الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 6386-6425
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 6386-6425
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

كنور الشمس والضياء، وهو أعظم وأجل من ذلك، ليس كمثله شيء.
وهذا كقوله عز وجل: ﴿ الله نُورُ السماوات والأرض﴾ [النور: 35]، أي: بِهُدَاه يهتدي أهل السماوات والأرض.
لم يُرِدِ النُّور الذي هو الضياء، ولو كان ذلك، لم يوجد ظلام لأنه باق في الليل والنهار.
وقد ثبتت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تنظرون إلى الله سبحانه لا تضامون في رؤيته ". وقد اختلف في هذه اللفظة على أربعة أوجه:

  • لا تُضامُون - مُخَفَّفاً -، أي: لا يلحقكم ضيم كما يلحق في الدنيا في النظر إلى الملوك.
  • والوجه الثاني: لا تُضامُّون - مشدداً -، أي: لا ينضم بعضكم لبعض ليسأله أن يريه إياه.
  • والوجه الثالث: (لا تُضارُون) - مخففاً -، أي: لا يلحقكم ضير في رؤيته من ضارَه يضيرُه.
  • والوجه الرابع: (لا تُضارُّون) - مشدداً، أي: لا يخالف بعضكم

بعضاً في صحة رؤيته.
يقال: ضاررته مضارة، أي: خالفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾، يعني: كتاب أعمال العباد وحسابهم.
وقيل: هو اللوح المحفوظ.
﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾، أي: جيء بالنبيين ليسألهم ربهم عما أجابت به] أممهم وردت عليهم في الدنيا.
والشهداء، يعني: الذين يشهدون على الأمم.
وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: 143]، أي: عدلاً ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143]. وقيل: عنى بالشهداء هنا: الذين قتلوا في سبيل الله.
والأول (أولى وأبين).
وقال السدي: الشهداء: الذين استشهدوا في طاعة الله عز وجل.
وقال ابن زيد: هم الحفظة يشهدون على الناس بأعمالهم.

وقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾، أي: قضى / بين النبيين وأممهم بالحق؛ فلا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يظلم أحد فينقص من عمله.
ثم قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾، أي: جزاء عملها من خير وشر.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ في الدنيا من طاعة له أو معصية.
فيثيب المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولا تظلم نفس شيئاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ - إلى آخر السورة.
أي: وحشر الذين كفروا بالله عز وجل إلى ناره يوم القيامة.
﴿زُمَراً﴾، أي جماعة جماعة.
حتى إذا جاءوا جهنم فتحت أبوابها لهم ليدخلوها.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾، أي خزنة جهنم.
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾، أي: بشر مثلكم.
﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، أي: كتب الله سبحانه.
﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾، أي: مصيركم إلى هذا اليوم (وما تلقون فيه.
﴿قَالُواْ بلى﴾، أي: بلى قد جاءتنا الرسل وأنذرتنا لقاءنا هذا اليوم).

﴿ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين﴾، أي: كلمة الله أن عذابه لاحق بمن كفر به.
بكتبه ورسله.
ثم قال تعالى ﴿قِيلَ ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: قالت لهم الخزنة ادخلوا أبواب جهنم) السبعة على قدر منازلكم فيها ماكثين فيها لا تنقلون عنها إلى غيرها.
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾، أي: فبيس مسكن المتكبرين على الله سبحانه جهنم يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾، أي: حشروا إلى دخول الجنة جماعة جماعة.
﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا﴾، أي: جاؤا الجنة.
﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾.
قال الكوفيون: " فتحت " جواب " إذا " والواو زائدة.
وقال بعضهم: الجواب: قال لهم خزنتها، والواو في " وقال " زائدة.
وقال المبرد: الجواب محذوف، والتقدير: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها

سَعِدُوا.
وقال الزجاج: تقدير الجواب المحذوف: " طبتم فادخلوها خالدين، دخولها.
ودلت الواو في " وفتحت " أن الجنة كانت مفتحة لهم الأبواب منها قبل أن يجيؤها.
(ودل حذف الواو في قصة أهل النار من " فتحت " أنها مغلقة قبل أن يجيؤها) ففتحت عند مجيئهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾، (أي: قال للذين اتقوا ربهم خزنة الجنة سلام عليكم)، أي: أمنة من الله لكم.
وقوله ﴿طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ﴾، أي: طابت أعمالكم في الدنيا فطاب اليوم مثواكم.

وقال مجاهد: معناه: " كنتم طيبين (بطاعة) الله عز وجل ". فادخلوا أبواب الجنة خالدين، أي: ماكثين أبداً لا انتقال لكم عنها.
ويروى أن حشر المتقين في الآخرة يكون على نجائب من نجائب الجنة.
وحشر الكفار يكون بالدفع والعنف.
قاله ابن زيد وغيره.
وقرأ ابن زيد في الكفار: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13].
وقرأ في المتقين ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً﴾ [مريم: 85].
ويروى عن علي رضي الله عنهـ أنه قال في المتقين: يساقون إلى الجنة فيجدون عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان تجريان، فيعمدون إلى إحداهما فيغتسلون فيها، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلن تشعث رؤوسهم بعدها أبداً، ولن تغير جلودهم بعدها أبداً كأنما دهنوا بالدهان.
ويعمدون إلى الأخرى فيشربون منها فيذهب ما في بطونهم من قذى وأدى، ثم يأتون باب الجنة فيستفتحون فيفتح لهم فتتلقاهم خزنة الجنة فتقول: سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون.
قال: وتتلقاهم الولدان المخلدون يطوفون بهم كما يطوف ولدان أهل الدنيا

بالحميم إذا جاء من الغيبة، أبشر، أعد الله لك كذا وأعدلك كذا.
فينطلق أحدهم إلى زوجته فيبشرها به، فيقول قدم فلان - باسمه الذي كان يسمى به في الدنيا - قال: فَيَسْتَحِفُّها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها، فتقول: أنت رأيته، (أنت رأيته) قال: فيقول: نعم، فيجيء حتى يأتي منزله.
قال: أصوله من جندل اللؤلؤ بين أصفر وأخضر وأحمر.
. . قال الله جل ذكره: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: 14 - 16]. قال: ثم يدخل إلى زوجته من الحور العين، فلولا أن الله أعدّها له لا ليمتع بصره من نورها وحسنها.
فاتكأ عبد الله ويقول: ﴿الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهذا﴾ [الأعراف: 43].
فتنازيهم الملائكة أن تلكم الجنة وأورثتموها بعلمكم.
وقال السدي: لهو أهدى إلى منزلة في الجنة منه إلى منزله في الدنيا.
ثم قرأ السدي: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: 6].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾، أي: له الحمد خالصاً إذ صدقنا ما كان وعدنا في الدنيا على طاعته.
﴿وَأَوْرَثَنَا الأرض﴾، أي: أرض الجنة.

وقيل: أورثوا الأرض التي لأهل النار لو كانوا مؤمنين.
وقوله: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ﴾، أي: نسكن منها حيث نحب.
فنعم أجر العملين، أي فنعم ثواب المطيعين العاملين له في الدنيا: الجنة في الآخرة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾، أي: وترى يا محمد يوم القيامة الملائكة محدقين من حول العرش.
والعرش: السرير.
وواحد حافين: حاف، قاله الأخفش.
وقال الفراء: لا يفرد.
ودخلت " من " في قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ العرش﴾ لأنه ظرف، والفعل يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف.
ومثله قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ [الزمر: 65، والشورى: 3].
وقال بعض البصريين: دخلت " من " في الموضعين توكيداً.
ثم قال: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، أي: يصلون حول عرش ربهم شكراً لَهُ.

والعرب تدخل الباء مع التسبيح وتحذفها.
تقول: سبح بحمد ربك وسبح حمد ربك.
كما قال: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ [الأعلى: 1] وقال: ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ [الواقعة: 74 و 96]. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾، أي: وقضى الله بين النبيين والأمم والشهداء بالعدل.
﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾، أي: وختمت خاتمة القضاء بينهم بالشكر الذي ابتدأ خلقهم ووفقهم للعمل بطاعته.
قال قتادة: فتح أول الخلق بالحمد لله فقال: ﴿الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ [الأنعام: 1] وختم بالحمد فقال: ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
سورة (المؤمن) مكية.
قوله (تعالى ذكره): ﴿حم* تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله﴾ - إلى قوله - ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ﴾.
من رواية ابن وهب روى أن ابن عباس كان يقول: " لكل شيء لباب وأن لباب القرآن الحواميم ".

ويقال: من ديباج القرآن.
وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد رياضاً فليقرأ الحواميم.
من رواية ابن وهب.
قرأ عيسى بن عمر: حاميم بفتح الميم.
نصبه بإضمار فعل.
والتقدير: اقرأ حاميم.
ولكن لا ينصرف لأنه اسم لمؤنث، إذ هو اسم السورة.
وقيل لم ينصرف لأنه بمنزلة أبنية بعض الأسماء الأعجمية (كهابيل)

وقابيل.
ويجوز أن تكون فتحة الميم بناء (لالتقاء) الساكنين.
قال ابن عباس (الّر وحمَ ونون) مقطعة من الرحمن.
وعنه أيضاً أن حَم: اسم من أسماء الله عز وجل وهو قسم.
وعنه أن حّم اسم الله الأعظم.
وقال قتادة: حَم اسم من أسماء القرآن.
وقال الضحاك: حَم: قضى هذا القرآن.

جعله مأخوذاً من حَم الامر إذا وجب.
والمعنى: حَم تنزيل هذا الكتاب من عند الله عز وجل.
﴿ العزيز﴾ في انتقامه من أعدائه.
﴿العليم﴾، أي: العالم بما يعمل خلقه وبغير ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب﴾.
﴿غَافِرِ﴾ خُفِضَ على البدل ولا يحسن أن يكون نعتاً لأنه نكرة إذ هو لما يستقبل ومثله: ﴿وَقَابِلِ التوب﴾.
فإن جعلتهما.
لما مضى حَسُنَ، لأنه تعالى ذكره لم يزل غفاراً لذنوب عباده قابلاً للتوبة ممن تاب منهم.
فيحسن على هذا أن يكونا نعتين لله جل ذكره، ويحسن أن يكونا بدلاً.
والتوب: جمع توبة كدومة ودوم.
ويجوز أن يكون التوب مصدراً كتوبة يقال: تاب توبة وتوباً.

فأما قوله ﴿شَدِيدِ العقاب﴾ فهو نكرة، فلا يجوز أن يكون إلاّ بدلاً.
فأما قوله: ﴿ذِي الطول﴾ فيحسن أن يكون معرفة لأنه لم يزل كذلك، فيجوز (على ذلك أن يكون) نعتاً وبدلاً.
وقوله: ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ جملة في موضع النعت.
ومعنى ﴿شَدِيدِ العقاب﴾، أي: لمن عاقبه من أهل العصيان.
ومعنى ﴿ذِي الطول﴾: ذي الفضل المبسوط على من يشاء من خلقه.
قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: " ذِي السَّعَة والغنى ". وقيل: معناه: ذي الطول على أوليائه يضاعف لهم الحسنات ويعفو عن السيئات.
وقيل: معناه: ذي الغناء عمن لا يقول: " لا إله إلا الله " ودل على هذا المعنى قوله بعد ذلك: لا إله إلا هو.
وقال قتادة: " ذي الطول: ذي النعم ".

وقال ابن زيد: الطول: القدرة.
ومعنى ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المصير﴾، أي: لا معبود غيره، إليه المرجع.
ثم قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ في آيَاتِ الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ﴾، أي: ما يجادل في حجج الله وأدلته وينكرها إلا الذين جحدوا توحديه (ورسالتك).
﴿فَلاَ يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ فِي البلاد﴾ في البلاد، أي: لا يغررك يا محمد تصرفهم وبقاؤهم مع كفرهم فتحسب أنهم على شيء من الحق، إنما أمهلهم ليبلغ الكتاب أجله.
قال قتادة: ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ في البلاد تصرفهم في أسفارهم.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: كذّبت قبل قومك يا محمد قوم نوح.

﴿والأحزاب مِن بَعْدِهِمْ﴾، يعني عاداً وثموداً وقوم صالح وقوم لوط وقوم فرعون.
كذبوا كلهم بعد نوح وغيرهم.
فكما كان عاقبة أولئك الذين كذبوا الهلاك، كذلك يكون عاقبة هؤلاء على تكذيبهم لك.
ثم قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾.
قال قتادة: ليقتلوه.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾، أي: وخاصموا رسولهم بالباطل من الخصومة ليبطلوا بجدالهم الحق الذي جاء به من عند الله.
وأصل الدحض، الزلق.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، أي فأخذهم عقاب الله.
فجعلهم عبرة وعظة لمن بعدهم.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الذين كفروا﴾، أي: وجبت وهو قوله جل ذكره: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [هود: 119، السجدة: 13].
والمعنى: كما وجب العذاب على الأمم السالفة بتكذيبهم الرسل، كذلك وجب على من كذبك يا محمد.
ثم أخبر تعالى ذكره أن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين: {الذين

يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ}، أي: يحملون عرش الله جل ذكره، وعز وجهه.
والذين حول العرش من ملائكته يصلون بحمده وشكره.
﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: يقرون بالله أنه لا إله لهم سواه، ويسألون ربهم أن يغفر للذين أقروا بمثل إقرارهم.
وقال قتادة: ويستغفرون للذين آمنوا: أهل لا إله إلا الله.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾، أي: ويقولون: ربنا، وسعت رحمتك وعلمك كل شيء من خلقك فعلمت كل شيء لا يخفى عليك شيء، ورحمت خلقك فوسعتهم رحمتك، فرزقتهم على كفر من كفر منهم بك برحمتك، برزقك قد وَسِعْتَ الكافر والمؤمن، ووسعت المؤمنين في الآخرة فأنقذتهم من النار وأدخلتهم الجنة.

ثم قال عنهم أنهم قالوا: ﴿فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾: أي: تابوا من الشرك.
﴿واتبعوا سَبِيلَكَ﴾، أي: وسلكوا الطريق الذي أمرتهم أن يسلكوه وهو الإسلام.
قال قتادة: اتبعوا سبيلك، أي طاعتك ". ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم﴾، أي: اصرف عنهم عذاب النار يوم القيامة.
وسؤال الملائكة الله عز وجل في المغفرة للمؤمنين وإدخالهم الجنة هو قوله تعالى ﴿كَانَ على رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾ [الفرقان: 16]، أي: إدخال المؤمنين الجنة والمغفرة لهم هو وعد من الله للملائكة فيهم إذ (سألوه) ذلك، وهو سؤالهم الله في هذه السورة.
قال جميع ذلك القرطبي.
وجاز أن يسألوا الله عز وجل ما قد وعد به سبحانه وتعالى على طريق التعجيل بذلك لهم على طريق الوفاء لهم بما وعدهم، فالله لا يخلف الميعاد، فلا يُسأل في وفاء

وعده إنما هو سؤال أن يعجل لهم ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ﴾، أي: ويقولون يا ربنا وأدخل هؤلاء الذين تابوا عن الشرك جنات إقامة.
قال كعب: جنات عدن: قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيئون والصديقون والشهداء.
وأئمة العدل.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ﴾، أي: وأدخل جنات عدن من صلح من آباء هؤلاء التائبين وأزواجهم وذرياتهم.
قال قتادة: يدخل الرجل الجنة فيقول أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أين زوجتي فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم! فيقال: أدخلوهم الجنة، ثم قرأ: ﴿وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ﴾ الآية.
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾، أي: العزيز في انتقامك من أعدائك، الحكيم في تدبير خلقك.
ثم قال تعالى: ﴿وَقِهِمُ السيئات وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: ويقولون يا

ربنا وقهم عذاب السيئات التي عملوها في الدنيا، ومن تقه عقاب السيئات يوم القيامة فقد دحمته.
﴿وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾، أي: النجاة من النار.
وقال نِفْطَوَيْه: معنى السيئات، أنها ما يسوء صاحبها.
فمعنى: ﴿وَقِهِمُ السيئات﴾: وقهم ما يسوءهم من عقابك وغضبك، ومنه قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بموسى﴾ [الأعراف: 130]، أي: إن يصبهم ما يسوءهم يطيَّروا بموسى: وكذلك قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 78]، معناه: ما أصابك من سوء فبذنبك.
قال مطرف: وجدنا أنصح العباد للعباد الملائكة، وأغش العباد للعباد

للشياطين، ثم تلا الآية ﴿الذين يَحْمِلُونَ العرش﴾.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ﴾.
قال الحسن، يعطون كتابهم، فإذا نظروا في سيئاتهم مقتوا أنفسهم فيقال لهم: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسهم اليوم.
فمن الآية تقديم وتأخير على قوله.
قال مجاهد: إذا عاينوا أعمالهم مقتوا أنفسهم فنودوا: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم.
قال قتادة: معناه: لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم إذا عاينتم النار - مثل قول الحسن - وهو الكسائي وغيره.
وقيل: معناه: (كبر مقتكم أنفسكم) أكبر من مقت بعضكم بعضاً

يوم القيامة، لأن بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة.
وقيل: الآية فيها تقديم وتأخير لأن النداء بالمقت لهم يكون في الاخرة ووقت دعائهم للإيمان هو في الدنيا.
والتقدير: ينادون (يوم القيامة)، لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان في الدنيا فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم عند الحساب.
وفي هذا التقدير تفريق بين الصلة والموصول بخبر الابتداء وهو " أكبر " وما اتصل به، فلا يحسن ذلك عند النحويين.
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين﴾ - إلى قوله - ﴿السميع البصير﴾.
قال ابن عباس والضحاك: هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أمواتا فأحياكم﴾ [البقرة: 28] الآية.
وقال قتادة: كانوا أمواتاً في أصلاب أبائهم فأحياهم الله عز وجل في الدنيا، ثم أمهاتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث، فهاتان حياتان وموتتان.

وقال السدي: اُميتوا في الدنيا، ثم أُحيوا في قبورهم فسئلوا وخوطبوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحبوا في الآخرة.
وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وأمهاتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أمهاتهم في الدنيا، ثم أحياهم في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: فأقررنا بذنوبنا، فهل إلى خروج من النار لنا سبيل، فهل إلى كرة فنرجع إلى الدنيا فنعمل غير الذي كنا نعمل.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾.
في الكلام حذف؛ والتقدير: فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج، ذلكم العذاب بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم، أي: إذا وحده كفرتم، أي: إذا وحده موحد أشركتم وإن أشرك به مشرك صدقتموه.
وذكر ابن وهب عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: لأهل النار خمس دعوات، يكلمهم الله في الاربعة فإذا كانت الخامسة سكتوا:

﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾.
قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ الآية.
ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 12] قال: فيرد عليهم: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13]- إلى - ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13].
ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ [إبراهيم: 44].
قال: فيراجعهم بهذه الآية: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: 44].
قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: 37] فيراجعهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير﴾ [فاطر: 37].
قال: ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون: 106]، قال:

فيراجعهم: ﴿قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]. قال: فكان آخر كلامهم ذلك.
قال أبو محمد: وفي بعض رواية هذا الحديث تقديم وتأخير فيما ذكرنا.
ثم قال تعالى: ﴿فالحكم للَّهِ العلي الكبير﴾.
فالقضاء لله، لا لما تعبدونه، العلي على كل شيء، الخبير الذي كل شيء دونه متصاغر له.
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الذي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، أي: الله هو الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته.
﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقاً﴾، يعني: الغيث، يخرج به أقواتكم وأقوات أنعامكم.
﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ما يتذكر حجج الله عز وجل وأدلته على قدرته ووحدانيته فيتعظ ويعتبر إلا من يرجع إلى توحيد الله سبحانه وطاعته جلت عظمته.
ثم قال: ﴿فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾، أي: ادعوا الله أيها المؤمنون مخلصين له الطاعة ولو كره ذلك منكم الكافرون.

ثم قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش﴾، أي: هو رفيع الصفات ذو السرير المحيط بما دونه.
﴿يُلْقِي الروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من يشاء، يختص بذلك من يشاء من خلقه.
وقيل: " من " بمعنى الباء.
والمعنى: يلقي الروح بأمره أي: يلقي الوحي بأمره على من يشاء.
وقيل: معنى ﴿رَفِيعُ الدرجات﴾ (هي الدرجات) التي يعطيها الله عز وجل للأنبياء صلوات الله عليهم والمؤمنين في الجنة.
فالمعنى: رفيع الثواب والمجازاة للأنبياء والمؤمنين.
وسمي الوحي روحا لأن الناس يحيون من الضلالة، والمهتدي حي، والصال (ميت في) التمثيل.
قال مجاهد: الروح هنا: الوحي، وقال قتادة: هو الوحي والرحمة.

وقال ابن عباس: الروح: النبوة.
وقال: الضحاك: الكتاب الذي ينزله على من يشاء ومثله قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]، يعني: القرآن في قول جميع المفسرين.
والروح: جبريل أيضاً، وهو قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: 193] سمي روحاً لأنه ينزل من عند الله تعالى بما يجيء به من أنزل عليه.
فأما قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ فقال ابن زيد: الروح هنا القرآن.
وفيه اختلاف سيذكر إن شاء الله.
والضمير في " لينذر " يعود على الله جل ذكره، وقيل: يعود على الروح وهو الوحي، وقيل: يعود على النبي.
وقد قرأ الحسن " لتنذر " بالتاء على المخاطبة.

وقوله: ﴿يَوْمَ التلاق﴾، أي: يوم يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، والأولون والآخرون.
ثم قال: ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾ " يوم " بدل من " يوم " الأول ". وقيل العامل فيه: " لا يخفى على الله منهم شيء ﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ﴾.
وقيل: معناه: بارزون من قبورهم.
ثم قال تعالى: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم﴾، أي: يقول الله جل ذكره: لمن الملك اليوم؟.
فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ الواحد﴾، أي: المنفرد / بالوحدانية والقدرة.
﴿القهار﴾ لكل شيء سواه.
وروى أبو وائل عن ابن مسعود (أنه قال): يحشر الناس على أرض

بيضاء مثل الفضة لم يعص الله عز وجل عليها.
فيؤمر منادى أن ينادي: لمن الملك اليوم؟ فيقول العباد: لله الواحد القهار المؤمن منهم والكافر.
ثم أول ما ينظر من الخصومات في الدماء بمحضر القاتل والمقتول.
فيقول: سل هذا: لم قتلني؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قيل للمقتول: اقتله كما قتلك، وكذلك إن قتل جماعة أذيق القتل كما أذاقهم في الدنيا وهو قوله تعالى: ﴿اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الآية.
أي: تثاب بما علمت في الدنيا لا يظلم أحد فيعاقب بما لم يفعل ولا يضيع ظلمه (عند من ظلمه).
﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾، أي: ذو سرعة في محاسبته عبادة يومئذ على أعمالهم.
روي أن ذلك اليوم لا ينتصف حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار قد فرغ الله عز وجل من حسابهم والفصل بينهم.
فالمعنى: إنه تعالى لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد.

وقد روي أنه تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار حلب شاة، وإنما هو تعالى يريد حساب كل نفس ويحدثه فيحدث لكل واحد منهم محاسبة في الحال التي يحدث فيها المحاسبة والمساءلة لأن بعض كلامه لا يشغله عن بعض، وكذلك بعض خلقه لا يشغله عن بعض، وهذه هي الصفات التي لا يشاركه فيها أحد، ليس كمثله شيء.
ولا يجوز لأحد أن يتأول أو يتخايل إليه في محاسبة الله سبحانه خلقه أنه يحاسبهم بكلام أو لسان.
تعالى الله عن الجوارح وعن مشابهة المخلوقين، إنما يحدث لكل إنسان محاسبة في الحال التي يريد محاسبته فيها.
فافهم هذا ونزه الله عن التشبيه بالمخلوقين.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة﴾، أي: وأنذر يا محمد مشركي الهعرب وحذرهم من يوم الآزفة، يعني: يوم القيامة.
وسميت آزفة لقربها.
يقال أزف الشيء إذا قرب.
ثم قال: ﴿إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كَاظِمِينَ﴾.
قال قتادة: ارتفعت القلوب في الحناجر من المخافة.

فلا هي تخرج ولا تعود في أمكنتها.
و ﴿لَدَى﴾، بمعنى: عند.
﴿كَاظِمِينَ﴾: مفتاظين لا شيء يزيل غيظهم.
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾، أي: من قريب (ولا صديق) يحتج عنهم فيزيل عظيم ما نزل بهم.
﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ يشفع لهم عند ربهم عز وجل فيما يشفع فيه.
قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين، فإذا الرجل منهم يشفع في صديقه وقريبه، فإذا رأى الكافر ذلك قال: ما لنا من شافعين ولا صديق حميم.
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِي الصدور﴾، أي: يعلم الله جل ذكره خائنة أعين عباده وما أخفته صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمورهم حتى يتحدث به في نفسه ويضمره في قلبه.
ومعنى " خائنة الأعين " هو أن الله تعالى يعلم ما أراد بنظره إذا نظر وما ينوي بذلك في قلبه.

قال ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِي الصدور﴾: يعلم إذا نظرت إلى المرأة أتريد بذلك الخيانة أم لا.
" وما تخفي الصدور "، أي: إذا قدرت عليها أتزني أم لا.
وقوله: ﴿والله يَقْضِي بالحق﴾، أي: يقدر أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة.
وروى ابن وهب عن رجاله عن ابن عباس أنه قال: هو الرجل تمر به المرأة فيُرَى القوم أنه يغض بصره، فإذا أغفلوا نظر إليها: ويريهم (أنه يغض) بصره ويود لو أنه يطلع على عورتها ويقدر عليها.
وعن ابن عباس أنه قال في " خائنة الأعين ": إنه الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر أصحابه إليه غض بصره، (وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها، فإذا رأى منهم غفلة تدسس النظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره).
قال مجاهد: خائنة الأعين: نظر العين إلى ما نهى الله عز وجل عنه.

وقال قتادة: يعلم همزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله جل ذكره ولا يرضى به.
قال الفراء: " خائنة الأعين ": النظرة الثانية و ﴿وَمَا تُخْفِي الصدور﴾ النظرة الأولى " ﴿والله يَقْضِي بالحق﴾، أي: يجازي من غض بصره عن محارمه حذر الموقف بين يديه، ومن ردد النظر وعزم قلبه على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها.
قال الزجاج: " خائنة الأعين " نظر ونيّته الخيانة.
ثم قال: ﴿والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾، أي: والأوثان التي يدعو هؤلاء (المشركون) من قومك من دون الله.
﴿لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، أي لا تقدر على شيء ولا تعلم شيئاً، فاعبدوا الله الذي هو ﴿السميع﴾ لما تنطق به ألسنتكم ﴿البصير﴾ بما تعملون من الأفعال، المحيط بكل ذلك.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي الأرض﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾،

أو لم يسر هؤلاء المشركون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم فيحذروا أن يصيبهم بتكذيبهم لك يا محمد مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم / الذين كانوا أشد من هؤلاء قوة وأعظم أجساماً وأكثر آثاراً في الأرض من البناء والحرث.
﴿فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم، ولم تنفعهم شدة قوتهم، ولا كثرة آثارهم، ولا وقاهم أحد عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك.
فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إذ جاءهم، بل حل بهم ذلك.
فهؤلاء الذين أضعف أجساماً وأقل آثاراً أحرى أن يأتيهم عذاب الله إن تمادوا على كفرهم.
ثم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: هذه الآية تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم أعلمه الله عز وجل أن موسى قد لقي من فرعون وقومه أمراً عظيماً مثل ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من قومه، وأنه صبر على ذلك.
فواجب أن تصبر أنت على ما نالك يا محمد فإنك العالي عليهم ولك العاقبة الحسنى كما كان ذلك لموسى على فرعون.
والسلطان (هنا: الحجة)، أي: حجة بينة لمن رآها.
أرسل الله عز وجل موسى إلى فرعون وهامان وقارون بالآيات الواضحة فما كان جوابهم إلا أن قالوا هو ساحر كذاب.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بالحق مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اقتلوا أَبْنَآءَ الذين آمَنُواْ مَعَهُ﴾، أي: فلما جاء موسى الذي أرسل إليهم بالحق من عند الله عز وجل، أي: بالحجة والبرهان على توحيد الله عز وجل وطاعته وإقامة الحجة عليهم قالو: اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، أي:

اقتلوا أبناء بني إسرائيل الذين آمنوا معه.
﴿واستحيوا نِسَآءَهُمْ﴾، أي: استبقوهم لخدمتهم لكم.
وهذا أمر من فرعون بعد أمره الأول، لأنه كان قد أمر بقتل الولدان من بني إسرائيل خوفا من مولود يولد منهم يكون هلاكه على يديه، وكان ذلك قبل ولادة موسى عليه السلام - وقد تقدم ذكر ذلك - ثم إن موسى لما دعاه إلى الله وأتاه بالآيات الظاهرات، ورأى أن بني اسرائيل آمنوا بموسى وصدقوه، أمر بأن يقتل أبناء من آمن بموسى ليعيد عليهم العذاب وينكل بهم إذ آمنوا بموسى.
قال قتادة: " هذا قتل غير القتل الأول الذي كان ". وقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾، أي: وما احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله عز وجل إلا في جور عن الحق.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذروني أَقْتُلْ موسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، أي: خلوا بيني وبين قتله، وليدع ربه أن ينجيه مني.
﴿إني أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ بما أتاكم به.
﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد﴾، أي: أخاف هذين الأمرين.
ومن قرأه " أو "، فمعناه: أخاف أحد هذين الأمرين.

وقيل: إنَّ " أو " بمعنى الواو.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ موسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾: وقال موسى لفرعون وقومه لما تواعدوه بالقتل: إني استجرت بربي وربكم ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾، أي: عن توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه لا يؤمن بالبعث والجزاء.
وإنما خص موسى الاستجارة بالله سبحانه من هذا الصنف إنما خاطب فرعون وقومه لأنهم كانوا لا يؤمنون بالله سبحانه ولا بالبعث.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾.
قيل إنه رجل من بني عم فرعون ولكنه آمن بموسى وكتم إيمانه خوفا من فرعون.
قاله السدي.
وقيل: بل كان الرجل (إسرائيليا، ولكنه) كان يكتم إيمانه من آل فرعون خوفا على نفسه، فيكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول.
والتقدير: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه فرعون.
" فمن " متعلقة بـ " يكتم " في موضع مفعول ثان " ليكتم "، فهو في موضع نصب.

وعلى القول الأول " من " متعلقة بمحذوف في موضع رفع وهي صفة لرجل كما تقول: مررت برجل من بني تميم.
والتقدير في المحذوف - على القول الأول -: وقال رجل مؤمن منسوب إلى آل فرعون، ونحو ذلك.
والأول هو اختيار الطبري لأن فرعون، أصغى إلى قوله وقبل منه، ولم يقل موسى وقال له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾، ولو كان إسرائيلياً لعاجله بالعقوبة كما فعل (في قتل) أبنائهم حين آمنوا بموسى.
وقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله﴾، أي: أتقتلون موسى من أجل قوله: الله ربي.
﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾، أي: بالحجج الظاهرات على صحة ما يقول لكم من توحيد الله عز وجل وطاعته سبحانه وذلك: عصاه ويده.
ثم قال: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أي: إن يك موسى كاذباً في قوله إن

الله أرسله إليكم فإثم كذبه عليه.
﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ﴾، أي: وإن يكُ موسى صادقاً في قوله أصابكم بعض الذي يعدكم من العقوبة - إن قتلتموه -، فلا حاجة لكم إن قتله فتزدادوا غضباً من ربكم على غضبه عليكم لكفركم.
و" بعض " عند أبي عبيدة في موضع " كل "، لأن كل ما واعدوا به كائن لا / بعضه.
وقيل: المعنى فيه: إنه قال لهم: إن، أصابكم ما يدعدكم / موسى هلكتم فضلاً عن الكل.
وهذا تأكيد لإلزام الحجة عليهم والتخويف، لأن البعض إذا كان فيه هلاكهم فالكل أعظم ضرراً، وأشد هلاكاً.
وقيل: معناه إن موسى توعدهم بعذاب الدنيا معجلاً وعذاب الآخرة مؤخداً، فقال لهم المؤمن: يصيبكم بعض الذي يعدكم أي: عذاب الدنيا معجلاً.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾، أي: لا يوفق للحق من هو معتد إلى

ما ليس له فعله، كذاب (فيما يقول).
قال قتادة: المسرف هنا: المشرك، أسرف على نفسه بالشرك.
وقال السدي: المسرف هنا: القتال بغير حق.
ثم قال لهم المؤمن: ﴿ياقوم لَكُمُ الملك اليوم ظَاهِرِينَ فِي الأرض﴾ قوله: " يا قوم " يدل على أنه من آل فرعون.
يعني بذلك أرض مصر، أي: لكم السلطان فيها غالبين على أهلها من بني إسرائيل وغيرهم فوعظهم وقال: ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَآءَنَا﴾، أي: لا أحد يرفع عنا عذاب الله إن جاءنا.
فقال فرعون مجيباً له: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى﴾، أي: ما أريكم أيها الناس من الرأي الا ما أرى لنفسي.
﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾، أي: وما أدعوكم إلا إلى الحق في أمر موسى وقتله.
وقرأ معاذ بن جبل: " سبيل الرشاد " بالتشديد.
يعني أن فرعون قال

لقومه: ما أهديكم إلا إلى طريق الله جل ذكره.
وهذه القراءة بعيدة في اللغة لأن " فعالاً " لا يكون من " أفعل " وإنما يكون من الثلاثي للتكثير.
فإن أردت لتكثير من الرباعي جئت " بمفعال ". وقد أجاز قوم أن يكون الرشاد بالتشديد بمعنى المرشد، (لا على أنه) جار على أرشد ولكنه مثل لال من اللؤلؤ في معناه وليس منه في الاشتقاق.
وقد أجاز قوم أن يكون من رشد، فيكون معناه: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ﴾ إلا سبيل صاحب رشاد كما قال: كليني لهم يا أميمة ناصب.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل