البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 186-225

كتاب الوصايا

صفحات 186-225
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وأما (الضرب الثاني) المريض الذي حكمه حكم الميت فهو: الميؤوس من حياته، مثل: أن يكون في النزع وقد شخص بصره وابيضت عيناه، أو يكون قد علاه الماء ولا يحسن العوم، أو كان قد قطع حلقه ومريئه، أو خرجت حشوته أو أبينت، أو قطع بنصفين وهو يتكلم - وحكى أبو على بن أبي هريرة: أن رجلا قطع بنصفين، فجعل يعاتب من فعل به ذلك - فهذا لا حكم لكلامه في وصية ولا عقد ولا إسلام ولا توبة.
قال الشيخ أبو حامد: فإن جنى جناية، أو أتلف مالا.. لم يلزمه ضمانها.
وإن قتله قاتل.. لم يجب عليه قود ولا دية ولا كفارة؛ لأنه لم يبق فيه حياة مستقرة، وإنما يتحرك حركة مذبوح، وهذه حالة فرعون التي قال بها: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90] (يونس: 90) فلم يقبل منه.
وهي الحالة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: 18] (النساء: 18).
وأما الضرب الثالث: فهو المرض الذي يخاف منه التلف غالبا، وقد يرجى البرء منه، فهذا إذا وصى فيه.. صحت وصيته.
وإن تصرف فيه.. صح تصرفه.
وإن أعتق أو وهب وأقبض أو حابى فيه بالبيع والشراء.. صح جميع ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] (البقرة: 180) ولم يرد به الموت نفسه؛ لأنه لا يمكنه معه الوصية، وإنما أراد به: إذا حضر سبب الموت.
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما طعن.. سقاه الطبيب لبنا، فخرج من الجرح، فقال: اعهد إلى الناس، فعهد، وأمضت الصحابة عهده).
فإن كان فعله ذلك في حالة مخوفة: فإن برئ.. لزم الكل، وإن مات من مرضه ذلك.. اعتبرت تبرعاته فيه مثل العتق والهبة والمحاباة من ثلث تركته؛ لما روى عمران بن الحصين: «أن رجلا أعتق في مرضه الذي مات فيه ستة مملوكين؛ لا مال له غيرهم، فجزأهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة».

وروى: أن النبي صلى الله عليم وسلم قال: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم».
ولأنه في تلك الحالة يتخوف الورود على الله، وقد يحمله ذلك الخوف على أن يتصدق بجميع ماله تقربا إلى الله ويتلفه على الوارث، فيضر به، فلذلك قصر تصرفه على ثلث تركته.
فأما إذا أنفق ماله في لذاته من المطعم والمشرب والملبس.. فإنه يكون من أصل ماله وإن استغرق جميع ماله؛ لأن منفعة نفسه مقدمة على منفعة الورثة.
إذا ثبت هذا: فقد ذكر الشافعي الأمراض المخوفة وغير المخوفة، فبدأ بذكر الحمى، وهي على ضربين: مطبقة وغير مطبقة.
فأما المطبقة: فإنها لا تكون مخوفة في يوم ولا يومين.
فإذا أعطى في تلك لحال.. لم يعتبر من الثلث؛ لأن العادة ما جرت بأن الإنسان يضعف بحمى يوم ولا يومين، ولا يخاف منه التلف.
فإذا دامت واتصلت.. صارت مخوفة، وما أعطاه في تلك الحال، اعتبر من الثلث؛ لأنه يخاف منها التلف.
وأما غير المطبقة فهي: الغب: التي تجيء يوما وتذهب يوما.
والربع: وهي التي تجيء يوما وتذهب يومين، ثم تعود في اليوم الرابع، فهذه الحمى ليست بمخوفة وإن طالت زمانا؛ لأنه وإن ضعف في يوم الحمى، فإنه يقوى في يوم الصحة، فتكون القوة بإزاء الضعف فتتعادلان.
قال الشافعي: (فإن كان معها وجع.. كان مخوفا وذلك مثل البرسام، أو الرعاف الدائم أو ذات الجنب أو الخاصرة أو القولنج).

وظاهر هذا: أن هذه الأمراض ليست بمخوفة إلا إذا انضافت إلى حمى الغب أو الربع.
قال أصحابنا: وليس هذا على ظاهره، بل هذه الأمراض مخوفة وإن انفردت، وإنما هي مع الحمى أشد خوفا.
وقد نص على ذلك في " الأم "؛ لأن (البرسام): بخار من الحمى يرتقي إلى الرأس أو الصدر فيختلط معه العقل فيهذي، فيكون مخوفا.
وأما (الرعاف): فإن كان يسيرا لحظة أو ساعة.. فليس بمخوف.
وإن كان متصلا دائما.. فهو مخوف؛ لأنه ينزف دمه، فهو كما لو افتصد ولم يسده.
وأما (ذات الجنب): فهو داء يقع في الجنب، فيرم وينتفخ وينفذ، ويكون ذلك بقرب القلب، يؤلم ألما شديدا، وربما انفتح إلى قلبه فمات عقيبه.
وكذلك (ذات الخاصرة): جرح يقع في الخاصرة.. فهو مخوف.
وكذلك قروح الصدر والرئة مخوفة؛ لأنه يصعب علاج قروح الصدر، والرئة لا تقبل العلاج؛ لأنها تضطرب أبدا وتتحرك فلا تقبل العلاج.
(والقولنج): هو أن يستمسك طبعه فيحمي جسمه، ويرتفع إلى رأسه بخارات نخمية، فيختلط معها العقل، فيهلك.
وأما (القيام): فهو إسهال البطن، فإن كان مسترسلا بحيث لا يقدر على حبسه، بل يخرج منه بغير اختياره.. فهو مخوف وإن كان قليلا؛ لأن هذا لا يكون إلا بسقوط القوة، ويخشى منه معاجلة الموت.
وإن كان غير مسترسل، ويمكنه إمساك نفسه فيه، فإن كان ذلك يوما أو يومين وليس معه دم.. فليس بمخوف؛ لأنه لا يخاف منه التلف إذ قد يكون من غير علة، وقد يكون من امتلاء فيدفع الطبيعة، فتحل محل الدواء.
وإذا كان محتملا.. لم يجعل مخوفا.
وإن جاوز يومين.. صار مخوفا؛ لأنه ينشف الرطوبة الغريزية، فتغلب اليبوسة عليه، فيؤدي إلى التلف.

فإن انضاف إلى القيام زحير أو تقطيع.. كان مخوفا بكل حال.
فالزحير: أن يخرج منه الشيء بشدة ومشقة وذلك يهده.
والتقطيع: أن يخرج منه الشيء بعد الشيء متقطعا بشدة.
وأما إذا كان في إسهال يوم أو يومين دم.. فقد نقل المزني: (أنه لا يكون مخوفا)، ونقل الربيع: (أنه يكون مخوفا).
واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: الصحيح ما نقله الربيع؛ لأن الدم يخرج من الأعضاء الشريفة، كالكبد والطحال ونحو ذلك، وذلك مخوف.
ومنهم من قال: هي على اختلاف حالين: فالذي نقله الربيع: أراد: إذا كان خروج الدم من الكبد والطحال ونحوهما؛ لأن ذلك عن قروح بها.
والذي نقله المزني: أراد: إذا كان خروج الدم من المقعدة - وهو: البواسير - فلا يكون مخوفا ما لم يتطاول؛ لأنه لا يخاف منه التلف.

فرع غلبة خروج الدم والبلغم ونحوهما

): قال الشافعي: (ومن ساوره الدم حتى تغير عقله أو المرار، أو البلغم.. كان مخوفا) وهذا كما قال: إذا ساوره الدم، أي غلبه وهاج عليه: وهو أن ينصب الدم إلى طرف من بدنه من يد أو رجل أو فخذ أو غيره، فينتفخ ويرم ويحمر.. فهو مخوف.
قال الشافعي: (تغير عقله أو لم يتغير؛ لأنه لا يكون من فرط الحمى؛ لأنه يذهب بالرطوبة الغريزية، فيهلك).

وكذلك إذا ساوره المرار - أي: وأتته، وهي الصفراء إذا انصبت إلى موضع من بدنه؛ لأنه يكون من فضل الحمى - فيخاف عليه.
وإن غلب عليه البلغم - وهو من الرطوبة وابتداء الفالج - فهو مخوف أيضا؛ لأنه أول ما يثور يستمسك لسانه وتسقط قوته، فربما أطفأ الحرارة الغريزية، فيهلك.
فإذا استقر وانطلق لسانه.. صار فالجا، ولم يكن مخوفا؛ لأنه لا يخشى منه معاجلة الموت.
وكذلك السل: لا يخاف منه معاجلة الموت وإن كان يتحقق أنه لا يبرأ منه، كما أن الإنسان إذا كبر وهرم يتحقق أنه لا يعود شابا، وأنه يموت عن كبره، وليس بمخوف.

فرع الطاعون مرض مخوف

): قال الشافعي: (الطاعون مخوف حتى يذهب).
قال الشيخ أبو حامد: أراد: إذا كان بالمرء طاعون.. فإنه مخوف حتى يذهب عنه؛ لأنه من غلبة الدم والحمى على جميع بدنه.
وقال المسعودي (في " الإبانة " ق\405): إذا حصل ببلد طاعون، فمن كان بذلك البلد.. فأمره مخوف، وإن لم يطعن بعد.
وإن أشكل شيء من الأمراض: هل هو مخوف أو غير مخوف؟ رجع فيه إلى أهل الصنعة من أهل الطب، كما يرجع فيما أشكل من الشرع إلى أهل الفقه، ولا يقبل فيه أقل من طبيبين؛ لأن ذلك يحل محل الشهادة.
ولا يقبل فيه إلا قول مسلمين عدلين، كما قلنا في الشهادة.
قال المسعودي (في " الإبانة " ق\405): ولا يقبل فيه قول رجل وامرأتين؛ لأن

المقصود إثبات المرض لا إثبات المال، وإنما يثبت المال بشهادة رجل وامرأتين.
وأما المجروح: فينظر فيه: فإن كان الجرح نافذا إلى الدماغ أو البطن.. فهو مخوف؛ لما روى: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما طعن، سقاه الطبيب لبنا، فخرج من جوفه، فقال له: اعهد إلى الناس) ولأن الهواء يدخله، وتهب فيه الريح فتنشف رطوبته.
وإن لم يكن نافذا.. فحكمه وحكم من ضرب بعصا أو خشبة أو حجر واحد، فينظر فيه، فإن آلمه وحصل منه ورم وجمع مدة.. فهو مخوف؛ لأنه قد يسري.
وإن لم يجمع مدة، وليس فيه ورم ولا ألم.. فليس بمخوف.
فإن أخذت الجراحة في البرء.. قال الشيخ أبو حامد: فقد خرج عن أن يكون مخوفا.

فرع حمل المرأة ليس بمخوف

): وأما الحمل في المرأة: فليس بمخوف قبل الطلق.
وقال مالك: (إذا بلغت المرأة ستة أشهر.. صارت مخوفا عليها، فيكون تصرفها في ثلث تركتها).
وقال ابن المسيب: الحمل مخوف من ابتدائه.
دليلنا: أن الحمل ليس بحال خوف، وإنما هو يقرب إلى حال الخوف، فهو كالصحة.
فأما إذا ضرب الحامل الطلق - وهو وجع الولادة - فهو مخوف على المنصوص عليه.
وفيه قول آخر: (أنه غير مخوف)؛ لأن السلامة منه أكثر، والأول أصح؛ لأن وجع الولادة أشد من المرض المخوف؛ لأن الولد يخرج من الرحم الذي ضيق رأسه كالإحليل، وربما كان سببا لتلفها.

قال الشافعي: (وكذلك طلق الإسقاط).
قال أصحابنا: إن أسقطته لستة أشهر فأكثر.. كان مخوفا؛ لأن ولادته أشق من ولادة الحي؛ لأن الحي يسهل خروجه للحرارة التي فيه، وهي الحياة.
وإذا كان ميتا.. برد وثقل، فعسر خروجه.
وإن ولدته لدون ستة أشهر.. فليس بمخوف؛ لأنه مضغة أو شيء لم يتخلق، فهو كقطعة لحم، فلا يشق خروجه.
قال الشافعي: (فإن انفصل الولد وخرج.. فليس ما بعده بمخوف إلا أن يكون هناك جرح وألم وضربان.. فيكون مخوفا).

فرع صفة الحرب المخوفة

): وإن وقع القتال بين طائفتين مسلمتين، أو مسلمة وكافرة، أو كافرتين: فإن كانوا يترامون من بعد.. قال الشيخ أبو حامد: فليس بمخوف؛ لأنه قد يصيب الرمي وقد يخطئ، وليست إصابته بأولى من خطئه.
وإن التحم القتال، واختلط الفريقان: فإن كانت إحدى الطائفتين أكثر عددا من الأخرى بزيادة كثيرة.. فالقليلة مخوف عليها.
وإن كانتا متساويتين.. فنقل المزني: (أنه مخوف عليهما).
وقال في " الإملاء ": (تعتبر العطايا من رأس المال).
فالمسألة على قولين: أحدهما: أنه مخوف عليهما؛ لأنه سبب يخاف منه التلف، فهو كالمرض المخوف.
والثاني: أنه ليس بمخوف عليهما؛ لأنه لم يحدث في الجسم شيء، فهو كالصحيح.

وإن وقع رجل في أسر الكفار: فإن كانوا قوما لا يرون قتل الأسرى - كالروم - فالأسر معهم ليس بمخوف؛ لأن عادتهم أنهم يحبسون الأسرى ولا يقتلونهم.
وإن كانوا قوما يرون قتل الأسرى.. فنقل المزني: (أنه مخوف).
وقال في " الإملاء ": (ليس بمخوف).
فالمسألة على قولين وتعليلهما ما مضى.
وإن ركب في البحر، فهبت الرياح وارتفعت الأمواج والتطمت - وإن لم تنكسر السفينة - ففيه قولان، وتعليلهما ما ذكرناه.
وإن كان لمسلم على مسلم قتل قصاص وقدم لقتل القصاص.
فنقل المزني: (أنه غير مخوف ما لم يجرح).
واختلف أصحابنا فيها: فقال أبو إسحاق: هي على قولين كالمسائل الثلاث.
ومنهم من قال: ليس بمخوف قولا واحدا؛ لأن الله خلق الرحمة والرأفة في قلب المؤمن، وقد يرق لأخيه المسلم إذا قدر عليه، ويعفو عن القصاص، ولا رحمة في قلب الكافر على المسلم فيرجى منه ترك القتل.
وكذلك في حال التحام القتال وارتفاع الأمواج لا يوجد هذا المعني.

مسألة تبرعات الثلث المنجزة والمؤخرة

وإن عجز الثلث عن التبرعات.. فلا تخلو التبرعات: إما أن تكون منجزة أو مؤخرة، أو بعضها منجزا وبعضها مؤخرا.
فإن كانت منجزة، مثل: أن باع وحابى أو وهب وأقبض أو أعتق عتقا نافذا.. نظرت: فإن كانت تبرعاته وقعت في جنس واحد من التصرفات، مثل: المحاباة أو

الهبة أو العتق، فإن فعل ذلك متفرقا، مثل: أن أعتق عبدا ثم أعتق عبدا، أو حابى ثم حابى.. فإنه يبدأ بالأول فالأول.
فإن استوفى الثلث بالأول.. لزم، وكان ما بعده موقوفا على إجازة الورثة.
وإن بقي من الثلث شيء بعد الأول.. لزم من الثاني بقدر ما بقي من الثلث، وما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة؛ لأن المريض لا ينفذ تبرعه إلا في ثلث التركة، وقد سبق الأول، فقد لسبقه، فلزم في حق الورثة.
وإن وقعت تبرعاته في حالة واحدة.. نظرت: فإن كانت عتقا، بأن قال لجماعة عبيد: أعتقتكم.. أقرع بينهم، ويعتق منهم قدر ثلث التركة؛ لما روى عمران بن الحصين: «أن رجلا أعتق في مرض موته ستة مملوكين له، فأقرع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهم بعد موته، فأعتق اثنين وأرق أربعة».
وإن كانت تبرعاته محاباة أو هبة، بأن باع جماعة بكلمة واحدة وحاباهم، أو وهبهم وأقبضهم في حالة واحدة، أو وكل من فعل ذلك عنه، ووقع ذلك في حالة واحدة.. قسط الثلث بينهم على قدر محاباتهم.
والفرق بين العتق وغيره من التبرعات: أن القصد من العتق تكميل الأحكام، ولا يحصل ذلك إلا بعتق جميع الرقبة، والقصد من غير العتق الملك للموصى له، وذلك يحصل وإن ملك الموصى له بعض ما وصي له به.
وإن كانت تبرعاته في أجناس من التصرفات، مثل أن أعتق وباع وحابى ووهب وأقبض: فإن وقع ذلك في حالة واحدة، مثل أن وكل من يبيع من رجل بيعا فيه محاباة، ووكل آخر يهب من رجل عينا ويقبضه، وأعتق هو أو وكيله عبدا، أو وقعت هذه التصرفات في حالة واحدة، ولم يحتمل الثلث جميعها.. قسط الثلث بين الجميع على التساوي إن تساوت عطاياهم، وعلى التفاضل إن تفاضلت؛ لأنه لا مزية لبعضهم على بعض في السبق.
وإن وقعت هذه التصرفات متفرقة.. قدم الأول فالأول على ما ذكرناه في الجنس الواحد.
وقال أبو حنيفة: (إن حابى أولا ثم أعتق.. قدمت المحاباة.
وإن أعتق أولا ثم حابى.. سوى بينهما؛ لأن العتق حق لله تعالى، والمحاباة حق للآدمي، فلم يقدم حق الله، كما لو أعتق المريض عبدا ثم أقر بدين لآدمي، فإن الدين مقدم).

ودليلنا أنهما عطيتان منجزتان، لو انفردت كل واحدة.. للزمت.
فإذا اجتمعتا ولم يحتملهما الثلث.. قدمت الأولى منهما، كما لو حابى أولا، ثم أعتق.
فقولنا: (منجزتان) احتراز مما لو كانتا مؤخرتين، أو إحداهما منجزة والأخرى مؤخرة.
وقولنا: (لو انفردت كل واحدة للزمت) احتراز من البيع الفاسد.
وما ذكروه من الإقرار بالدين بعد العتق، فإن الدين لم يجب بالإقرار، وإنما وجوبه متقدم على العتق، فلذلك قدم على العتق.
وإن كانت التبرعات مؤخرة - وهو: ما يوصي أن يفعله عنه بعد موته، من عتق وكتابة ومحاباة وهبة وصدقة وما أشبه ذلك - نظرت: فإن كانت وصاياه بجنس واحد، ولم يحتملها الثلث، فإن كانت عتقا.. أقرع بين الجميع؛ لأن القصد تكميل الأحكام بالعتق، وذلك لا يحصل إلا بعتق جميع الرقبة.
وإن كانت محاباة أو هبة أو صدقة.. قسم الثلث بين الجميع، سواء وقعت متفرقة أو في وقت واحد؛ لتساوي الجميع في وقت اللزوم، وهو عند الموت.
وإن كانت وصاياه بأجناس، فإن لم يكن معها عتق.. قسم الثلث بين الجميع؛ لما ذكرناه.
وإن كان معها عتق، بأن أوصى بمحاباة وهبة وعتق.. ففيه قولان: أحدهما: يقسط الثلث بين الجميع بالحصص؛ لتساوي الجميع في وقت اللزوم.
والثاني: يقدم العتق على غيره؛ لأن له مزية في السراية.
وإن أوصى بمحاباة وهبة وتفرقة شيء من ماله على المساكين، وعجز الثلث عن جميع ذلك: فقال البغداديون من أصحابنا: يقسط الثلث بين الجميع على الحصص قولا واحدا؛ لأنه لا مزية لبعضها على بعض.

وقال المسعودي (في " الإبانة " ق\406): وهل تقدم الوصية للمساكين على غيرهما؟ فيه قولان، كالعتق مع غيره، والأول أصح؛ لأن العتق له مزية بالسراية، وهذا لا يوجد في الوصية للمساكين.
وإن كانت الوصية بمحاباة وهبة وكتابة.. فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: هل تقدم الكتابة على غيرها؟ فيه قولان؛ لما في الكتابة من العتق.
ومنهم من قال: لا تقدم الكتابة قولا واحدا؛ لأنه لا سراية للكتابة.
وإن كان بعض التبرعات منجزة وبعضها مؤخرة.. قدمت المنجزة، سواء تقدمت أو تأخرت، عتقا كانت أو غيره؛ لأنها أقوى، بدليل أن الكل يلزم في حق المتصرف ولو لم يمت في مرضه ذلك، والمؤخرة لا تلزم في حياته بحال.
وقال أبو حنيفة: (إذا أعتق عبدا في مرضه، ثم أوصى بعتق آخر، ولم يحتملهما الثلث.. سوى بينهما).
دليلنا: أنهما عطيتان، إحداهما منجزة والأخرى مؤخرة، فقدمت المنجزة، كما لو باع وحابى، ثم أوصى بعتق عبد.

