الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 6306-6345
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 6306-6345
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

ذلك قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
وقيل: " أم " بمعنى / الألف، كأنه قال: أمن هو قانت، ويكون الجواب مضمراً بعده كأنه قال: أم من هو قانت كمن مضت صفته من الكفار.
قال ابن عباس: القنوت هنا: قراءة القرآن.
وآناء الليل: ساعاته، واحدة، أني كمعي وفيه وجوه قد تقدم ذكرها.
وقيل القنوت: الطاعة، وهو أصله.
وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل قنوت في القرآن فهو طاعة لله عز وجل ".

وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: " أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت.
فتأوله جماعة من أهل العلم أنه طول القيام ". وسئل ابن عمر عن القنوت، فقال:: " ما أعرف القنوت إلا طول القيام، وقراءة القرآن.
وقال مجاهد: من القنوت: طول الركوع، وغض الطرف.
ويروى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنهـ. وعن ابن عمر: إنها نزلت في عثمان رضي الله عنهـ. وكانوا يستحبون حسن الملبس في الصلاة.

روى نافع أن ابن عمر قال له: قم فصل.
قال نافع: فقمت أصلي - وكان عليّ ثوب خلق - فدعاني ابن عمر فقال لي: أرأيتك لو وجهتك في حاجة وراء الجدار، أكنت تمضي هكذا؟! قال: فقلت: كنت أتزين! قال: فالله جل وعز أجل أن يتزين له!!.
قوله: ﴿سَاجِداً وَقَآئِماً﴾، أي: يقنت ساجداً أحياناً وقائماً أحياناً ﴿يَحْذَرُ الآخرة﴾.
أي: عذاب الآخرة.
﴿وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، أي: يرجو أن يرحمه ربه فيدخله الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: قل يا محمد لقومك: هل يستوي الذي يعلمون ما لهم في طاعة الله عز وجل من الثواب وما عليهم في معصيته من العقاب، والذين لا يعلمون ذلك.
يعني: من يؤمن بالبعث والحساب والجزاء والذين لا يؤمنون بذلك.
فالمعنى: لا يستوي المطيع والعاصي.
وقيل: الذين يعلمون هم الذين ينتفعون بعلمهم، والذين لا يعلمون هو من لا ينفع بعلمه، ومن لا علم عنده.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب﴾، أي: إنما يعتبر حجج الله عز وجل فيتعظ بها

ويتدبرها أصحاب العقول والبصائر.
ويقف القارئ على " رحمة ربه " إن شدّد الميم، لأن الخبر المحذف مقدر قبل " قل هل ". ومن خفف وجعل " من " مرفوعة بالابتداء وقف أيضاً على " ربه " ويقدر الخبر أيضاً محذوفاً قبل " قل هل ". ومن جعله نداء لم يقف على " ربه "، لأن " قل هل " متصل بالمنادي.
والمعنى: يا من قانت قل هل، فإن قدرت محذوفاً تتم به فائدة النداء، وقفت على " ربه ". والتقدير: " يا من هو قانت أبشر، ثم تبتدئ قل هل ". ثم قال تعالى: ﴿قُلْ ياعباد الذين آمَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ﴾.
روى الشموني عن الأعمش عن أبي بكر: " يا عبادي " بياء مفتوحة.

والمعنى: قل يا محمد لعبادي المؤمنين: يا عباد الذين آمنوا، أي: صدقوا بالله ورسوله.
﴿اتقوا رَبَّكُمْ﴾، أي: اتقوه بطاعته واجتناب معاصيه.
ويروى أن هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب (الطيّار في الجنة) وأصحابه من المؤمنين لما قيل لهم: ﴿وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ﴾، خرجوا مهاجرين من مكة إلى أرض الحبشة، وقيل لهم: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، يعني: الصابرين على دينهم يفرّون به من بلد إلى بلد.
ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ﴾، أي: للذين أطاعوا الله في الدنيا، حسنة في الدنيا وهي العافية والصحة، قاله السدي.
وقيل: الحسنة التي لهم في الدنيا: موالاة الله إياهم وثناؤه عليهم.
وقيل: المعنى: للذين أطاعوا الله فيالدنيا حسنة في الآخرة، وهي الجنة.
وقوله: ﴿وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ﴾، يعني: أرض الجنة.

وقيل: المعنى: أرض الدنيا واسعة، فهاجروا من أرض الشرك إلى أرض السلام.
قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: 56] أي: أرض الدنيا واسعة فهاجروا واعتزلوا الأوثان.
وقيل: المعنى: أرض الجنة واسعة لمن طلبها وعمل لها.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: إنما يعطي الله أهل الصبر على طاعته أجرهم في الآخرة بغير حساب.
قال قتادة: ما هناكم مكيال ولا ميزان، وقال السدي: ذلك في الجنة.
قال مالك، " هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها، وقد بلغني أن الصبر من / الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ". " وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت {مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ

فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ} الآية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: رب زد أمتي.
فنزلت: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فيضاعفه لَهُ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا رب زد أمتي، فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ". وقيل: " بغير حساب ": بغير تقدير.
وقيل: المعنى، يزاد في أجره بغير مطالبة على ما أعطي كما يطالب بالشكر على نعيم الدنيا.
ويقال: (فلان صابر): إذا صبر عن المعاصي، فإن أردت أنه صابر على المصيبة، قلت: صابر على كذا.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين﴾، أي قل يا محمد لقومك: إن الله أمرني أن أخلص له العبادة والطاعة، ولا نشرك في عبادته أحداً من أوثانكم وآلهتكم ولا من غيرها.
﴿وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين﴾، أي: وأمرني الله لأن أكون أول من أسلم

منكم، وأخضع له بالتوحيد، وأخلص له العبادة.
واللام في " لأن " تدل على محذوف تقديره: وأمرت بذلك لأن أكون أول من أسلم.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يعني: يوم القيامة - أي، إن عصيته فيما أمرني به عذبني.
قوله تعالى ذكره: ﴿قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي﴾ - إلى قوله - ﴿لأُوْلِي الألباب﴾، أي: قل يا محمد لقومك: أعبد الله مخلصاً له عبادتي لا أشرك في عبادتي له، بل أفرده بالعبادة من الأنداد والشركاء.
ثم قال: ﴿فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ﴾، هذا تهدد أيضاً ووعيد.
والمعنى: اعبدوا ما أحببتم ستعلمون وبال عاقبة عبادتكم إذا لقيتم ربكم وهذا كله قبل أن يؤمر بالقتال.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة﴾، (أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الخاسرين في الحقيقة هم الذين خسروا) أنفسهم

بإيرادهم إياها في العذاب الجائم، وخسروا أهليهم، فليس لهم أهل.
قال ابن عباس: هم الكفار، خلقهم الله للنار وخلق النار لهم، فخسروا الدنيا والآخرة.
وعن ابن عباس أنه قال: ليس من أحد إلا وقد خلق الله له زوجه في الجنة، فإذا دخل النار خسر نفسه وأهله، وكذلك قال قتادة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿لْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين﴾، أي: ألا إن خسارة هؤلاء المشركين (لأنفسهم وأهلهم) يوم القيامة، هو الخسران الظاهر.
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ أي: لهؤلاء في جهنم ما يعلوهم مثل الطفل، وما يسفل عنهم مثل الظل، وهو مثل قوله: ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41].
وقيل: هو توسع، أصل الظلة: ما كان من فوق دون ما كان من أسفل.

وقيل: إنما سمى ما تحتهم: ظلل لأنها ظلل لمن تحتها ففوقهم ظلل لهم، وهي ظلل لمن فوقهم أيضاً سمين لمن هو فوقهم ظلل لأنها ظلل لمن تحتهم.
وقيل: إنما سمي الأسفل باسم الأعلى، على نحو قوله: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] سمي المجازي به باسم الأول، كذلك سمى الأسفل باسم الأعلى على طريق المجازاة لما كان الأسفل ناراً مثل الأعلى سمي باسمه لأنه كله نار يحادي الأخرى.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ﴾، أي: هذا الذي أخبرتم به أيها الناس يخوّف الله به عباده ويحذرهم به.
﴿ياعباد فاتقون﴾.
روى عصمة أن أبا عمرو أثبت الياء في " يا عبادي " ساكنة، وروى

عياش بفتح الياء.
والمعنى: يا عباد فاتقون بأداء الفرائض واجتناب المحارم.
ثم قال تعالى: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا﴾، أي: والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وهو كل ما يعبد من دون الله.
وقيل: هو إبليس اللعين.
قال الأخفش: " الطاغوت جمع.
ويجوز أن يكون واحدة مؤنثة وقال الزجاج: الطاغوت: الشياطين.
ويروى أن هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف

وسعد وسعيد وطلحة والزبير رضي الله عنهم لما آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدّقه أتاه هؤلاء فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا وصدقوا، فنزل فيهم: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا﴾ الآية.
/ ونزل فيهم: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
قال مالك: الطاغوت: (ما يعبد) من دون الله.

ثم قال تعالى: ﴿وأنابوا إِلَى الله﴾، أي: تابوا ورجعوا عن معاصيه وأجابوا داعيه.
لهم البشرى: قال السدي: لهم البشرى ف الدنيا بالجنة في الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
روى أبو عبد الرحمن وأبو حمدون عن اليزيدي " عباديَ " بياء مفتوحة في الوصل، وبغير ياء في الوقف اتباعاً للخط، وحكى ذلك أيضاً ابن واصل عن اليزيدي، (وكذلك حكى إبراهيم بن اليزيدي (وابن سعدان) كلاهما عن اليزيدي).
ولم يذكر ابن سعدان الوقف ولا إبراهيم.
وأنكر أبو عبد الرحمن الوقف بغير ياء، وقال: لا بد من الوقف بالياء لتحركها.
وقد روى الشموني عن الأعمش عن أبي بكر " عباديَ " بياء مفتوحة.
ومعنى الآية: فبشر يا محمد عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أرشده وأهداه إلى الحق وأدله على توحيد الله عز وجل والعمل بطاعته.
وقال السدي: معناه: فيتبعون أحسن ما يؤمرون به فيعلمون به.
وقال الضحاك: القول هنا: القرآن.

ومعنى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، أي: يتبعون ما أمر الله به الأنبياء من طاعته فيعملون به أي: يستمعون العفو عن الظالم والعقوبة، فيتبعون العفو ويتركون العقوبة وإن كانت لهم.
وإنما نزل ذلك فيما وقع في القرآن في الإباحة فيفعلون الأفضل مما أبيح لهم فيختارون العفو على القصاص والصبر على الانتقام اقتداء بقوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ [الشورى: 43].
وقيل: المعنى: يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن.
ثم قال: ﴿أولئك الذين هَدَاهُمُ الله﴾، أي: وفقهم الله للرشاد وإصابة الحق ﴿ائك هُمْ أُوْلُواْ الألباب﴾، أي: العقول.
وَلَبَّ كل شيء: خالصه.
وروي أن هذه الآية نزلت في رهط معروفين وحدّوا الله وتبروا من عبادة كل ما دون الله قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهم فيما روى زيد بن أسلم: زيد بن عمرو بن

نفيل وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله.
فيكون المعنى: والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها في جاهليتهم وأنابوا إلى الله سبحانه، أي: رجعوا إلى توحيد الله عز وجل.
وقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، هو: لا إله إلا الله.
﴿أولئك الذين هَدَاهُمُ الله﴾، أي: أرشدهم بغير كتاب ولا نبي.
وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ تمام عند أبي حاتم وغيره، لأنه رأس آية.
ورفع " الذين " بإضمار رافع، أو بنصبهم على إضمار ناصب.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار﴾ أي: أفأنت

تنقذه.
ودخلت الألف في الخبر للتأكيد.
وقيل: الخبر محذوف، والتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب يتخلص أو ينجو، أي: أفمن سبق في علم الله أنه يدخل النار ينجوا أو يتخلص.
قال قتادة معناه: أفمن حق عليه كلمة العذاب بكفره أفأنت يا محمد تنقذه من العذاب.
وقيل: هو جواب لقصة محذوفة، كان النبي صلى الله عليه وسلم، دعا لقوم من الكفار أن يرزقوا الإيمان.
فقيل له: أفتدعو لمن حق عليه العذاب، أفأنت تنقذ من في النار.
ثم قال: ﴿لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾، أي: اتقوه بأداء فرائضه واجتناب محارمه لهم في الجنة غرف ﴿فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾.
قال الزجاج: معناه: لهم في الجنة منازل رفيعة فوقها منازل أرفع منها.
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾، أي: من تحت أشجارها.
ثم قال تعالى: ﴿وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد﴾، أي: وعد الله ذلك وعداً.
وسيبوية يسميه مصدراً مؤكداً بمنزلة: صنع الله وكتاب الله.

وأجاز أبو حاتم الوقف على " الأنهار " وهو غير جائز على مذهب سيبويه لأن ما قبل " وعد " يعمل فيه لقيامه مقام العامل.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض﴾، أي: أنزل من السماء مطراً فأجراه عيوناً.
قال الحسن: هو العيون، وقال الشعبي: كل عين في الأرض من السماء نزل ماؤها.
وقيل، المعنى: أنزل من السماء مطراً فأدخله في الأرض فجعله البنابيع، أي: عيوناً.
والمعنى / كالأول سواء، وواحد الينابيع ينبوع.
ثم قال ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾، أي: يخرج بالماء أنواعاً من الزرع من بين شعير وحنطة وسمسم وأرز ونحو ذلك من الأنواع، هذا قول الطبري واختياره.
وقال غيره: معنى مختلفاً ألوانه: أخضر وأسود وأصفر وأبيض.

وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾، أي: يجف عند تمامه.
قال الأصمعي: يقال للنبات إذ تمّ، قد هاج يهيج هيجاً.
وحكى المبرد عنه: هاجت الأرض تهيج إذا إدبر نبتها وولّى.
وقوله: ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾، أي: قد يبس فصار أصفر بعد خضرته ورطوبته .. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً﴾، أي: فتاتاً، يعني: تبن الزرع والحشيش.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لأُوْلِي الألباب﴾، أي: إن في فعل ذلك والقدرة عليه لتذكرة وموعظة لأصحاب العقول فيعلمون أن من قدر على ذلك لا يتعذر عليه ما شاء من إحياء الموتى وغير ذلك.
قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ﴾ - إلى قوله - ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
في هذه الآية حذف واختصار لدلالة الكلام عليه على مذاهب العرب.
والتقدير: أفمن شرح الله صدره فاهتدى، كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته.
ثم بيّن ذلك بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله﴾، أي: عن ذكر الله عز وجل فلا يثبت ذكر الله سبحانه فيها.
وقيل: الجواب والخبر: ﴿أولئك فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
وقوله: ﴿فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ معناه: على بصيرة ويقين من توحيد ربه.

ويروى أن قوله: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ نزلت في حمزة وعليّ رضي الله عنهـ. وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله﴾ نزلت في أبي لهب وولده قال قتادة: ﴿فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾، يعني به: كتاب الله عز وجل، المؤمن به يأخذ وإليه ينتهي.
" وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالو له: " أَوَ يَنْشَرِحُ القَلْبُ "!؟ قال: نَعَمْ.
إذاَ أَدْخَلَ الله فِيهِ النُّورَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ.
قالوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مشنْ عَلاَمَةٍ تُعْرَف؟ قال: نَعَمْ، التَّجَافي عَنْ دَارِ الغُروُرِ، وَالإِنَابَةِ إِلَى دَارِ الخُلُودِ وَالاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ ". قال المبرد، يقال: (قسا وعتا) إذا صلب، وقلب قاس لا يلين ولا يرق.
فالمعنى: فويل للذين جَفَتْ قلوبهم عن قبول ذكر الله عز وجل وهو القرآن فلم

يؤمنوا به ولا صدّقوه.
قال الطبري: " مِنْ " هنا، بمعنى: " عن "، أي: عن ذكر الله.
فيكون المعنى: غلظت قلوبهم وصلبت عن قبول ذكر الله.
وقيل: " من " على بابها.
والمعنى: كلما تلي عليهم من ذكر الله قست قلوبهم.
ثم بين حالهم فقال: ﴿أولئك فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: في ضلال عن الحق ظاهر.
ومن جعل جواب: ﴿أَفَمَن شَرَحَ﴾ محذوفاً وقف على ﴿نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾.
ومن جعل الجواب: ﴿أولئك فِي ضَلاَلٍ﴾ لم يقف عليه.
ثم قال: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾، أي: يشبه بعضه بعضاً لا اختلاف فيه ولا تضاد، هذا قول قتادة والسدي.
وقال ابن جبير: يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً ويدل بعضه على بعض.

وقوله: ﴿مَّثَانِيَ﴾ معناه: ثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام والحجج.
وقال الحسن وعكرمة: " ثنى الله عز وجل فيه القضاء ". وقال قتادة: ثنى الله فيه ذكر الفرائض والقضاء والحدود.
وقال ابن عباس: ثنى الله عز وجل ( الأمر فيه) مراراً.
وقيل: مثاني: ثنى فيه ذكر العقاب والثواب والقصص.
وقيل: المثاني، كل سورة فيها أقل من مائة آية أي: ثنى في الصلاة.
ثم قال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، أي: تقشعر من سماعه إذا تلي وذكر فيه العذاب والعقاب خوفاً وحذراً.
وقوله: ﴿رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله﴾، أي: إلى العمل بما في كتاب الله عز وجل والتصديق به.
وقيل: تلين إلى ذكر الثواب والرحمة والمغفرة، وتقشعر إلى ذكر (العقاب والعذاب).

روى ابن عباس أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا.
فنزلت: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾ الآية.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى الله﴾، أي: ما يصيب هؤلاء القوم من اقشعرار جلودهم عند سماع العقاب ولينها عند سماع الثواي هو هدى الله / وفقهم لذلك.
﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: يهدي بالقرآن من يشاء.
وقيل: ذلك هدى الله إشارة إلى القرآن، فيكون المعنى: ذلك القرآن بيان الله يوفق به من يشاء.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، أي: من يخذل الله عن التوفيق فما له من موفق.
وقوله: (مثاني) وقف إن قطعت " تقشعر " مما قبله.
وإن جعلته نعتاً " للكتاب " لم يجز الوقف على " مثاني ". ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب يَوْمَ القيامة﴾ " من " بمعنى " الذي مرفوعة بالابتداء والخبر محذوف.
والتقدير عند الأخفش: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب أفضل، أم من يتقيه.

وقيل: التقدير: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب خير أم من ينعم في الجنان.
وقيل: التقدير: كمن يدخل الجنة، وقيل: التقدير: كمن هداه الله فأدخله الجنة، وقيل: التقدير: كمن لا يصيبه العذاب.
وهذه المعاني كلها قريب بعضها من بعض وإن اختلفت الألفاظ.
(وقيل معنى) الآية: أفمن يرمي به مكبوباً على وجهه في جهنم.
قال مجاهد: " يجر على وجهه النار ". وقيل: المعنى: إنه ينطلق به إلى النار مكتوفاً ثم يرمي به فيها.
فأول ما تمس النار وجهه، روى ذلك عن ابن عباس.
وقيل: يرمي بالكافر في النار مغلولاً فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه.
وقيل: الإتقاء في هذا بمعنى الاستقبال كرهاً.

وخصّ الوجه لأنه أعز ما في الإنسان على الإنسان وفيه الحواس الخمس.
تقول العرب: اتقيت فلاناً بحقه، أي: استقبلته به.
وقد كان الإنسان في الدنيا يتقي عن وجهه السوء بجميع جوارحه لشرفع وعزته عليه.
فأعلمنا الله عز وجل أن الوجه هو أعز الجوارح به يتقي الكافر سوء العذاب يوم القيامة، فما ظنك بجميع الجوارح التي هي دون الوجه، أعاذنا الله من ذلك ونجّانا منه.
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، أي: وقيل للظالمين أنفسهم ذوفوا عذاب عقاب كسبكم في الدنيا معاصي الله سبحانه.
وهذا فعل ماض عُطِفَ، وليس قبله ما يُعْطَفُ عليه، لكنه محمول على المعنى والحكاية.
والتقدير: ويقال ذلك يوم القيامة.
ثم قال: ﴿كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي: كذبت الأمم رسلهم من قبل هؤلاء المشركين فجاءهم عذاب الله من حيث لا يعلمون بمجيئه.
﴿فَأَذَاقَهُمُ الله الخزي فِي الحياة الدنيا﴾، أي: عجّل لهم الهوان والعذاب في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الله إياهم في الآخرة أكبر من العذاب الذي نالهم في الدنيا لو كانوا يعلمون ذلك.
والخزي، أصله: المكروه، وهو أشد الهوان وأبلغه.
قال المبرد: " يقال لكل ما نال الجارحة من شيء قد ذاقته،

أي: وصل إليها كما تصل الحلاوة والمرارة إلى الذائق لهما ". ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾، أي: ولقد مثلنا للناس، يعني: المشركين في هذا القرآن من كل مثل من مثال القرون الخالية تخويفاً وتحذيرا ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيرجعون عمّا هم عليه من الكفر والشرك.
ثم قال: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾.
نصب " قرآناً " عند الأخفش على الحال.
وقال علي بن سليمان: " عربياً " هو الحال، " وقرءاناً " توطئة للحال (كما تقول مررت بزيد رجلاً صالحاً، " فصالح " هو المنصوب على الحال ورجلاً توطئة للحال).

قال الزجاج: " عربياً ". منصوب على الحال، " وقرآناً " توكيد.
وقوله: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾.
قال مجاهد: معناه، " غير ذي لبس " وقال الضحاك غير مختلف.
وقال ابن عباس: غير مخلوق.
ثم قال: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يتّقون ما حذّرهم الله عز وجل من بأسه وعذابه.
قوله (تعالى ذكره): ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ - إلى قوله - ﴿بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
هذا مثل للمؤمن والكافر، فالكافر يعبد أرباباً كثيرة مختلفين من الشياطين والأصنام.
فهو بينهم مقسم وجميعهم مشتركون فيه.
والمؤمن يعبد الله وحده لا شرك لأحد فيه، قد تسلم له عبادته فهو سالم من الإشراك.

قال الفراء: متشاكسون: مختلفون: هذا معنى قول قتادة وهو قول ابن عباس، وقال مجاهد والضحاك هو مثل للحق والباطل، والشركاء: الأوثان.
قال الزجاج: ضرب هذا المثل لمن وحد الله عز وجل ( ولم يجعل معه شريكاً).
فالذي وحّد الله / مثله مثل السالم لرجل لا يشركه فيه غيره.
ومثل الذي عبد غير الله مثل صاحب الشركاء المتشاكسين، أي: المختلفون العسرون.
وحكى المبرد: متشاكسون: متعاسرون، من شكس يشكُسُ وهو شَكِسٌ، مثل عَسُرَ يَعْسُرُ فهو عَسِرٌ.
يقال: رجل شَكِسُ أي: عسير لا يرضى بالإنصاف.
وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾، أي: هل يستوي من يخدم جماعة هم فيه شركاء قد اختلفت مراداتهم فيلقى من (التعب والنصب ما لا قوام) له به من غير أن يبلغ

ضى الجميع، أو الذي يخدم واحداً لا ينازعه فيه منازع، إذا أطاع عرف موضع طاعته فأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خطئه.
فالمعنى: أي هذين أحسن حالاً وأروح جسماً.
قال ابن عباس: هل يستويان مثلاً، أي: هل يستوي من اختلف فيه ومن لم يختلف فيه.
ثم قال ﴿الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: الشكر لله كله والحمد كله له دون من سِواه، بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الفرق بين من فيه أرباب مشتركون ومن ليس له إلا رب واحد.
فلجهلهم يعبدون آلهة شتى.
ومعنى: ضرب الله مثلا " (مَثَّلَ الله مثلاً).
وقال " مثلاً " ولم يقل " مثلين " لأنهما كليهما ضرباً مثلاً واحداً فجرى المثل فيهما بالتوحيد لذلك كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: 50].
ولم يقل آيتين إذ كان معناهما واحداً في الآية.

ثم قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾، أي: إنك يا محمد ستموت عن قليل، وإن هؤلاء المكذبين من قومك والمؤمنين منهم سيموتون.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، (قال ابن عباس يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال).
وقال ابن زيد وابن جبير: يختصم أهل الإسلام وأهل الكفر.
وقال ابن عباس: بلغ من الخصومة يوم القيامة حتى إن الروح ليخاصم الجسد.
فيقول الروح: رب، هذا الذي عمل العمل فخلد عليه العذاب.
فيقول الجسد: رب، وما كنت أنا، به كنت أبسط، وبه كنت أقبض، وبه كنت أعمل، وبه كنت أقوم وأقعد، فخلد عليه العذاب.
فيقال لهما: أرأيتما لو أنّ اعمى وصحيحاً دخلا حائطاً مثمراً، فقال البصير: لا أَنَالُهُ.
فقال الأعمى: أنا أحملك على عنقي (حتى تناله فتأخذ): فحمله حتى أخذ من التمر، فأكلا جميعاً، على من يكون العذاب؟ فيقول: عليهما جميعاً!.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ ". وقيل: هو اختصام أهل الإسلام فيما بينهم.
وروي عن ابن عمر أنه قال: نزلت هذه الآية (وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة، فقلنا: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه.
وقال النخعي: لما نزلت هذه الآية) قالوا ما خصومتنا بيننا ونحن إخوان؟ قال: فلما قتل عثمان رضي الله عنهـ قالوا: هذه خصومتنا بيننا.

قال: أبو العالية: هم أهل القبلة يختصمون يوم القيامة في مظالم بينهم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الآية: " يَخْتَصِمُونَ في الدِّمَاءِ في الدِّمَاءِ " قاله مرتين).
" وروي عن الزبير أنه قال: يا رسول الله، أنختصم يوم القيامة بعدما كان بيننا؟ قال: " نعم، حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه ". قال الزبير: إن الأمر إذن لشديد ". وفي الحديث المسند: " أول ما تقع فيه الخصومات الدماء ". وقوله: " مثلاً " تمام عند أبي حاتم وغيره.

وليس ذلك بمختار لأن الممثل به لم يذكر بعد فهو متصل بما قبله.
وقيل: إن " مثلاً " تقديره أن يكون مؤخراً بعد " سلما لرجل "، أي: ضرب الله هذا مثلاً وفي الكلام حذف، والتقدير: ضرب الله مثلاً لمن أشرك به غيره.
وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾: المثل في هذا بمعنى الصفة كما قال: ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ [الرعد: 35]، أي: صفة الجنة.
ثم قال تعالى ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله﴾، أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له ولداً وصاحبة.
و" من " استفهام، معناه: الجحد، أي: لا أحد أظلم منه.
﴿وَكَذَّبَ بالصدق﴾، أي: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم إذ جاء رسولاً.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾، أي: أليس فها مأوى ومسكن لمن كفر بالله عز وجل ورسله صلوات الله عليهم، ومتبه بل فيها مأوى ومسكن لهم.
ثم قال تعالى: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ﴾ " الذي " هنا واحد يدل على الجمع.
وقيل: كان أصله: " الذين "، فحذفت النون لطول الاسم.
وقيل: " الذي " للواحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم، جاء بـ " لا إله إلا الله " وصدق

بذلك: هذا قول ابن عباس.
وقال مجاهد: جاء محمد بالقرآن وصدّق به، وقال الشعبي.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدّق به أبو بكر رضي الله عنهـ. وقال قتادة: الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن والإسلام وصدّق به يعني المؤمنين، وكذلك قال ابن زيد وقال السدي: الذي) جاء بالصدق: جبريل صلى الله عليه وسلم، جاء بالقرآن من عند الله وصدّق به، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهد: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم: المؤمنون يجيئون بالقرآن يوم القيامة، يقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد اتبعنا ما فيه ". وعن مجاهد أيضاً: (والذي جاء بالصدق) يعني صلى الله عليه وسلم " وصدق به "

يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ، وقيل: هو أبو بكر رضي الله وأصحابه.
فمن جعله لجماعة استدل بقوله: ﴿أولئك هُمُ المتقون﴾.
ومن جعله لواحد حسن عنده (أولئك) بعد الواحد، لأن الجليل القدر يخير عنه بلفظ الجماعة.
وقرأ أبو صالح: (وصدق به) بالتخفيف، (يعني به النبي صلى الله عليه وسلم.
والباء بمعنى: في.
والمعنى: جاء بالقرآن وصدق فيه.
واختار الطبري أن يحمل على العموم، فيكون معنى: والذي جاء بالصدق كل من دعا إلى توحيد الله عز وجل والعمل بطاعته، ويكون الصدق: القرآن والتوحيد

والشرائع، والمصدق: المؤمنون والأنبياء وغيرهم من جميع من صدق به.
ودل على هذا العموم ما قبله من العموم في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله وَكَذَّبَ بالصدق﴾ فهذا عام في جميع المكذبين بالقرآن والتوحيد والشرائع، وفي جميع الكاذبين على الله سبحانه فكذلك يجب أن يكون التصديق عقيبه عاما في جميع المصدقين والصادقين فيترتب الشيء وضده على نظام واحد لأن الذين كانوا عند بعث النبي صلى الله عليه وسلم قوم مكذبون لما أتاهم به كاذبون على الله سبحانه، ثم أعقبهم ممن آمن قوم مصدقون بما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم صادقون في قولهم.
وفي قراءة ابن مسعود: " والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به بالجمع.
ثم قال تعالى ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يعني، يوم القيامة لهم ما تشتهيه أنفسهم.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ المحسنين﴾، ذلك: إشارة إلى قوله: لهم ما يشاءون.
والكاف في " ذلك " للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: هذا الذي لهم عند ربهم جزاء كل محسن في الدنيا بطاعة الله عز وجل.
ثم قال: ﴿لِيُكَفِّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذي عَمِلُواْ﴾، أي: فعل بهم ذلك لكي يكفر عنهم أسوأ ما عملوا في الدنيا مما بينهم وبين ربهم ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾، أي: في الآخرة.
﴿بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا (لا بأسوئه).

قوله تعالى ذكره: ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ - إلى قوله - ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي أليس الله بكاف محمداً صلى الله عليه وسلم أمر أعداء المشركين.
قال مجاهد: بكافيه الأوثان.
وروي أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لئن لم تنته عن سب آلهتنا لنأمرنها فتخبلك.
فالمعنى: يخوفك يا محمد هؤلاء المشركون بالأوثان أن تصيبك بسوء، ألي الله بكافيك؟! أي: هو كافيك ذلك.
ومن قرأ " عباده " بالجمع أدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ومن تقدمه من الأنبياء صلوات الله عليهم الذين توعدتهم أممهم بمثل ما توعدت به أمة محمد محمداً صلى الله عليه وسلم.
قال مجاهد: نزلت هذه الآية حيثن قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة " والنجم " عند باب الكعبة.
ثم قال تعالى ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ﴾، أي: من

يخذل الله فيضله عن طريق الحق فما له سواه من مرشد، ومن يوفقه الله إلى طريق الحق فماله من مضل.
ثم قال تعالى ﴿أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِي انتقام﴾، أي: أليس الله يا محمد يعزيز في انتقامه ممن / كفر به، ذي انتقام منهم.
ثم قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله﴾، (أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين منْ خلق السماوات والأرض ليقولن الله) خلقهن، فإذا أقروا بذلك فقل لهم يا محمد: أفرأيتم هذه الألهة التي تدعون من دون الله إن أرادني الله بضرّ، أي: سقم أو شدة في معيشتي هل هن كاشفات عني ما أصابني، وإن أرادني الله عز وجل برحمة، أي بصحة وَسَعَةٍ في الرزق هل هن ممسكات عني ما أعطاني.
والجواب في هذا محذوف لعلم السامع بالمعنى.
والتقدير: فإنهم سيقولون لا نقدر على شيء من ذلك، فإذا قالوا ذلك فقل يا محمد حسبي الله، أي: كافيِي الله مما سواه من الأشياء.
﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون﴾، أي: من هو متوكل فليتوكل عليه لا بغيره.
وقال قتادة: ولئن سألتهم من خلق السماوات، يعني:

الأصنام فيكون المسؤول في هذا القول: الأصنام.
والقول الأول عليه أكثر المفسرين.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ معنى الكلام التهدد والوعيد، أي: اعلملوا على تمكنكم من العمل الذي تعملونه مثل قوله: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].
وقال مجاهد: معناه اعملوا على ناحيتكم، (أي: على) ناحيتكم التي اخترتموها وتمكنت عندكم، إني عامل على ناحيتي.
وقيل: المعنى إنى عامل على عمل من سلف من الأنبياء عليهم السلام قبلي.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي سوف تعلمون من يهان ويذل ممن يكرم وينعم إذا جاءكم بأس الله عز وجل فيظهر لكم المحق منا من المبطل وهو معنى قوله: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.
ثم قال تعالى ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب لِلنَّاسِ بالحق﴾، أي: أنزلناه تبياناً بالحق.
﴿فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ﴾، أي من آمن به واتبعه فلنفسه عمل، لأنه أكسب نفسه باتباعه الحق وإيمانه الفوز والرضى من الله عز وجل والخلود في النعيم المقيم.

ثم قال: ﴿وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾، أي: ومن جار على ما أنزل إليك فإنما يجُورُ على نفسه، لأنه أكسبها بكفره وجوره عن الحق العطب والخزي الدائم، والخلود في نار جهنم.
ثم قال: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، أي: ما أنت يا محمد على من أرسلناك إليهم برقيب ترقب أعمالهم وتحفظ أفعالهم، إنما أنت رسول وما عليك غير البلاغ المبين وحسابهم علينا، قال قتادة، والسدي: بوكيل: بحفيظ.
ثم قال تعالى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ (أي يقبض الأرواح عند فناء آجالها وانقضاء مدة حياتها ويقبض أيضاً التي لم تمت في منامها) كما يتوفى التي ماتت عند مماتها فيرسل نفس النائم ويمسك نفس الميت، فإذا جاء وقت أجل النائم قبض نفسه ولم يردها إليه.
قال ابن جبير: يقبض الله عز وجل أرواح الأحياء النائمين وأرواح الموتى فتلتقي أرواح الأحياء وأرواح الموتى، ثم يرسل الله الأحياء النائمين، ويمسك أرواح الموتى.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل