الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وخشي هارون إن مضى في أثر موسى بمن معه من المسلمين أن يقول له موىس: فرقت بين بني إسرائيل، ولم ترقب قولي.
وكن هارون لموسى مطيعاً.
وقال ابن جريج: أمر موسى هارون أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين فذلك قوله: ما منعك ألا تتبعني أفعصيت أمرمي أي: ألا تتبع ما أمرتك به من الصلاح عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾.
في الكلام حذف، والتقدير: فأخذ موسى بلحية هارون يجره إليه، فقال هارون: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾.
وقيل: المعنى: لا تفعل هذا، فيتوهموا أنه منك استخفاف وعقوبة.
وقيل: إن موسى إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة، كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه.
وقوله: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.
قال ابن زيد: خشي هارون أن يمضي في أثر موسى بمن بقي معه من المسلمين الذين لم يعبدوا العجل، ويترك الذين قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا
موسى، فيقول له موسى فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي: أي: جئت بطائفة وتركت طائفة.
وهو قول ابن عباس.
وقال ابن جريج: معنه: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضاً.
ومعنى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: ولم تحفظ قولي.
ثم قال: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسامري﴾.
أي: فما شأنك، وما الذي دعاك إلى ما صنعت؟ قال: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾: أي: علمت ما لم يعلما.
قال ابن جريج: لما قتل فرعون الولدان، قالت أم السامري: لو نحيته حتى لا أراه ولا أرى قتلته.
فجعلته في غار، فأتى جبريل عليه السلام فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضع العسل واللبن، فجعل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قبض قبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام.
وقيل: معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ أي: أبصرت ما لم يبصروا يعني: فرس جبريل.
ومن قرأ بالياء، جعله إخباراً عن بني إسرائيل.
ومن قرأ بالتاء.
جعله خطاباً لموسى وبني إسرائيل.
ثم قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾.
أي: من أثر حافر فرس جبريل عليه السلام.
وقرأ الحسن وقتادة: فقبصت قبصة بالصاد غير المعجمة، وذلك الأخذ بأطراف الأصابع.
" والقبضة " على قراءة الجماعة قبضك على الشيء بملء كفك مرة واحدة.
" والقُبضة " بضم القاف، مقدار ما يقبض كالغرفة والغرفة.
وقوله: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾.
أي: ألقيتها في العجل ليخور.
﴿وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.
أي: زيّنت لي نفسي أن الحلي إذا سبك وألقيت فيه القبضة أنه يصير عجلاً جسداً.
وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال/: " لما خرج موسى عليه السلام ببني
إسرائيل السبعين رجلاً، أمرهم أن ينتظروه في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل وكلمه الله أربعين يوماً وليلة، وكتب له في الألواح وأن بني إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فاستبطأوا موسى بعد ذلك، فاتخذوا العجل من بعده، قال: فبلغنا - والله أعلم - أن الله قال لموسى عند ذلك أن قومك قد اتخذوا العجل من بعدك، قال: عجلاً جسداً له خوار.
فقال مسى: رب، من جعله لهم؟ فقال السامري، فقال موسى: رب، السامري جعل لهم العجل وأنت فتنت قومي بالخوار، وجعلت الروح فيه، فما أصنع؟ فرجع موسى إلى قومه معه السبعون رجلاً، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدث بنو إسرائيل بـ عده من عبادة العجل، وبالذي قال له ربه، فلما غشي موسى ومن معه محلة قومه، سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون الذين معه: ما هذا في المحلة؟ أقتال؟ فقال موسى صلى الله عليه وسلم: ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة، فلما دخل موسى، ونظر إلى ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل، غضب،
فألقى الألواح، فتسكرت، وصعد عامة الذي كان فيها من كلام الله وأخذ موسى برأس أخيه يجره إليه، فقال له هارون: يا أخي ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، فأرسله ثم أقبل على السامري، فقال: ما خطبك يا سامري، ولِمَ صنعت ما أرى، فقال له ما نص الله علينا، فأمر موسى بالسامري أن يخرج من محلة بني إسرائيل، وأن لا يخالطهم في شيء، وأمر بالعجل فذبح، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا في الذي آتيتنا به، فإن العجل الذي حرقت كان أحب إلينا من الذي آتينا به فلسنا بقابليه ولا آخذين بما فيه.
فقال موسى: رب إن عبادك بني إسرائيل قد ردوا كتابك وكذبوا نبيك، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا به بني إسرائيل حتى ظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى صلى الله عليه وسلم: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل، فقالوا: سمعنا وعصينا الذي جئتنا به، ثم أخذوا ولم يجدوا من أخذه بداً، فرفع عنهم الجبل فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره ومؤمن وكافر فعفا الله تعالى عنهم، فهو قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
[ثم قال: وكذلك سولت لي نفسي].
وقال ابن زيد: كذلك حدثتني نفسي.
ثم قال تعالى جلّ ذكره: ﴿قَالَ فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِي الحياة أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ﴾.
أي: قال موسى للسامري: فاذهب فإنك لك في حياة الدنيا: أي: أيام حياتك أن تقول لا مساس، أي لا أمس، أي: عقوبتك في الدنيا أن لا تكلم ولا تخالط.
وقيل: معناه: لك في [الحياة] الدنيا أن تعيش مع البهائم والسباع والوحوش في البرية، مستوحشاً لا تقرب أحداً ولا تمس أحداً ولا يمسك أحد.
وروي أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه، ولا يخالطوه ولا يبايعون، فلذلك قال له: أن تقول لا مساس وذلك فيما يذكر في قبيلته إلى الآن.
وقال قتادة: كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل.
وقال ابن جبير: كان من أهل كرمان.
وقوله: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ منصوب على التبرئة ك (لا رجل في الدار).
ويجوز: ﴿لاَ مِسَاسَ﴾ بكسر السين وتبنيه على الكسر.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ﴾ يعني القيامة.
ومن كسر اللام، أراد لن تغيب عنه، وهو قول قتادة، أي: تأتي إليه طائعاً أو كارهاً وفيه معنى التهديد والوعيد، ولفظه لفظ الخبر.
ومن فتح اللام، أراد لن يخلفكه الله، ثم رد إلى ما لم يسم فاعله.
ثم قال: ﴿وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾.
أي: انظر إلى العجل الذي عبدته من دون الله، وأقمت بعدي على عبادته لنحرّقنّه بالنار قطعة بعد قطعة، لأن في التشديد معنى التكثير.
وقرأ الحسن: بتخفيف الراء على معنى: لنحرقنه/ مرة واحدة.
وقرأ أبو جعفر القارئ: ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء، بمعنى لنبردنه
بالمبارد، يقال: أحرقه وحرقه بالنار، يحرقه ويُحَرِّقه: إذا نحته بمبرد أو غيره.
وقراءة أبي جعفر تروى عن علي وابن عباس.
قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنهـ: أمر موسى بالعجل فبرج في البحر فلم يشرب منه أحد ممن عبد العجل إلا اصفّر لونه، فقالوا: ما توبتنا قال: أن يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فكان الرجل يقتل أباه وأخاه حتى قُتِلَ منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إليه: مرهم فليرفعوا القتل، فقد رحمت مَن قتل منهم، وقد تبت على مَن بقي.
وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم نَسْفاً﴾ أي: لنذرينه في البحر ذرواً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَآ إلهكم الله الذي لا إله إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾.
أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة والإخلاص لله الذي لا معبود إلا هو، وسع كل شيء علماً أي: أحاط بكل شيء علماً فلا يَخفى عليه شيء.
قال قتادة: معناه: ملأ كل شيء علماً.
يقال: فلان يسع هذا الأمر، إذا أطاقه وقَوِيَ عليه.
ثم قال تعالى: ﴿كذلك نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾.
أي: كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه، كذلك نقص عليك من أخباكر من قد سبق قبلك مما لم تشاهده، ولا عاينته.
ثم قال: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً﴾.
أي: وقد أعطيناك يا محمد من عندنا ذكراً تتذكر به وتتعظ.
وهو القرآن.
﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْراً﴾.
أي: من لم يؤمن به ويعمل بما فيه، فإنه يحمل يوم القيامة إثماً عظيماً ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: [ما كثين] في عقوبته في النار.
ثم قال تعالى وجل ثناؤه: ﴿وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً﴾.
أي: وساء لهم الوزر حملاً.
أي: بئس الوزر لهم.
يعني ذنوبهم.
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾.
﴿يَوْمَ﴾ بدل من يوم الأول، والمعنى: يوم ينفخ ملك الصور فيه.
ثم رد إلى ما لم يسم فاعله، وكانت الياء أولى عند من قرأ بها، لأن النفخ في الصور لا يتولاه الله جل ذكره، إنما يتولاه الملك، بأمره وقدرته.
ولا حجة في " ونحشر " لأن النافخ الملك والحاشر الله.
ومَن قرأه بالنون، فلأن بعده، ونحشر فأتى بالفعلين على الإخبار عن الله جل ذكره للمطابقة لأن الله تعالى هو الفاعل لجميع الأحوال المقدر لها.
ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾.
أي: زرق الأعين من العطش الذي يكون بهم في الحشر.
وقال ابن عباس: يكونون يوم القيامة في حال عمياً، وفي حال زرقاً.
وقال جماعة زرقاً: عمياً.
ويروى: أنهم يقومون من قبروهم يبصرون، ثم يصيرون عمياً.
ويروى: أنهم لا يبصرون شيئاً إلا جهنم.
وقيل: زرقاً شعثين متغيرين كلون الرماد.
ثم قال: يتخافتون بينهم.
أي: يسرون القول بينهم، يقولون بعضهم لبعض، إن لبثتم في الدنيا إلا عشراً.
وأصل الخفت في اللغة السكون.
أي: ما لبثتم من النفخة الأولى إلى البعث، إلا عشراً، وبين النفختين أربعون سنة.
ثم قال: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ أي: نحن أعلم بسرهم إذ يقول: أمثلهم طريقة أي: أعلمهم في أنفسهم إن لبثتم إلا يوماً، وذلك من شدة هول المطلع، ينسون ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم وطول العمر حتى يتخيل إليهم من شدة ما هم فيه أنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا يوماً واحداً.
وقيل: ذلك تقديرهم فيما بين النفختين.
وقيل: عني بذلك إقامتهم في القبور، ظنوا أنهم لم يلبثوا فيها إلى يوماً بعد انقطاع العذاب عنهم في القبور، لأنهم في طول مكثهم يعذبون، ثم ينقطع عنهم العذاب فيما بين النفختين.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾.
المعنى: ويسألك يا محمد قومكم عن الجبال، فقل يذريها ربي تذرية.
وهو تصييرها هباء منبثاً، فَيَذَرُها قَاعاً.
أي: فيذر أماكنها قاعاً، أي: أرضاً ملساء صفصفاً:
أي: مستوياً لا نبات فيها ولا نشز ولا ارتفاع.
وقيل: معناه يجعلها رملاً، ثم يرسل عليها الرياح تنسفها وتفرقها حتى يصير مواضعها قاعاً مستوياً.
فالصفصف، المستوى.
قال ابن عباس: قاعاً صفصفاً/: مستوياً، لا نبات فيه.
والقاع في اللغة، المكان المنكشف.
والصفصف: المستوى الأملس.
وقال بعض أهل اللغة: القاع: مستنقع الماء.
والصفصف الذي لا نبات فيه.
ثم قال: ﴿لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾.
معناه عند ابن عباس: لا ترى فيها وادياً ولا رابية.
والأمت عند أهل اللغة، أن يكون في الموضع ارتفاع وانهباط وعلو وانخفاض.
وقال قتادة: ﴿لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً﴾ أي: صدوعاً، ﴿ولا أَمْتاً﴾ أي: دوعاً، ﴿ولا أَمْتاً﴾
أي: أكمة.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿عِوَجاً﴾: ميلاً، والأمت: الأثر: مثل الشراك.
ثم قال تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعي لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: يومئذ إذ يتبع الناس صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، ﴿لاَ عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا عوج لهم عنه، ولكنهم يأتمون به، ويأتونه.
قال محمد بن كعبك القرظي: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة، تطوى السماء وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يؤمونه.
وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن﴾.
أي: وسكنت أصوات الخلائق للرحمن.
فلا تسمع إلا همساً.
أي: حس الأقدام إلى المحشر، قاله: ابن عباس وعكرمة والحسن.
وقيل: هو الصوت الخفي الذي يوجد لتحريك الشفتين، وأصله الصوت الخفي.
يقال: همس فلان إلى فلان بحديث، إذا أسره إليه وأخفاه.
وعن ابن عباس أيضاً: ﴿هَمْساً﴾ صوتاً خفياً.
وهو قول مجاهد.
ثم قال: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن﴾.
أي: لا تنفع الشفاعة، إلا شفاعة من أذن له الرحمن في الشفاعة، ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ أي: قال: لا إله إلا الله.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بدل من الأولى.
وإن شئت جعلته متعلقاً به ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ فتبتدئ به إن شئت، ولا تبتدئ به في القول الأول.
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
قال قتادة: " ما بين أيديهم من أمر الشفاعة وما خلفهم من أمر الدنيا ".
وقيل: معناه: علم ما بين أيدي هؤلاء، الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب، وما خلفهم أي ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا.
﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ أي: لا يحيط خلقه به علماً، وهو يحيط بهم علماً.
وقيل: المعنى، لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم علماً.
فتكون الهاء تعود على " ما ".
وقال الطبري: الضمير في أيديهم وخلفهم، يعود على الملائكة، وكذلك هو في يحيطون.
أعلم الله بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، وأن الملائكة لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها يوبخهم بذلك.
وإن من كان هكذا، كيف يعبد، وأن العبادة إنما
تصلح لمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وهو الله لا إله إلا هو.
قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيِّ القيوم﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنِي عِلْماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿عَنَتِ﴾: ذلك أي: استسلمت.
وقال مجاهد: ﴿عَنَتِ﴾ خشعت.
وقال طلق بن جبيب: هو وضعك جبهتك وأنفك وركبتك وكفيك وأطراف قديمك في السجود فهذا يراد به أنها عنت في الدنيا، والأقوال غير هذا يراد بها الآخرة.
وقال ابن زيد: ﴿عَنَتِ﴾ استأسرت للحي القيوم.
أي: صاروا أسارى.
وقال الفراء: ﴿عَنَتِ﴾ الوجوه نصبّ وعملته، والعاني الأسير.
وهذا قول أهل اللغة، أن العاني الأسير، سمي بذلك لأنه يذل ويخضع.
ومنه الحديث: " النساء عندكم عوان " ومنه: افتتحت الأرض عنوة، ومنه: عنيت فلانا.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾.
أي: قد خسر من حمل يوم القيامة شركاً بالله، قاله: قتادة وابن زيد وغيرهما.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾.
أي: مَن يؤد الفرائض التي افترض الله عليه، وهو مصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله، فلا يخاف ظلماً، أي: لا يخاف أن تحمل عليه سيئات غيره ويعاقب عليها.
﴿وَلاَ هَضْماً﴾ أي: نقصاً من ثوابه.
قاله قتادة وغيره.
ومن قرأ: فلا يخف بالجزم، جعله نهياً، نهاه الله جل ذكره عن الخوف من أن يصيبه ظلم أو هضم.
وقال ابن جريج/: ﴿الصالحات﴾ هنا: الفرائض.
وقال الضحاك: ﴿وَلاَ هَضْماً﴾: هو أن يقهر الرجل الرجل بقوته وأصل الهضم، الانتقاص يقال: هضمني فلان حقي، أي: نقصني، ومنه امرأة هضيم الكشح، أي: ظاهرة البطن.
وهذا دواء يهضم الطعام.
أي: ينقصه، فيزول ثقله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد﴾.
المعنى: كما رغب أهل الإيمان في صالح الأعمال فوعدهم ما وعدهم، كذلك حذر بالوعيد أهل الكفر، فقال: ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ أي: أنزلناه بلغتكم أيها
العرب لتفهموه.
﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد﴾ أي: وخوفناهم بضروب من الوعيد ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ما فيه من الوعيد أو يحدث لهم ذكراً فينقلبون عما هم مقيمون عليه من الكفر بالله، يعني: أو يحدث لهم القرآن ذكراً.
قال قتادة: " ذكرا ": ورعاً.
وقيل: معناه: أو يحدث لهم شرفاً بإيمانهم به، كما قال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم إن آمنتم به.
روي ذلك أيضاً عن قتادة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾ أي: فتعالى الله الذي له العبادة من جميع خلقه، ملك الدنيا والآخرة جميعاً على ما يصفه به المشركون من خلقه.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾.
أي: لا تعجل بالقرآن فتقرئه أصحابك أو تقرأه عليهم من قبل أن يقضى إليك وحيه، أي: بيان معانيه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يكتب القر آن أو يتلوه على أحد حتى يبينه له، قال: ابن عباس وقتادة.
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعجل القراءة من قبل أن يفرغ جبريل مما يأتيه به، خوف النيسان.
ومنه ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: 16].
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي: زدني علماً إلى ما علمتني.
أمره الله تعالى أن يسأل ذلك.
وذكر ابن وهب أن الحسن قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: " إن زوجي لكم وجهي " قال لها: بينكما القصاص، فأنزل الله تعالى: ولا تعجل بالقرآن.
. . الآية.
فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: ﴿الرجال قوامون عَلَى النسآء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ [النساء: 34].
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ مِن قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تضحى﴾.
المعنى: أن يترك هؤلاء المشركون أمري، ويتبعوا أمر عدوهم إبليس، فقديماً فعل أبوهم آدم ذلك.
فلقد عهدنا إليه أن إبليس عدوه، فنسي، وأطاعه، أي: فترك ما عهد إليه، وأطاع إبليس إذ وسوس إليه.
قال ابن عباس ومجاهد: " نسي " ترك أمر الله.
وقال الحسن: " نسي ": ترك: ولو كان من النيسان، لم يكن عليه شي.
وقال ابن زيد: العهد الذي عهد الله جلّ ذكره إلى آدم هو قوله: ﴿إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ أي: نسي العداوة التي أعلم بها.
وقيل: قول عدوه، فيكون نسي من النسيان على هذا القول لا من الترك.
وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنسانً لأنه عهد إليه فنسي.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾.
قال قتادة: ﴿عَزْماً﴾: صبراً.
وقال عطية: ﴿عَزْماً﴾ خفظاً لما أمر به.
وروي ذلك عن ابن عباس.
وقال ابن زيد: " العزم ": المحافظة والتمسك بأمر الله.
وعن ابن عباس: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ أي لم نجل له عزماً.
قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم، يعني: عقولهم جمعت منذ خلق الله آدم
إلى أن تقوم الساعة، وضعت في كفة ميزان.
ووضع حلم آدم في الكفة [الأخرى] لرجح حلمه بأحلامهم وقد قال الله تعالى ذكره ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾.
وقيل: المعنى: " ولم نجد له عزماً " على ترك المعصية.
وأصل العزم في اللغة، اعتقاد القلب على الشيء، فيكون المعنى على هذا، ولم نجد له عزم قلب على الصبر على الوفاء بما عهد إليه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمََ﴾ أي: واذكر يا محمد، إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدمك أي اجعلوه قبلة لأنهم أمروا بالعبادة له والسجود له دون الله، فسجدوا إلا إبليس أبى.
وهذا تذكير من الله تعالى لنبيّه بما كان من قصة آدم، وأن أولاده لن/ يعدوا أن يكونوا على منهاجه في ارتكاب المعاصي إلا من عصمه الله.
ثم قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾.
ولذلك لم يسجد لك وخالف أمري.
﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى﴾.
أي: لا تطيعاه فيما يأمركما به فيخرجكما من الجنة.
أي: فيكون عيشك من كد
يمينك، فهو من شقاء الدنيا لا من شقاء الآخرة.
قال ابن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه ويسمح العرق عن جبينه، فذلك قوله: " فتشقى " فكان ذلك شقاوه.
وجرى الخطاب لآدم وحده، إذ قد علم أن حكم حواء حكمه، ولأن ابتداء الخطاب كان لآدم وحده في قوله " يا آدم إن هذا عدو لك " ولأن التعب في المعيشة في الدنيا على الرجل يجري أكثره، فخصّ بالخطاب لذلك.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى﴾.
أي: إن لك الشبع في الجنة والكسوة والري والسترة.
ومعنى " ولا تضحى " لا يصيبك حرّ الشمس، ولا تظهر إليها، لأن الشمس جعلها الله دون الموضع الذي كان فيه، فليس في الجنة شمس ولا في السماء السابعة.
" والظمأ " العطش، مقصور مهموز.
والظمى مقصور على غير مهموز سعة في الشفتين.
وقد قال ابن عيينة في الآية، أنه يراد بها الأرض.
فالهاء في " فيها " في الموضعين تعود على الأرض، وهي في القول الأول تعود على الجنة.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان﴾ إلى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنكاً﴾.
أي: فألقى إلى آدم الشيطان، فقال له: ﴿ياآدم هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد﴾ أي: على شجرة من أكل منها خلد فلم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لاَّ يبلى﴾ أي: لا ينقضي.
وقال السدي: على شجرة الخلد: أي: على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل، أو تكونا من الخالدين "، لا تموتان أبداً.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عنها، وأطاعا أمر إبليس، فبدت لهما سواءتهما.
أي ظهرت وانكشفت لهما عورتهما، وكانت مستورة عن أعينهما.
قال السدي: إنما أراد إبليس اللعني أن يظهر لهما سوءاتهما، لأنه علم أن لهما سوأة، لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يعلم ذلك آدم، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتدمت حواء فأكلت منها.
ثم قالت: يا آدم، كُلْ [فإني] قد أكلت،
فلم يضرني، فلما أكل آدم منها بدت لهما سوءاتهما.
ثم قال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة﴾ أي: أقبلا.
وقيل: معناه: جعلا يخصفان عليهما ورق التين.
قاله السدي.
وقال قتادة: ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يوصلان.
ثم قال تعالى: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾.
أي: وخالف آدم أمر به، فتعدى إلى الأكل من الشجرة فغوى.
ثم قال: ﴿ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.
أي: اصطفاه [واختاره] ربه بعد معصيته وهداه للتوبة ووفقه لها.
ثم قال: ﴿قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
أي: قال الله لآدم وحواء اهبطا من الجنة جميعاً إلى الأرض، أي: انزلا.
وهذا يدل على أن الجنة في السماْ.
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
أي: أنتم عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوّكما، وعدو ذريتكما.
قال الضحاك: أُهبط آدم بالهند على جبل يقال له الوسي على رأسه أكليل من ريحان الجنة، وفي يده قبضة من حشيشها فانتثر في ذلك الجبل، فكان منه الطيب، وأهبطت حواء بجدة وأهبط إبليس بالبصرة.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾.
يعني: آدم وحواء وإبليس.
أي: بيان لسبيلي وما اختاره لخلقي من ديني.
﴿فَمَنِ اتبع هُدَايَ﴾ أي: بياني وعمل به.
﴿فَلاَ يَضِلُّ﴾ أي: ليس يزول عن حجة الحق.
﴿وَلاَ يشقى﴾ أي: في الآخرة بعذابها.
قال ابن عباس: فضمن الله لمن قرأ القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.
أي: وقاه الله من الضلالة في الدنيا، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب.
ثم تلا هذه الآية.
وقال ابن جبير: من قرأ القرآن واتبع ما فيه، عصمه الله من الضلالة ووقاه.
ثم قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾.
أي: من لم يؤمن بالقرآن، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾.
قال ابن عباس/: هي الشقاء.
وقال مجاهد: معيشة ضيقة.
وهو قول قتادة.
وذلك في جهنم، لأنه جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم.
قاله: الحسن وابن زيد وقتادة.
وقيل: عني بذلك أكلهم في الدنيا الحرام، فالحرام ضيق بسوء عاقبته وإن اتسع في الظاهر.
قاله: عكرمة والضحاك.
وعن ابن عباس أنه: كل ما أنفق في غير ذات الله فهو معيشة ضنك.
وعن أبي سعيد الخدري أنه: عذاب القبر يضيق عليه في قبره، حتى تخلتف أضلاعه، وقاله السدي: وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
روي عنه أنه قال: " أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال
عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون عحية لكل حية سبعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة ".
وروى أبو هريرة رضي الله عنهـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن المؤمن إذا ألحد في قبره أتاه ملكان أرزقان أسودان، فيأتيانه من قبل رأسه، فتقول صلاته لا يؤتى من قبلي، فرب ليلة قد بات فيها ساهراً حذاراص لهذا المضجع فيوتى من قبل رجليه، فتقول رجلاه لا يؤتي من قبلنا، فقد كان ينصب ويمشي علينا في طاعة الله حذاراً لهذا المضجع فيؤتى من قبل يمينه فتقول صدقته لا يؤتى من قبلي، فقد كان يتصدق حذاراً لهذا المضجع، فيؤتى من قبل شماله، فيقول صومه لا يؤتى من قبلي، فقد كان يجوع ويظمأ حذاراً لهذا المضجع، فيوقظ كما يوقظ النائم، ثم يسأل ".
قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى﴾ إلى قوله: ﴿لأُوْلِي النهى﴾.
قال مجاهد: أعملى عن حجة، لا حجة له يهتدي بها، وقاله أبو صالح.
وقيل: معنى ذلك، أنه لا يهتدي إلى وجه ينال منه نفعاً ولا خيراً، كما لا يهتدي الأعمى إلى الجهات المنافع في الدنيا.
وقيل: " أعمى " من عمى البصر، كما قال: ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾.
قال مجاهد، معناه: لِمَ حشرتني ولا حجة لي، وقد كنت عالماً بحجتي بصيراً بها عند نفسي في الدنيا.
وقال إبراهيم بن عرفة: كلما ذكر الله جلّ وعز في القرآن من العمى، فذمّه فإنما يريد به عمى القلب.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾.
وقيل: معناه، وقد كنت ذا بصر أنظر به الأشياء في الدنيا.
وقيل: معنى الآية: ونحشره يوم القيامة أعمى عن حجته، ورؤية الأشياء، لأن الآية عامة.
وقوله: " لم حشرتني أعمى "، أي: أعمى عن حجتي وعن رؤية الأشياء وقد كنت بصيراً، أي بصيراً بحجتي في الدنيا رائياً للأشياء.
وهذا سؤل من العبد لربه أن يعلمه الجُرم الذي استحق ذلك عليه، لأنه جهله وظن أنه لا ذنب له، فقال الله جلّ ذكره: ﴿قَالَ كذلك أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ أي: فعلت ذلك بك كما أتتك آياتنا، وهي ما أنزل في كتابه من فرائضه.
﴿فَنَسِيتَهَا﴾.
أي فتركتها، أي: أعرضت عنها، ولم تؤمن بها.
﴿وكذلك اليوم تنسى﴾.
أي: كما نيست آياتنا في الدنيا، ولم تؤمن بها، كذلك تترك اليوم في النار.
وقال قتادة: ﴿وكذلك اليوم تنسى﴾ أي: تنسى من الخير، ولم تنسى من الشر.
ثم قال: ﴿وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾.
أي: وهكذا نتيبُ من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنذيقه معيشة ضنكاً في البرزخ ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَدُّ وأبقى﴾.
أي: ولعذاب الله إياهم في الآخرة أشد من عذاب القبر " وأبقى " أي: أدوم.
ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون﴾.
أي: أفلم يهد يا محمد لقومك كثرة ما أهلكنا قبلهم من القرون الماضية، يمشرون في مساكنهم وآثارهم، ويرون آثار العقوبة التي أحللنا بهم لما كفروا، فيؤمنون بالله وكتبه ورسله خوفاً أن يصيبهم بفكرهم مثل ما أصاب القرون قبلهم، فيكون " كم " فاعلة ليهد على هذا التقدير، كأنه قال: أفلم يهد لهم القرون التي هلكت.
" ويهد " بمعنى، يبين، وشاهد هذا التقدير أن في حرف/ ابن مسعود: أفلم يهد لهم من أهلكنا قبلهم فكم في موضع " من ".
وقيل: " كم " استفهام، فلا يعمل ما قبلها فيها، وهي في موضع نصب
ب " أهلكنا ". وهذا القول هو الصحيح عند البصريين، لا يعمل ما قبل " كم " فيها خبراً كانت أو استفهاماً، إنما يعمل فيها عندهم ما بعدها، كأي في الاستفهام.
وكانت قريش تسافر إلى الشام، فيرون آثار عاد وثمود ومن هلك بكفره قبلهم وبعدهم، فحذرهم الله أن يصيبهم مثل ما عاينوا.
وقيل: التقدير: أفلم يهد لهم الأمر، بإهلاكنا من أهلكنا، فالفاعل مضمر.
وقال المبرد: الفاعل المصدر، ودل " يهدي " عليه، كأنه قال: يهدي الهدى.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى﴾.
أي: إن في ما يعاين هؤلاء من مساكن القرون الهالكة التي كذبت رسلها قبلهم لدلالات وعبراً ومواعظ لأولى القعول.
وقال ابن عباس: ﴿لأُوْلِي النهى﴾: لأولي التقى.
وقال قتادة: لأولي الورع.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرٌ وأبقى﴾.
أي: ولولا أن الله قدر أن كل من قضى له أجلاً، فإنه لا يحترمه قبل بلوغ ذلك الوقت، والأجل المسمى " لكان لزاماً " أي: لكان العذاب لزاماً لهم.
وقيل: المعنى: لولا أنه قد سبق في علم الله تأخير عذاب هذه الأمة إلى يوم القيامة لكان العذاب لازماً لهم على كفرهم.
وقل: معنى: ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: أنه لا يعذبهم حتى يبلغوا آجالهم.
ومعنى: ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ هو يوم القيامة.
وقال مجاهد: " الأجل المسمى هو الدنيا.
وقال قتادة: الأجل المسمى، الساعة، يقول الله تعالى: ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46].
قال ابن عباس: " لكان لزاماً " لكان موتاً.
وقال ابن زيد: اللزام: القتل.
ثم قال: ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ﴾.
أي: اصبر يا محمد على قول هؤلاء المكذبين بآيات الله بأنك ساحر وأنك مجنون، وأنك شاعر، ونحو ذلك.
ثم قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾.
وقال ابن عباس: هي الصلاة المكتوبة أي: وصَلِّ بثنائك على ربك.
وقيل: قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ معناه: بحمدك ربك، وقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشمس﴾ يعني بعد صلاة الصبح وقيل غروبها، صلاة العصر وقوله: ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾ أي: ومن ساعات الليل فسبح، يريد صلاة العشاء الآخرة.
وأطراف النهار يعني: صلاة الظهر والمغرب لأن صلاة الظهر في آخر طرف النهار الأول وفي أول طرف النهار الآخر فهي في طرفين منه، والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك تصلي المغرب، فلذلك قيل أطراف النهار، لأن النهار أربعة أطراف، عند طلوع الشمس وعند غروبها وعند زوال الشمس وعند وقوفها للزوال.
وقيل: إنه جمع في موضع تثنية.
كما قال: فقد صغت قلوبكما.
وقيل: قوله ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾ أوله وأوسطه وآخره قاله الحسن: يعني: به النافلة.
وقال ابن عباس: " هو جوف الليل ".
وقوله: ﴿لَعَلَّكَ ترضى﴾ أي: في الآخرة.
ولعل من الله واجبة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾.
أي: لا تنظر يا محمد إلى ما جعلناه لهؤلاء المعرضين عن آيات الله وأشكالهم من متعة متعوا بها في الدنيا ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أي: لنختبرهم فيما متعناهم به.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على إبل لبعض العرب قد سمنت فتقنع ثم مر ولم ينظر إليها، لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ.
. .﴾ الآية.
" وزهرة " منصوبة بمعنى: متعنا، لأن " متعنا " بمعنى: جعلنا، أي: جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبقى﴾.
أي: وعده لك بما يعطيك في الآخرة خير لك " وأبقى " أي: " وأدوم ":.
ويروى أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أنه بعث إلى يهدي يستسلف منه طعاماً، فأبى أن يسلفه إلا برهن فحزِن النبي لذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا﴾ الآية، ونزلت ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآن العظيم * لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: 87 - 88] الآية.
وقوله: ﴿زَهْرَةَ الحياة الدنيا﴾ يعني: زينتها.
وقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.
أي: / لنبتليهم فيه.
وقيل: لنجعل لهم ذلك فتنة.
قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة﴾ إلى آخر السورة.
أي: وامر أهلك بالدوام على الصلاة، واصطبر على القيام عليها والإتيان بها بحدودها.
﴿لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ أي: أن ترزق نفسك ولا ترزق أحداً من العباد.
وكان عمر رضي لله عنه إذا قام من الليل صلى، فإذا كان من السحر أيقظ أهله فقال: الصلاة الصلاة وتأول هذه الآية، وامر أهلك بالصلاة.
. . الآية.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة، أمرهم بالصلاة ثم قرأ ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة﴾.
. . الآية.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر يصلي.
وقال صلى الله عليه وسلم في رواية عثمان بن عفان عنه: " من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين غفر له ".
قال محمد بن كعب: وكنت إذا سمعت الحديث طلبت تصديقه في كتاب الله عز وجل، فطلبت تصديق هذا فوجدته في كتاب الله عز وجل في قوله: لنبيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: 1 - 2] فجعل تمام النعمة أن غفر له ذنبه، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 6] فعلمت حين جعل تمام النعمة على النبي صلى الله عليه وسلم المغفرة أنها هنا، مثل ذلك حين قال: وليتم عليكم فهو المغفرة.
ثم قال: ﴿والعاقبة للتقوى﴾.
أي: والعاقبة الصالحة من عمل كل عامل لأهل التقوى.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾.
أي: وقل المشركون هلاّ يتينا محمد بآية من ربه، كما أتى صالح قومه بالناقة من ربه، وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص.
ثم قال تعالى جواباً لهم: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى﴾.
أي: ما في الكتاب التي قبل هذا الكتاب من أخبار الأمم من قبلهم التي
أهلكناهم لما سألوا الآيات.
فكروا بها لما أتتهم كيف عجلنا لهم العذاب.
فالمعنى: فيما يؤمنهم إن أتتهم آية أن يكون حالهم كحال أولئك.
قال مجاهد: ﴿مَا فِي الصحف الأولى﴾: التوراة والإنجيل.
وقال قتادة: ﴿الصحف الأولى﴾ الكتب التي خلت من الأمم التي يمشون في مساكنهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ﴾.
أي: ولو أنا أهلكنا هؤلاء المشركين الذين يكذبون بهذا القرآن بعذاب من قبل ننزله عليهم.
وقيل: من قبل أن نبعث داعيً يدعوهم إلى ما فرضنا عليهم.
فالهاء تعود على القرآن، أو على النبي.
ثم قالت: ﴿لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾.
أي: لقالوا يوم القيامة إذا وردوا على الله تعالى، فأراد عقابهم: ربنا هلاّ أرسلت إليها رسولاً يدعونا إلى طاعتك فنتبع آياتك، أي: حججك وأدلتك وأمرك ونهيك من قبل أن تذل بتعذيبك لنا ونخزي بها.
روى الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يحتج على الله عز وجل يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير.
فيقول المغلوب على عقله: لم يجعل لي عقلاً أنتفع به، ويقول الهالك: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك، وقرأ ﴿لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ ويقول الصغير: كنت صغيراً لا أعقل قال فترفع لهم النار فيقال لهم ردوها.
قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي.
فيقول: إياي عصيتم، فكيف برسلي لو أتتكم ".
ثم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ﴾.
أي قل يا محمد: كلكم أيها المشركون متربص، أي: منتظر دوائر الزمان، فتربصوا، أي: فترقبوا، وانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصراط السوي﴾.
أي: من أهل الطريق المعتدل المستقيم، أنحن أم أنتم؟.
﴿وَمَنِ اهتدى﴾.
أي: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد، غير الجائر عن قصده منا ومنكم.
" وممن " استفهام في موضع رفع، / لا يعمل فيها ستعلمون.
وأجاز الفراء: أن تكون في موضع نصب قوله: ستعلمون.
بمنزلة
﴿والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح﴾ [البقرة: 220].
فإن جعلت " مَنْ " غير استفهام، جاز أن يعمل فيها ما قبلها.
وقرأ يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري: " السَّوَّى " بتشديد الواو من غير همز على " فعلى " أراد السوأي.
ثم سهل الهمزة على البدل والإدغام وأنثها لأن الصراط يؤنث، والتذكير فيه أكثر.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
[سورة] "الأنبياء" -مكية.
قوله تعالى ذكره: ﴿اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.
معناه: دنا حساب الله لناس على أعمالهم ونقمته منهم ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يعني: في الدنيا.
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في غفلة في الدنيا ".
وروي أن أصحاب النبي عليه السلام كان يقول بعضهم لبعض كل يوم، ما الخبر؟.
أي: ما حدث؟.
فمر رجل برجل يبني حائطاً له، فقال له: ما الخبر؟ فقال: نزلت: " اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ". فنزل وترك البناء، فلم يبن ذلك الحائط بعدها.
فالمعنى: قرب [من الناس حسابهم وهم قد غفلوا عما يراد بهم من محاسبة
ربهم لهم على أعمالهم.
قال ابن عباس: " عنى بذلك الكفار " دليله، قوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون.
ومعنى الآية ما يأتي الكفار.
وقال ابن عباس: " اقترب للناس حسابهم " معناه: قرب عذابهم.
قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾.
أي: ما يأتيهم من قرآن يذكرهم الله به ويعظمهم إلا استمعوه وهم يلعبون، لا يعتبرون ولا يتفكرون في وعده ووعيده.
ومعنى " محدث " أي: محدث عند النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يكن يعلمه فعلمه بإنزال جبريل صلى الله عليهما وسلم إياه عليه فهو محدث في علم النبي عليه السلام ومعرفته.
غير محدث عند الله تعالى ذكره.
وقد قيل: عني بذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكرهم ويعظهم فتذكيره لهم محدث على الحقيقة.
وقال: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ لأنه لا ينطبق إلا بما يؤمر به، قال تعالى ذكره:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ [النجم: 3] فالله أمره بوعظهم، وتذكيرهم، فلذلك قال: " من ربهم ".
ثم قال: ﴿لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾.
أي: غافلة، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه كتابه.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾.
أي: أسر هؤلاء الناس الذين اقترب حسابهم، النجوى بينهم، أي: أظهروا المناجاة بينهم، فقالوا: هل محمد إلا بشر مثلكم، وهو يزعم أنه رسول من عند الله إليكم.
وقيل: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ أي: قالوا ذلك سراً.
وقال أبو عبيدة: " هو من الأضداد ".
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القول فِي السمآء والأرض﴾ [الأنبياء: 4].
الآية يدل على أنه بمعنى أخفوا.
ثم قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.
زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم ساحر، وأن ما جاء به سحر.
أي تقبلون ما جاءكم به وهو سحر وأنتم تبصرون أنه بشر مثلكم.
وفي الضمير الذي أتى بلفظ الجمع في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ مع