الهداية إلى بلوغ النهايةالأحقاف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأحقاف

عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

لم يكن له من وقعته تلك ولد، كان له وصيف في الجنة، وإن كان (له) ولد من وقعته فمات قبله، كان له فرطاً وشفيعاً يوم القيامة، وإن مات بعده كان له نوراً يوم القيامة.
قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني بأن لا آكل اللحم.
قال: مهلاً يا عثمان، فأنا أحب اللحم وآكله إذا وجدته، ولو سألت [ربي أن] يطعمنيه (في) كل يوم لأطعمنيه.
قال: يا رسول الله: فإن نفسي تحدثني ألا أمس الطيب.
قال: مهلاً يا عثمان، فإن جبريل أمرني بالطيب غباً، لا ترغب عن سنتي، [فمن] رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب، ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وغلّظ) فيهم المقالة وقال: إنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع.
اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم يستقم لكم " ، فنزلت:

﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ إلى ﴿مُؤْمِنُونَ﴾.
والاعتداء " ها " هنا هو ما نووا من جب أنفسهم، نهو عن ذلك، قاله السدي.
وقيل: هو ما نووا من التحريم على أنفسهم.
وقال الحسن: معنى: ﴿لاَ تعتدوا﴾ إلى ﴿مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾.
وأصل الاعتداء: التجاوز إلى ما لا يحل.
قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيِّباً﴾ حلالاً لكم، ذلك (و) طيباً.
﴿واتقوا الله﴾ في أن تحرموا ما أحل (الله) لكم، أو تحلوا ما حرم الله عليكم، ﴿الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي: مصدقون مقرون.
قوله: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية.
معنى الآية: أن الذين ذكر أنهم أرادوا أن يحرموا الطيبات في الآية التي قبلها،

/ كانوا قد حلفوا ليفعلُن ذلك، فنهوا عن تحريم ما أرادوا تحريمه، وأُعلموا أن الله لا يؤاخذ باللغو في الأَيمان.
قال ابن عباس: لما نهاهم النبي عن ما أرادوا أن يفعلوا من التحريم، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع في أيماننا التي حلفنا بها؟، فأنزل الله ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ﴾ (الآية).
(﴿ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان﴾): من شدّد ﴿عَقَّدتُّمُ﴾ فمعناه: بما وكدتم الأيمان، فالتشديد يدل على تأكيد اليمين.
ومن خفف فِلأَن " عقدهُ " تلزم فيه الكفارة إذا [حنث] بإجماع.

واختير التخفيف - عند من قرأ به -، لأن السامع إذا سمع التشديد سبق إليه أن الكفارة لا تكون إلا مع التأكيد وتكرير اليمين وهذا لا يقول به أحد.
والتخفيف يدل على أنه إن عقده ولم يكرره لزمته الكفارة إذا حنث.
وأنكر أبو عبيد على من قرأ بالتشديد، وقال: لأنه يوهم أن الحنث لا يجب إلا بتكرير اليمين، لأن " فعّل " - في كلام العرب - لتكرير [الفعل].
وهذا الاعتراض لا يلزم، وإنما يكون التشديد للتكرير مع الواحد، فأما مع الجميع فلا، لأنه قد تكرر واحد يمين عقده كقولك: " ذَبَّحتُ الكباش "، فكذلك ([عقّدتم الأيمان])، إنما وقع التكرير من أجل الجمع، ولو

كانت الآية " عقدتم اليمين "، للزم ما قال أبو عبيد، فالتشديد يكون للتكرير، (إلا أن) التكرير ينقسم قسمين:

  • قسم يتكرر الفعل فيه على الواحد.
  • وقسم يتكرر الفعل فيه على آحاد: مرة لكل واحد، وهو الذي في الآية.
    وقال مجاهد: ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان﴾: بما تعمدتم الأيمان.
    وقال عطاء: " بِما عقَّدتم الأيْمَانَ " كقولك " والله الذي لا إله إلاّ هو ". وروى نافع عن ابن عمر: إذا حلف من غير أن يُؤَكِّدَ اليمين أطعم عشرة مساكين، لكل مسكين [مد] وإذا وكَّد اليمين أعتق رقبة.
    فقيل لنافع: ما معنى " وكَّد اليمين "؟، قال: أن يحلف على الشيء مراراً.
    ولغو اليمين: أن يحلف على الشيء يراه أنه كما حلف، ثم لا يكون كذلك، وهو

قول مالك وجماعة معه، وقيل هو قولك: " لا والله " و " بلى والله "، وهو قول الشافعي وجماعة معه.
وقيل: هو تحريمك ما أحل الله لك، فلتفعله ولا كفارة عليك، قاله ابن جبير وغيره.
وقال مسروق: لغو اليمين: كل يمين في معصية ليس فيها كفارة.
وعن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين: أن تحلف وأنت غضبان.
لا كفارة في جميع ذلك على الاختلاف المذكور.
والأيمان ثلاث: - يمين تُكَفَّر، كيمينك ألا تفعل الشيء ثم تفعله.

  • والثانية: يمين لا تكفر لشدتها، وجرمها عظيم، وهو أن تتعمد فتحلف على الشيء وأنت تعلم أنك كاذب.
  • ويمين لا تكفر، ولا جرم لها، وهي اللغو.
    وقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾: الهاء تعود على ما في قوله ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ﴾، فمعناه: " فكفارة ما عقدتم منها إطعام عشرة مساكين ". وقيل: الهاء تعود على " اللغو "، وفيه ذكرت الكفارة، وأما ما عقدتم يمينه فلا كفارة له وهو أعظم من أن يكفر.
    والأحسن أن تعود الهاء على (ما): لأن اللغو في اللغة: المطرح، (ولو) كان اللغو يكفر لم يكن مطرحاً.
    وقيل المعنى: فكفارة " إثمه ". والإطعام: أن تطعم لكل مسكين مداً في قول مالك وغيره.
    وقيل: تطعم

لكل مِسْْكين صاعاً.
ومعنى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: من أعدل ذلك، قيل: الخبز والسمن.
وقيل: الخبز والتمر.
و [قيل]: الخبز و [الزيت] وقيل: المعنى: من أوسط ذلك في الشبع: / إن كان ممن يشبع أهله، أشبع المساكين، وإن كان ممن يقوتهم، قوت المساكين.
وروي عن عاصم من طريق الشموني عن أبي بكر (أوسط)

بالصاد.
قال مالك: إن غذاهم وعشاهم أجزأه، ولا يجزيه قيمة الطعام عند الشافعي، وهو قياس مذهب مالك، وأجازه بعض العراقيين، ولا يعطي إلا مسلماً.
ولا يجزيه إلا مؤمنة إن أعتق.
ولو أعتق مولوداً أو مرَضعاً من قِصَر النفقة أجزأه عند مالك.
[﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: إن لم يجد الإطعام ولا العتق والكسوة فعليه

صيام ثلاثة أيام، ولا يصوم إلا عند عدم الإطعام أو العتق.
وفي قراءة ابن مسعود (فَصِيَامُ ثَلاثةِ (أَيَّامٍ) مُتَتَابعاتٍ).
والتفريق عند مالك يجوز في كفارة اليمين، وهو قول الشافعي وغيره.
والصوم للعبد أحسن وإن أذن له سيده بالعتق والإطعام، ولم يُجِز له جماعة إلا الصوم، واختلف فيه قول مالك.
والكفارة قبل الحنث جائزة، وبعده أحسن.
وقد قيل: لا تجزي قبله.

وروي عن النبي عليه السلام: " كَفِّر عَن يمينك و [أْتِ] الذي هو خير ". وقد بدأ تعالى ذكره في هذه الآية بالتخفيف، ثم أتى بالأشد بعده، وبدأ في الظهار بالأشد، ثم أتى (بالأخف بعده)، وذلك أن الله جل ذِكره إنما بدأ بالأخف ثم أتى بالأشد على طريق التخيير، فأتى بـ (أوْ) للتخيير، ثم أتى بالأَخف بعد ذلك عند عدم ما وقع فيه التخيير، فقال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾، وبدأ في الظهار بالأشد، ثم أتى بالأخف عند عدم الأشد، لا على طريق التخيير في ذلك.
قوله: ﴿ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾: (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من الإطعام أو العتق أو الكسوة، أو الصيام عند عدم الثلاثة، ومعنى ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: ستر إثم

أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم وأنتم قد عقدتم الأيمان.
﴿واحفظوا أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: احفظوها أن تحنثوا، ولا تكفروا.
﴿كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ﴾: أي: كما يبين لكم الكفارة في أيمانكم، يبين الله لكم آياته، أي: علاماته، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (أي تشكرون) على هدايته لكم وبيانه لكم.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر﴾ الآية.
أخبر الله تعالى الذين أرادوا التحريم على أنفسهم - بعد أن نهاهم عن التحريم - أن الخمر والميسر - وهو الذي يتياسرونه -، والأنصاب - وهي التي يذبحون عندها -، والأزلام التي يقتسمون بها ﴿رِجْسٌ﴾ أي: إثم ونتن، ﴿مِّنْ عَمَلِ الشيطان﴾ أي: مما زيَّنه الشيطان لكم وحسنه في أعينكم، [﴿فاجتنبوه﴾] أي: فاتركوه وارفضوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

