البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 306-318

كتاب الوصايا

صفحات 306-318
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

و [الثاني]: منهم من قال: يعتبر وجود الشرائط في الوصي عند عقد الوصية، وعند موت الموصي دون ما بينهما؛ لأن وقت الوصية حال الإيجاب، ووقت الموت حال القبول.
و [الثالث]: منهم من قال: تعتبر وجود الشرائط في الوصي من حين الوصية إلى أن يموت الموصي؛ لأن كل وقت من ذلك يجوز أن يموت فيه الموصي فيستحق الوصي فيه النظر.
قال الشيخ أبو حامد: والأول أصح.
قيل له: فكيف يكون الأول أصح وقد قال الشافعي: (لا تصح الوصية إلى المدبر، ولا إلى أم الولد)، وكل واحد منهما يعتق بوفاته فتكمل فيه الشرائط؟ فقال: يحمل قوله هذا على أنه أراد: مدبر غيره، وأم ولد غيره.
فإن أوصى إلى من جمع الشرائط، ثم تغيرت حال الوصي بعد موت الموصي، فإن تغير لضعف عن الحساب أو الحفظ.. لم ينعزل بذلك، بل يضم إليه الحاكم أميناً يعاونه؛ لأن الضعف لا ينافي الولاية، بدليل: أن الأب والجد يليان مال ولدهما وإن كان فيهما ضعف.
ولو كان الحاكم هو الذي نصب الأمين فضعف.
فله عزله؛ لأنه نصبه.
وإن فسق الوصي أو جن.. انعزل عن الوصية؛ لأن الفسق والجنون ينافيان الولاية، بدليل: أن الأب والجد والحاكم إذا فسق واحد منهم أو جن.. بطلت ولايته.

مسألة الوصية إلى اثنين

فإذا أوصى إلى اثنين.. صح، كالوكالة.
فإن وصى إليهما، وإلى كل واحد منهما، مثل أن يقول: أوصيت إليكما، وإلى كل واحد منكما، أو لكل واحد منكما أن يتصرف على الانفراد.. صح.
فإن اجتمعا على التصرف.. صح.
وإن انفرد أحدهما بالتصرف.. صح أيضا؛ لأن كل واحد منهما كالوصي المنفرد.

وإن مات أحدهما أو فسق أو جن.. لم يضم الحاكم إلى الآخر غيره؛ لأن الموصي رضي بنظر كل واحد منهما.
وإن قال: أوصيت إليكما على أن لا ينفرد أحدكما بالنظر والتصرف.. لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف؛ لأن الموصي لم يرض بنظره وحده.
فإن اجتمعا على التصرف.. صح.
وإن انفرد أحدهما بالتصرف.. نظرت: فإن كان في رد وديعة أو مغصوب.. وقع موقعه؛ لأن للمودع والمغصوب أن يأخذ ماله بغير واسطة.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\ 439]: وهكذا لو كان ما انفرد به قضاء دين من جنسه، أو وصية بشيء معين.. فلا ضمان على المنفرد بذلك منهما.
وإن كان ما انفرد به مما يفتقر إلى الاجتهاد، كتفرقة الثلث على الفقراء وما أشبهه.. لم يصح، وكان على المنفرد بذلك الضمان؛ لأن ذلك يفتقر إلى الاجتهاد، ولم يرض الموصي باجتهاده وحده.
فإن قال: أوصيت إليكما في كذا وأطلق، ولم يأذن لكل واحد منهما في التصرف على الانفراد ولا منع كل واحد منهما عن التصرف على الانفراد.. فحكمه عندنا حكم ما لو منع كل واحد منهما عن التصرف على الانفراد.
وقال أبو يوسف: لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف.

وقال أبو حنيفة ومحمد: (إن اجتمعا على التصرف.. صح.
وإن انفرد أحدهما في التصرف.. لم يصح إلا في ستة أشياء: [الأول]: في شراء كفن الموصي، و [الثاني]: تفرقة ثلثه، و [الثالث]: قضاء ديونه، و [الرابع]: رد الودائع، و [الخامس]: الغصوب، و [السادس]: إطعام اليتيم وكسوته.. فأما ما عدا ذلك من شراء العقار لليتيم وسائر العقود.. فلا يصح).
دليلنا: أنه مشترك بينهما، فلم يكن لأحدهما أن ينفرد به، كما لو وكل وكيلين في شراء شيء أو بيعه، ولأن الجهة التي ملك بها الوصي النظر في الستة الأشياء هي الجهة التي ملك بها النظر في غيرها، فإذا لم يملك النظر فيما عدا الستة الأشياء.. لم يملك النظر في الأشياء الستة.
إذا ثبت هذا: فإن اجتمع الوصيان معا على التصرف.. جاز.
وإن تشاحا، فقال كل واحد منهما: أنا أنظر أو أفعل، أو قال: لا أفعل أنا.. قال الشيخ أبو حامد: وقف الأمر ليتفقا ما لم يطل تشاحهما فإن طال.. أقام الحاكم عدلين لينظرا؛ لأن هذا موضع ضرورة.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\ 440]: فإذا استناب أحدهما آخر عن نفسه ليتصرف مع الآخر.. جاز؛ لأن رأي الاثنين حاصل.
فإن مات أحدهما، أو فسق، أو جن.. لم يكن للآخر أن ينفرد بالتصرف؛ لأن الموصي لم يرض بنظره وحده، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ليقيم آخر مع الباقي منهما.
فإن أراد الحاكم أن يفوض النظر إلى الباقي منهما، أو ماتا، أو فسقا فأراد الحاكم تفويض النظر إلى عدل واحد.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن النظر قد صار إلى الحاكم، فجاز أن يكون الباقي أميناً من قبل الحاكم ووصياً من الموصي.
والثاني: لا يصح؛ لأن الموصي لم يرض إلا بنظر اثنين.

إذا ثبت هذا: فإن الشافعي قال: (إذا اختلفا.. قسم بينهما ما كان ينقسم، وجعل في أيديهما نصفين، وأمرا بالاحتفاظ بما لم ينقسم).
واختلف أصحابنا في تأويل هذا: فقال أبو إسحاق: إنما عطف الشافعي بهذا على الأولى، وهي: إذا أوصى إليهما وإلى كل واحد منهما، فاختلفا في النظر والتصرف، فقال كل واحد منهما: أنا أنظر وحدي، فإن كان الشيء مما ينقسم.. قسم بينهما ودفع إلى كل واحد منهما نصفه لينظر فيه ويتصرف به؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
قال: ولا يقسم بينهما كقسمة الأملاك ولكن على جهة التقريب والتعديل، بأن يقوم ويدفع إلى كل واحد منهما شيء بقيمته؛ لأنه ليس بإقرار ملك وإنما هو للنظر.
فأما إذا أوصى إليهما معاً أو أوصى إليهما وأطلق.. فلا يقسم بينهما؛ لأن الموصي لم يرض أحدهما، ولكنهما يجتمعان على النظر.
ومن أصحابنا من قال: هذه المسألة معطوفة على ما إذا أوصى إليهما معاً ومنع أحدهما عن الانفراد في التصرف، أو وصى إليهما وأطلق، وتشاحا في الحفظ لا في النظر، فقال كل واحد منهما: أنا أحفظه إلى وقت النظر، فإن كان بحيث لا ينقسم.. كان تحت أيديهما معاً.
وإن كان مما ينقسم.. قسم بينهما نصفين؛ لأنه يتعذر اجتماعهما على حفظه.
وهذا اختيار الشيخ أبي إسحاق والمسعودي [في " الإبانة " ق\440].

فرع توقيت مدة الوصاية

]: إذا أوصى إليه في شيء مدة.. لم يصر وصياً بعد انقضاء المدة.
وإن وصى إليه في جهة من التصرف.. لم يصر بها وصياً له في غيرها من الجهات.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.

وقال أبو حنيفة: (إذا أوصى إليه في جهة.. كان وصياً فيها وفي غيرها من الجهات، مثل أن يوصي إليه في تفرقة ثلثه، فإنه يكون وصياً في ذلك وفي قضاء ديونه ورد ودائعه، وكذلك إذا أوصى إليه في نفقة أولاده الصغار.. صار وصياً بالنفقة عليهم، وبحفظ أموالهم، والعقد عليها وغير ذلك).
دليلنا: أنه ينظر بتوليه، فلم يجاوز نظره إلى غير ما ولي فيه، كالوكيل، وعكسه الأب والجد.

مسألة توكيل الوصي

إذا أوصى إليه بشيء.. فللوصي أن يوكل غيره في كل ما لم تجر العادة أن يتولاه بنفسه، كما قلنا في الوكيل.
وإن وصى إليه بشيء يقدر عليه بنفسه.. فهل له أن يوكل غيره فيه؟ حكى الشيخ أبو حامد فيه وجهين: أحدهما: لا يجوز، كما قلنا في الوكيل.
والثاني: يجوز، وهو المذهب؛ لأن تصرف الوصي بولاية؛ لأنه يتصرف فيما لم ينص له عليه، فجاز له التوكيل فيما يقدر عليه، كالأب والجد والحاكم، بخلاف الوكيل.

فرع عدم الإذن للوصي بأن يوصي

إن أوصى إلى رجل ولم يأذن الموصي للوصي أن يوصي.. فللوصي أن يتصرف ما عاش، وليس له أن يوصي إلى غيره به.
وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال الثوري، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه) للوصي أن يوصي).
دليلنا: أنه ينظر بتوليه، فلم يملك الإيصاء، كالوكيل، وفيه احتراز من الأب والجد.
وإن قال: أوصيت إليك، فإن حدث بك حادث من فسق، أو جنون، أو موت

فقد أوصيت إلى فلان.. صح؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث جيشاً وقال: " أميركم فلان، فإن أصيب.. ففلان، فإن أصيب.. ففلان».
وإذا ثبت ذلك في الولاية.. ثبت في الوصية.
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أوصى إلى ابنته حفصة، فإذا ماتت.. فإلى ذوي الرأي من أهلها).
و: (أوصت فاطمة إلى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فإذا مات.. فإلى ابنيهما - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ -).
وإن أوصى إلى رجل وأذن للوصي أن يوصي عن الموصي.. قال ابن الصباغ: صح ذلك قولا واحداً.
وإن وصى إليه أن يوصي عن نفسه.. ففيه قولان.
وذكر الشيخ أبو حامد: أنه إذا قال: أوصيت إليك، أو أذنت لك إن حدث بك موت أن توصي إلى من شئت، أو قال: إن حدث بك موت فمن أوصيت إليه فهو وصيي، أو قال: من أوصيت إليه فقد أوصيت إليه.. فالحكم في الجميع واحد.
قال الشافعي في موضع: (يجوز)، وقال في موضع آخر: (لا يجوز).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يجوز ذلك قولا واحداً، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي؛ لأن الموصي يملك التصرف بنفسه، ويملك أن يملك غيره التصرف بعد موته وهو الوصي، فلما كان للموصي أن يملك غيره التصرف.. ملك أن يملك غيره التولية؛ لأن الوصية آكد من الوكالة، فلما كان للوكيل أن يوكل بإذن

الموكل.. كان للوصي أن يوصي إلى غيره بإذن الموصي.
ومنهم من قال: فيه قولان، وهو اختيار الشيخ أبي حامد: أحدهما: يجوز.
وبه قال أبو حنيفة والثوري؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا يجوز.
واختاره الشيخ أبو حامد؛ لأن الوصي يعقد الوصية عن الميت بإذنه ولا إذن للميت في حال لا ولاية للميت - لأنه ليس من أهل الولاية، فلم يصح.
وإن قال: أوصيت إليك، فإن حدث بك حادث، فأوص إلى فلان، فإن قلنا في التي قبلها: يصح قولاً واحداً.. فهاهنا أولى أن يصح.
وإن قلنا في التي قبلها: إنها على قولين.. ففي هذه طريقان: أحدهما: أنها على قولين؛ لأنا إنما منعنا الوصية؛ لأن الوصي يعقد الوصية لآخر عن إذن من لا إذن له في حال العقد، وهذا المعنى موجود هاهنا.
ومنهم من قال: يصح هاهنا قولاً واحداً؛ لأن الموصي قطع اجتهاده بالتعيين.
قال الشيخ أبو حامد: والأول أصح.

فرع يشترط قبول الوصي

]: وإذا أوصى إليه.. لم يملك الوصي التصرف إلا بالقبول، كما لو وصى له.
فإن قبل بعد موت الموصي.. صح، كالوصية له.
وإن قبل قبل موت الموصي.
فهل يصح قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، كالوصية له.
والثاني: يصح؛ لأنه إذن في التصرف فجاز القبول فيه بعد الإيجاب، كالوكالة.
فإذا قلنا بهذا: فللوصي أن يعزل نفسه في حياة الموصي.
فإذا عزل نفسه.. انعزل ولم تعد الوصية إليه إلا بوصية أخرى، وسواء عزل نفسه بحضرة الموصي أو بغيبته.

وقال أبو حنيفة: (إذا عزل نفسه في حياه الموصي.. لم ينعزل حتى يرده في وجهه) يعني: بحضرته.
دليلنا: أنه قطع عقد لا يفتقر إلى رضاه، فلم يفتقر إلى حضوره، كالوكالة والطلاق.
وإن قلنا: لا يصح قبوله إلا بعد موت الموصي.. فلا حكم بعزله نفسه في حياة الموصي.. فإن قبل الوصية بعد موت الموصي ثم عزل نفسه.. انعزل ورفع الأمر إلى الحاكم، ليقيم غيره مقامه.
وقال أبو حنيفة: (إذا مات الموصي وقبل الوصي الوصية.. لزمت الوصية إليه، فلا يملك عزل نفسه، ولا يملك الحاكم عزله إلا بأن يعجز أو يقر بالعجز، فيقيم الحاكم مقامه).
دليلنا: أنه ينظر بتوليه، فملك عزل نفسه كالوكيل.
وللموصي أن يعزل الوصي؛ لأنه أذن له في التصرف، فجاز له عزله، كالموكل.

مسألة ما يقوم به الوصي

]: قال الشافعي: (ويخرج الوصي من مال اليتيم كل ما لزمه من زكاة ماله، وجنايته وما لا غنى به عنه).
وجملة ذلك: أن الوصي يخرج من مال الصغير زكاة ماله، وزكاة فطره، ومماليكه، لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه كان في يده مال ليتيم، فلما بلغ.. رده إليه، فوجده ناقصاً، فسأله عن ذلك، فقال: احسبوا قدر الزكاة، فحسبوا، فإذا هو قدر النقصان، فقال علي: (أفتراني ألي مالاً لا أخرج الزكاة منه).
ولأن ذلك حق واجب، فكان على الولي إخراجه.

وإن قتل الصغير آدمياً عمداً أو خطأ.. وجب عليه الكفارة، وأخرجها الولي من ماله، ويخرج عنه ما وجب عليه بأرش الجناية وإتلاف المال؛ لأن ذلك واجب عليه، فهو كالزكاة.
وإنما يخرج الولي الأرش وبدل المتلف من ماله إذا قامت البينة على إتلافه.. فأما بإقراره.. فلا يتصور ذلك؛ لأنه غير مكلف، فلا حكم لإقراره.
وإن أقر الوصي عليه.. لم يلتفت إلى إقراره؛ لأنه أقر عليه بما فيه ضرر عليه، فلم يقبل، وينفق عليه الوصي ويكسوه بالمعروف؛ لأن ماله مرصد لمصالحه، ونفقته وكسوته منها.
فإن أنفق عليه أو كساه أكثر من المعروف.. لزم الوصي ضمان الزيادة؛ لأنه مفرط فيها.
فإن بلغ الصبي رشيداً.. سلم إليه ماله.
وإن اختلف هو والوصي في قدر ما أنفق عليه الوصي، فإن كان ما يدعيه الوصي أكثر من النفقة بالمعروف.. لزم الوصي ضمان الزيادة.
وإن كان ما يدعيه النفقة بالمعروف.. فالقول قول الوصي مع يمينه؛ لأنه أمين فقبل قوله فيه.
وإن اختلفا في قدر مدة الإنفاق عليه، بأن قال الوصي: مات أبوك من عشر سنين وأنفقت عليك فيها، وقال: بل مات أبي من ثماني سنين.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما- وهو قول أبي سعيد الإصطخري ـ: أن القول قول الوصي، كما لو اختلفا في قدر النفقة.
والثاني ـ وهو قول أكثر أصحابنا، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره ـ: أن القول قول الموصى عليه؛ لأن الأصل حياة الأب، ويمكن الوصي إقامة البينة على ذلك بخلاف قدر النفقة.
وإن ادعى الوصي أنه دفع إليه ماله بعد البلوغ وأنكر الموصى عليه.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو المنصوص ـ: (أن القول قول الموصى عليه؛ لأنه لم يأتمنه على المال، فلم يقبل قوله عليه، كالمودع إذا ادعى دفع الوديعة إلى وارث المودع، والملتقط إذا ادعى دفع اللقطة إلى مالكها).

والثاني: أن القول قول الوصي، كما قلنا في النفقة.
وإن بلغ الصبي غير رشيد.. استديم عليه الحجر ولم يسلم إليه ماله، بل ينفق عليه ويكسوه ويخرج ما وجب عليه من ماله كما كان قبل البلوغ.
قال الشافعي: (فإن كان متلفاً يبذر ما يعطى من نفقة أسبوع.. أعطاه نفقة يوم فيوم.
وإن كان يتلف ما يعطيه من نفقة يوم.. فإن الوصي يجلسه عنده ويحضر الطعام ويأكله وهو بين يديه).
فإن كان يخرق الثياب، أو كان مجنوناً كثير الخرق.. قال الشافعي: (قرعه الولي وهدده فإن تهيب وارتدع وإلا.. فإن الولي يجلسه في البيت عرياناً بمئزر يستر عورته ويصلي فيه، فإذا أخرجه إلى الناس.. كساه، فإذا رده.. نزع عنه ذلك).
وإن احتاج إلى خادم، ومثله يخدم.. قال الشافعي: (اشترى له خادماً).
وأما إنكاحه: فإن لم يكن محتاجاً إليه.. لم يزوجه؛ لأنه لا حاجة به إليه؛ لأنه يلزمه المهر، والنفقة، والكسوة.
وإن احتاج إلى النكاح.. زوجه الوصي؛ لئلا يقدم على الزنا، فيكون فيه رجمه أو حده.
وصيانة نفسه أولى من صيانة ماله.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يزيد على واحدة؛ لأن الكفاية تقع بها، بخلاف الأب والجد، فإنه يجوز أن يزوج الصغير بأربع؛ لأنه غير متهم في ذلك.

مسألة ما يلحق الميت بعد الوفاة

]: قال الشافعي في " الإملاء ": (يلحق الميت من فعل غيره وعمله حج يؤدى عنه، أو مال يتصدق به، أو دين يقضى، أو دعاء).
وجملة ذلك: أنه إذا مات وعليه حج فرض إما حجة الإسلام، أو القضاء أو

النذر، فإن كان له مال.. وجب قضاؤه من ماله.
وإن لم يكن له مال ففعله الوارث أو الأجنبي عنه.. صح؛ لما روي: «أن امرأة من خثعم استأذنت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحج عن أبيها فأذن لها، قالت: أينفعه ذلك؟ قال: نعم كما لو كان على أبيك دين.. فقضيته، نفعه».
وإن لم يكن عليه حج فرض، فأراد إنسان أن يتطوع بالحج عنه بغير إذنه.. لم يجز، ولم يلحقه ثوابه؛ لأن تطوعه لا يلحق غيره.
وإن أوصى به.. فيه قولان، وقد مضى ذلك في الحج.
وأما الصدقة: فيجوز للوارث وللأجنبي أن يتصدق عن الميت، ويلحق الميت ثوابها؛ لما روي: «أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها، ولولا ذلك لوهبت وتصدقت، أأتصدق عنها؟ قال: "نعم" قال: فإن لي مخرفاً فأشهدك أني قد تصدقت به عنها».
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وواسع في فضل الله أن يثيب المتصدق أيضاً).
وأما الدين: فيجوز للوارث والأجنبي أن يقضيه عن الميت؛ لما ذكرناه في حديث الخثعمية.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: "هل على صاحبكم دين؟ قالوا: نعم، ديناران.
فتحملهما أبو قتادة، فصلى عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما قضاهما أبو قتادة.. قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الآن بردت عليه جلده».
وأما الدعاء: فيلحق الميت؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] [الحشر: 10].

فلولا أن الدعاء يلحقهم.. لما أثنى عليهم بالدعاء لإخوانهم.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا مات الإنسان.. انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له».
فمعنى (الصدقة الجارية): الوقف.
ومعنى (العلم المنتفع به): إما كتب علم وقفها، أو علم غيره.
فأما ما سوى ذلك من القرب، كالصلاة والقراءة والذكر.. فلا يلحق الميت ثوابها بفعل الغير لها عنه، قال أصحابنا: إلا أنه إذا قرئ القرآن عند القبر أو الميت.. فإن ثواب القراءة للقارئ، ولكن الرحمة تنزل حيث يقرأ القرآن، فيرجى أن تعم الرحمة الميت؛ لأنه كالجالس بينهم.
هذا مذهبنا.
وحكي عن أحمد بن حنبل: أنه قال: (يلحق الميت ثواب ما يفعل عنه من الصلاة، والقراءة، والذكر).
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] [النجم: 39] وهذا عموم إلا فيما خصه الدليل.
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا مات الإنسان.. انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له» وهذا ليس بواحد منها.
وإن أعتق عن الميت رقبة، فإن لم يكن في ذمته رقبة من كفارة متحتمة بالعتق أو بالنذر، ولا أوصى بها.. لم يقع ذلك العتق عن الميت؛ لما ذكرناه.
وإن كان في ذمته عتق رقبة متحتمة من نذر أو كفارة قتل أو ظهار، فأعتق عنه الوارث أو الوصي.. صح ذلك عن الميت وإن كان بغير إذنه؛ لأنه واجب عليه وهم يقومان مقامه في أداء الواجب عليه.

وإن كان عليه كفارة يمين فأعتق عنه رقبة بعد موته بغير إذنه.. فهل تقع عنه؟ فيه وجهان: أحدهما: تقع عن الميت: لأنه لو كفر بها في حياته.. لصح، فإذا أعتقها عنه غيره بعد موته.. وقعت عنه، ككفارة الظهار.
والثاني: لا تقع عنه، بل تقع عن المعتق؛ لأن العتق كان غير محتم عليه، بل كان مخيراً: بين الإطعام والكسوة والعتق، فصار كما لو تطوع عنه بالعتق.

فرع اختلاف الورثة والموصى له

): إذا قال: إن مت من مرضي هذا.. فلزيد كذا، فمات، فادعى الموصى له أنه مات من ذلك المرض، وقال الورثة: بل برئ منه، ثم مات.. فالقول قول الورثة مع أيمانهم؛ لأن الأصل انتقال الملك إليهم إلا أن يثبت ما يصرفه عنهم، ولم يثبت.
والله أعلم وهو ولي التوفيق

جارٍ التحميل