الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 6787-6829
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 6787-6829
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾.
قال ابن عباس: " ذلك الكافر اتخذ بغير هدى من الله ولا برهان ". قال قتادة: " لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله ". وقال ابن جبير: " كانت قريش تعبد العزى - وهو حجر أبيض - حيناً من الدهر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر فأنزل الله عز وجل: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾.
قال الحسن: " هو الذي كلما اشتهى شيئاً لم يمتنع منه ". ثم قال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ﴾، أي: وخذ له الله عن طريق الحق في سابق علمه على علم منه بأنه لا يهتدي ولو جاءته كل آية.

قال ابن عباس: " أضله الله في سابق علمه ". وقال ابن جبير: " أضله على عدم قد علمه منه ". وقيل المعنى: أضله الله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه.
وقيل المعنى: على علم منه بأن عبادته لا تنفعه ". ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، أي: وطبع على اسمه أن يسمع (مواعظ الله وما) ينتفع به، وطبع على قلبه (فلا يعي) شيئاً من الخير، وجعل على بصره غكاءً أن يبصر به حجج الله عز وجل، يعني: بصر قلبه.
فهو لا يهتدي لخير، نسأل الله ألا يخذلنا عما فيه رشدنا عنده.
ثم قال: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله﴾، أي: فمن يوفقه لإصابة الحق بعد إضلال الله عز وجل له، وخذلانه إياه.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الناس ما يذكر لكم وما توعظون به.

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وقال هؤلاء المشركون ما حياتنا الدنيا التي نحن فيها، لا حياة سواها، تكذيباً بالبعث والجزاء.
قال قتادة: " هذا قول مشركي العرب ". وقوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي نموت نحن ويحيى أبناؤنا بعدنا.
وقيل: هو كلام فيه تقديم وتأخير.
والتقدير: نحيى ونموت.
وقيل المعنى: نكون أمواتاً، يعني: النطق، ثم نحيى، أي: نصير أحياء في الدنيا ثم لا يهلكنا إلا الدهر، أي: إلا مرور الزمان وطول العمر.
وقيل المعنى: نموت (ونحيا على قولكم أيها المؤمنون) - على طريق الاستبعاد للبعث - بعد الموت، قاله علي بن سليمان.
وهؤلاء قوم لم يكونوا يعرفون الله فنسبوا ما يلحقهم من الموت إلى الدهر.

وقيل: بل كانوا يعرفون الله سبحانه، ولكن نسبوا الآفات والعلل التي تلحقهم فيموتون بها إلى الدهر.
جهلوا أن الآفات مقدرة من عند الله عز وجل.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ ". ومعنى ذلك: أنهم كانوا يسبون الدهر ويقولون: هو يهلكنا فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
فيكون معنى نهيه: لا تسبوا الدهر فإن الله هو مهلككم لا الدهر الذي نسبتم ذلك إليه.
وقيل المعنى: لا تسبوا خلقاً من خلق الله فيما لا ذنب له، فإن الله عز وجل هو خالق الدهر.
فيكون على حذف مثل ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82].
وقيل معنى ذلك، فإن الله مقيم الدهر، أي: مقيم أبداً لا يزول.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: وما لهم - بقولهم: لا نبعث - من

علم، إنما ينكرون ذلك ويقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا - تخرصاً بغير خبر أتاهم من الله عز وجل.
ما هم إلا في ظنون، أي: في شك من ذلك وحيرة.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا تتلى على هؤلاء المكذبين بالبعث آيات الله عز وجل ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت.
لم تكن حجتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرات تخبرهم بالبعث بعد الموت.
لم تكن حجتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قولهم: جئ بآبائنا الذين هلكوا وانشرهم لنا إن كنت صادقاً في قولك: إنا نبعث بعد الموت.
وروى هارون وحسين عن أبي بكر عن عاصم: " ما كان حجتهم " بالرفع.

ثم قال تعالى: ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾، أي: قل لهم يا محمد: الله يحييكم ما شاء أن يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها إذا شاء، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة، أولكم وآخركم لا شك في ذلك، فلا تشكوا فيه.
ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر الناس الذين هم أهل تكذيب بالبعث لا يعلمون حقيقة ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾، أي: سلطان ذلك دون من تدعون من دون الله من الآلهة.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾، أي: وله الملك يوم تقوم الساعة.
والعامل في " يومئذ ": " يخسر ". وقيل: العامل في " يوم تقوم ": " يخسر " و " يومئذ " بدل منه.
فيبتدئ بـ " يوم تقوم الساعة ". قوله: ﴿يَخْسَرُ المبطلون﴾، أي: يغبن / ذلك اليوم الذين أبطلوا في الدنيا في أقوالهم ودعواهم أن (لله شريكا) فيخسرون منازلهم في الجنة، ويبدلون بها منازل في النار كانت للمحقين في أقوالهم ودعواهم أن الله لا شريك له فأبدلوا منها بمنازلهم في الجنة.
فمفعول " يخسر " محذوف، وهو المنازل.
ثم قال تعالى: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كِتَابِهَا﴾، أي: وترى يا محمد

ذلك اليوم أهل كل أمة ودين جاثية على رُكَبِها مجتمعة (مستوفرة) من هول ذلك اليوم.
قال مجاهد: جاثية على الركب (مستوفزين): وهو قول الضحاك وابن زيد وغيرهما.
وعن مجاهد أن " الأمة: هنا: الواحد ". ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كِتَابِهَا اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي أهل كل أمة يدعون إلى كتابهم الذي أَمْلَت حفظتهم في الدنيا من أعمالهم وألفاظهم،

يقال لهم: اليوم تجزون ثواب أعمالكم في الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فالمعنى: كل يجزى بما تضمنه كتابه من عمله في الدنيا، وهو مثل قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13].
ويدل على صحة هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقيل معنى الآية: كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فرض عليها من حلال وحرام فتجازى بما عملت فيه.
قال ابن عباس: يعرض من خميس إلى خميس ما كتبته الملائكة عليهم السلام من أفعال بني آدم.
فينسخ منه ما يُجْزَى عليه من الخير والشر، ويُلغى سائره.
ثم قال: ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾، أي يقال لهم في ذلك اليوم إذا عُرِضَت عليهم أعمالهم في كتبهم التي أحصتها عليهم الحفظة: هذا كتابنا ينطق عليكم بما أٍلفنم في الدنيا من الأعمال، قد أحصته عليكم الحفظة، فاقرؤوه.

﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: كانت حفظتنا تكتب أعمالهم فتثبتها في الكتب عليكم.
وقال ابن عباس: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، (هو أم) الكتاب فيه أعمال بني آدم.
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم من اللوح المحفوظ قبل أن يَعمَلوها، ثم يقابلون بذلك أعمال بني آدم فلا يزيدون شيئاً ولا ينقصون شيئاً قد كتبه الله عز وجل ذلك قبل خلقهم وعلمه وقضاه.
قال ابن عباس " إن الله جل ذكره خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب قال: ما أكتب، فقل: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور ورزق مقسوم من حلال (أو حرام)، ثم الزم كل شيء

من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كم هو، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عَمَلَ ذلك اليوم فإذا فنى الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم (من الخزنة) فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحلكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا.
قال ابن عباس: " ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة تقول: إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل ". وعنه أيضاً أنه قال: فرغ الله عز وجل مما هو كائن فتنسخ الملائكة ما يعمل يوماً بيوم من اللوح المحفوظ، فيقابل به عمل الإنسان لا يزيد على ذلك ولا ينقص.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: " إن الملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون

فيه أعمال بني آدم ". وقيل لابن عباس: ما توهمنا إلا أنهم يكتبونه بعدما يعمل.
فقال: أنتم قوم عرب والله يقول: إنا كنا نستنتخ ما كنتم تعملون " وهل يكون الاستنساخ إلا من نسخة.
وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللهُ عز وجل القَلَمُ، فَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ - وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِين - فَكَتَبَ: الدُّنْيَا وَمَا يَكُونَ فِيها مِنْ عَمَلٍ (مَعْمُوٌ بِرٍّ) أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَو يَابِسٍ، فَأَمْضَاهُ عَنِدَهُ (فِي الذِّكْرِ).
ثُمَّ قَالَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهَلْ تَكُونُ النَّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ". قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ - إلى آخر السورة، فأما الذين وحدوا الله عز وجل وعملوا بطاعته فدخلهم ربهم

