الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 5654-5693
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 5654-5693
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وحكى أبو زيد فتح الباء فيه.
وهو مشتق من بَضَعه إذا قطعه، ومنه بَضْعةٌ من لحم.
وهو يملك بُضعَ المرأة يريد أنه يملك قطع فرجها.
وقال ابن عباس: " كان المسلمون يحبون أن تغلِبَ الروم لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن يغلب أهل فارس لأنهم أهل أوثانكَهُمْ، فذكر المشركون ذلك لأبي بكر رضي لله عنه، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه السلام: أما إنهم سَيُهْزَمُون - يعني فارساً -، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين فقالوا أفتجعل بيننا وبينك أجلاً فإن غلبوا كان لك كذا وكذا، وإن لم يغلبوا كان لك كذا وكذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلاً خمس سنين، فمضت ولم يغلبوا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي عليه السلام فقال له: أفلا جعلته دون العشرة " قال أبو سعد الخدري: التقينا مع مشركي العرب يوم بدر، والتقت

اليوم الروم فارساً فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الروم على فارس، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون * بِنَصْرِ الله﴾.
قال ابن عباس: لقي النبي صلى الله عليه وسلم مشركي العرب يوم التقت الروم فارساً فنصر الله أهل الكتاب على العجم.
" وروي أنه جرى بين أبي بكر وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حتى وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص إلى أجل ثلاث سنين.
قال أبو بكر: إن الروم ستغلب فارساً إلى ثلاث سنين، وأنكر ذلك ابن خلف، فأتى أبو بكر النبي عليه السلام فأعلمه بما جرى بينهما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ارجع واسْتَزِدْ في القَلائِصِ والسّنِين فَصَيّرِ الرّهَانَ إلى سَبع قلائِص وإلى سبع سنين ". فكان أول رهان في الإسلام وآخره ثم حرم الله الرهان "، فأخرج أبو بكر رضي الله عنهـ في حين

عقد الرهان ثم القلائص، وأخرج أمية بن خلف ثم القلائص فاشتروا قلائص بنصف المال فنحروها وقسموها جزورً وأخروا نصف المال حتى غلبت لروم فارساً فرجع ذلك إلى أبي بكر.
وروي: " أنهم جعلوا الأجل ست سنين، فمضت الستُّ، والفُرسُ ظَاهِرُونَ عَلَى الرُّوم، فأخذ المشركون رهان أبي بكر وارتاب ناس كثير وفَرِحَ بذلك المشركون.
فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فكَبَّرَ المسلمون تكبيرة واحدة بمكة فآمن عند ذلك خلقٌ كثيرٌ من المشركين ". وإنما تعلق قريش بالفرس لأنهم مثلهم في التكذيب بالبعث، وتعلق المسلمون بالروم لأنهم مثلهم في الإيمان بالبعث.
وقيل: كان ذلك لأن الفرس لا كتاب لهم كالمشركين، والروم لهم كتاب كالمسلمين.
وروي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الروم ستغلب فارساً، وأنكر ذلك المشركون فخاطرهم أبو بكر على ذلك، وكان الذي خاطره على ذلك أمية بن خلف الجمحي فأعلم النبي بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر " ارجع فَزِد في الخَطِر وَالأَجَلِ " ففعل.

وضمن أبا بكر عن الخطر ولده عبد الرحمن وضمن أمية بن خلف صفوان ابن أمية، فغلبت الروم فارساً على بيت المقدس، وأخذ الخطر من قريش.
قال ابن مسعود " خَمس " قَد مَضَينَ: الدخان واللّزَام والبطشة والقمرُ والرومُ ".

قال عكرمة: " اقتتل الروم وفارس في أدنى الأرض، وأدنى الأرض يومئذ أذْرِعَات بها التقوا، فهزمت الروم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة فشق ذلك عليهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم.
وفرح الكفار بمكة فلقوا المؤمنين من أصحاب النبي فقالوا له: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب، وإنكم إن واثبتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل الله جل ذكره: ﴿الم * غُلِبَتِ الروم﴾ الآيات، فخرج أبو بكر إلى الكفار فقال: أفرحتم بظهرو إخوانكم الكفار على أخواننا، فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال أبي بن خلف: كذبت يا أبا فضيل.
فقال أبو بكر: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: أنا حِبُكَ عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمتُ، وإن ظهرت فارس على الروم غرمَت إلى ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: ما هكذا ذَكَرتُ إِنَّما البِضعُ مَا بَينَ

الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فَزَايِدْهُ في الخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ " فخرج أبو بكر فلقي أُبَيَّا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعال - ازايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص بمائة قلوص إلى تسع سنين، فقال: قد فعلت ". قال قتادة وذلك قبل أن ينهي عن القمار.
وقال قتادة: قغلبت الروم فارساً عند رأس التسع سنين.
وكان قد تم الأجل وطلب المشركون قمارهم فزايدهم المسلمون في القمار ومادوهم في الأجل، فغلبت الروم.
وكان ذلك من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبرهم عما يكون قبل أن يكون بسنين على ما أوحى الله إليه وأعلمه فكان في ذلك دلالة على صدقه فيما يأتي به وما يقول في أمور الغيب وغيرها، وهذا إنما كان قبل أن تُحَرَّمَ المخاطرة، فأما الآن فقد

حَرَّمَ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا تجوز المخاطرة لأنها من أكل الأموال بالباطل.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾.
أي: من قبل غلبة الروم فارس ومن بعد غلبة فارس اليوم، يقضي ما شاء في خلقه.
وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون * بِنَصْرِ الله﴾ أي: يوم ستغلب الروم فارساً يفرح المؤمنون بنصر الله، لأن في ذلك، دليلاً على صحة نبوة من أخبرهم بغلبة الروم فارساً في بضع سنين، ولأن فيه ظفراً بالمشركين إذا كان يكرهون أن تغلب الروم فارساً.
ثم قال: ﴿وَهُوَ العزيز﴾ أي: الشديد في انتقامه من أعدائه.
﴿الرحيم﴾ بمن ناب من خلقه وراجع طاعته.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ﴾ أي: وعد الله المؤمنين وعداً أن تغلب الروم فارساً، فلا يخلف الله وعده.
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أكثر قريش لا يعلمون أن الله سينجز المؤمنين ما وعدهم من غلبة الروم فارساً وأنه لا خلف في وعده.
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا﴾ أي: يعلم هؤلاء المشركون أمر معاشهم وما يصلحهم في الدنيا وتدبير ذلك، وهم في غفلة عن امر آخرتهم وما فيه النجاة من عذاب الله.
قال ابن عبس: المعنى يعلمون متى يحصدون، ومتى يدرسون، ومتى يزرعون.
وقال الحسن.
وقال عكرمة: هم الخرازون والسراجون.
وقيل: ما يزيدهم من الكذب على متأتيهم به الشياطين من استراق السمع.
وقيل الظاهر هنا الباطل قال تعالى ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول﴾ [الرعد: 33] أي: باطل وقيل:

الظاهر البادي.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ في أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ الله السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾.
أي: أولم يتفكر هؤلاء المكذبون بالبعث في (خلق) أنفسهم وأنهم لم يكونوا شيئاً ثم صاروا رجالاً، وينظروا في لطف الصنع وإحكام تدبير خلقهم فيدل ذلك على توحيد الله، وعلى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، فيعلموا أن الذي فعل ذلك يقدر على أن يعيدهم بعد إفنائهم خلقاً جديداً، فيجازيهم بأعمالهم.
وقوله ﴿إِلاَّ بالحق﴾ أي: بالعدل وإقامة الحق.
﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: مؤقت معلوم عنده، فإذا بلغ آخره أفنى ما أراد منه، وبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبعث الأموات فبرزوا لله جميعاً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.
أي: الجاحدون منكرون البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، غفلة منهم وتفريطاً في أمر معادهم.
قوله تعالى ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ في أَنفُسِهِمْ﴾.
" في أنفسهم " ظرف للتفكر، وليس بمفعول به للتفكر تعدى إليه بحرف جر.

فالمعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم فيعلموا أن ما تقدم ذكره حق.
أي: يُسِرُّوا التَّفَكُّر في أنفسهم فهما معنيان.
وفي أنفسهم: تمام الكلام.
وقيل: بل ما بعده متصل به أي: يُسِرُّوا التفكر في أنفسهم أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق.
فأن مضمرة كما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البرق﴾ [الروم: 24] أي: أن يريكم، وكما قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات﴾ [الروم: 22] أي: أن خلق السماوات.
قوله تعالى ذكره: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) [8] إلى قوله: (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) [18]. أي: أولم يسير هؤلاء المكذبون بالبعث في الأرض/ فينظروا إلى آثار الله فيمن كان قبلهم من الأمم المكذبة رسلها، كيف كان عاقبة أمرها، فقد كانوا أشد من هؤلاء قوة، (وَأَثَارُوا الْأَرْضَ) أي: استخرجوها وحدثوها وعمروها أكثر مدة مما عمر هؤلاء الأرض، (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) فكذبوهم، فأهلكهم الله وما كان الله ليظلمهم بعقابه إياهم على تكذيبهم رسله، (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) بمعصيتهم ربهم.
ثم قا ل تعالى: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ).

أي: ثم كان آخر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض السوأى: أي الخلة التي هي أسوأ من فعلهم: البوار والهلاك في الدنيا، والنار في الآخرة خالدين فيها.
قال ابن عباس: السوأى جهنم والحسنى الجنة.
قال قتادة: كان عاقبة الذين أشركوا النار.
والسوآى اسم.
وقيل مصدر كالتقوى.
قال مجاهد: السوآى: الإساءة.
ثم قال: (أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) أي: عاقبتهم النار لأن كذبوا ومن أجل أن كذبوا بحجج الله ورسله.
(وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ) أي: بحجج الله وأنبيائه يسخرون.
ثم قال تعالى: (اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) أي: ينفرد بإنشاء جميع خلقه من قدرته، ثم يعيده بعد إفنائه له خلقا جديدا.
(ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أي: يردون فيجازيهم بأعمالهم.
ثم قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) أي: واذكر يا محمد يوم تقوم الساعة ييأس الكافرون من كل خير.

وأصل الإبلاس: انقطاع الحجة والسكوت والحيرة.
قال قتادة: "يبلس المجرمون" أي: في النار.
وقال ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به الشر.
وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة.
(ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ).
أي: ولم يكن للمجرمين من شركائهم في الكفر والمعصية وأذى الرسل شُفَعَاء ينقذونهم من عذاب الله.
وقيل: شركاؤهم هنا الأصنام والأوثان التي عبدوها من دون الله، أضيفت إليهم لأنهم هم اخترعوها وابتدعوا عبادتها.
(وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ) أي: جاحدون ولا يتهم متبرئين منهم وهو معنى قوله (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) الآية.
ثم قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) أي: يتفرق المؤمنون من

الكافرين.
قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها.
ثم بين تعالى ما يؤول إليه الافتراق.
فقال: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ).
أي: هم في الرياض والنبات الملتف بين أنواع الزهر في الجنات يسرون ويلذذون بطيب العيش والسماع.
وذكر الله جل ذكره الروضة لأنهم لم يكن عند العرب شيء أحسن منظراً ولا أطيب نشراً من الرياض وعبقها.
"أما" عند سيبويه: مهما يكن من شيء فالذين آمنوا.

وقال أبو إسحاق: معناها دع ما كنا (فيه) وخذ في غيره.
وقال أبو عبيدة: الروضة ما كان في سفل، وإن كان مرتفعاً فهي ترعة.
وقال الضحاك: "في روضة" في جنة، والرياض الجنان.
والحبرة في اللغة كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين وقال ابن عباس: يحبرون: يكرمون.

وقال مجاهد: ينعمون.
قال الكسائي: حبرته: أكرمته ونعمته.
ثم قال تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: جحدوا توحيد الله وكذبوا وسله، وأنكروا البعث.
(فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) أي: في عذاب الله مجموعون، قد أحضرهم الله إياه.
ثم قال تعالى ذكره: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) سبحان مصدر يؤدي عن معنى سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات الأربعة، أي: نزهوه من السوء.
وقيل: سبحان مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، وسبحة الضحى: صلاة الضحى.
وقرأ عكرمة: "حيناً تمسُون وَحِيناً تُصْبِحُون" بتنوين حين ونصبه في الوجهين على الظرف.
والتسبيح هنا الصلاة، فالمعنى صلوا أيها المؤمنون حين تمسون

صلاة المغرب والعشاء الآخرة، وحين تصبحون صلاة الصبح، وعشياً صلاة العصر، وحين تظهرون صلاة الظهر.
وقوله: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
أي: له الحمد من جميع خلقه دون غيره من سكان السماوات والأرض.
قال ابن عباس: هذه الآية في الصلوات الأربع: الظهر والعصر والصبح والمغرب، وصلاة العشاء في قوله تعالى/ (وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ) هذا معنى قوله.
روي عنه: وعشياً: المغرب والعشاء.
وقال زِرٌّ: "خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس في شيء، ثم قال نافع لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في كتاب الله؟ قال ابن عباس: نعم ثم قرأ عليه: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ): المغرب، (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الفجر، (وَعَشِيًّا): العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ): الظهر، "ومن بعد صلاة العشاء": العشاء.
وعن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية الصلوات الخمس وقال "حين تمسون":

المغرب والعشاء.
وقال مجاهد: "حين تمسون": المغرب والعشاء، "وحين تصبحون": الفجر، "وعشياً": العصر، "وحين تظهرون": الظهر.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ هذه الآية وقال: "هذا حين افترض وقت الصلاة".
وأول وقت الظهر زوال الشمس إجماعاً.
وآخر وقتها عند مالك: إذا كان ظل كل شيء مثله بعد الزوال وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور.

وقال يعقوب ومحمد بن الحسن: آخر وقتها أن يكون الظل قامة.
وقال عطاء: آخر وقتها إلى أن تصفر الشمس.
وقال طاوس: لا يفوت الظهر والعصر حتى الليل.

وقال النعمان: آخر وقتها ما لم يصر الظل قامتين.
وأول وقت العصر: إذا كان ظل كل شيء مثله.
هذا قول مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور.
وقال النعمان: أول وقتها أن يصير الظل قامتين بعد الزوال.
وآخر وقتها أن يصير [ظل] كل شيء مثليه على الاختيار، فإن صلى بعد ذلك فقد فاته الاختيار ولم يفته وقت الصلاة، قاله الثوري والشافعي وقال أحمد وأبو ثور: آخر وقتها ما لم تصفر الشمس.

وقال إسحاق بن راهويه: آخر وقتها غروب الشمس قبل أن يصلي المرء منها ركعة.
وعن ابن عباس وعكرمة: أن آخر وقتها غروب الشمس على الإطلاق.
ووقت المغرب غروب الشمس وقتاً واحداً، هذا مذهب مالك والأوزاعي والشافعي.
وقال الثوري وأصحاب الرأي: وأحمد وإسحاق: آخر وقتها الشفق.
وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق إجماعاً.
والشفق الحمرة في قول مالك والثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وأبي ثور ويعقوب ومحمد.
وهو قول أهل اللغة، يقال ثوب مشفق أي: محمر.

وروي عن أنس وابن عباس وأبي هريرة أن الشفق: البياض وهو قول النعمان وزفر.
وقال النخعي: آخر وقتها إلى ربع الليل.
وعن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز: أن آخر وقتها ثلث الليل.
وبه قال الشافعي وقد كان يقول آخر وقتها نصف الليل ولا يفوت إلى الفجر.
وعن عمر أيضاً أن آخر وقتها نصف الليل، وبه قال الثوري وابن المبارك.

وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: وعن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاوس: أن آخر وقتها إلى طلوع الفجر.
وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر إجماعاً.
وأجمعوا على أن من صلى بعد الفجر وقبل طلوع الشمس أنه قد صلى الصبح في وقتها.
ثم قال تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) أي: صلوا ما أمرتم به لله الذي يفعل هذا لا يقدر على فعله أحد غيره، يخرج الإنسان الحي من الماء الميت، ويخرج الماء الميت من الإنسان الحي، ويحيي الأرض بالماء فينبتها ويخرج زرعها بعد موتها.
(وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) أيها الناس من قبوركم للبعث والمجازاة.
وقال الحسن: معناه يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
وذكر أبو عبيد أن سهل بن معاذ بن أنس روي عن أبيه رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾.
أي: ومن علاماته وحججه على وحدانيته وأنه لا شريك له وأنه يحييكم بعد موتكم، أنه خلقكم من تراب، أي: خلق أصلكم وهو آدم من تراب.
﴿إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ﴾ أي: من ذرية من خلق من تراب.
﴿تَنتَشِرُونَ﴾ أي: تنصرفون وتنبسطون في الدنيا.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض﴾.
أي: ومن أدلته وحجته/ في قدرته على إحيائكم بعد موتكم أنه خلق السماوات والأرض، وهن أعظم خلقاً منكم فاخترعها وأنشأها، وجعل ألسنتكم مختلفة في الأصوات واللغات، وجعل ألوانكم مختلفة على كثرتكم، وهذا ألطف خلقا من خلق أجسامكم، فأتى تعالى ذكره بتمثيل الخلق العظيم واللطيف.
﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: لعلامات وأدلة في قدرة الله تعالى ووحدانيته، يعني: الجن والإنس.

وهذا على قراءة من فتح اللام.
ومن كسرها فمعناه لم علم قدرة الله وأيقن بها.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا﴾.
أي: خلق لأبيكم آدم من ضلعه زوجة ليسكن إليها.
وقيل: خلق الزوجة من نطفة الرجل.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أي: بالمصاهرة والختونة يعطف بعضهم على بعض.
قال ابن عباس: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن لا يمسها بسوء.
وقال مجاهد: المودة الجماع، والرحمة الولد.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: لمن تفكر في الله ووحدانيته، أي: من قدر

على هذا فهو قادر على إحياء الموتى، وأنه واحد لا شريك له.
ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغآؤكم مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته على إحياء الموتى، أنه يقدر الساعات والأوقات، ويخالف بين الليل والنهار، فجعل النهار تبتغون فيه الرزق والمعاش، وجعل الليل سكناً لتسكنوا فيه وتناموا.
وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وحذف حرف الجر من النهار لا تصاله بالليل وعطفه عليه.
والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة.
ومثله في التقديم والتأخير قوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: 73].
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: فيما نص من قدرته لدلالة وحججاً وعبرة وعظة لمن سمع مواعظ الله فيتعظ بها ويعتبر.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ أي: ومن آياته أنه يريكم البرق.
" وخوفاً وطمعاً " مفعولان من أجلهما.
وقيل التقدير: ويريكم البرق خوفاً وطمعاً من آياته.

والمعنى: من حججه وأدلته على توحيده وإحياء الموتى أنه يريكم البرق خوفاً للمسافر أن يؤذيه المطر، وطمعاً للمقيم أن يسقي زرعه وتخصب أرضه.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مَآءً فَيُحْيِي بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: وينزل من السحاب مطراً فيحيي بذلك الماء الأرض الميتة التي قد يبست ولم تنبت نبتاً، فتنبت بعد جدوبها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يعقلونَ عن الله حججه وأدلته.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السمآء والأرض بِأَمْرِهِ﴾ أي: ومن حججه وأدلته على توحيده وقدرته قيام السماوات والأرض بأمره خضوعاً له بالطاعة بغير عمد.
﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا دعاكم للبعث خرجتم من بطن الأرض مستجيبين لدعائه إياكم.
روي عن نافع أنه وقف " دعاكم دعوة ". وكذلك قال يعقوب.
ثم يتبدئ " من الأرض ".

﴿إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أنتم تخرجون من الأرض.
والوقف عند أبي حاتم: من الأرض ". أي: دعاكم وأنتم في الأرض، كما تقول دعوت فلاناً من بيته.
أي: وهو في بيته.
والأحسن عند أهل النظر أن على " تخرجون "، لأن إذا الثانية جواب للأولى على قول الخليل وسيبويه، كأنه قال: إذا دعاكم خرجتم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ أي: هم عبيد له ومُلك له، لا إله إلا هو.
﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون.
وطاعة الكفار منهم انقيادهم على ما شاء من صحة وسقم وفقر وغنى، روى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كُلُّ قُنُوتٍ فِي الْقُرآنِ

فَهُوَ طَاعَة ". قال ابن عباس: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي: مطيعون في الحياة والنشوز من الموت وإن كانوا عاصين له في غير ذلك.
وهو اختيار الطبري وقيل: معناه أنهم مقرين/ كلهم بأنه ربهم وخالقهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزخرف: 87].
وقيل: معنى الآية الخصوص: يريد بها المؤمنين بالله خاصة.
قال ابن ز يد: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ مطيعون وليس شيء إلا هو قانت مطيع لله إلا ابن آدم، كان أحقهم أن يكون أطوعهم لله.
قال: والقنوات في القرآن الطاعة إلا في قوله جل ذكره: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قانتين﴾ [البقرة: 238] معناه: ساكتين لا يتكلمون كما يفعل أهل الكتاب.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
أي: والذي له هذه الصفات هو الذي يبدؤ الخلق من غير أصل وأمثال ثم يفنيه ثم يعيده بعد إفنائه كما بدأ.

﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وإعادته هين عليه، قال ابن عباس.
وقيل: المعنى: الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقوم بشراً سوياً، وقد كان في الابتداء ينقل من حال إلى حال.
روي ذلك أيضاً عن ابن عباس.
وعن ابن عباس: أن معناه: وهو أيسر عليه.
وقاله مجاهد.
فيكون هذا بمنزلة قوله: ﴿وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ [النساء: 30].
وقال عكرمة: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية.
فالمعنى عنده: إعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه.
وقال قتادة: إعادة أهون عليه من بدايته، وكل شيء عليه هين.

وفي حرف ابن مسعود: " وَهُوَ عَلَيَّ هَيّن ". وقيل أهون على بابها، على معنى أسهل عليه من الابتداء.
وجاز ذلك في صفات الله كما قال: ﴿وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ [النساء: 30].
وحسن ذلك كله لأن الله خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب عندهم أن يكون البعث أسهل من الابتداء، فجعله مثلاً لهم لأنهم كذلك يعرفون في عادتهم أن إعادة الشيء مع تقدم مثال أسهل من اختراع الشيء بغير مثال تقدم، فهو مثل لهم على ما يفهمون، ألا ترى أن بعده: ﴿وَلَهُ المثل الأعلى﴾، معناه: أنه لا إله إلا هو لا مثال له.
قال ابن عباس: ﴿وَلَهُ المثل الأعلى﴾ ليس كمثله شيء.
وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره.

وقيل: المعنى ما أراد كان.
وحقيقته في اللغة أن المثل الوصف.
فمعنه وله الوصف الأعلى من كل وصف.
﴿وَهُوَ العزيز﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿الحكيم﴾ في تدبيره خلقه على ما يشاء.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: مثل الله لكم أيها القوم مثلاً من أنفسكم.
ثم بيّن ذلك المثل فقال: ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: هل من مماليككم شركاء في أموالكم أنتم وهم في المال سواء.
﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخافون من عبيدكم في أموالكم أن يرثوكم بعد وفاتكم كما يرث بعضكم بعضاً.
وقيل: المعنى تخافونهم كما يخاف الشريك شريكه إذا تعدى في المال بغيره - أي: شريكه -. وقيل: المعنى تخافونهم أن يقاسموكم كما يقاسم الشريك شريكه فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسهم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم شركاء لله في العبادة، وأنتم وهم عبيد الله وخلقه، وهو تعالى ذِكْرُهُ مالك الجميع، فجعلتم له شركاء من مماليكه وخلقه، ولا ترضون أنتم أن يكون لكم شركاء من مماليككم.
هذا معنى قول قتادة.

ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: نفصل الآيات تفصيلاً، كذلك، أي: نفصلها في كل سورة ونبينها كما فصلنا هذه الآيات في هذه السورة لمن يعقل عن الله حججه.
ثم قال تعالى: ﴿بَلِ اتبع الذين ظلموا أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: عبدو الأصنام وأحدثوا لله شركاء اتباعاً منهم لما تهوى أنفسهم جهلاً منهم بطريق الحق.
﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله﴾ أي: من يسدد للصواب ويوفق للإسلام من أضله الله عن الاستقامة والرشاد.
﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ أي: وما لمن أضل الله من ناصر ينصره من الضلالة.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾.
أي: اتبع الذي أمرك الله به حنيفاً أي: مستقيماً.
﴿فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا﴾ انتصب " فطرت " على معنى اتبع فطرة الله وقيل: هو مصدر عمل فيه الجملة التي قبله.
والمعنى فطر الله الناس/ على ذلك فطره.
فالحَنَفُ: الاستقامة، ولذلك قيل للمعوج الرِّجل: (أحنف) على التفاؤل، كما قيل للمهلكة مفازة، والمفازة: النجاة، وقيل للأعمى بصير على التفاؤل في ذلك.

قيل معنى حنيفاً: مائلاً عن كل الأديان إلى الإسلام.
فيكون الحَنَف على هذا: الميل، كما قيل للمائل الرِّجل: أحنف وقيل: على بمعنى اللام، والتقدير: التي فطر الناس لها، أي: لاتباعها، أي: دين الله خلق الناس لاتباعه.
كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
فالمعنى دين الله المفطور له الناس، أي: المخلوق الناس له أي: خلقوا لاتباع الدين.
قال ابن زيد " فطرت الله " الإسلام، منذ خلقهم يقرون بذلك، وقرأ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأعراف: 172] الآية.
وهو قوله: ﴿كَانَ الناس أُمَّةً واحدة﴾ [البقرة: 213] وقاله مجاهد أيضاً.
وفي الحديث: " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَى يَكُونَ أبَواهُ هُمَا اللَّذَانَ يُهَوِّدَانِهِ

أَوْ يُنَصّرَانِهِ ". قال الأوزاعي وحماد بن سلمة: هذا الحديث مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ﴾ الآية فالمعنى: كل مولود يولد على العهد الذي أخذ عليه.
وفي الحديث: " أَخْرَجَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَمْثَالَ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ عَلَى ذَلِكَ الْعَهْدِ يُولَدُ " وقيل: معنى الآية: خلقة الله التي لا يعرفونها لا تميز شيئاً.

وقال ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلماً، يذهب إلى أنه مخصوص.
وقال محمد بن الحسن: هذا قبل أن تنزل الفرائض ويؤمر بالجهاد.
وقوله جلّ ذكره: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾.
معناه: لا تبديل لدين الله، أي: لا ينبغي لك أن تفعل ذلك، قاله مجاهد وعكرمة قتادة والضحاك والنخعي وابن زيد.
وقال ابن عباس: معناه لا تغيير لما خلق الله من البهائم، لا تخصى، وكره خصاء البهائم وقرأ الآية.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدين القيم﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره هو الدين المستقيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ واتقوه﴾ أي: أقيموا وجوهكم للدين حنفاء منيبين إليه، أي: راجعين إلى طاعته.
وقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته فلذلك جاء الحال بلفظ الجمع.
فلا تقف على يعلمون.
وقيل: المعنى فأقم وجهك ومن معك منيبين إليه.

قال ابن عباس: " منيبين ": مقبلين بكل قلوبكم.
قال ابن زيد: المنيب: المطيع.
وأصله في اللغة الراجع عن الشيء.
﴿واتقوه﴾ أي: وخافوه أن تفرطوا في طاعته.
﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ أي: بحدودها في أوقاتها.
﴿وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين﴾ أي: ممن عبد مع الله غيره وضيع فرائضه.
ثم بينهم فقال تعالى ذكره: ﴿مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ يعني اليهود والنصارى، قاله قتادة.
وقال ابن زيد: هم اليهود.
وقالت عائشة رضي الله عنهـ وأبو هريرة: هي في أهل القبلة.
ومعنى ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي: أحزاباً.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: كل طائفة تفرح بما هم عليه من الدين وتظن أن الصواب معها.
وهذا أمر من الله جل ذكره بلزوم الجماعة وترك تفريق الكلمة وتنبيه منه أن

الفرقة معها الضلالة.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ﴾ إلى قوله ﴿أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾.
أي: وإذا مس هؤلاء المشركين وغيرهم ضر من مرض أو جدب ونحوه ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: أخصلوا له الدعاء والتضرع، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾، إي: فرج عنهم الضر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني المشركين.
ثم قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾.
إن جعلت اللام لام كي لم تقف على " يشركون "، ولكن تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾، وإن جعلتها لام أمر لأن الكلام فيه معنى التهديد ابتدأت بها إن شئت، ووقفت على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ولم تقف على ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أنها لام أمر لأن هذا وعيد وتهديد لا شك فيه، فحمل الكلام على معنى واحد أحسن.
والمعنى على الأمر: اكفروا وتمتعوا بالصحة والرخاء فسوف تعلمون عاقبتكم إذا أوردتم على ربكم.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: كتاباً وحجة في عبادتهم الأوثان.
﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: فذلك الكتاب ينطق بصحة شركهم.
فالمعنى: لم ننزل عليهم شيئاً من ذلك إنما اختلفوا من عند أنفسهم اتباعاً لأهوائهم.

قال ابن عباس: كل سلطان في القرآن فهو عذر وحجة/.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ أي: وإذا مس الناس خصب ورخاء وصحة فرحوا بذلك.
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: وإن تصبهم شدة جدب أو مرض أو إتلاف مال بذنوبهم المتقدمة ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أي: يئسون من الفرح، والقنوط: اليأس.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: ألم ير هؤلاء الذين ييأسوا عند الشدة ويفرحون عند الرخاء أن الله يوسع على من يشاء في رزقه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق على من يشاء في رزقه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إن في توسيعه الرزق على بعض خلقه وتضييقه على بعض، لدلالات وحججاً على قدرة الله لمن آمن بالله.
ثم قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ﴾.
قال مجاهد وقتادة: هو قريب الرجل، صلة الرحم له فرض من الله جل ذكره.
وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجه.
وقال قتادة: إذا لم تعط ذا قرابتك وتمش إلأيه برجليك فقد قطعته.

وقيل: القربى هنا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مُنَزَّلة مَنْزِلة قوله تعالى ذكره: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى﴾ [الأنفال: 41] فيكون المعنى: فأعط يا محمد ذا القربى منك حقه عليك.
وقوله: ﴿والمسكين وابن السبيل﴾ أي: وَفِّيهم حقهم إن كان يُسْر، وإن لم يكن عندك شيء فقل لهم قولاً معروفاً.
وابن السبيل: الضيف.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله﴾ أي: إتيان هؤلاء حقوقهم التي ألزمها الله جل ذكره عباده خير للذين يريدون بما يعطون ثواب الله.
﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي: الباقون في النعيم الفائزون.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله﴾ أي: ما أعطى بعضهم بعضاً ليرد الآخذ على المعطي أكثر مما أخذ منه فلا أجر فيه للمعطي لأنه لم يبتغِ في إعطائه ثواب الله، إنما ابتغى الازدياد من مال الآخذ، فذلك حلال لكم ولا أجر لكم فيه.

وهو محرم على النبي عليه السلام خاصة بقوله تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] أي: لا تعط عطية لتأخذ أكثر منها.
قال ابن عباس: هو الرجل يهدي الهدية فيطلب ما هو أفضل منها.
فليس له أجر ولا عليه إثم، وهو معنى قول مجاهد والضحاك وقتادة.
وقيل: هو الرجل يعطي الرجل العطية ليخدمه ويعينه لا لطلب أجر.
وقيل: هو الرجل يعطي الرجل ماله ليكثر مال لآخذ للثواب.
وقيل: هو الربا المحرم.
ومعنى: ﴿فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله﴾ عند من قال: هو المحرم، لا يحكم به لأحد، بل هو للمأخوذ منه.
قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون﴾ أي: وما

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل