلك فريق منهم، وهم الأكثر بدلالة قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
وفي قراءة عبد الله: " نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ".
قوله: ﴿وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ الله﴾ الآية.
معناه: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم يصدق التوراة / وتصدقه.
﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله﴾.
نبذوا التوراة إذ جحدوا ما فيها من صفة النبي والأمر باتباعه، لأن من جحد آية من كتاب الله فقد جحد الجميع.
وقيل: إنهم نبذوه مرة واحدة، واتبعوا ما تتلو الشياطين من السحر.
﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: لا يعلمون أنه نبي صادق في قوله، فهم / يعلمون ذلك، ولكنهم جحدوا به عن علم وكفروا بذلك عن قصد.
قوله: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ الآية.
قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين﴾.
يجو أن تكون " ما " نافية فيحسن الابتداء بها.
وأن تكون بمعنى " الذي " أي: واتبعوا الذي أنزل على الملكين، فلا يبتدأ بها.
وقيل: " ما " في موضع نصب بـ " يعلمونَ "، أي: ويعلمون ما أنزل على الملكين فيتعلمون أي فهم يتعلمون.
وقال الفراء: هو معطوف على ﴿يُعَلِّمُونَ الناس / السحر﴾ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ وأجاز أن يكون مردوداً على قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ على إضمار تقديره.
" فيأتون فيتعلمون ". ويجوز أن يكون مردوداً على ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾ لأن معناه: " فلا تتعلم السحر ". فيكون تقديره: " فلا تتعلم فيأتون فيتعلمون ".
قوله: ﴿على مُلْكِ سليمان﴾.
أي: في حين ملكه، " فعلى " بمعنى " في " كما وقعت " في " بمعنى " على " في قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: 71] أي على: جذوع النخل.
ومعنى " تَتْلُو " تقرأ، وقيل: تروي.
قوله: ﴿لَمَنِ اشتراه﴾.
" من " بمعنى " الذي "، وأجاز الفراء أن تكون للشرط ولا يجوز ذلك عند البصريين.
والضمير في ﴿واتبعوا﴾ يعود على اليهود الذين وصفهم الله قبل، بنبذ الكتاب والكفر والجحود وغير ذلك، وهم اليهود الذين هم بحضرة رسول الله [عليه السلام] لأنهم تركوا كتابهم واتبعوا السحر.
﴿على مُلْكِ سليمان﴾: أي: على عهده.
قال السدي: " كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتسمع ما أُخْبِرَ به الملائكة مما يحدث في الأرض / من موت أو جدب أو غير ذلك فيخبرون به الكهنة، فتحدث الكهنة الناس ويزيدون فيه مع كل كلمة سبعين كلمة من الكذب.
فاكتتب الناس ذلك في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب.
فجمع سليمان تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين
يدنو من كرسيه إلا احترق.
وانتهى الناس عن إضافة الغيب إلى الشياطين.
فلما مات سليمان صلى الله عليه وسلم وانقرض العلماء، تمثل الشيطان في صورة الإنسان، وأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم.
قال: فاحفروا تحت الكرسي.
وذهب معهم فأراهم المكان فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال: إن سليمان إنما كان يملك الجن والإنس والطير بهذا السحر.
ثم ذهب عنهم، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، فطلب بنو إسرائيل السحر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم خاصموه / بها، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَفَرَ سليمان ولكن الشياطين كَفَرُواْ﴾ ".
وقال الربيع في خبر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم:
" أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن السحر فقال لهم النبي [عليه السلام]: إِنِّما عَمَدَتِ الشَّيَاطِينُ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ إِلَى السِّحْرِ وَالكَهَانَةِ فَوَضَعَتْهُ فِي كُتُبٍ وَدَفَنَتْه تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ اسْتَخْرَجُوا الكُتُبَ وَخَدَعُوا بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاتَّبَعوهَا ".
وقال ابن جريج: " عني بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان ".
وقال ابن إسحاق: " إنما كتبت الشياطين ما كتبت حين علمت بموت سليمان صلى الله عليه وسلم؛ / كتبت: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا.
فكتبوا أصنافاً وختموا عليه وعنونوا: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصِّديق للملك سليمان بن داود.
ثم دفنوه تحت الكرسي.
فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل واتبعته، / وقالوا: ما ملك سليمان إلا بهذا.
فأفشوا السحر في الناس، فليس السحر في أحد أكثر منه في اليهود.
وقد سحروا النبي صلى الله عليه وسلم ".
وبابل: موضع يقال الملكان فيه في سرب من الأرض معلقين في ضوء كضوء النهار.
وقيل: إنما سمي بابلاً لأن الألسنة فيه تبلبلت، وافترقت الأمم من ذلك المكان في الآفاق لاختلاف ألسنتها.
وقيل: إن ذلك إنما كان على عهد فرعون إذ جمع الناس لبنيان الصرح، ومن ذلك الوقت لا تدع الريح بنياناً يبلغ ذراعاً إلا دمرته.
وقال ابن عباس: " إن سليمان لما ذهب ملكه ارتد فئام من الناس من الجن والإنس وأحدثوا سحراً، واتبعوا الشهوات.
فلما رجع سليمان إلى ملكه، أخذ تلك الكتب ودفنها.
فلما مات ظهرت الإنس والجن على تلك الكتب، وقالوا: هذا كتاب من عند الله أخفاه عنا سليمان فجعلوه ديناً ".
ومعنى ﴿تَتْلُواْ﴾: تحدث وتروي وتتكلم.
وقيل: معناه تتبع.
قوله: ﴿على مُلْكِ سليمان﴾.
أي: في ملكه وعهده.
قال ابن عباس: " كان سبب محنة سليمان صلى الله عليه وسلم أن أهل امرأة له يقال لها جرادة اختصموا إليه مع خصماء لهم / فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحداً.
وكان سليمان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يقضي حاجة أعطى خاتمه لجرادة، فلما أراد الله منه ما أراد جاء الشيطان يوماً في
صورة سليمان إلى جرادة فقال: هاتي الخاتم.
فأخذه فلبسه فدانت له الشياطين والجن والإنس.
فلما جاءها سليمان يطلب الخاتم، قالت له: كذبت لست سليمان فعرف سليمان أنه ابتلي، فعند ذلك كتبت الشياطين سحراً ودفنوه تحت الكرسي، وأخرجوه بعد موته، فضل الناس به، وتبرأ كثير منهم من سليمان صلى الله عليه وسلم.
قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين﴾.
" ما " في موضع نصب عطفاً على " ما " في قوله: ﴿واتبعوا مَا﴾.
وإن شئت عطفاً على السحر أي: ﴿يُعَلِّمُونَ الناس السحر وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين﴾.
وقيل: ما جحد قاله ابن عباس /. أي لم ينزل على الملكين السحر.
ومعنى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي يخبرانه بالسحر ليتجنبه ولئلا يقع فيه وهو لا يدري فيقولان: " السحر هو كذا وكذا، فاجتنبه فإنه كفر ".
وتقدير قول من جعل " ما ". [نفيا أن يكون في] الكلام تقديم وتأخير على ترتيب: " واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمان الناس السحر ببابل هاروت وماروت ".
وقيل: يعني بالملكين هنا: جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود تزعم أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله بذلك وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأن تعلم الناس ذلك ببابل وأن الذي يعلمه رجلان اسمهما هاروت وماروت.
فهو رد على الشياطين.
وقيل: الذي يتعلمه من الناس هاروت وماروت.
فهو رد على الناس.
وقال قتادة والزهري عن عبد الله: " كانا ملكين أهبطا إلى الأرض للحكم
بين الناس فحاكمت إليهما امرأة فحافا، فأتيا ينهضان إلى السماء فلم [يقدرا، وخُيّرا] بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحداً حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾.
وذكر ابن الأعرابي في " الياقوتة " أن معنى " يُعَلِّمَان ": " يُعْلِمانِ " مخففاً.
قال: والعرب تقول: " تعلم مني " أي: اعلم.
قال: ومعناه: أن الساحر يأتي الملكين فيقول: أخبراني عما نهى الله عنه [فننتهي عنه]، فيقولان: نهى عن الزنا، فيقول: وما الزنا؟ فيصفانه له.
ويقولان: نهى عن اللواط ويصفانه.
ونهى عن السحر ويصفانه له / لينتهي عنه، فينصرف ويخالف ويكفر.
فالمعنى: وما يعلمان من أحد حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ [فَلاَ تَكْفُرْ]﴾ " أي: اختبار من الله فلا تكفر، فتعمل بما ينهاك عن العمل به.
وروي عن ابن عباس في قصة الملكين: " أن الله تعالى أطلع الملائكة على أعمال بني آدم، فقالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، و [أسجدت له] ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء يعملون بالخطايا.
فقال الرب لهم: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم.
قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي لنا.
قال: فأمروا أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وأحل لهما كل شيء إلا الشرك والسرقة والزنا وشرب الخمر، وقتل النفس.
قال: فما أشهرا حتى عرض لهما بامرأة، قد قسم لها / بنصف الحسن، فلما أبصراها تعرضا لها، قالت: لا، إلا أن تشركا بالله شيئاً /، وتشربا الخمر وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم.
قالا: ما كنا لنشرك بالله شيئاً.
فقال
أحدهما للآخر: ارجع إليها.
فقالت: لا، إلا أن تشربا الخمر، فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه.
فلما وقعا فيما وقعا من الشر، أفرج الله لملائكة السماء لينظروا إليهما فقالوا: سبحانك أنت أعلم.
فأوحى الله تعالى [إلى سليمان] بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ".
وروي عن ابن عباس أنه قال: " نزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، وكانت الملائكة من قبل يستغفرون للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر: 7] فلما وقع الملكان في الخطيئة استغفروا لمن في الأرض ".
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، فلما أراداها قالت: لا، إلا أن تعلماني الكلام الذي إذا تكلم به عرج إلى السماء.
فعلماها فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكباً ".
قال كعب: " والله ما أمسيا في الأرض من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا فعل جميع ما نهيا عنه ".
وقال السدي /: " إن هاروت وماروت طعنا في بني آدم وأحكامهم.
فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشراً من الشهوات فيها يعصون.
فقالا: لو أعطينا تلك الشهوات ونزلنا لحكمنا بالعدل.
فأعطيا ذلك، ونزلا ببابل.
فكانا يحكمان إلى المساء، ثم يصعدان، فإذا أصبحا نزلا.
فأتتهما امرأة تخاصم زوجها فأعجبهما حسنها [فكلماها في نفسها]، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فحكما لها عليه، ووعدتهما قرية خربة فأتياها.
فلما أرادا منها الحاجة، قالت: لا، حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان، فأخبراها، [فتكلمت فصعدت وأنساها الله] الاسم الذي تنزل
به، فبقيت مكانها وجعلها الله تعالى كوكباً وهي الزهرة.
فخُيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ".
وكان ابن عمر يلعن الزهرة.
رواه نافع عنه.
وكل هذه الأخبار تدل على أن " ما " في قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين﴾ ليست بنفي.
وروى ابن وهب أن خالد بن أبي عمران ذُكر عنده هاروت وماروت أنهما يعلمان السحر، فقال: " ننزههما عن هذا ". فقرأ بعض القوم ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين﴾
فقال خالد: لم ينزل / عليهما.
وقرأ الحسن " المَلِكَيْنِ " بكسر اللام، وقال: " هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وكذلك قرأه عبد الرحمن بن أبزى، لكنه قال: " هما داود وسليمان ".
قال السدي: " إذا أتى الملكين أَحَدٌ يتعلم السحر يقولان له: " لا تكفر إنما نحن فتنة ". فإذا أبى قالا له: " إئت هذا الرماد فبل فيه.
فإذا بال عليه خرج منه نور ساطع فيسطع حتى يدخل السماء، فذلك الإيمان.
ثم أقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه فذلك غضب الله.