في رحمته، يعني: في جنته يوم القيامة.
﴿ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾، أي: دخولهم في رحمته يومئذ هو الظفر الظاهر.
ثم قال: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ ءاياتى تتلى عَلَيْكُمْ﴾، / جواب " أما " محذوف، والتقدير: فيقال لهم ألم تكن آياتي تتلى عليكم، أي تقرأ عليكم فاستكبرتم عن اتباعها والإيمان بها.
والاستكبار في اللغة: الأنفة عن اتباع الحق.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " قَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: الكِبْرَيَاءُ رِدَّائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مَنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ ".

قوله: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾، أي: قوماً تكسبون الآثام والكفر سبحانه، لا تؤمنون بمعادٍ ولا بثواب ولا عقاب.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ والساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا الساعة﴾، أي: ويقال لهم يومئذ: وإذا قيل لكم إن وعد الله حق في بعثكم ومجازاتكم على أعمالكم، قلتم مجيبين: ما ندري ما الساعة، أي: ما ندري ما البعث والجزاء تكذيباً منكم بوعيد الله ووعده وإنكار القدرة على إحيائكم بعد موتكم.
﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾، أي: وقلتم (ما نظن) أن الساعة آتية إلا ظناً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها جائية.
وتقديره في العربية: إن نحن إلا نظن ظنا ونظيره من الكلام ما حكاه (أبو عمرو) بن العلاء وسيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، (على تقدير: ليس إلا الطيب المسك).
هذا مذهب المبرد وتقديره.

وسيبويه يقول (إن " ليس ") في هذا جرت مجرى " ما " فارتفع ما بعد " إلا " كما يرتفع مع " ما " وقيل التقدير في الآية: إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً.
وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأنه لا يجوز في الكلام: ما ضربت إلا ضرباً، وما ظننت إلا ظناً، إذ فائدة المصدر فائدة الفعل فكما لا يجوز: ما ضربت إلا ضربت، وما ظننت إلا ظننت، كذلك لا يجوز مع المصدر، فكذلك لا تجوز إن نظن إلا نظن.
وإذا لم يجز مع الفعل لم يجز مع المصدر، فلا فائدة في المصدر أن يقع بعد حرف الإيجاب وليس قبله اسم، كما لا فائدة في الفعل أن يقع بعده.
فلذلك احتيج إلى تقدير محذوف ليقع بعد الحرف اسم أو فعل قبله اسم.
ثم قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾، أي: وظهر لهؤلاء المكذبين بالبعث عقاب سيئات أعمالهم في الآخرة.

﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وحل بهم من عذاب الله عقاب استهزائهم بآيات الله عز وجل في الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾، أي: نترككم في نار جهنم كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا، وتشاغلتم بلذاتكم في الدنيا، واتبعتم أهواءكم.
ثم قال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار﴾، أي: ومنزلكم الذي تأوون إليه نار جهنم.
وما لكم من ناصر ينصركم من العذاب فينقذكم منه.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم ءايات الله هُزُواً﴾، أي: هذا الذي حل بكم من (العذاب والهوان) باتخاذكم آيات الله - (في الدنيا) - هزؤا تسخرون منها.
ثم قال ثم قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾، أي: وخدعتكم الحياة الدنيا فآثرتموها على العمل بما ينجيكم من العذاب.
ثم قال تعالى: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾، لا يخرجون من نار جهنم، ولا يستعتبون فيردون إلى الدنيا ليعملوا صالحاً ويتوبوا من كفرهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوات وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾، أي: فلله على

نعمه وأياديه عند خلقه الحمد، فإياه فاحمدوا أيها الناس، فهو رب السماوات ورب الأرض، أي: مالكها ومالك العالمين، وهم جميع أصناف الخلائق.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض﴾، أي: وله العظمة والسلطان والجلال في السماوات السبع والأرضين السبع.
﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾، أي: وهو العزيز في نقمته من أعدائه، القاهر مل ما دونه، الحكيم في تدبيره خلقه وتصريفه إياهم فيما شاء كيف شاء لا يقدر (على ذلك) ولا على شيء منه أحد غيره، لا إله إلا هو.

الهداية إلى بلوغ النهاية لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 هـ المجلد الحادي عشر الأحقاف - الصف 1429 هـ - 2008 م

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مكية قوله: ﴿حم* تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله﴾ إلى قوله (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [الآيات 1 - 3]. قد تقدم ذكرهم، والتقدير: هذا تنزيل الكتاب من عند الله العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبيره خلقه.
قال: ﴿مَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
أي: ما أحدثنا ذلك وأوجدناه (بعد أن لم يكن) إلا لإقامة الحق والعدل في

الخلق، (وإلا لأجل مسمى)، فكل ذلك معلوم عنده تعالى متى - يفنيه فيصيره معدوماً عندكم - أمر بفناء ذلك.
ثم قال: ﴿والذين كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾.
أي: والذين جحدوا توحيد الله سبحانه ولم يؤمنوا بالبعث بعد الموت معرضون عن إنذار الله عز وجل، لا يتعظون ولا يتفكرون في آيات الله سبحانه فيعتبرون ويزدجرون.
قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض﴾.
أي: قل لهم يا محمد - لهؤلاء الكفار بالله سبحانه من قومك - أرأيتم أيها الناس الآلهة التي تعبدون من دون الله سبحانه: أروني أي: شيء خلقوا من الأرض، فإن ربي خلق الأرض كلها.

وقيل " من " بمعنى " في "، والمعنى أروني ﴿مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض﴾ فإن ربي خلق الأرض كلها، فلأي شيء عبدتموها ولأي حجة آثرتم عبادتها على عبادة الله سبحانه الذي خلقها وابتدعها، وخلق كل ما في الأرض من غير أصل.
﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات﴾.
أي: أم لآلهتكم شرك في خلق السماوات السبع فيكون لكم بذلك حجة في عبادتكم إياها، فمن حجتي في إفراد الله بالعبادة أنه خلق السماوات والأرضين وابتدع ذلك من غير أصل.
ثم قال: ﴿ائتوني بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هاذآ﴾.
[أي: جيئوني بكتاب من قبل هذا] القرآن فيه أن آلهتكم خلقت شيئاً من السماوات والأرضين، أو جيئوني بأثارة من علم بذلك.
" وأثارة " مصدر كالسماحة.
قال ابن عباس:

هو خط كانت تخطه العرب في الأرض، وروى أن نبياً كان يخط بإصبعيه في الأرض السبابة والوسطى، يخط بهما في الرمل ويزجره.
وقال قتادة معناه: أو خاصة من علم تخير أن آلهتكم خلقت شيئاً أو لها شرك في شيء، وهو قول ابن جبير والحسن.

وقيل معناه: أو علم تثيرونه فتستخرجونه.
وقيل معناه: أو تأثرون بذلك علماً عن أحد ممن كان قبلكم، قاله مجاهد.
وعن ابن عباس: " أو أثارة من علم "، معناه: أو بيّنة من الأمر.
وقال أبو عبيدة وأبو بكر بن عياش معناه: أو بقية من علم.
ثم قال: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ /.

أي: إن كنتم صادقين في دعواكم ما تدعون أن آلهتكم مستحقة أن تعبد.
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، أو أَثَرَةٍ من علم، على فَعَلَةٍ وهما لغتان عند الفراء، وحكى الكسائي لغة ثالثة: أو أُثْرَِةٍ على فُعْلَةٍ.
والمعنى عنده: أو بقية من علم، ويجوز أن يكون معناه عنده: أو شيئاً

مأثوراً من كتب الأولين.
وأثرة بمعنى أثر، كقترة وقتر، والمأثور هو المتحدث به مما صح سنده عن من يحدث به عنه.
قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ الله﴾.
[أي: لا أحد أضل ممن يعبد من دون الله] حجراً لا يستجيب له إذا دعاه أبداً، ولا ينفعهم، وتلك الحجارة التي يعبدونها غافلة عن دعاء هؤلاء الكفار، لا تعقل ولا تفهم، ووقعت " من " للأصنام والحجارة، وهي لا تعقل لأنهم جعلوها في عبادتهم إياها بمنزلة من يعقل ويميز، فخوطبوا على مذهبهم فيها.

وقد قرأ ابن مسعود (مَا لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ) كما قال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ [مريم: 42]، فأجراه على المعنى، وأتى بـ " ما " التي تكون لما لا يعقل، وقد كان يلزم أن يقرأ: " وهي عن دعائهم غافلة لكنه أتى به على لفظ من يعقل، فمرة رد الكلام على المعنى، ومرة رده على ما جرى في مخاطباتهم ومثل قراءة الجماعة هنا: قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله﴾ [الزمر: 3] وأتى بالهاء والميم وهما لمن يعقل، فجرى الإخبار عن الأصنام على ما يجري في مخاطباتهم، لأنهم أجروها مجرى من يعقل ومن يميز، ولو أتى الكلام على المعنى لقال: " ما نعبدها إلا لتقربنا ". وهذا كله توبيخ من الله جلَّ ذكره للمشركين لسوء رأيهم وقبح اختيارهم في عبادتهم ما لا يعقل شيئاً ولا يفهم، وتركهم عبادة من أنعم عليهم بجميع ما هم فيه من النعم، وإليه يلجئون ويتفرعون عند حاجتهم وضروراتهم.

قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً﴾.
أي: وإذا جمع الناس لموقف الحشر كانت آلهتهم لهم أعداء؛ لأنهم يتبرءون منهم، وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾.
لأن الآلهة تقول يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا ولا شعرنا بفعلهم، وهو قوله تعالى: ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كانوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: 63].
قال: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾.
أي: وإذا تقرأ عليهم آيات الكتاب واضحات البرهان أنها حق من عند الله، قالوا للحق لما جاءهم، وهو القرآن: هذا سحر مبين أي: ظاهر لمن تأمله وسمعه، قالوا: هذا القرآن يخدع من سمعه كفعل السحر.
قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ إِنِ افتريته فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ الله شَيْئاً﴾.
أي: يقول هؤلاء المشركون: اختلق محمد هذا القرآن.
فقل لهم يا محمد: إن افتريته؛ أي: إن اختلقته من عند نفسي كذباً على الله سبحانه فلستم تغنون عني من عذاب الله عز وجل شيئاً إن عذبني على ذلك.

﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: الله أعلم من كل شيء سواه بما تقولون وما تدعون علي من الكذب.
﴿كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: كفى الله شاهداً علي وعليكم فيما تقولون وما أقول.
﴿وَهُوَ الغفور الرحيم﴾ أي: والله ذو الستر على ذنوب من تاب إليه، الرحيم بهم أن يعذبهم عليها بعد توبتهم منها /. قال: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾.
أي: قل يا محمد: ما كنت أول الرسل فتنكرون رسالتي، بل قد كان قبلي رسل كثير وأنا واحد منهم.
قال المبرد: البدع البديع الأول، ومنه يقال: ابتدع فلان كذا، أي: أتى بما لم يتقدمه إليه أحد قبله، ومنه بديع السماوات: أي: مبتدعهما.