فرع ينفذ تعليق عتق مشروط إن احتمله الثلث

إذا كان له عبدان - سالم وغانم - فقال في مرض موته: إذا أعتقت سالما.. فغانم حر، فأعتق سالما، فإن احتملهما الثلث.. عتق سالم بالمباشرة، وعتق غانم بالصفة.
وإن لم يحتملهما الثلث.. عتق سالم؛ لأنه سابق، ولم يعتق غانم؛ لأن عتقه متأخر.
وإن قال: إذا أعتقت سالما.. فغانم حر حال عتق سالم، فأعتق سالما واحتملهما الثلث.. فاختلف أصحابنا فيها: فقال القاضي أبو الطيب: يعتق سالم ولا يعتق غانم؛ لأن إعتاق سالم شرط لإعتاق غانم، والمشروط لا يصح وقوعه مع الشرط ولا قبله.

وقال أكثر أصحابنا: يعتقان معا؛ لأنه جعل حال عتق سالم صفة لعتق غانم وتأخر حرف من لفظ عتق سالم يعلم بوجود الشرط، فوقع المشروط.
فإذا قلنا بهذا: ولم يحتملهما الثلث.. ففيه وجهان: (أحدهما): قال أبو العباس ابن سريج، والشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: يعتق سالم ولا يعتق غانم؛ لأن عتقهما وقع في حالة واحدة، ولا يمكن الإقراع بينهما؛ لأنا لو أقرعنا بينهما.. لم يؤمن أن تخرج قرعة العتق على غانم فيرق سالم.
وإذا رق سالم.. لم يعتق غانم، فيؤدي إثبات عتق غانم إلى نفيه.
وما أدى إثباته إلى نفيه.. سقط إثباته.
(والثاني): قال الشيخ أبو إسحاق: لا يعتق واحد منهما؛ لأن الإقراع بينهما لا يمكن؛ لما ذكرناه، ولا يمكن تقديم عتق سالم؛ لأن عتقهما وقع في حالة واحدة، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فسقط عتقهما.
قال الشيخ أبو حامد: وإن قال لغانم: إذا أعتقت سالما.. فأنت حر قبله، ثم أعتق سالما في مرض موته، فإن خرجا من الثلث.. عتقا، وتبينا أن عتق غانم قبل سالم.
وإن لم يحتملهما الثلث.. عتق سالم دون غانم؛ لما ذكرناه.
قلت: وعلى قول الشيخ أبي إسحاق في التي قبلها: لا يعتق هاهنا واحد منهما؛ لأن عتق سالم شرط لعتق غانم، فإذا لم يعتق عبده في الأولى - وعتقه وعتق غانم يقع في حالة واحدة - فلأن لا يعتق عبده هاهنا - وعتق غانم قبله - أولى.
وكذلك على قول القاضي أبي الطيب في التي قبلها: لا يعتق غانم وإن احتملهما الثلث؛ لأن المشروط لا يتقدم على الشرط.
والأول هو المشهور.
فإن كان له ثلاثة أعبد - سالم وغانم وفائق - فقال في مرض موته: إذا أعتقت سالما.. فغانم وفائق حران، ثم أعتق سالما، فإن احتمل الثلث عتق جميعهم.. عتقوا.
وإن احتمل الثلث عتق أحدهم لا غير.. عتق سالم؛ لأنه عتقه سابق.
وإن احتمل الثلث عتق سالم وعتق أحد الآخرين.. عتق سالم، وأقرع بين غانم وفائق؛ لأن عتقهما وقع في حالة واحدة.

وإن قال لغانم وفائق في مرض موته: أنتما حران حال عتق سالم، ثم أعتق سالما، واحتمل الثلث عتق جميعهم.. فعلى قول القاضي أبي الطيب في التي قبلها: يعتق سالم ولا يعتق غانم وفائق.
وعلى قول عامة أصحابنا: يعتق جميعهم.
فإذا قلنا بهذا: ولم يحتمل الثلث إلا عتق واحد.. فعلى قول الشيخ أبي إسحاق في التي قبلها: لا يعتق واحد من الثلاثة.
وعلى قول عامة أصحابنا: يعتق سالم ولا يعتق غانم وفائق.
فإذا قلنا بهذا: واحتمل الثلث عتق اثنين.. عتق سالم؛ لأن عتقه متقدم، وأقرع بين غانم وفائق؛ لأن عتقهما في حالة واحدة.

فرع تعلق العتق بمرض الموت على صفة

قال أبو العباس: إذا قال الرجل لعبده في مرض موته: إذا تزوجت.. فأنت حر، فتزوج امرأة بمهر مثلها.. اعتبر المهر من رأس المال، وعتق العبد من الثلث لوجود الصفة.
وإن تزوجها بأكثر من مهر مثلها.. كان قدر مهر مثلها من رأس المال.
وأما الزيادة على مهر مثلها، فإن كانت وارثة له.. لم تستحقها؛ لأن المحاباة وصية، والوصية لا تصح للوارث.
ويعتق العبد من الثلث.
وإن كانت غير وارثة، بأن كانت ذمية وهو مسلم، أو أبانها قبل موته، وقلنا: لا ترثه.. صحت لها المحاباة من الثلث.
فإن احتمل الثلث المحاباة وعتق العبد.. نفذا.
وإن لم يحتملهما الثلث.. قدمت المحاباة؛ لأنها سابقة؛ لأنها تثبت بنفس العقد، والعتق يقع بعد العقد.
وإن قال لعبده في مرض موته: إذا تزوجت.. فأنت حر حال تزويجي، ثم تزوج امرأة بمهر مثلها.. اعتبر مهر المثل من رأس المال وعتق العبد من الثلث.
وإن تزوجها بأكثر من مهر مثلها، فإن كانت وارثة.. لم تستحق الزيادة، وعتق العبد من الثلث.
وإن كانت غير وارثة.. استحقت المحاباة، فإن احتمل الثلث المحاباة والعتق.. نفذ الجميع.
وإن لم يحتملهما.. قسم الثلث بين المحاباة والعتق على قدرهما؛ لأنهما وقعا في حالة واحدة.

والفرق بين هذه وبين العتق: أن الصفة هاهنا هو التزويج، والتزويج لا يبطل بانتقاض المحاباة.

فرع علق في مرض موته عتق عبده على شراء

): قال أبو العباس: إذا قال في مرض موته لعبده غانم: إذا اشتريت سالما.. فأنت حر في حال شرائي له، ثم اشتراه وحابى فيه، ولم يحتمل الثلث المحاباة والعتق قسم الثلث بين المحاباة والعتق على قدرهما؛ لأن الشراء يتم في جميع سالم وإن لم يتم لبائعه جميع المحاباة، فصفة العتق توجد.
وإن قال لغانم في مرض موته: إذا بعت سالما.. فأنت حر في حال بيعي له، فباع سالما وحابى فيه، ولم يحتملهما الثلث.. قدمت المحاباة؛ لأن البيع لا يتم في جميع سالم إلا بأن تحصل جميع المحاباة للمشتري.
وإذا لم يتم البيع في جميع سالم.. لم توجد صفة عتق غانم، وهذا ظاهر كلام الشافعي، وبه قال ابن الحداد.
وقال ابن القاص وابن اللبان: تقدم المحاباة فيهما؛ لأن الثمن يقابل جميع العبد، فإذا سقط بعض الثمن.. بطل البيع فيما يقابله من العبد، فلا توجد صفة العتق، وقد مضى ذلك في البيوع.

فرع وصى بقضاء دينه أو أن يحج عنه من الثلث

): إذا أوصى أن يقضى دينه أو يحج عنه حجة الإسلام من الثلث، وأوصى بتبرعات ولم يحتملها الثلث.. ففيه وجهان: أحدهما: يقدم الدين أو الحج في الثلث، فإن فضل من الثلث شيء بعد ذلك.. صرف إلى وصايا التبرعات.
وإن لم يفضل شيء.. سقطت الوصايا بالتبرعات؛ لأن الدين أو الوصية بحجة الإسلام فرض، والتبرعات تطوع، والفرض آكد، فقدم.
والوجه الثاني: يقسط الثلث على قدر الدين وقدر الوصية بالتبرع، أو على قدر أجرة المثل وقدر الوصية بالتبرع، ثم يتمم الدين أو أجرة المثل من رأس المال؛ لأن

الدين وأجرة المثل على حجة الإسلام من رأس المال، فإذا جعلهما من الثلث.
فقد قصد الرفق بالورثة، فقسط الثلث على الجميع، وتمم الواجب من رأس المال؛ لأنه لا بد من تمامه.
فعلى هذا: إذا كان عليه أربعون درهما دينا، وأوصى أن يقضى ذلك من ثلثه، وأوصى لآخر بثلث ماله، ومات، وخلف مائة وعشرين درهما، ولم يجز الورثة.. فالعمل فيه: أنك تعزل أربعين درهما لصاحب الدين، فله منها سهم وصية، والباقي تمام دينه من رأس المال، ويبقى للورثة وللموصى له بالثلث ثمانون درهما، للموصى له منها سهم وصية، وللورثة أربعة أسهم مثلا السهمين الموصى بهما.
فإذا قسمت الثمانين على الخمسة الأسهم.. أصاب كل سهم ستة عشر، فيعلم أن سهم الوصية من الأربعين ستة عشر، فتضم إلى الثمانين، فيكون الجميع ستة وتسعين، ثلث ذلك اثنان وثلاثون: لصاحب الدين ستة عشر، وللموصى له ستة عشر، وما زاد على ستة وتسعين - وهو: أربعة وعشرون ـ تمام الدين.
فإذا كانت المسألة بحالها، وأوصى لرجل بثلث ماله، وعليه دين أربعون درهما، وأوصى أن يقضى ذلك من ثلثه، وأوصى أن يحج عنه حجة الإسلام من ثلثه، ولم يوجد من يحج عنه من الميقات إلا بأربعين، ولم يجز الورثة ما زاد على الثلث.. فإنك تعزل لصاحب الدين أربعين: له منها سهم وصية، والباقي تمام دينه من رأس المال.
وتعزل للحج أربعين: يخرج منها سهم وصية، والباقي منها تمام أجرة المثل من راس المال.
ويبقى للورثة وللموصى له بالثلث أربعون: للموصى له منها سهم وصية، وللورثة ستة أسهم مثلا أسهم الوصية.
فإذا قسمت الأربعين على سبعة أسهم.. أصاب كل سهم خمسة دراهم وخمسة أسباع درهم، فيعلم أن السهم الموصى به من الأربعين التي للدين مثل ذلك، ومن الأربعين التي للحج مثل ذلك، وما زاد على السهمين تمام للدين والأجرة.
فإذا أضفت السهمين إلى الأربعين التي للموصى له وللورثة.. كان جميع ذلك أحدا وخمسين درهما وثلاثة أسباع درهم، الثلث من ذلك سبعة عشر

درهما وسبع درهم بينهم أثلاثا؛ لتساوي وصاياهم، فيحصل لكل واحد خمسة دراهم وخمسة أسباع درهم.
والثلثان أربعة وثلاثون درهما وسبعا درهم، وما زاد على أحد وخمسين وثلاثة أسباع درهم تمام الدين، والأجرة بينهما نصفان؛ لتساوي حقيهما.
وإن تفاضلت الحقوق.. كانت القسمة على التفاضل على هذا العمل.

مسألة الوصية بثلث عين من المال

إذا أوصى لرجل بثلث عين من ماله من دار أو أرض أو عبد، ثم مات الموصي، فاستحق ثلثا العين الموصى بها، أو هلك ثلثاها وبقي ثلثها، وللموصي مال آخر يخرج ذلك الثلث منه.. استحق الموصى له الثلث الباقي من العين الموصى بها.
وبه قال كافة العلماء.
وقال أبو ثور، وزفر، وأبو العباس ابن سريج: لا يستحق الموصى له إلا ثلث ما بقي من العين الموصى بها، كما لو أوصى له بثلث ماله فاستحق ثلثاه، ولأنه لم يوص له بثلث معين، وإنما أوصى له بثلث مشاع، فإذا استحق ثلثاه، أو هلك.. فقد هلك ثلثا الوصية.
والمذهب الأول؛ لأنه أوصى له بملكه الذي يخرج من ثلثه، فصح، كما لو أوصى له بعبد كامل، فاستحق ثلثاه، وله مال يخرج الثلث الباقي منه.
ولأن الوصية إنما تنصرف إلى ما يملكه من العبد، كما لو كان عبد بين شريكين نصفين، فقال أحدهما للآخر: بعتك نصف هذا العبد.. فإنه ينصرف إلى ما يملكه منه.
قال ابن اللبان: وعلى هذين الوجهين الوصية بالنوع الواحد، مما يقسم كيلا أو وزنا، كالحبوب والدراهم والدنانير.
أو مما يجمع في القسم من النوع الواحد، كالإبل والبقر والغنم والعبيد والثياب، قال: فإن أوصى لرجل بسدس ماله، ثم مات وخلف مائة شاة، أو مائة ثوب مروية، فاستحق نصفها أو تلف.. كان للموصى له سدس ما بقي في أحد الوجهين معا.

وإن وصى له بسدس الغنم، أو بسدس الثياب، ثم مات فاستحق نصفها، أو تلف.. كان له سدس ما بقي في أحد الوجهين، وله سدس جميع الغنم أو الثياب، وهو: ثلث الباقي في الثاني.

مسألة وصى بثلث ماله وهو حاضر وغائب

إذا أوصى لرجل بثلث ماله، فمات وخلف مالا حاضرا ومالا غائبا، وخلف عينا ودينا.. استحق الموصى له ثلث الحاضر، وثلث الغائب، وثلث العين، وثلث الدين.
واستحق الوارث الثلثين من ذلك.
ويدفع إلى الموصى له ثلث الحاضر وثلث العين.
وكلما حضر من الغائب شيء، أو نض من الدين شيء.. دفع إليه ثلثه، وإلى الوارث ثلثاه؛ لأنه شريك للوارث في جميع ذلك.
وإن وصى له بعبد يساوي مائة درهم، وخلف مائتين غائبتين، أو دينا، ولا يملك غير ذلك.. لم يجب دفع العبد إلى الموصى له؛ لأنه لا يجوز أن يتنجز للموصى له شيء إلا ويحصل للوارث مثلاه.
فإن وصل من المائتين شيء، أو نض من الدين شيء.. دفع إلى الموصى له مثل نصف ما حصل منهما أو نض.
فإن حصل جميع المائتين.. دفع جميع العبد إلى الموصى له فإن طلب الموصى له أن يدفع إليه ثلث العبد ليتصرف فيه قبل أن يحصل شيء من المائتين.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب دفعه إليه؛ لأنه يستحق ذلك بكل حال.
والثاني: لا يجب دفعه إليه، وهو المذهب؛ لأنه لا يتنجز للموصى له شيء إلا ويتنجز للوارث مثلاه، وهذا مذهبنا.
وقال مالك: (الوارث بالخيار: بين أن يسلم العبد إلى الموصى له قبل حضور المائتين، وبين أن يبطل الوصية في ثلثي العبد وتجعل وصيته في ثلث جميع المال مشاعا).

دليلنا: أن الموصي قصد تخصيص الموصى له بملك عين معينة من ماله، فلم يجز للوارث نقل ذلك إلى غيره، كما لو كان المال كله حاضرا.
وإذا ثبت هذا: فإن كسب هذا العبد مالا بعد موت الموصي، وبعد قبول الموصى له الوصية، وقبل حضور المال الغائب.. كان للموصى له ثلث كسبه، وللوارث الثلثان.
فإن لم يحضر المال الغائب.. فلا كلام.
وإن حضر المال الغائب.. فهل يجب على الوارث رد ما أخذه من كسبه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب؛ لأنه أخذه في وقت يجوز له أخذه، فهو كالمستأجر.
والثاني: يجب عليه رده وهو الأصح؛ لأنه بان أنه لا ملك له في العبد ذلك الوقت.

فرع له ستون درهما وأوصى بثلث العين منها

إذا كان لرجل ثلاثون درهما عينا، وثلاثون درهما دينا على معسر، فأوصى بثلث العين لرجل، وأوصى بالدين لمن عليه ومات، ولم يجز الورثة.. فإن الثلث يقسم بين الموصى لهما على أربعة أسهم، لمن عليه الدين ثلاثة، وللآخر سهم.
ويسقط ممن عليه الدين خمسة عشر درهما، ويضم سهم الموصى له بثلث العين إلى سهام الورثة ـ وهي: ثمانية، مثلا سهام الوصية ـ فتقسم الثلاثون ـ التي هي عين ـ على تسعة، للموصى له سهم ـ وهو: ثلاثة دراهم وثلث درهم ـ وللورثة ستة وعشرون درهما وثلثا درهم.
وكلما نض من الخمسة عشر التي بقيت على الغريم شيء.. كان للموصى له بثلث العين قدر تسعه يأخذه من الثلاثين التي كانت عينا ـ إن كانت باقية ـ أو من بدلها ـ إن كانت تالفة ـ وللورثة ثمانية أتساعه.
فإذا نضت الخمسة عشر كلها.. كان للموصى له بثلث العين قدر تسعها ـ وهو درهم وثلثا درهم ـ يأخذه من العين، أو من بدلها.
فإن أوصى لرجل بثلث الدين، ولمن عليه الدين بجميع ما عليه، ولم يجز

الورثة.. كانت الثلاثون ـ التي هي عين ـ للورثة، ويقسم الثلث على أربعة أسهم: لمن عليه الدين ثلاثة أسهم ـ وهو: خمسة عشر درهما ـ تسقط عن ذمته، ويبقى عليه خمسة عشر، وكلما نض منها شيء.. اقتسمه الورثة والموصى له بالثلث على ثلاثة أسهم: للورثة سهمان، وللموصى له سهم.
فإن أوصى لرجل بثلث ماله، وللغريم بما عليه، ومات، ولم يجز الورثة.. قسم الثلث على خمسة، للغريم ثلاثة أخماسه ـ وهو: اثنا عشر درهما ـ فيسقط عنه، وللموصى له بالثلث سهمان يضمهما إلى سهام الورثة ـ وهي: عشرة ـ فيقسم الثلاثون ـ التي هي عين ـ على اثني عشر: للورثة عشرة، وللموصى له سهمان، وكلما نض من الثمانية عشر الباقية على الغريم شيء.. قسم بين الورثة والموصى له بالثلث على اثني عشر.

فرع وصى بالثلث وترك عشرة عينا وعشرة دينا وابنا

]: وإذا كان لرجل عشرة دراهم عينا، وعشرة دراهم دينا على ابنه، ولا وارث له غيره، ولا يملك غير ذلك، وأوصى بثلث ماله لرجل، ومات والابن معسر.. فللموصى له ثلثا العشرة العين: ثلثها بالوصية وثلثها قضاء ما له على الابن.
فإن كان الابن قد حجر عليه لغرمائه.. ففيه وجهان، حكاهما ابن اللبان: أحدهما: أن الموصى له أحق بثلثي العشرة، كالأولى.
والثاني: أنه يأخذ ثلث العشرة بالوصية، ويقسم ثلثاها بينه وبين غرماء الابن على قدر ديونهم.
فإن كان الوصية بثلثي العين.. كان للموصى له ثلثا العشرة العين، وللابن ثلثها ويبرأ مما عليه؛ لأنه كالقابض لثلثي المال.
فإن كان محجورا عليه لغرمائه.. لم يحاصوا الموصى له في ثلثي العشرة وجها واحدا؛ لأنه يأخذ ذلك بحق الوصية.
وإن ترك ابنين، وعشرة عينا وعشرة دينا على أحدهما، وهو معسر.. أخذ الابن الآخر العشرة العين، نصفها ميراثا له ونصفها اقتضاء عن ما له على أخيه.

وإن كان من عليه الدين محجورا عليه لدين عليه.. فهل يختص الأخ بهذه العشرة، أو يقاسم غرماء أخيه في نصفها؟ على الوجهين.
وإن كان الأب قد وصى بثلث ماله لرجل.. قسمت العشرة العين بين الابن الذي لا دين عليه وبين الموصى له نصفين؛ لأن الابن الذي لا دين عليه يملك ثلثها بالإرث، والموصى له يملك ثلثها بالوصية، ومن عليه الدين يملك ثلثها بالإرث، ثم الابن الذي لا دين عليه والموصى له يملك كل واحد منهما في ذمة الابن الذي عليه الدين ثلث العشرة في ذمته، وقد وجدا له ثلث هذه العشرة وحقاهما متساويان، فاقتسما ذلك بينهما.

مسألة اعتبار الثلث فيمن أوصى بمنفعة عبده أو داره

]: إذا أوصى له بمنفعة عبده أو داره على التأبيد.. اعتبر خروج ذلك من الثلث.
وفي كيفية اعتبار خروجها من الثلث ثلاثة أوجه: أحدها: تقوم المنفعة في حق الموصى له، والرقبة مسلوبة المنفعة في حق الورثة؛ لأن الموصى به هو المنفعة، فاعتبرت قيمتها في حق الموصى له، والرقبة ملك الورثة.. فاعتبرت قيمتها في ثلثي التركة.
وكيفية ذلك أن يقال: كم قيمة هذه الرقبة بمنافعها؟ فإن قيل: مائة.. قيل: فكم قيمة الرقبة مسلوبة المنفعة على التأبيد؟ فإن قيل: عشرة.. علمنا أن قيمة المنفعة تسعون، فتعتبر من الثلث، وعلمنا أن قيمة الرقبة عشرة، فتضاف إلى ثلثي التركة.
والوجه الثاني: أن المنفعة تقوم على الموصى له، ولا تحتسب قيمة الرقبة على الموصى له؛ لأنه لا يملكها، ولا على الوارث؛ لأنه لا منفعة له بها.
والثالث ـ وهو المنصوص ـ: (أن الرقبة تقوم بمنافعها في حق الموصى له؛ لأن المقصود بالعبيد والدور هو منفعتها دون أعيانها).
وإن وصى له بمنفعة عبده أو داره أو أرضه مدة معلومة.. فإن الرقبة تقوم في حق

الورثة لا في حق الموصى له، وجها واحدا؛ لأن لهم فيها منفعة، وهو أنهم يملكون منفعتها بعد انقضاء المدة.
وتقوم المنفعة في حق الموصى له، وفي كيفية تقويمها في حقه وجهان: أحدهما: تقوم الرقبة كاملة المنفعة، ثم تقوم مسلوبة المنفعة مدة الوصية، ويكون ما بينهما قيمة المنفعة.
والثاني: تقوم المنفعة مدة الوصية، فتعتبر من الثلث، ولا تقوم الرقبة على الموصى له؛ لأنها غير موصى بها.
وإن وصى بالمنفعة لرجل وبالرقبة لآخر.. فإن المنفعة تقوم في حق الموصى له بها، والرقبة تقوم في حق الموصى له بها، بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأن كل واحد منهما يستفيد بالوصية ملك ما وصى له به.
قال الشيخ أبو حامد: واتفاقهم في هذه يدل على صحة تقويم الرقبة بمنفعتها في حق الموصى له بالمنفعة لا غير.

فرع الوصية بثمرة البستان

وإن وصى له بثمرة بستانه: فإن كانت موجودة.. قومت الثمرة يوم موت الموصي، واعتبر خروجها من الثلث.
وإن كانت غير موجودة: أحدهما: يقوم البستان بكماله في حق الموصى له؛ لأن المقصود به منفعته.
والثاني: تقوم المنفعة في حق الموصى له، والرقبة في حق الورثة، وهو أن يقال: كم قيمته كامل المنفعة؟ فإن قيل مائة.. قيل: كم قيمته مسلوب المنفعة؟ فإن قيل: عشرة.. علم أن التسعين قيمة المنفعة فتحتسب من الثلث، وعلم أن العشرة قيمة الرقبة، فتحتسب بها في ثلثي التركة على الورثة.
ويسقط الوجه الثالث في العبد هاهنا، وهو أن الرقبة لا تقوم في حق أحدهما؛ لأن

البستان قد يجف فتبطل الوصية بالمنفعة بثمره، ويمكن الوارث الانتفاع بأخشابه، بخلاف الرقبة.
وإن كانت الوصية بمنفعته مدة معلومة.. قومت الرقبة في حق الوارث، والمنفعة في حق الموصى له وجها واحدا.
وكل موضع احتمل خروج منفعة جميع البستان من الثلث.. فإن الثمرة تكون للموصى له، ما دام البستان باقيا، ورقبة النخيل والشجر للوارث، ولا يلزم أحدهما سقي النخل والشجر؛ لأن السقي تنتفع به الثمرة والشجرة، فلا يلزم أحدهما سقي ملك صاحبه، بخلاف ما لو باع ثمرة بعد بدو صلاحها، فإن عليه سقيها؛ لأن عليه تسليمها، وذلك من تمام تسلميها.
وإن لم يخرج من الثلث إلا بعض المنفعة.. كان للموصى له من ثمرة كل عام قدر ما احتمله المنفعة، والباقي للورثة اعتبارا بما خرج من الثلث.

فرع أوصى له بلبن شاة وصوفها

إذا أوصى له بلبن شاة وصوفها.. جاز، كما تجوز الوصية بثمرة الشجرة.
وإن وصى له بلبنها لا غير.. جاز.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يقوم هاهنا الموصى به دون العين؛ لأنه لم يوص له بجميع منافعها.

مسألة اعتق في مرضه أمة حاملا

إذا اعتق في مرض موته أمة حاملا بمملوك له.. فإنها تعتق بالمباشرة ويعتق الحمل بالسراية، ومتى تقوم الأمة؟ قال أبو العباس: فيه قولان: أحدهما: تقوم حاملا، ولا يفرد الحمل بالتقويم؛ لأنه كأعضائها.
فعلى هذا: إن خرجت قيمتها من الثلث.. عتقت وعتق ولدها، وإن خرج نصفها.. عتق نصفها.

والثاني: أن الولد يقوم عند الانفصال؛ لأنه يمكن تقويمه، وتقوم الأم حاملا دون حملها؛ لأن قيمتها حاملا أقل من قيمتها حائلا، وأصلها القولان: هل للحمل حكم، أم لا؟ فعلى هذا: إن خرجت قيمتها من الثلث.. عتقا، وإن لم يخرجا، ولم يجز الورثة، فإن كانت قيمتهما سواء، بأن كانت قيمة الأم مائة وقيمة الولد مائة والثلث مائة.. عتق من كل واحد منهما نصفه.
وإن كانت قيمة الأم مائة وقيمة الولد خمسين.. عتق من كل واحد منهما ثلثاه؛ لأن الولد تابع للأم فوجب أن يعتق منه بقدر ما يعتق منها.
فإن قال في مرض موته: حملك حر وأنت حرة، فإن خرجا من الثلث.. عتقا.
وإن لم يخرجا من الثلث.. قدم عتق الحمل؛ لأنه سابق.
فإن كان الحمل جماعة، ولم يخرجوا من الثلث.. أقرع بينهم.
وإن بقي من الثلث شيء بعد عتق الحمل.. عتق من الأم بقدره.
فإن قال في مرض موته: إذا أعتقت نصف حملك.. فأنت حرة؛ ثم قال في مرض موته: نصف حملك حر.. عتق نصف حملها بالمباشرة، واقتضى ذلك سراية إلى عتق نصف حملها، وعتق الأم بالصفة.
فإن خرجت قيمة جميع الحمل وقيمة الأم من الثلث.. عتقا.
وإن لم يخرج من الثلث غير نصف الحمل.. عتق نصف الولد، ورق باقيه، ورقت الأم.
وإن بقي من الثلث شيء بعد عتق نصف الولد، بأن كانت قيمة الولد مائة، وقيمة الأم خمسين، والثلث مائة، فقد بقي من الثلث خمسون.
فيقرع بين نصف الولد والأم؛ لأن عتقهما وقع في حالة واحدة.
فإن خرجت قرعة العتق على نصف الولد.. عتق جميعه.
ورقت الأم؛ لأن عتق الولد لا يسري إليها.
وإن خرجت قرعة العتق على الأم.. لم يمكن أن يصرف ما بقي من الثلث في عتق الأم وحدها، ولكن يسوى بينها وبين باقي حملها في العتق لتساوي قيمتهما.. فيعتق من الأم نصفها بخمسة وعشرين، ويعتق من الولد ربعه بخمسة وعشرين.

وإنما جعل ربعه تابعا لنصف الأم وإن كان القياس يقتضي التسوية بين الجزأين؛ لأنه لا يمكن التسوية بينهما.
وإن كانت قيمة الولد مائة وقيمة الأم مائة والثلث مائة فقد بقي بعد عتق نصف الولد من الثلث خمسون.. فيقرع بين نصف الولد والأم، فإن خرجت القرعة على نصف الولد.. عتق جميعه، ورقت الأم.
وإن خرجت على الأم.. عتق ثلثها وثلث نصف الحمل لتساويهما في القيمة.

فرع أوصى بجارية حبلى

): قال ابن اللبان: فإن أوصى لرجل بجارية حبلى، قيمتها يوم مات سيدها مائة، فقبل الموصى له، وولدت بعد موت سيدها ولدا قيمته ستون درهما، وخلف الموصي مائتي درهم، فإن قلنا: لا يفرد بالتقويم.. كانت الجارية وولدها للموصى له، ولا تزيد التركة بقيمة الولد.
وإن قلنا: يفرد الولد بعد الانفصال بالتقويم.. زادت التركة بقيمة الولد، فتصير التركة ثلاثمائة وستين، الثلث: مائة وعشرون، وقيمة الجارية وولدها: مائة وستون.
فالثلث: ثلاثة أرباع قيمتها، فيكون للموصى له ثلاثة أرباع الجارية، وثلاثة أرباع ولدها.
وربعهما مع المائتين للورثة.
وإن ترك الميت مائتين وستين درهما.. كانت التركة أربعمائة وعشرين، الثلث منها مائة وأربعون، وقيمة الجارية وولدها: مائة وستون.
فالثلث من قيمتهما سبعة أثمانهما، فيكون للموصى له سبعة أثمانهما.

فرع أوصى بحمل جارية

): وإن وصى رجل لرجل بحمل جارية مملوك له، وأوصى لآخر بالجارية، ومات الموصي، وقبلا الوصية، ثم إن الموصى له بالجارية أعتقها، ثم ولدت ولدا لأقل من ستة أشهر من وقت إعتاق الجارية.
عتقت الجارية دون ولدها، موسرا كان المعتق أو

معسرا؛ لأن الولد إنما يتبع الأم في العتق إذا كانا في ملك المعتق، فأما إذا كانت في غير ملكه.. لم يتبعها، كما إذا باع داره وفي حائطه ساجة مغصوبة أو مستعارة.. فإنها لا تدخل في البيع، وهذه حرة حامل بمملوك ولا نظير لها.

فرع قال إذا مت فأنت حرة أو ما في بطنك

قال القاضي أبو الطيب: إذا قال رجل لأمة له حامل بمملوك له: إذا مت.. فأنت حرة أو ما في بطنك حر، ومات، ثم ولدت ولدا يعلم وجوده وقت الإعتاق.. أقرع بين الأم والولد، فإن خرجت قرعة العتق على الأم وخرجت من الثلث.. عتقت وعتق ولدها تبعا لها، ولا تحتسب قيمة الولد من الثلث؛ لأنه يعتق بالشرع، فهو بمنزلة التالف.
وإن خرج بعض الأم من الثلث.. عتق ما خرج منها من الثلث، وتبعها من الولد مثل الذي عتق منها.
وإن خرجت قرعة العتق على الولد، وخرج من الثلث.. عتق الولد ورقت الأم.
وإن خرج بعضه.. عتق منه ما خرج من الثلث، ورق باقيه ورقت الأم؛ لأن الأم لا تتبع الولد في العتق.
ويقوم الولد وقت الانفصال؛ لأنه أول وقت يمكن تقويمه فيه، وتقوم الجارية وقت موت الموصي؛ لأنه يمكن تقويمها وهي حالة استحقاقها للعتق.
قال القاضي أبو الطيب: وإن كان له أمتان حاملان بمملوكين له، فقال لهما: إذا مت.. فأنتما حرتان، أو ما في بطنيكما حران، ومات، ثم ولدت كل واحدة منهما ولدا لوقت يعلم وجوده وقت الإعتاق.. أقرع بين الأمتين والولدين، فإن خرجت قرعة العتق على الأمتين، وخرجتا من الثلث.. عتقا من الثلث، وعتق ولداهما تبعا لهما من غير الثلث؛ لأنهما تالفان من طريق الشرع.
وإن لم تخرج الأمتان من الثلث.. أعيدت القرعة بينهما، فأيتهما خرجت عليها قرعة العتق.. عتقت وعتق ولدها، ورقت الأخرى وولدها.
وإن خرجت إحداهما من الثلث، وبعض الأخرى.. عتقت من خرجت عليها قرعة العتق، وعتق ولدها، وعتق من الأخرى تمام الثلث، وعتق من ولدها قدر ما عتق منها، ورق باقيها.

وإن خرجت قرعة العتق على الولدين، فإن خرجا من الثلث.. عتقا ورقت الأمتان.
وإن لم يحتملهما الثلث.. أعيدت القرعة بين الولدين، فمن خرجت عليه قرعة العتق.. عتق جميعه ورق الآخر والأمتان.
وإن احتمل الثلث أحدهما وبعض الآخر.. أقرع بينهما، فمن خرجت عليه قرعة العتق.. عتق جميعه، وعتق من الآخر تمام الثلث، ورق باقيه والأمتان.

فرع أعتق في مرض موته عبدا قيمته مائة وله مائتان غائبتان

): قال ابن اللبان: إذا أعتق في مرض موته عبدا قيمته مائة درهم، وله مائتا درهم غائبتان أو دين، ولا مال له غير ذلك.. عتق ثلثه في الحال، وسلم ثلثاه إلى الورثة؛ لأنه لا يتنجز للموصى له شيء إلا ويحصل للورثة مثلاه.
ولا يملك الورثة بيعه؛ لأن تنجز عتق باقيه موقوف على قضاء الدين أو حصول المال الغائب، والبيع لا يجوز وقفه.
فإن كسب العبد مالا قبل اقتضاء الدين.. كان للعبد ثلث كسبه، وللورثة ثلثاه.
فإذا نض جميع الدين.
نفذ عتق جميعه؛ لأنه حصل للورثة مثلا قيمته.
وهل يرجع العبد على الورثة بما أخذوا من كسبه وأجرة ما خدمهم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يرجع عليهم؛ لأنهم أخذوه في حالة أباح لهم الشرع أخذه.
والثاني - وهو المنصوص عليه -: (أنه يرجع عليهم)؛ لأنه بان أنه كان حرا ذلك الوقت.
ولا يرجع الورثة عليه بما أنفقوه على ثلثيه وجها واحدا؛ لأنهم أنفقوه عليه لحظهم واختيارهم، إذ لو شاؤوا.. لأجازوا عتقه.
وإن مات للعبد من يرثه قبل أن ينض الدين.. فهل يوقف ميراثه؟ فيه وجهان: أحدهما: يوقف ميراثه منه؛ لأنه لا يؤمن أن يكون حرا، والظاهر من الدين أنه يقضى، وإن أعسر الغريم أو تلف المال الغائب.. رد الموقوف على ورثة مناسب العبد المعتق.

والثاني: أنه لا يوقف، بل يدفع ذلك إلى ورثة مناسب العبد؛ لأنا لا نتيقنه وارثا فلا نمنع الورثة ميراثهم لجواز أن ينض الدين، كما لم يمنع ورثة المعتق من استخدام ثلثي العبد المعتق.
فإن مات العبد المعتق قبل أن ينض الدين أو يحصل المال الغائب.. كان لورثة العبد ثلث كسبه ولورثة سيده ثلثاه على القول الجديد، وعلى القديم: يكون جميع كسبه لورثة سيده.
وإن نض الدين أو حضر الغائب بعد موت العبد.. رد ورثة السيد على ورثة العبد المعتق ما أخذوه من كسبه في أصح الوجهين.
وإن مات بعد موت العبد ابن للعبد من حرة معتقة لقوم، وترك مولى أمه ومولى أبيه.. أعطي مولى الأب من ماله قدر ما حكم بعتقه من العبد بجزء الولاء، وباقي مال ابن العبد لمولى أمه.
فإن نض الدين أو حضر الغائب بعد ذلك.. تبينا أن الأب قد كان مات حرا، وأنه حر ولاء ولده من مولى أمه إلى مولى أبيه، فيرد ورثة السيد ما أخذوا من كسب العبد على ورثة العبد المعتق في أصح الوجهين، ويرد مولى أم ابن العبد ما أخذ من مال الابن على مولى العبد.
ولو سلم لورثة المعتق من المائتين مائة، وثوى الباقي أو تلف.. تبينا أنه كان عتق ثلثا العبد، ورق ثلثه وحر ثلثي ولاء ولده فيرد ورثة السيد على الابن ما أخذوا من كسب أبيه تمام الثلثين في أصح الوجهين، فيضاف إلى ما خلفه الابن، ويجعل ثلثاه لمولى أبيه، وثلثه لمولى أمه، ويحتسب على مولى الأم بما أخذه من ميراث الابن.
وإن أنكر الغريم الدين، ولا بينة، ونكل عن اليمين، ولم يحلف ورثة السيد.. فهل يحلف العبد؟ فيه قولان: أحدهما: لا يحلف؛ لأنه لا يستحق ما يحلف عليه.

والثاني: يحلف؛ لأنه يستحق العتق بثبوت المال الذي يحلف عليه.
وإن دفع الغريم الدين إلى الوارث، فقال الوارث: لا دين لمورثي عليك، فإن كان المعتق قد ادعى الدين.. عتق العبد ولم يقبل إقرار الوارث أنه لا دين للمعتق؛ لأن المعتق قد ادعاه وصدقه الغريم، وفي تكذيب الورثة إبطال لحق العبد من العتق، فلم يقبل.
وهكذا: لو صدق العبد الورثة أنه لا دين للمعتق.. لم يحكم ببطلان العتق؛ لأن العتق حق لله تعالى، فلا يقبل قوله فيما يسقطه.
وإن كان المعتق لم يدع الدين.. لم يقبل إقرار الغريم - سواء ادعاه العبد أو لم يدعه - إذا لم يدعه الوارث؛ لأن في ذلك إثبات المال لمن يدعيه وإبطالا لحق الورثة من رق العبد.
وإن ادعى الورثة دينا للميت على رجل، فأنكر وحلف، ثم أقر المدعى عليه بعد ذلك بالدين، وكذبه الورثة بإقراره.. لم يقبل تكذيبهم، سواء صدقهم العبد على التكذيب أو كذبهم؛ لأن إقرارهم قد سبق بأنه مال للميت، ولزمهم بذلك حق العتق، فلم يقبل إقرارهم بعد ذلك بما يسقطه.

فرع أعتق عبدا لا مال له غيره

): إذا أعتق في مرض موته عبدا لا مال له غيره، وعليه دين يستغرق قيمته، وطالبه الغرماء به.. بطل العتق، وقيل للورثة: إن شئتم أن تقضوا الدين من مالكم وتملكوا العبد.. كنتم أحق به.
وإن لم يختاروا ذلك، وطلب الغرماء أن يأخذوا العبد بقيمته عن دينهم.. قال ابن اللبان: كانوا أحق بشرائه من الأجنبي؛ لأنه أحظ للميت؛ لأنه يبرأ من الدين يقينا، ويأمن عهدة الثمن.
فلو كسب العبد مالا بعد موت سيده.. كان ملكا لورثة السيد على قول الشافعي، وعلى قول الإصطخري: يقضى من كسبه الدين.
ولو أبرأ الغرماء الميت من الدين.. عتق ثلث العبد، ورق ثلثاه.

مسألة نكاح الرجل في مرض الموت

إذا نكح الرجل في مرض موته.. صح النكاح وورثته.
وأما الصداق: فإن أصدقها مهر مثلها.. استحقت ذلك من رأس المال.
وإن أصدقها أكثر من مهر مثلها: فإن ورثته.. كان ما زاد على مهر مثلها وصية لوارث على ما مضى.
وإن لم ترثه، بأن كانت ذمية أو مملوكة، أو قتلته، أو ماتت قبله، أو أبانها، وقلنا: لا ترثه.. كان ما زاد على مهر مثلها وصية تعتبر من الثلث.
وبه قال الشعبي، والنخعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد، وإسحاق.
وقال مالك: (لا يصح نكاحه).
وقال الزهري: يصح نكاحه ولا ترثه الزوجة.
وقال ربيعة: يصح، ولكن تستحق المهر في الثلث وإن لم يزد على مهر مثلها.
دليلنا على مالك: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] (النساء: 3) وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أحب فطرتي.. فليستن بسنتي، ومن سنتي: النكاح».

ولم يفرق بين الصحيح والمريض.
وروي عن معاذ: أنه مرض، فقال: (زوجوني، زوجوني؛ لا ألقى الله عزبا).
وقال ابن مسعود: (لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام لا أحب أن أكون بغير زوجة).
وروي: (أن الزبير دخل على قدامة بن مظعون يعوده وهو مريض، فبشر الزبير ببنت وهو عنده، فقال له قدامة: زوجنيها، فقال له الزبير: ما تصنع بها وأنت على هذه الحالة؟! فقال قدامة: إن عشت.. فابنة الزبير، وإن مت.. فهي أحق من ورثني) ولا يعرف لهم مخالف.
ودليلنا على الزهري: أنه معنى يورث به، فامستوى فيه الصحيح والمريض، كالإقرار بالنسب.
ودليلنا على ربيعة: أنه عقد معاوضة، فاعتبر عوض المثل فيه من رأس المال، كالابتياع.
إذا ثبت هذا: فإن تزوج مسلم ذمية في مرض موته بأكثر من مهر مثلها، فأسلمت قبل موته.. صارت وارثة له، وكان ما زاد على مهر مثلها وصية لوارث؛ لأن الاعتبار عند الموت لا عند العقد.
وإن تزوج حر أمة لغير وارثه بأكثر من مهر مثلها في مرض موته، فأعتقت قبل

موته.. ورثته، وكان ما زاد على مهر مثلها وصية تلزم من الثلث لمولاها، ولا يجتمع الميراث والوصية لشخص.

فرع أعتق في مرضه المخوف أمة

إذا أعتق في مرض موته المخوف أمة له، وله مال تخرج من ثلثه.. فهل يصح لوليها الحر أن يزوجها بإذنها قبل موت السيد من مرضه ذلك، أو برئه منه؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو العباس بن سريج، وأكثر أصحابنا: يصح نكاحها؛ لأن في ملك المريض مالا تخرج الجارية من ثلثه والظاهر بقاؤه، فنفذ عتقها في الحال، وصح تصرفها في بضعها، كما لو مات السيد وهي تخرج من ثلثه ولم يظهر عليه دين.. فإن لها أن تتصرف في بضعها.
و [الثاني]: قال ابن الحداد، وابن اللبان، والقاضي أبو الطيب: لا يصح نكاحها؛ لأن عتقها موقوف على ما تبين في ثاني الحال.
فإن برئ المريض من مرضه، أو مات، وخرجت من ثلثه.. نفذ عتقها.
وإن لم تخرج من ثلثه ولم يجز الورثة.. لم ينفذ العتق في جميعها.
وربما ظهر عليه دين يستغرق جميع التركة، فلا ينفذ العتق في شيء منها.
وإذا كان كذلك.. لم يصح عقد النكاح على امرأة مشكوك في حريتها، كما لو أسلم وثني وتخلفت امرأته في الشرك.. لم يجز له أن يعقد النكاح على أختها قبل انقضاء عدتها.
قال القاضي أبو الطيب وابن اللبان: وعلى هذا لو شهدت.. لم تقبل شهادتها، ولو جنت أو جني عليها.. لوقف ذلك، وإن قذفت غيرها.. لم تحد حد حرة، وإن قذفها قاذف.. لم يحد حد القذف، وأن مات لها من ترثه.. وقف ميراثها منه على ما نتبين من أمر المعتق.
قالا: وكذلك لو وهب في مرضه المخوف لغيره جارية تخرج من ثلثه، وقبضها الموهوب له.. لم يجز له وطؤها قبل موت الواهب أو برئه من مرضه؛ لأن هبتها موقوفة على ما تبين من حاله، فلا يباح له وطء امرأة يشك في ملكها.

فرع أعتق أمته في مرضه المخوف وتزوجها قبل برئه

): وإن أعتق في مرضه المخوف أمة له تخرج من ثلثه، فتزوجها قبل برئه من مرضه: قال القاضي أبو الطيب: فعلى قول ابن الحداد في المسألة قبلها لا يصح نكاحه لها.
وبه قال ابن اللبان؛ لما ذكرناه في التي قبلها.
وقال أبو العباس بن سريج، والشيخ أبو حامد، وعامة أصحابنا: يصح النكاح.
وقد حكاه القاضي أبو الطيب في " شرح المولدات " في موضع آخر عن ابن الحداد: أنه يصح.
فإذا قلنا بهذا - وهو المشهور - ومات.. فإنها لا ترثه؛ لأن إثبات ميراثها يؤدي إلى نفيه؛ لأن عتقها في مرض الموت وصية لها، والوصية لا تصح للوارث، فلو ورثناها منه.. لبطل عتقها، وإذا بطل عتقها.. بطل ميراثها، وما أدى إثباته إلى نفيه.. بطل إثباته.
قال الشيخ أبو حامد: وليس على مذهب الشافعي حرة مسلمة لا ترث زوجها إلا هذه.
فعلى هذا: إذا تزوجها بمهر مثلها ولا ينقص مهرها ثلثه.. استحقت ذلك.
وإن تزوجها على أكثر من مهر مثلها، والزيادة تخرج من ثلثه.. استحقت ذلك كله؛ لأنها ليست بوارثة له.
وإن كان مهرها ينقص ثلثه، بأن كانت قيمتها مائة درهم، وله مائتا درهم عين، فتزوجها على مائتين أو بعضهما.. لم تستحق مهرا؛ لأنها لو استحقت ذلك.. لم يحصل للورثة مثلا قيمتها، فيرق بعضها، وإذا رق بعضها.. بطل نكاحها، وإذا بطل النكاح.. بطل المهر، وما أدى إثباته إلى نفيه بطل إثباته.
وهذه حرة سليمة لا تستحق مهرها ولا نظير لها.

فإن أعتق المريض أمة قيمتها مائة لا مال له غيرها، وتزوجها في مرضه، ومات فإن قلنا بقول القاضي أبي الطيب، وابن اللبان.. فالنكاح باطل.
وإن قلنا بقول أبي العباس، وعامة أصحابنا: فإن أجاز الورثة العتق بعد الموت، فإن قلنا: الإجازة تنفيذ لما فعله الموصي.. حكم بصحة النكاح، وعليها عدة الوفاة، ولا مهر لها سواء دخل بها أو لم يدخل؛ لأن إثباته يؤدي إلى إسقاطه على ما مضى.
وإن قلنا: إن الإجازة ابتداء عتق من الورثة، أو لم يجيزوا.. كان النكاح باطلا.
فإن كان السيد لم يطأها قبل موته.. فلا كلام.
وإن كان قد وطئها بعد العتق، ومهر مثلها خمسون.. كان لها من مهر مثلها بقدر ما فيها من الحرية.
فإن أبرأت منه.
عتق ثلثها، ورق ثلثاها.
وإن لم تبرئ منه.. دخلها الدور، فنقول: يعتق من الأمة شيء من الثلث، ولها من مهر مثلها نصف شيء من رأس المال، فبقي في يد الورثة جارية قيمتها مائة إلا شيئا ونصف شيء يعدل مثلي الشيء الخارج بالوصية، وذلك شيئان، فإذا جبرت المائة بالشيء والنصف، وزدت ذلك على الشيئين المعادلين.. عدلت المحنة إلى ثلاثة أشياء ونصف، فالشيء الواحد سبعا الجارية، فيعتق منها سبعاها، وتستحق سبعي مهرها، وهو مثل سبع رقبتها، فيقال للورثة: إن اخترتم أن تبيعوا سبع رقبتها، وتسلموا ثمنه إليها.. بقي معكم أربعة أسباع رقبتها، وذلك مثلا ما عتق منها.
وإن اخترتم أن تعطوها سبعي مهرها من خاص أموالكم.. ملكتم خمسة أسباعها.
وإن اختارت الأمة أن تأخذ سبع رقبتها بمهرها: قال ابن اللبان: كانت أحق به من الأجنبي.
هذا هو المذهب.
وفيها وجهان آخران، خرجهما أبو العباس: أحدهما: أن الذي غرمه السيد من مهرها يكون من الثلث؛ لأن ذلك خرج منه بسبب عتقه، ولا يخرج منه بالعتق وسببه أكثر من الثلث.
وعلى هذا نقول: عتق منها شيء، ولها من مهرها نصف شيء، وبقي في يد الورثة جارية قيمتها مائة إلا شيئا ونصف شيء يعدل ثلاثة أشياء، فإذا جبرت.. عدلت

المائة أربعة أشياء ونصف، فالشيء تسعا الجارية فيعتق تسعاها، ولها تسعا مهرها، وهو مثل تسع رقبتها، فيباع في المهر ويسلم إليها، ويبقى مع الورثة ثلثاها.
والوجه الثاني: يجعل مهرها هدرا، كما لو وطئها السيد ثم أعتقها.
فعلى هذا: يعتق ثلثها ويرق ثلثاها، فإن أحبلها السيد.. ففيه وجهان: أحدهما: تعتق بموته بالإحبال لا بالإعتاق؛ لأن الميت لا ثلث له.
والثاني: تعتق من حين أعتقها؛ لأنها لم تبق على ملك الميت حتى تجري فيها المواريث والوصية، وصار عتق الميت غير مانع للورثة من أن يرثوها.. فتكون كعتق الصحيح، ويجب لها المهر في ذمته.
قال ابن اللبان: والأول أشبه بمذهب الشافعي.
فإن ترك السيد معها مائة درهم.. فإنك تقول: عتق منها شيء بالوصية، ولها نصف شيء بالمهر تأخذه من المائة، ويعتق باقيها بالإحبال من رأس المال، فبقي في يد الورثة مائة إلا نصف شيء يعدل مثلي ما عتق منها، وذلك شيئان، فإذا جبرت المائة بما نقص منها وزدته على الشيئين.. عدلت المائة شيئين، ونصفا الشيء خمسا المائة وهو أربعون، فيعلم أن الذي عتق منها خمساها وقيمته أربعون، فتستحق خمسي مهرها وهو عشرون من المائة، ويبقى في يد الورثة ثمانون وهو مثلا ما عتق من الجارية.
وعلى الوجه الذي يجعل ما غرمه السيد من المهر من ثلث يعدل المائة إلا نصف شيء ثلاثة أشياء فإذا جبرتها عدلت ثلاثة أشياء، ونصف الشيء سبعاها، فإذا استحقت سبعي مهرها - وهو سبع المائة - بقي في يد الورثة ستة أسباع المائة، وهو: مثلا ما عتق منها وأخذته بالمهر.
وعلى الوجه الذي يجعل المهر هدرا: يعتق نصفها بالإعتاق، ونصفها بالإحبال، ويبقى في يد الورثة مائة، مثلا ما عتق منها بالإعتاق.
وهكذا: إن أبرأت من مهرها، وقلنا: يجب عتق نصفها بالإعتاق، ونصفها بالإحبال.

فرع أعتق أم ولده في مرض موته ثم تزوجها بمهر مثلها

وإن أعتق أم ولده في مرض موته، ثم تزوجها قبل موته بمهر مثلها.. صح النكاح وجها واحدا، وورثته؛ لأن عتقها لا يعتبر من ثلث التركة؛ لأنها مستحقة للعتق بموته.
فإن أصدقها أكثر من مهر مثلها.. كان ما زاد على مهر مثلها وصية لوارث على ما مضى؛ لأنها ترثه، فيثبت الميراث ولا تثبت الوصية؛ لأنهما لا يجتمعان.. وإنما أثبتنا الميراث؛ لأنه أقوى من الوصية؛ لأنه يثبت بغير اختياره، والوصية لا تثبت له إلا باختياره.

فرع أعتق في مرض موته جارية على أن تتزوج به

وإن أعتق في مرض موته جارية له على أن تتزوج به، ويكون عتقها صداقها، ورضيت به، فتزوجها قبل موته.. فإن عتقها يصح، ولا يلزمها أن تتزوج به؛ لأنه سلف في عقد، ويلزمها قيمتها لسيدها؛ لأنه ما رضي بزوال ملكه عنها إلا بعوض ولم تسلمه له، فيثبت له قيمتها، كما لو كاتبها على محرم وسلمته إليه.
فإذا نكحها: صح نكاحه لها وجها واحدا؛ لأنها لا تعتق من ثلثه؛ لأنها تعتق عليه بعوض وترثه؛ لأن توريثها لا يؤدي إلى إبطال عتقها، فإن أصدقها مهر المثل.. استحقته.
وإن أصدقها أكثر من مهر مثلها.. لم تستحق الزيادة من غير إجازة الورثة لأنها وارثة له.

فرع أعتقت في مرض موتها عبدها ثم تزوجته

]: وإن أعتقت امرأة عبدا لها في مرضها المخوف، ثم تزوجت به ولها مال يخرج العبد من ثلثه:

فعلى قول القاضي أبي الطيب، وابن الحداد، وابن اللبان: النكاح باطل؛ لأن عتقه موقوف على ما يتبين من أمرها، ولا يجوز أن يقع عقد النكاح موقوفا.
وعلى قول أبي العباس، وعامة أصحابنا: يصح النكاح، وإذا ماتت.. لم يرثها؛ لأن توريته منها يؤدي إلى إبطاله، على ما مضى في الأمة.

فرع تزوج في مرض موته بأكثر من مهر المثل

وإن تزوج امرأة في مرض موته بمائة درهم، ومهر مثلها خمسون، فماتت قبله، وورثها، ولا مال لهما غيرها.. فحسابه أن نقول: لها مهر مثلها خمسون، ولها مما بقي شيء وصية؛ لأنها لم ترثه، فلما ماتت قبله.. ورث عنها النصف - وهو: خمسة وعشرون - ونصف شيء، فصار في يد ورثة الزوج خمسة وسبعون إلا نصف شيء يعدل شيئين، فإذا جبرتها.. عدلت شيئين، ونصفا الشيء خمسا ذلك - وهو: ثلاثون، وهو الذي صح لها بالمحاباة مع مهر مثلها - فذلك ثمانون، وبقي في يد الزوج عشرون، فلما ماتت قبله.. ورث عنها نصف ما بيدها أربعين - وهو: نصف مهر مثلها - ونصف شيء، فصار معه ستون، مثلا المحاباة.
فلو ترك الزوج سوى الصداق خمسين، أو تركت الزوجة مائة: تمت المحاباة للزوجة.
فإن ترك الزوج سوى الصداق عشرين، وتركت الزوجة أيضا ثلاثين.. فحسابه أن يقول: لها مهر مثلها خمسون، ولها مما بقي شيء محاباة مع الثلاثين التي لها.. فتكون تركتها ثمانين وشيئا، ويرث الزوج نصفها، يضمه إلى باقي المائة في يد الزوج، وإلى العشرين، فيصير في يده مائة وعشرة إلا نصف شيء يعدل شيئين.
فإذا جبرتها.. عدلت شيئين، ونصفا الشيء خمسا ذلك - وهو: أربعة وأربعون - فتأخذ الزوجة ذلك مع مهر مثلها، وتضمه إلى الثلاثين.. فيكون جميع تركتها مائة وأربعة وعشرين، فيرث الزوج نصف ذلك - وهو: اثنان وستون - وقد بقي في يده من المائة ستة والعشرون الأخرى، فذلك كله ثمانية وثمانون مثلا المحاباة.

وإن كان على كل واحد عشرون دينا، ولا مال لهما غير المائة.. فحسابه أن تقول: لها مهر مثلها خمسون، ولها شيء محاباة، يخرج منها عشرون دينها، بقي لها ثلاثون وشيء يرث الزوج نصف ذلك - وهو: خمسة عشر - ونصف شيء يضمه إلى ما بقي معه، فيصير خمسة وستين إلا نصف شيء، يخرج دينه عشرون، فيبقى لورثته خمسة وأربعون إلا نصف شيء يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدلت شيئين، ونصفا الشيء خمسا ذلك - وهو: ثمانية عشر - فيصح لها ذلك مع مهر مثلها، فيصير ثمانية وستين، فإذا خرج لدينها عشرون، بقي ثمانية وأربعون.. فيرث الزوج أربعة وعشرين مع اثنين وثلاثين يبقى معه من المائة، فذلك ستة وخمسون، فإذا خرج لدينه عشرون.. بقي لورثته ستة وثلاثون، وهو مثلا ما صح لها بالمحاباة.

مسألة شراء وبيع من في مرض الموت

]: وإذا اشترى شيئا في مرض موته، أو باعه بثمن المثل.. صح ذلك ولم يعتبر من الثلث؛ لأن ما رجع إليه مثل ما خرج منه.
وإن اشترى شيئا في مرض موته أو باعه، وحابى في ذلك.. اعتبرت المحاباة من ثلث التركة.
وقال ابن اللبان: القياس يقتضي أن يبطل بيع المريض وشراؤه إذا كان فيهما محاباة؛ لأنه لا يجوز أن يقع العقد موقوفا، على ما تبين في باقي الحال.
والمشهور هو الأول، وعليه التفريع، وقد مضى ذلك في البيوع.

فرع شراء من يعتق عليه في مرض موته

وإن اشترى ابنه أو أباه في مرض موته.. عتق من ثلثه ولا يرثه؛ لأن عتقه وصية، ولا يجتمع له الميراث والوصية.

وإن اشتراه بمحاباة، واحتمل الثلث عتقه والمحاباة.. عتق، ولزمت المحاباة للبائع.
وإن لم يحتملهما الثلث.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما - وهو المشهور - أن المحاباة تقدم في الثلث؛ لأن البائع ملك الثمن في حال ما ملك المشتري المبيع، ثم يعتق عليه بعد ذلك من الثلث.
فإذا استغرقت المحاباة الثلث.. لم يعتق عليه، وورث عنه.
والثاني - وهو قول أبي العباس ابن سريج -: أن البيع لا يصح؛ لأن تصحيحه يؤدي إلى أن يملك الإنسان أباه أو ابنه، ولا يعتق عليه، وذلك يخالف مقتضى العقد، فلم يصح.
والثالث: وهو قول ابن اللبان: أن الثلث يقسم بين العتق والمحاباة على قدرهما؛ لأن في تقديم أحدهما إبطالا للآخر، وليس أحدهما بأولى من الآخر.
وإن اشتراه في مرض موته بثمن مثله، وعليه دين يستغرق ماله.
ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو العباس ابن سريج: لا يصح الشراء؛ لأن تصحيحه يؤدي إلى أن يملك أباه أو ابنه، ولا يعتق عليه، فلم يصح، كما لا يصح شراء الكافر للعبد المسلم.
والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا -: يصح الشراء، ولا يعتق عليه، ويباع في الدين، وهو الأصح؛ لأن موجب الشراء الملك، والدين لا يمنع منه، فلم يمنع صحة الشراء.. وعتقه معتبر من الثلث، والدين يمنع منه كما يمنع الدين العتق بالإعتاق.
ويخالف شراء الكافر للمسلم، فإن الكفر يمنع الملك للعبد المسلم.
وإن كان ماله مائتي درهم وأمة تساوي مائة درهم ولا يملك غير ذلك، فأعتق الأمة في مرض موته، ثم اشترى أباه أو ابنه.. قدم عتق الأمة.
وعلى قول أبي العباس: لا يصح الشراء؛ لأنه لا يملكه، وهو لا يعتق عليه.
وعلى قول سائر أصحابنا: يصح الشراء، ولا يعتق عليه، بل يورث عنه، فإن كان في ورثته من يعتق عليه إذا ملكه.. عتق عليه نصيبه دون الباقي.
وإن كانوا ممن لا يعتق عليه.. استقر ملكهم عليه.

وهكذا: لو أبرأ البائع المشتري من الثمن، أو برئ من مرضه.. عتق عليه.

فرع ورث من يعتق عليه

بالملك في مرض موته بالملك في مرض موته]: وإن ورث من يعتق عليه بالملك في مرض موته، ولا دين على الوارث.. ففيه وجهان، حكاهما القاضي أبو الطيب.
أحدهما: أنه يعتق عليه من ثلثه؛ لأنه ملكه في مرض موته وعتق عليه، فهو كما لو اشتراه.
والثاني - وهو الأصح -: أنه يعتق عليه من رأس ماله؛ لأنه دخل في ملكه بغير اختياره، وعتق عليه بغير اختياره، فهو كما لو تلف شيء من ماله في مرض موته، بخلاف ما لو اشتراه.
وإن وهب له فقبله وقبضه في مرض موته، أو وصى له به فقبله في مرض موته، ولا دين عليه.
فإن قلنا: إنه إذا ورثه في مرض موته يعتق عليه من ثلثه.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا في الميراث: يعتق عليه من رأس ماله.. ففي الهبة والوصية وجهان: أحدهما: أنه يعتق عليه من رأس ماله؛ لأنه دخل في ملكه بغير عوض.
والثاني - وهو الأصح: أنه يعتق عليه من ثلثه؛ لأنه دخل في ملكه باختياره للقبول، فعتق من ثلثه، كما لو اشتراه.
فكل موضع قلنا: إنه يعتق من رأس المال.. فإنه يرث من معتقه؛ لأن عتقه ليس بوصية.
وكل موضع قلنا: إنه يعتق من الثلث.. فإنه لا يرث من المعتق؛ لأن عتقه وصية، ولا يجتمع له الميراث والوصية.

وقال أبو سعيد الإصطخري: لا يرث بحال، وليس بشيء؛ لأنه إذا لم يكن عتقه وصية.. لم يناف الميراث.
وأما إذا ورثه، أو قبل وصيته، أو قبضه في هبة في مرض موته، وعليه دين يستغرق تركته: فإن قلنا: إنه يعتق إذا لم يكن عليه دين من رأس المال.. عتق هاهنا، ولا يباع في الدين.
وإن قلنا هناك: إنه يعتق من الثلث.. فهاهنا وجهان: أحدهما - وهو الأصح -: أنه يملكه ويباع في الدين؛ لأن العتق من الثلث لا يكون إلا بعد الدين.
والثاني - وهو قول أبي العباس -: أنه لا يصح قبوله في الهبة أو الوصية، بل يكون على ملك الواهب، أو ورثة الموصى؛ لئلا يملكه ولا يعتق عليه.

فرع وهب له من يعتق عليه في مرض موته

إذا وهب له من يعتق عليه في مرض موته، أو وصى له به فقبله، ثم أعتق الموهوب عبدا له آخر، فإن احتملهما الثلث.. عتقا.
وإن احتمل الثلث أحدهما لا غير: فإن قلنا: إن عتق الموهوب أو الموصى به من رأس المال.. عتقا جميعا.
وإن قلنا: إن عتق الموهوب أو الموصى به من الثلث.. قدم عتق الموهوب أو الموصى به في الثلث، ووقف عتق الآخر على إجازة الورثة.
وإن بدأ فأعتق عبدا له قيمته جميع ثلثه في مرض موته، ثم وهبه له من يعتق عليه أو وصى له به فقبل: فإن قلنا: يعتق الموهوب أو الموصى به من رأس المال.. عتقا جميعا.

جارٍ التحميل