فإذا أخبرهما بما رأى وبما / فعل علماه ".
/ ومعنى ﴿إِنَّمَا نَحْنُ [فِتْنَةٌ]﴾: أي اختبار وابتلاء.
وروي أن الله جل ذكره أخذ على هاروت وماروت الميثاق ألا [يعلما
أحداً] السحر حتى يقولا له: " إنما نحن فتنة فلا تكفر بفعل السحر ".
وهذا يدل على قتل الساحر إذا سحر وظفر به من غير استتابة، لأنه شيء يخفيه فلا يُعلم بصحة توبته منه لو تاب.
ويقال: إنهم كانا يعلمان من السحر ما يفرق به بين الزوجين خاصة كما ذكر الله.
وقوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾.
أي: بعلمه وقضائه لا بأمره لأن الله سبحانه لا يأمر بالفحشاء، فلا تقع الفحشاء من فاعلها، إلا بعلم الله وقضائه وقدره.
هذا مذهب أهل السنة والجماعة.
وتعليمهم السحر هو فتنة أختبر بها الخلق.
وقيل: هو تعليم إنذار منه وتحذير منه، لا تعليم دعاء له ورغبة في العمل به.
قوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾.
أي: بقضائه المتقدم أنهم يفعلونه ويضرون به.
وقيل: معناه بعلم الله.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ﴾.
قوله: ﴿لَمَنِ اشتراه﴾.
أي: لمن استحبه وقبله وعمل به، ما له في الآخرة من خلاق.
/ أي: علمت يهود في التوراة أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق.
أي: من نصيب وحظ.
وقيل: من دين.
وقيل: من قوام.
وقيل: إن (علموا) يراد به الشياطين لأنه لو رد إلى اليهود لكان قوله:
﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ نفى عنهم العلم، وقد أخبر أنهم علموا.
وقيل: علموا هو للمَلَكَين لأنهم يقولون: لا تكفر، فقد علموا أنه لا خلاق لمن اشتراه في الآخرة، وثُني كما يقال: " الزَّيدان قاموا ".
وقال الزجاج: " علموا ": هم علماء اليهود ".
وقوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾.
قيل لهم ذلك لأنهم صاروا في محل من لا علم عنده إذ لم ينتفعوا بعلمهم، فصاروا بمنزلة الجاهل بهذا الأمر، فنفى عنهم العلم بعد أن أخبر أنهم علموا من أجل ذلك.
وهذا مشابه لقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: 18] لأنهم لما لم ينتفعوا بهذه الأعضاء كانوا بمنزلة من عَدِمَها، فوصفوا بذلك وهم غير صم ولا بكم ولا عمي.
﴿وَشَرَوْاْ﴾ هنا بمعنى باعوا.
وتقدير الكلام عند الطبري: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون "، أي: يَعْلَمون أنه يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم.
يريد به الذين
يتعلمون السحر للتفريق بين المرء وزوجه.
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه﴾.
يريد به علماء اليهود.
فإيجاب العلم لعلماء اليهود ونفيه هو عن الذين يتعلمونه للتفريق.
وقتل الساحر عند مالك واجب بهذه الآية إذا سحر بنفسه لأنه كفر لقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾.
والكافر إذا ستر كفره [قتل إلا أن] يأتي قبل أن يُعرف به، فيخبر بما كان سَتَر، فإن توبته تقبل.
ومثله الزنديق عند مالك يقتل إذا قدر عليه ولا يستتاب.
فإن أَظْهَره قبل أن يُظهر عليه استتيب، فإن تاب وإلا قتل.
وهو والزنديق سواء.
/ والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويُسِر الكفر، فلا تقبل توبته لأنا لا ندري ما في ضميره، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85].
فلا تنفع الساحر، [و] الزنديق توبتهما إذا ظفر بهما، وتنفعهما إذا أتيا قبل أن يُقدر عليهما، كما كان هؤلاء تنفعهم توبتهم قبل / إتيان العذاب، ولا ينفعهم ذلك عند رؤية العذاب.
وهو قول عثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجماعة من الصحابة