والميسر: القمار.
وسئل القاسم بن محمد عن الشطرنج والنرد، (فقال): هو ميسر، وقال [كل ما] صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.
قال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار هو ما يتخاطر الناس عليه.
قال الأصمعي: الميسر كان في الجزور خاصة، كانوا يقتسمونها على

ثمانية وعشرين سهماً.
وقال الشيباني: على عشرة أسهم.
ثم يلقون القداح ويتقامرون على مقاديرها.
" والأنصاب: حجارة كانوا يعبدونها في الجاهلية، " والأزلام: القداح ". والرجس: كل عمل يقبح فعله، (وهو) النتن.
(و) قوله ﴿فاجتنبوه﴾: الهاء تعود على " الرجس ". وقيل: تعود على " الخمر ". / وقيل: المعنى: فاجتنبوا هذا الفعل.
وقيل: المعنى: فاجتنبوا ما ذكر.
وذكر ابن المنكدر أن النبي عليه السلام قال: " مَن شَربَ الخمرَ ثُمّ لم يسكر، أَعْرَضَ

اللهُ عَنه أربعين ليلةً، وإن أسكر لم يَقبَل اللهُ منه صَرْفاً ولا عَدلاً أربعين ليلة، فإن مات فيها، مات كعابد الأوثان، وكان حقاً على الله أن يَسْقِيَه يوم القيامة من طينة الخَبال.
قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عُصارة أهل النار: القيح والدم ". قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة﴾ الآية.
(المعنى): إنما يريد الشيطان بكم شرب الخمر ليوقع بينكم العداوة والبغضاء ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله﴾ أي: يصدكم بغلبة الخمر والميسر عليكم عن ذكر الله وعن الصلاة، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ أي: عن شرب الخمر.
ويقال: إن عمر ذكر لرسول الله مكروه عاقبة الخمر، فأنزل الله تحريمها.
وروي أنه قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية في " البقرة ": ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر﴾ [البقرة: 219] الآية، فقُرِئت على عمر فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في " النساء ": ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى﴾ [النساء: 43] الآية، فكان النبي يقول إذا

حضرت الصلاة: فلا يَقْرَبَن الصلاةَ سكران، (ودعي) عمر فقرئت عليه، فقال: اللهمَ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في " المائدة ": ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر﴾ الآية [إلى) ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾، فقال عمر: انتهينا، انتهينا.
وقيل: نزلت بسبب سعد بن أبي وقاص [لاحى] رجلاً على شراب فضربه بلَحْيَيْ جَمل ففزر أنفه فنزل ذلك.
وكان الرجل في الجاهلية يقامر عن أهله وماله حتى يقعد حزيناً سليباً، ينظر إلى ما له في يد غيره، فيورث ذلك عداوة بينهم.
فنهى الله عن ذلك، وهو الميسر.

وقال مصعب بن سعد: صنع رجل (من الأنصار طعاماً)، فدعاني وأبي - سعداً - فشربنا الخمر قبل أن تحرم فانتثينا.
فتفاخرنا، فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَي جزور فضرب به أنف سعد ففزره، فنزل: ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر﴾ الآية.
وقال ابن عباس: شرِب حيّان من الأنصار الخمر حتى سكروا، فلما سكروا جرح بعضهم بعضاً، فلما صَحَوْا، جعل (يرى الرجل) الأثر في وجهه ورأسه ويقول: فعل هذا بي أخي فلان!، وكانوا إخوة لا ضغائن بينهم، فصارت بينهم ضغائن، فنزلت الآية بالتحريم.
قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول واحذروا﴾ الآية.
المعنى: وأطيعوا الله عز وجل في اجتنابكم ما تقدم فيه النهي عن الخمر والميسر

والأنصاب والأزلام، وأطيعوا الرسول فيما بلغ إليكم.
﴿واحذروا﴾ أي: احذروا الخلاف لما أمرتم به، ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ (أي) إن " لَمْ " تفعلوا ما أمرتم به، ﴿فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين﴾ أي: ليس هو بمسيطر عليكم، إنما عليه أن يبلغكم ما أرسل به، ويوضحه لكم، والعقاب على الله المرسِل، ليس على المرسَل وهذا تهدد لمن خالف (أمر) الله.
قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ﴾ الآية.
المعنى: في قول ابن عباس وغيره -: أن المؤمنين قالوا لما نزل تحريم الخمر: (يا رسول) الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا﴾ الآية.
﴿إِذَا مَا اتقوا﴾ أي: اتقى اللهَ الأحياء منهم في اجتناب ما حرم عليهم، ﴿وَآمَنُواْ﴾