وقوله: ﴿وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾.
قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يقول ذلك للمؤمنين، أي: لست أدري ما نصير إليه يوم القيامة.
ثم بيّن الله عز وجل حاله فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 1 - 2] وبيّن للمؤمنين أمرهم فقال: ﴿لِّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: 5] هذا قول ابن عباس.
وقال عكرمة والحسن: هذه الآية منسوخة نسختها سورة الفتح، قالا: فلما نزلت سورة الفتح خرج النبي صلى الله عليه وسلم فبشرهم بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال له رجل من المسلمين هنيئاً لك يا نبي الله قد علمنا ما يفعل بك فما يفعل بنا، فأنزل الله، ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ الله فَضْلاً كَبِير﴾ [الأحزاب: 47] وأنزل: {لِّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات

جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} [الفتح: 5] إلى قوله: ﴿حَكِيماً﴾ [الفتح: 5] فبيّن للمؤمنين ما يفعل بهم أيضاً.
قال قتادة: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، ثم درى ما يفعل به في أول الفتح، وعن الحسن: أنها نزلت في المشركين، وأنه صلى الله عليه وسلم ما يدري ما يصير إليه أمره معهم في الدنيا، وما يصير أمرهم، أيؤمنون أم يكفرون، أيعجلون بالعذاب أم يؤخرون وقال: أما في الآخرة فمعاذ الله، إنه قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل.
وقيل معناه: ما أدري ما يفترض عليّ وعليكم في الدنيا من الفرائض.
وقيل المعنى: ما أدري ما يحل علي وعليكم من جدب أو رخاء في الدنيا.
وقيل إنها نزلت في رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وسلم، فسرت أصحابه فاستبطئوا تأويلها فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾.
واختار الطبري وغيره أن يكون هذا في أمر الدنيا دون حال الآخرة لأنه لو

كان لا يدري ما يفعل به ولا بهم في الآخرة لكان ذلك حجة لهم لأنهم يقولون له: فعلى ما نتبعك إذا كنت لا تدري على أي حال نصير غداً في القيامة.
وقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ﴾ أي: ما اتبع فيما أمركم به وفيما أفعله إلا وحي الله عز وجل إلي وأمره إياي.
﴿وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: أنذركم عقاب الله عز وجل على كفركم.
﴿مُّبِينٌ﴾ أي: قد بينت لكم إنذاري لكم ونصحي إياكم.
قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء القائلين للقرآن لما جاءهم هذا سحر مبين، إن كان هذا القرآن من عند الله أنزله علي وكفرتم به.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ﴾ يعني موسى عليه السلام شهد على مثل القرآن، فالتصديق أنه من عند الله هو التوراة.

فشهد على التوراة أنها من عند الله سبحانه، والقرآن مثلها.
قاله مسروق.
وقال الشعبي: زعم قوم أنه عبد الله بن سلام، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة، والحواميم مكية، ولكنه موسى عليه السلام، وروى مالك عن أبي هريرة عن عامر بن

سعد بن أبي وقاص أنه قال: " ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض [إنه] من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ﴾ ". وقال ابن عباس: " كان رجلاً من أهل الكتاب آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم [ قال]: إنّا نجده في التوراة، وكان أفضل رجل فيهم وأعلمهم فخاصم اليهود النبي صلى الله عليه وسلم، وتراضوا بحكم عبد الله بن سلام وقالوا: إن شهد لك آمنا بك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله مكتوباً في التوراة والإنجيل؟

فقال: نعم فاعترضت اليهود وأسلم عبد الله، وهو قوله: ﴿فَآمَنَ واستكبرتم﴾ ". قال مجاهد: هو عبد الله بن سلام، وهو قول قتادة وابن زيد والحسن.
وعن الشعبي أنه قال: هو رجل من أهل الكتاب غير عبد الله بن سلام.
وذهب ابن سيرين إلى أن هذه الآية مدنية جعلت في سورة مكية فيصح أنه عبد الله بن سلام لأن إسلامه (كان بالمدينة).
ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أي: جعل جزاؤهم على كفرهم ترك توفيقهم للهدى.

وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ فَآمَنَ واستكبرتم﴾.
فقوله: " وَاسْتَكْبَرْتُمْ " معطوف على وكفرتم.
وقوله: " على مثله ": معناه عليه، كما قال: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137]: أي: فإن آمنوا / بمثل القرآن وجواب " أرأيتم " محذوف.
دلّ عليه ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ والتقدير / أضلكم الله بفعلكم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين.
وقيل التقدير فآمن واستكبرتم أليس قد ظلمتم، إن الله لا يهدي [القوم] الظالمين.
و ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ لفظ موضوع للسؤال والاستفتاء، ويكون للتنبيه ولذلك لا يقتضي مفعولاً به.

قوله: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
من جعل الشاهد عبد الله بن سلام أو غيره من مؤمني بني إسرائيل، كان المعنى عنده: وقال الذين كفروا من بني إسرائيل للذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كان المعنى عنده: وقال مشركو قريش لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم: لو كان الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، وهذا التأويل قول قتادة.
قال: ذلك ناس من المشركين، قالوا: نحن أعز به ونحن ونحن، فلو كان الإيمان

بمحمد صلى الله عليه وسلم خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان يعنون عماراً وبلالاً وصهيباً وأصنافهم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 104]. قال الحسن: أسلم " أسلم " " وغفار " فقالت قريش: لو كان خيراً ما سبقونا إليه.

وقال الزجاج: أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، فقال بنو عامر وغطفان وأشجع وأسد: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، إذ نحن أعز منهم وإنما هؤلاء رعاة البهم.
وفي قوله: ﴿سَبَقُونَآ﴾ خروج من خطاب إلى غيبة، ولو جرى على صدر الكلام في الخطاب لقال: ما سبقتمونا، ولكنه كلام فصيح حسن كثير في كلام العرب والقرآن، ويجوز أن يكون قال: ﴿مَّا سَبَقُونَآ﴾ على أن يكون قاله الكفار لبعض المؤمنين،

فيكون على بابه لم يخرج من شيء إلى شيء، فقيل: إنه قول وقع في أنفسهم ولم يقولوه ظاهراً بأفواههم.
وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾.
أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ﴿فَسَيَقُولُونَ هاذآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾.
أي: هذا القرآن أكاذيب من أخبار الأولين قديمة.
قال: وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إِمَاماً وَرَحْمَةً}.
أي: ومن قبل هذا القرآن كتاب موسى أنزلناه عليه، " فالهاء " تعود على القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: 9] وهو التوراة إماماً لبني إسرائيل يأتمون به، ورحمة لهم.
ثم قال: ﴿وهذا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ﴾ يعني: القرآن مصدق للتوراة.
وقيل: مصدق لمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.

وقوله: ﴿لِّسَاناً عَرَبِيّاً﴾ نصبه على الحال من المضمر في ﴿مُّصَدِّقٌ﴾.
وقيل: هو حال من ﴿كِتَابٌ﴾ لأنه لما نعت قرب من المعرفة فحسنت الحال منه.
وقيل: هو منصوب " بمصدق "، وفيه بعد؛ لأنه يصير المعنى أن القرآن يصدق نفسه، فيصير التقدير: وهذا القرآن مصدق نفسه؛ لأن اللسان العربي هنا هو القرآن، وهذا المعنى ناقص إذا تأملته.
وقيل: " اللسان " هنا عني به محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا المعنى يحسن نصب " لسان " " بمصدق "، كأنه قال: وهذا القرآن مصدق محمداً صلى الله عليه وسلم.
ويجوز أن يكون في الكلام حذف مضاف.
والتقدير: وهذا كتاب مصدق صاحب لسان عربي، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول حسن وتأويل صحيح.
ثم قال: ﴿لِّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ﴾ أي: لينذر [أهل] الكتاب الذين ظلموا.

وقيل معناه: لينذر محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الذين ظلموا، وهذا التأويل على قراءة من قرأ لينذر [بالياء، فأما على قراءة من قرأ بالتاء فلا يكون إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لتنذر يا] محمد الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله سبحانه.
﴿وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
أي: وهو بشرى للذين أطاعوا الله عز وجل فأحسنوا لأنفسهم في فعلهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا﴾.
أي قالوا: لا إله إلا الله، ثم استقاموا على ذلك فأطاعوا الله عز وجل فأحسنوا لأنفسهم في فعلهم حتى ماتوا فلا خوف عليهم من فزع يوم القيامة، ولا هم يحزنزن على ما خلفوا بعدهم في الدنيا.
قال: ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل