الدخان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
الحق]} الآيات.
قالت عائشة رضي الله عنها في قول النجاشي: " ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخُذَ الرشوَة فيه، وما أطاع الله الناس فيّ فأطيع الناس فيه "، قالت: إن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد غيره، وكان للنجاشي عم، له من صلبه اثنا عشر ولداً، فقالت الحبشة بينهم: لو قتلنا أبا النجاشي، وملَّكْنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه [اثني] عَشَرَ ولداً، فيتوارثوا الملك من بعده وتبقى الحبشة بعده دهراً.
فغَدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا.
ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيباً حازماً من الرجال، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّه (ونزل) منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكَانَه من عمِّه قالت
بينهم: والله لقد غَلَب هذا الفتى على أمر عمّه، وإنا لنتخوف أن يُمَلِّكه علينا، وَإِنْ مَلَّكَه (علينا) ليقتلنا أجمعين، لقد عَرَفَ أنَّا نحْن قتلنا أباه.
فَمَشَوا إلى عمه فقالوا: إمّا أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تُخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خِفْنا على أنفسنا.
فقال: ويلكم، قَتلتُم أباهُ بالأمس وأقتُلهُ اليومَ؟ بل أُخرجُه من بلادكم، فخرجوا به إلى السوق فباعوه [من رجل] من التجّار بست مائة درهم، فقذفه في سفينة وانطلق به حتى [إذا] [العشيّ] من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة، فقتلته ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هم حمق، ليس في واحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرُها، فلما ضاق عليهم أمرهم، قال بعضهم لبعض، تَعْلَموا - والله - أن مَلِككم -
الذي لا يقيم أمركم غيرُه - الذي بعتم، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه.
قالت: / فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه وجاءوا به، وعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملَّكوه أنفسهم، فجاءهم التاجر الذين كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطوني مالي، وإما أن أكلمه في ذلك؟ فقالوا: لا نعطيك شيئاً، قال: إذن والله أكلمه.
قالوا: فدونك.
قالت: فجاءه التاجر، فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعتُ غلاماً من قوم بالسوق بست مائة درهم فأسلموا إليّ غلامي (وأخذوا دراهمي حتى إذا سِرْت، خرجت بغلامي، أدركوني فأخذوا غلامي مني ومنعوني دراهمي.
فقال لهم النجاشي: لتُعْطُنَّه دراهمه، أو ليضعن غلامه) يده في يده، فليذهبن به حيث
شاء.
قالوا: [بل] نعطيه دراهمه.
قال: فلذلك قال: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه.
قالت: وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه، وعدله في حكمه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مات النجاشي، كان يُتَحَدَّثُ أنه لا يزال نور يرى على قبره.
وقال ابن جبير: هم سبعون رجلاً وجَّهَ بهم النجاشي، وكانوا ذوي فقه وسنن، فقرأ عليهم النبي ﴿يس﴾ [يس: 1]، فبكوا، وقالوا: ﴿رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ وفيهم نزل: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: 52] إلى قوله ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: 54] إلى آخر الآية.
وقال قتادة: هم ناس كانوا على الحق من شريعة عيسى، ثم آمنوا بالنبي عليه السلام.
والرهبان يكون واحداً وجمعاً، وإذا كان جمعاً فواحده: " راهب "، وإذا كان واحداً فهو كقربان، وجمعه: رهابين، مثل قرابين.
ثم نعتهم تعالى ذكره في الآية الأخرى فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع [مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق]﴾ يعني الرهبان والقسيسين الذين أتوا من عند النجاشي، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يس﴾ [يس: 1] ففاضت أعينهم لما سمعوا الحق وعرفوه.
ومعنى: ﴿فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾: قال ابن عباس: مع محمد وأمته، لأنهم شهدوا أنه قد بلغ، وأن الرسل كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: 143].
ثم ذكر تعالى قولهم أنهم قالوا: ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله وَمَا جَآءَنَا مِنَ الحق﴾ [الآية] وهو النبي والقرآن.
﴿وَنَطْمَعُ﴾ أي: ونحن نطمع، ﴿أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القوم الصالحين﴾ أي: المؤمنين