أي: وصدقوا الله ورسوله فيما أمرهم به، ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله، / ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ﴾ أي: " وَ " اتقوا محارمه وصدقوا فثبتوا على ذلك، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ﴾ أي: اتقوا الله، فدعاهم تقواهم إلى الإحسان، وهو العمل بما (لم) يفرض عليهم: من الخير والنوافل.
فالاتقاء الأول: اتقاء تلقي أمر الله وقبوله، والثاني: الاتقاء بالثبات على الاتقاء الأول وترك التبديل، والاتقاء الثالث: الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل.
فهذه الآية نزلت - في قول الجميع - فيمن مات منهم وهو يشربها، أُعلِموا أنه لا جناح عليهم.
وقال جابر بن عبد الله: صبح ناس غداة أُحد الخمر فقتلوا من يومهم جميعاً شهداء، وذلك قبل تحريمها، يريد: فنزلت الآية فيهم.

وقيل: نزلت فيما أكلوا من الحرام بالميسر و (ما شربوا) من الخمر فأُعلِموا أنه لا جناح عليهم في ذلك إذا ما اتقوا فيما يستقبلون.
وقيل: معنى ﴿إِذَا مَا اتقوا وَآمَنُواْ﴾ أي: اتقوا شرب الخمر، وآمنوا بتحريمها " ﴿ثُمَّ (اتَّقَواْ وَآمَنُواْ)﴾ أي: اتقوا الكبائر وازدادوا إيماناً، " ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ " أي: اتقوا الصغائر، ﴿وَّأَحْسَنُواْ﴾ بالنوافل.
وقيل: ﴿إِذَا مَا اتقوا﴾ الكفر، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ الكبائر، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ الصغائر.
وقيل: [معنى هذا: ﴿إِذَا مَا اتقوا﴾ فيما مضى: على إضمار " كان " مع " إذا "، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ في الحال التي هم فيها، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ فيما يستقبلون.
(وقيل: ﴿. . . . . .﴾ ﴿إِذَا مَا اتقوا﴾: في الحال التي هم فيها [﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ فيما

يستقبلون] ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ أي: ماتوا على ذلك وهم محسنون.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مِّنَ الصيد﴾ الآية.
أي: يا أيها الذين صدقوا.
ليختبرنكم الله في الطاعة والمعصية بشيء من الصيد، أي: ببعضه، لأنه صيد البر خاصة، ف (مِن) للتبعيض.
وقيل: هي لبيان الجنس.
قوله ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني ما يؤخذ باليد من البيض والفراخ.
﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ كالحمير والبقر والظبا، وما يصاد بالنبل، امتحن الله عباده في حال إحرامهم لعمرتهم وحجهم، فلا [يقربوه].
﴿لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب﴾ أي: كي يعلم من يتبع أمره ممن لا يتبع، ﴿بالغيب﴾: في

الدنيا بحيث لا يراه أحد، والمعنى: ليعلم أولياء الله من يخاف الله فيتقي محارمه بحيث لا يراه أحد.
وقيل: ليعلم ذلك علم معاينة يقع عليها الجزاء، وقد علمه غيباً لا إله إلا هو عَلاَّم الغيوب.
قوله: ﴿فَمَنِ اعتدى﴾ أي: فمن تجاوز حد لله في الصيد بعد تحريمه عليه ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية.
﴿هَدْياً﴾ حال من الهاء في (به)، ويجوز نصبه على البيان، ويجوز نصبه على المصدر.
و ﴿بَالِغَ الكعبة﴾ نعته، والتقدير فيه: التنوين.
والمعنى: يا أيها الذين صدقوا، لا

تقتلوا صيد البر وأنتم حرم لحج أو عمرة.
﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾ (أي) ناسياً لإحرامه، معتمداً لقتل الصيد، فإن كان ذاكراً لإحرامه وتحريمه، فمجاهد وابن زيد يقولان: لا حكم عليه و [نقمة] الله منه أعظم.
ومن الناس ما قال: لا حج له.
ومن قتل الصيد خطأ، فعليه ما على المتعمد عند مالك وجماعة غيره.
وقيل: لا شيء عليه، إنما أتى النص في المتعمد.
وقال الزهري: نص الله

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل