كتاب الأيمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
باب من تصح يمينه وما تصح به اليمين
كتاب الأيمان باب من تصح يمينه وما تصح به اليمين الأصل في انعقاد اليمين: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] [المائدة: 89]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 77]
الآية [آل عمران: 77].
وأما السنة: فروي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا "، ثم قال: " إن شاء الله " ثلاثا».
وروى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كان كثيرا ما يحلف: لا ومقلب القلوب»
وأجمعت الأمة على انعقاد اليمين
إذا ثبت هذا فإن اليمين تنعقد من كل بالغ عاقل مختار قاصد إلى اليمين.
فأما الصبي والمجنون والنائم فلا تصح يمينه؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
وهل تنعقد يمين السكران؟ فيه طريقان، مضى ذكرهما في الطلاق.
ولا تنعقد يمين المكره؛ لما روى أبو أمامة: أن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قال: «ليس على مقهور يمين».
وأما (لغو اليمين): فلا ينعقد، وهو: الذي يسبق لسانه إلى الحلف بالله من غير أن يقصد اليمين، أو قصد أن يحلف بالله: لا أفعل كذا، فسبق لسانه وحلف بالله: ليفعلنه، وسواء في ذلك الماضي والمستقبل.
وقال أبو حنيفة: (لغو اليمين هو: الحلف على الماضي من غير أن يقصد الكذب، وكأنه ظن شيئا على صفة، فحلف عليه: أنه كذلك، فبان خلافه).
وقال مالك: (لغو اليمين هي: اليمين الغموس).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] [البقرة: 225].
وروي عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أنهم قالوا: (لغو اليمين: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله).
ولأن " اللغو " في اللغة: هو الكلام الذي لا يقصد إليه، وهذا لا يكون إلا فيما قلناه.
فإن حلف على فعل شيء، ثم قال: لم أقصد إليه.. نظرت:
فإن كانت اليمين بالله.. قبل قوله - لأنه أعلم بنيته - قال ابن الصباغ: إلا أن يكون الحلف على ترك وطء زوجته.. فلا يقبل قوله؛ لأنه يتعلق به حق آدمي.
وكذلك: إذا حلف بالطلاق، أو العتاق، وادعى: أنه لم يقصد إلى ذلك.. لم يقبل قوله منه؛ لأنه يتعلق به حق الآدمي، والظاهر أنه قصد إلى ذلك، بخلاف اليمين بالله، فإن الحق فيها مقدر فيما بينه وبين الله تعالى، وهو أعلم بما قصده.
وتنعقد يمين الكافر؛ لأنه مكلف قاصد إلى اليمين، فانعقدت يمينه، كالمسلم.
مسألة: تنعقد اليمين على الماضي والمستقبل
]: وتنعقد اليمين على الماضي والمستقبل.
فأما الماضي: فعلى ضربين.
أحدهما: أن يحلف أنه فعل أمرا، أو لم يفعله، وهو صادق، فلا كفارة عليه؛ لأن اليمين على المدعى عليه، ولا يجوز أن يجعل عليه اليمين إلا وهو صادق.
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال وهو على المنبر: يا أيها الناس، لا تمنعكم اليمين من حقوقكم، فوالذي نفسي بيده! إن في يدي عصا).
فإن كانت هذه اليمين عند الحاكم.. فالأولى أن لا يحلفها؛ لما روي: (أن المقداد استقرض من عثمان مالا، فتحاكما إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فقال المقداد: هو أربعة آلاف، وقال عثمان: إنه سبعة آلاف، فقال المقداد لعثمان: احلف: أنه سبعة آلاف، فقال عمر: إنه أنصفك، فلم يحلف عثمان، فلما ولى المقداد.. قال عثمان: والله لقد أقرضته سبعة آلاف، فقال له عمر: لم لم تحلف؟ فقال: خشيت أن يوافق قدر بلاء، فيقال: بيمينه).
والضرب الثاني: أن يحلف على ماض وهو كاذب؛ مثل أن يحلف أنه قد فعل كذا، ولم يفعله، أو أنه لم يفعل كذا، وقد فعله، فإن نسي عند اليمين أنه كان قد فعل أو لم يفعل.. فهل تجب عليه الكفارة؟ فيه قولان، يأتي بيانهما في موضعهما، وإن كان ذاكرا عند اليمين أنه قد كان فعل أو لم يفعل، وقصد إلى اليمين.. فهي اليمين الغموس، ويأثم بذلك؛ لما روى الشعبي، عن ابن عمر: «أن أعرابيا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: " الإشراك بالله "، قال: ثم ماذا؟ قال: " عقوق الوالدين "، قال: ثم ماذا؟ قال: " اليمين الغموس».
قيل للشعبي: وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقتطع بها مال امرئ، وهو فيها كاذب).
وروى ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على يمين وهو فيها فاجر؛ ليقتطع بها من مال امرئ مسلم.. لقي الله وهو عليه غضبان».
وإن سميت: اليمين الغموس؛ لأنها تغمس من حلف بها في النار.
وتجب عليه الكفارة في اليمين الغموس، وبه قال عمر، وعطاء، والزهري، وعثمان البتي.
وقال مالك، والثوري، والليث، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق: (لا تجب بها الكفارة).
وقال سعيد بن المسيب: هي من الكبائر أعظم من أن تكفر.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ﴾ [المائدة: 89] الآية [المائدة: 89].
وهذا عام في الماضي والمستقبل.
ولأنه حلف بالله وهو مختار قاصد كاذب، فوجبت عليه الكفارة، كما لو حلف على مستقبل.
مسألة: اليمين على المستقبل
وأما اليمين على المستقبل: فتصح أيضا؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والله لأغزون قريشا».
إذا ثبت هذا: فإن اليمين على المستقبل تنقسم على خمسة أضرب:
أحدها: يمين عقدها طاعة، والمقام عليها طاعة، وحلها معصية، مثل: أن يحلف: ليصلين الصلوات الواجبة، أو لا يشرب الخمر، أو لا يزني.
وإنما كان عقدها والإقامة عليها طاعة؛ لأنها قد تدعوه إلى المواظبة على فعل الواجب، ويخاف من الحنث بها الكفارة.
وحلها معصية؛ لأن حلها إنما يكون بأن يمتنع من فعل الواجب، أو يفعل ما حرم عليه.
والضرب الثاني: يمين عقدها معصية، والإقامة عليها معصية، وحلها طاعة، مثل: أن يحلف: أن لا يفعل ما وجب عليه، أو ليفعلن ما حرم عليه.
والضرب الثالث: يمين عقدها طاعة، والإقامة عليها طاعة، وحلها مكروه، مثل: أن يحلف: ليصلين النوافل، وليصومن التطوع، وليتصدقن بصدقة التطوع.
والضرب الرابع: يمين عقدها مكروه، والإقامة عليها مكروهة، وحلها طاعة، مثل: أن يحلف: لا يفعل صلاة النافلة، ولا صوم التطوع، وصدقة التطوع.
وإنما قلنا عقدها والمقام عليها مكروه؛ لأنه قد يمتنع من فعل البر خوف الحنث، وإنما كان حلها طاعة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها.. فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه».
فإن قيل: فكيف يكون عقدها والمقام عليها مكروها، وقد «سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأعرابي الذي سأله عن الصلاة، فقال: هل علي غيرها؟ فقال: " لا، إلا أن تطوع "، فقال: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص منه» ولم ينكر عليه؟
قلنا: يحتمل أنه لما حلف: أنه لا يزيد ولا ينقص.. تضمنت يمينه تركا لما هو معصية وما هو طاعة، وهو ترك النقصان عنها، فلذلك لم ينكره.
ويحتمل أن يكون لسانه سبقه إلى اليمين، وعلمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلم ينكر عليه؛ لأنه لغو.
ويحتمل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينكر عليه؛ ليدل على أن ترك التطوع جائز وإن كانت اليمين مكروهة، وقد كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل المكروه - كالالتفات في الصلاة - ليدل على الجواز.
والضرب الخامس: يمين عقدها مباح، والمقام عليها مباح، واختلف أصحابنا في حلها، وذلك مثل: أن يحلف: لا دخلت هذه الدار، أو لا سلكت هذه الطريق.
وإنما كان عقدها والمقام عليها مباحا؛ لأنه مباح له ترك دخول الدار، وترك سلوك الطريق، وهل حلها أفضل له، أو المقام عليها؟ فيه وجهان:
[الأول]: من أصحابنا من قال: المقام عليها أفضل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] [النحل: 91].
و [الثاني]: منهم من قال: حلها أفضل؛ لأنه إذا أقام على اليمين.. منع نفسه من فعل ما أبيح له، واليمين لا تغير المحلوف عليه عن حكمه.
وإن حلف: لا يأكل الطعام اللين، ولا يلبس الثوب الناعم.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو اختيار الشيخ أبي حامد -: أن هذه يمين عقدها مكروه؛ والمقام عليها مكروه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] [الأعراف: 32].
الثاني - وهو اختيار القاضي أبي الطيب -: أن هذه يمين عقدها طاعة والمقام عليها طاعة؛ لأن السلف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كانوا يقصدون ترك الطيب من الطعام؛ ولهذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لو شئت أن يدهمق لي.. لفعلت، ولكن الله عاب قوما، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: 20] [الأحقاف: 20] ). و (الدهمقة): لين الطعام وطيبه.
وهو شبيه بحديثه الآخر: أنه قال: (لو شئت.. لدعوت بصلاء، وصناب، وصلائق، وكراكر، وأسنمة، وأفلاذ)، و (الصلاء): اللحم المشوي، و (الصناب): الخردل بالزيت، و (الصلائق): ما سلق من البقول وغيرها،
وتسمى: السلائق، بالسين، و (الكراكر): الإبل، و (الأسنمة): أسنمة الإبل.
و (الأفلاذ): قطع الكبد.
هذا مذهبنا.
ومن الناس من قال: عقد اليمين مكروه بكل حال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224] [البقرة: 224].
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والله لأغزون قريشا»، وكان يحلف كثيرا، ولو كان مكروها.. لما كرر فعله.
وأما الآية: فتأويلها: أن يحلف على ترك البر والتقوى؛ كقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: 22] الآية [النور: 22].
إذا ثبت هذا: وحلف على شيء مما ذكرناه، وحنث.. وجبت عليه الكفارة.
ومن الناس من قال: إن كان الحنث طاعة.. لم تجب عليه الكفارة.
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها.. فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه».
مسألة: الحلف بغير أسمائه تعالى وصفاته
مكروه]: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: (ومن حلف على شيء بغير الله.. فهي يمين مكروهة).
وجملة ذلك: أنه إذا حلف بغير الله؛ بأن حلف بأبيه، أو بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أو بالكعبة، أو بأحد من الصحابة.. فلا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقصد بذلك قصد اليمين، ولا يعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده بالله تعالى، فهذا يكره له ذلك، ولا يكفر؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون».
وروي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أدرك عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو في ركب، وهو يحلف بأبيه، فقال له النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا.. فليحلف بالله، أو ليسكت ". قال عمر: فما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا».
فمعنى قوله: (ذاكرا) أذكره عن غيري.
ومعنى قوله: (آثرا) أي: حاكيا عن غيري، يقال: آثر الحديث: إذا رواه.
ولأنه يوهم في الظاهر التسوية بين المحلوف به وبين الله عز وجل، فكره.
القسم الثاني: أن يحلف بذلك، ويقصد قصد اليمين، ويعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله، فهذا يحكم بكفره؛ لما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
«من حلف بغير الله.. فقد كفر».
وروي: " فقد أشرك ".
القسم الثالث: أن يجري ذلك على لسانه من غير قصد إلى الحلف به.. فلا يكره، بل يكون بمعنى لغو اليمين، وعلى هذا يحمل «قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للأعرابي الذي قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أفلح وأبيه إن صدق»، وكذا «قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - في خبر أبي العشراء الدارمي: " وأبيك، لو طعنت في فخذها.. لأجزأك».
فإن قيل: فقد ورد في القرآن أقسام كثيرة بغير الله؟
فالجواب: أن الله تعالى أقسم بمصنوعاته الدالة على قدرته تعظيما له تعالى لا لها.
إذا ثبت هذا: فإن حلف بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو بالكعبة، وحنث.. لم تلزمه كفارة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وقال أحمد: (إذا حلف بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحنث.. وجبت عليه الكفارة).
دليلنا: أنه حلف بمخلوق، فلم تلزمه بالحنث به الكفارة، كما لو حلف بالكعبة.
وإن قال: إن فعلت كذا وكذا.. فأنا يهودي، أو نصراني، أو بريء من الله، أو من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أو من الإسلام، أو مستحل للخمر، أو للميتة.. لم يكن يمينا، ولم تجب عليه الكفارة بالحنث به، وبه قال مالك، والأوزاعي، والليث.
وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق: (هي يمين، وتجب عليه الكفارة بالحنث بها).
دليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على أنه بريء من الإسلام، فإن كان كاذبا.. فهو كما قال - وروي: فقد قال - وإن كان صادقا.. فلن يرجع إلى الإسلام سالما».
ولم يذكر الكفارة.
ولأنه لو قال: والإسلام.. لم يكن حالفا؛ لأنه يمين بمحدث، فهو كاليمين بالكعبة، فلأن لا يكون يمينا إذا حلف أنه بريء من الإسلام أولى.
مسألة: من حلف بالله وحنث فعليه الكفارة
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (من حلف بالله، أو باسم من أسماء الله، فحنث.. فعليه الكفارة).
وجملة ذلك: أن الحالف لا يخلو: إما أن يحلف باسم من أسماء الله، أو بصفة من صفاته.
فإن حلف باسم من أسماء الله.. فأسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب:
أحدها: اسم الله، لا يشاركه فيه غيره، كقوله: والله، والرحمن، ومقلب
القلوب، والإله، وخالق الخلق، وبارئ النسمة، والحي الذي لا يموت، والذي نفسي بيده، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والواحد الذي ليس مثله شيء، وما أشبه ذلك.
فإذا حلف بشيء من ذلك وحنث.. لزمته الكفارة؛ لأن هذه الأسماء لا يسمى بها غير الله، فانصرفت إلى الله، سواء نوى اليمين أو أطلق.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هي يمين إذا نوى بها اليمين أو أطلق، فإذا نوى بها غير اليمين.. لم يصدق في الحكم، وهل يصدق فيما بينه وبين الله تعالى؟ فيه وجهان.
والضرب الثاني: أسماء الله التي يشاركه في التسمية بها غيره، إلا أن الإطلاق ينصرف إلى الله تعالى، كقوله: والخالق، والرازق، والبارئ، والرب، والرحيم، والرؤوف، والقادر، والقاهر، والمالك، والجبار، والمتكبر.
فإذا حلف بشيء من ذلك، فإن لم ينو بها غير الله.. كان يمينا؛ لأن إطلاق هذه الأسماء لا ينصرف إلا إلى الله، وإن نوى بها الله تعالى.. كان تأكيدا، وإن نوى بها غير الله.. لم تنعقد يمينه؛ لأنها قد تستعمل في غير الله تعالى مع التقييد؛ يقال: فلان خالق الكذب، قال الله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: 17] [العنكبوت: 17]، وفلان يرزق فلانا: إذا كان ينفق عليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: 8] [النساء: 8]، وفلان بارئ العصا، وفلان رب فلان، أي: مالكه، قال الله تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ [يوسف: 50] [يوسف: 50]، ويقال: فلان رحيم القلب، ورؤوف القلب، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن الله رحيم يحب الرحماء "، ويقال:
فلان قادر، وقاهر للعدو، ومالك للمال، وجبار متكبر.
والضرب الثالث: أسماء يسمى بها الله تعالى، ويسمى بها غيره، ولا ينصرف الإطلاق بها إلى الله، كقوله: والحي والموجود والعالم والمؤمن والكريم.
فإن حلف بشيء من ذلك.. اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبو إسحاق: لا تنعقد يمينه إلا أن ينوي بها الله تعالى؛ لأن هذه الأسماء مشتركة بين الله وبين الخلق، وتستعمل في الجميع استعمالا واحدا؛ فلم تنصرف إلى الله من غير نية، كالكنايات في الطلاق.
وقال الشيخ أبو حامد والمحاملي وابن الصباغ وأكثر أصحابنا: لا يكون يمينا، سواء نوى بها الله تعالى أو أطلق؛ لأن اليمين إنما تنعقد إذا حلف باسم معظم له حرمة، وهذه الأسماء ليست بمعظمة، ولا حرمة لها؛ لاشتراك الخالق والمخلوق بها اشتراكا واحدا.
وهكذا إذا حلف بالشيء والمتكلم..
وإن حلف بصفة من صفات الله تعالى.. نظرت:
فإن حلف بعظمة الله، أو بجلاله، أو بعزته، أو بكبريائه، أو ببقائه، أو بمشيئته، أو بإرادته، أو بكلامه، أو بالقرآن، أو بعلمه ولم ينو به المعلوم، أو بقدرته ولم ينو به المقدور.. انعقدت يمينه؛ لأن هذه صفات الذات لم يزل موصوفا بها، فصار كما لو حلف بالله.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هي يمين إذا نوى بها اليمين أو أطلق، وإن نوى
بها غير اليمين.. صدق فيما بينه وبين الله تعالى.. وهل يصدق في الحكم؟ على وجهين.
وإن نوى بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور.. لم تكن يمينا؛ لأنه محدث؛ ولهذا يقال: انظروا إلى قدرة الله، أي: إلى مقدوره.
ويقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا، أي: معلومك فينا.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (إذا حلف بالعلم.. لم يكن يمينا، وإذا حلف بكلام الله أو بالقرآن.. لم يكن يمينا).
فمنهم من قال: لأن أبا حنيفة كان يقول: (القرآن مخلوق).
ومنهم من قال: لم يكن يقول: القرآن مخلوق، وإنما لم تجر العادة بالحلف به.
دليلنا: ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «القرآن كلام الله، وليس بمخلوق».
وإذا كان غير مخلوق.. كان صفة من صفات الذات، كعظمة الله، وجلاله.
قال الشافعي: (من قال إن القرآن مخلوق.. فقد كفر).
وأما العلم: فلأنه صفة من صفات الذات، فهو كما لو حلف بعظمة الله وقدرته.
وإن قال: وحق الله، فإن نوى به العبادات.. لم يكن يمينا؛ لأنه حلف بمحدث، وإن نوى به ما يستحقه الله من الصفات، أو أطلق ذلك.. كان يمينا، وبه قال مالك وأحمد.
واختلف أصحابنا في علته:
فمنهم من قال: لأنها قد ثبت لها عرف الاستعمال وإن لم يثبت لها عرف الشرع، وما ثبت له أحد العرفين.. كان يمينا.
وقال أبو جعفر الأستراباذي: حق الله هو قرآن الله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: 51] [الحاقة: 51]، يعني: القرآن، ولو حلف بالقرآن.. كان يمينا، سواء نوى اليمين، أو لم ينو أو أطلق، فكذلك هذا مثله.
والأول أصح.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (لا يكون يمينا؛ لأن حقوق الله تعالى طاعته، وذلك محدث).
ودليلنا: أن لله حقوقا يستحقها لنفسه، وحقوقا على غيره، فإذا اقترن عرف
الاستعمال في اليمين.. انصرف إلى ما يستحقه لنفسه من البقاء والعظمة وغير ذلك من الصفات، فصار كقوله: وعظمة الله.
قال الطبري في " العدة ": وإن حلف بصفة من صفات الله التي من صفات الفعل، كقوله: وخلق الله، ورزق الله.. لم يكن يمينا.
مسألة: في قوله عهد الله وميثاقه وكفالته وأمانته
]: إذا قال: علي عهد الله، وميثاقه، وكفالته، وأمانته، لا فعلت كذا، أو قال: وعهد الله، وميثاقه، وكفالته، وأمانته، لأفعلن كذا، فإن نوى به اليمين.. فهو يمين، وإن نوى به العبادات التي أخذ الله علينا العهد بأدائها.. لم يكن يمينا؛ لأنها محدثة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: 72] [الأحزاب: 72].
قيل في التفسير: هي الأعمال بالثواب.
فإن أطلق ذلك.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو إسحاق: هو يمين؛ لأن العادة قد جرت بالحلف بذلك، فانصرف إطلاقها إلى اليمين، كقوله: وعظمة الله.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنه ليس بيمين)؛ لأن ظاهر اللفظ ينصرف إلى ما وجب له على خلقه من العبادات، فلم تصر يمينا من غير نية، وتخالف العظمة؛ فإنها صفة ذاته.
إذا ثبت هذا: فقال: وعهد الله، وميثاقه، وكفالته، وأمانته، لأفعلن كذا، وأراد به يمينا.. كانت يمينا واحدة.
وإذا حنث.. لزمته كفارة واحدة.
وقال مالك: (يجب لكل لفظة كفارة).
دليلنا: أن الجمع بين هذه الألفاظ تأكيد لليمين، واليمين واحدة، فهو كقوله: والله الطالب، الغالب، المهلك، المدرك.
فرع: في قوله علي يمين
]: قال الطبري: لو قال: علي يمين.. فظاهر المذهب: أنه لا يكون يمينا.
وقال الإمام سهل: يحتمل وجهين.
وقال أبو حنيفة: (يكون يمينا استحسانا، والقياس: لا يلزمه).
ودليلنا: أن قوله: (علي يمين) يحتمل الإخبار به، ويحتمل الإنشاء والابتداء، فلا يحمل على أحدهما.
وإن قال: أيمان البيعة لازمة لي لأفعلن كذا.. فإن البيعة كانت في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمصافحة، فلما ولي الحجاج.. رتبها على أيمان تشتمل على اسم الله، وعلى الطلاق، والعتاق، والحج، وصدقة المال.
قال ابن الصباغ: وإذا قال رجل: أيمان البيعة لازمة لي، فإن لم ينو الأيمان التي رتبها الحجاج.. لم يتعلق بقوله حكم، وإن أراد ذلك، فإن قال: أيمان البيعة لازمة لي بطلاقها وعتاقها.. فقد صرح بذكرها، ولا يحتاج إلى نية، وتنعقد يمينه بالطلاق والعتاق، وإن لم يصرح بذلك، ونوى أيمان البيعة التي فيها الطلاق والعتاق.. انعقدت يمينه بالطلاق والعتاق خاصة؛ لأن اليمين بها تنعقد بالكناية مع النية.
وظاهر قول ابن الصباغ أن يمينه لا تنعقد بالله تعالى؛ لأن اليمين بالله لا تنعقد بالكناية مع النية.
مسألة: في قوله والله لأفعلن
]: إذا قال: والله لأفعلن كذا.. كان ذلك يمينا إذا نوى بها اليمين أو أطلق؛ لأنه قد ثبت لها عرف الشرع؛ وهو قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «والله لأغزون قريشا»، وثبت لها عرف الاستعمال؛ لأن الناس هكذا يحلفون، فإن نوى بها غير اليمين.. لم يقبل.
وقد مضى خلاف المسعودي [في " الإبانة "] فيها، وهذا هو المشهور.
وإن قال: بالله لأفعلن كذا - بالباء المعجمة بواحدة من تحت - فإن نوى بها اليمين أو أطلق.. كان يمينا؛ لأنه قد ثبت لها عرف الشرع، قال الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: 74] [التوبة: 74]، وثبت لها عرف اللغة؛ لأن أهل اللغة يقولون: الباء إنما هي أصل حروف القسم، وغيرها بدل عنها.
فإن صرفها بنيته عن اليمين؛ بأن نوى: بالله أستعين، أو أثق بالفعل الذي أشرت إليه، أو بالله أومن.. لم يكن يمينا؛ لأنه يحتمل ما نواه.
وإن قال: تالله لأفعلن كذا - بالتاء المعجمة باثنتين من فوق - فقد نص الشافعي في (الإيلاء): (لو قال: تالله لا أصبتك.. كان موليا).
قال المزني: وقال الشافعي في (القسامة): (إنها ليست بيمين).
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: هي يمين في القسامة وغيرها إذا نوى بها اليمين أو أطلقها؛ لأنه قد ثبت لها عرف الشرع؛ وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: 85] [يوسف: 85]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 91] [يوسف: 91]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57] [الأنبياء: 57]، وما حكاه المزني عن (القسامة).. فهو تصحيف منه، وإنما قال الشافعي في (القسامة): (إذا قال: يا الله.. لا يكون يمينا)، وتعليله يدل على ذلك؛ لأنه قال: (لأنه دعاء) وأراد به الاستغاثة، بفتح اللام من اسم الله.
ومنهم من حملها على ظاهرها، فقال: إن كان في الإيلاء.. كان يمينا، وإن كان في القسامة.. لم يكن يمينا؛ لأن في القسامة أثبت لنفسه حقا، فلم يقنع منه إلا بصريح اليمين التي لا تحتمل، وفي الإيلاء يتعلق به حق غيره، فحمل اللفظ على ظاهره.
فرع: الخطأ أو اللحن في صورة القسم
]: وإن قال: والله لأفعلن كذا، أو والله لأفعلن - بضم اسم الله أو بنصبه - فقد قال أكثر أصحابنا: إن يمينه ينعقد، سواء تعمده أو لم يتعمده؛ لأنه لحن لا يحيل المعنى.
وقال القفال: إذا قال: والله لا فعلت كذا - بضم اسم الله - لم يكن يمينا، إلا أن ينوي به اليمين؛ لأنه ابتداء كلام، فإن نوى اليمين به.. كان يمينا؛ لأنه قد يخطئ في الإعراب، فيرفع مكان الخفض.
والمنصوص للشافعي في (القسامة): هو الأول.
وإن قال: الله لأفعلن كذا - برفع اسم الله أو نصبه أو كسره - فإن أراد به اليمين.. فهو يمين؛ لما روي في «حديث ركانة، أنه قال: " الله - بالرفع - ما أردت إلا واحدة».
وفي «حديث ابن مسعود لما أخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قتل أبا جهل، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " آلله إنك قتلته؟ "، فقال: آلله إني قتلته.
بنصب اسم الله».
وإن لم ينو به اليمين.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يمين؛ لأن حرف القسم قد يحذف، كما يحذف حرف النداء، ولا يتغير المعنى ولا الإعراب.
والثاني: أنها ليست بيمين، وهو المشهور؛ لأن العادة لم تجر بالحلف به، ولا يحلف به إلا خواص الناس، فلم يجعل يمينا من غير نية.
مسألة: القسم بـ لعمر الله
]: وإن قال: لعمر الله لأفعلن كذا، فإن نوى به اليمين.. كان يمينا؛ لأن معناه: بقاء الله وحياته.
وقيل معناه: علم الله، وذلك صفة من صفات الذات.
وإن نوى به غير اليمين، بأن نوى به حقوق الله.. لم يكن يمينا؛ لأن حقوق الله محدثة.
وإن أطلق.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يمين، وهو اختيار أبي علي الطبري، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد؛ لأنه قد ثبت لها عرف الاستعمال في الشرع، قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] [الحجر: 72]، وثبت لها عرف الاستعمال في اللغة، قال الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه... لعمر أبيك إلا الفرقدان
والثاني: أنه ليس بيمين، وهو المنصوص؛ لأنه ليس فيها حرف القسم، وإنما يكون يمينا بتقدير خبر محذوف؛ فكأنه قال: لعمر الله ما أقسم به، فكانت مجازا، والمجاز لا ينصرف إليه الإطلاق.
وأما الآية: فلم يرد [تعالى]: أنها يمين في حقنا، وإنما أقسم الله بها، وقد أقسم الله بأشياء كثيرة، وليست بقسم في حقنا.
مسألة: القسم بـ وايم وأيمن
]: وإن قال: وايم الله، أو وأيمن الله لأفعلن كذا، فإن نوى به اليمين.. فهو يمين؛ لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في حق أسامة بن زيد: " وايم الله إنه لخليق بالإمارة».
وإن لم يكن له نية.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يمين؛ لأنه قد ثبت له عرف الاستعمال في اللغة.
والثاني: أنه ليس بيمين؛ لأنه لا يعرفه إلا خواص الناس.
وقد اختلف في اشتقاقه: فقيل: هو مشتق من اليمين؛ وكأنه قال: ويمن الله.
وقيل: هو مشتق من اليمين.
وإن قال: لاها الله، لأفعلن كذا، ونوى به اليمين.. كان يمينا؛ لما روي: «أن أبا بكر الصديق قال في سلب قتيل قتله أبو قتادة: لاها الله، إذن يعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " صدق».
وإن لم ينو به اليمين.. لم يكن يمينا؛ لأنه لم يجر به عرف عام في الاستعمال، وإنما يستعمله بعض الناس دون بعض.
مسألة: أقسم مع التوكيد أو النفي
]: وإن قال: أقسمت بالله لأفعلن كذا، أو أقسم بالله لا فعلت كذا، فإن نوى به اليمين، أو أطلق.. كان يمينا؛ لأن هذا اللفظ قد ثبت له عرف الاستعمال في الشرع،
قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام: 109] [الأنعام: 109]، وقال تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 107] [المائدة: 107].
فإن قال: لم أرد به اليمين، وإنما أردت بقولي: (أقسمت بالله) الخبر عن يمين ماضية، وبقولي: (أقسم بالله) الخبر عن يمين مستأنفة، فإن كان صادقا.. لم تلزمه كفارة بالمخالفة فيما بينه وبين الله، وأما في الحكم: فإن كان قد علم أنه تقدمت منه يمين في ذلك.. قبل قوله في قوله: (أقسمت بالله) قولا واحدا؛ لأنه يحتمل ما يدعيه، وهو أعلم بما أراد، ولا يجيء مثله في قوله: (أقسم)، وإن لم يعلم منه يمين بالله في الماضي على ذلك.. فهل يقبل قوله في: (أقسمت)، وفي قوله: (أقسم) ؟
قال الشافعي هاهنا: (يقبل منه)، وقال في " الإملاء ": (لا يقبل منه).
وهكذا قال في (الإيلاء): (إذا قال: أقسمت بالله لا وطئتك، وقال: أردت به في زمان متقدم.. أنه لا يقبل).
واختلف أصحابنا فيها على ثلاث طرق:
فـ[أحدها]: منهم من قال: لا يقبل منه، قولا واحدا على ما نص عليه في " الإملاء "؛ لأن ما يدعيه خلاف الظاهر، وحيث قال الشافعي: (يقبل) أراد: فيما بينه وبين الله.
و [الطريق الثاني]: منهم من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين:
أحدهما: لا يقبل منه؛ لما ذكرناه.
والثاني: يقبل؛ لأن قوله: (أقسمت) يصلح للماضي حقيقة، وكذلك قوله: (أقسم) يصلح للمستقبل حقيقة، فإذا أراده.. قبل منه.
و [الطريق الثالث]: منهم من حملهما على ظاهرهما:
فحيث قال في " الإملاء ": (لا يقبل قوله) أراد بذلك على ما نص عليه في (الإيلاء)؛ لأنه يتعلق به حق الزوجة، فلم يقبل قوله فيما يخالف الظاهر.
وحيث قال: (يقبل) أراد به في غير (الإيلاء)؛ لأن الحق فيه مقدر فيما بينه وبين الله، فقبل قوله فيه.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا قال: أقسم، أو أحلف باله، أو أقسمت، أو حلفت بالله، فإن نوى به اليمين.. فهو يمين.
وإن لم ينو به اليمين.. فليس بيمين.
وإن أطلق.. ففيه وجهان.
مسألة: قوله أشهد بالله
مسألة: [أشهد بالله]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن قال: أشهد بالله، فإن نوى به اليمين.. فهو يمين، وإن لم ينو.. لم يكن يمينا).
وجملة ذلك: أنه إذا قال: أشهد بالله، أو شهدت بالله لأفعلن كذا، فإن نوى به اليمين.. كان يمينا؛ لأنه قد ثبت له عرف الاستعمال في الشرع، قال الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] [النور: 6]، وإن نوى بالشهادة توحيد الله.. لم يكن يمينا؛ لأنه قد ثبت له عرف الاستعمال في ذلك.
وإن أطلق ولم ينو شيئا.. فاختلف أصحابنا فيه:
[الأول]: منهم من قال: هو يمين؛ لأنه قد ثبت له عرف الاستعمال في الشرع في اليمين، فحمل الإطلاق عليه.
والثاني: منهم من قال: ليس بيمين، وهو المنصوص؛ لأنه لم يثبت له عرف الاستعمال، وأما الشرع: فقد ورد والمراد به اليمين، وورد والمراد به الشهادة، فلم يحمل إطلاقه على اليمين.
فرع: أعزم بالله ونحوها ولا نية
]: قال الشافعي: (وإن قال: أعزم بالله، ولا نية له.. لم يكن يمينا).
وجملة ذلك: أنه إذا قال: أعزم بالله لأفعلن كذا، فإن نوى به اليمين.. كان يمينا؛ لأنه يحتمل اليمين بقوله: (بالله)، وإن نوى أنه يعزم بمعونة الله.. لم يكن
يمينا، وإن لم ينو شيئا.. لم يكن يمينا؛ لأنه لم يثبت له عرف في الشرع ولا في الاستعمال.
وإن قال: أقسم لأفعلن كذا، أو أقسمت لأفعلن كذا، أو أحلف، أو أشهد لأفعلن كذا، ولم يقل: بالله.. لم يكن يمينا، سواء نوى به اليمين أو لم ينو.
وقال أبو حنيفة: (هو يمين، سواء نوى به اليمين أو لم ينو).
وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مالك: (إذا نوى به اليمين.. كان يمينا، وإن لم ينو به اليمين.. لم يكن يمينا).
وهي الرواية الأخرى عن أحمد.
دليلنا: أنها يمين عريت عن اسم الله وصفته، فلم تكن يمينا، كما لو قال: أقسمت بالنبي أو بالكعبة.
وأما الخبر الذي روي: «أن رجلا ذكر رؤيا بحضرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ففسرها أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال أبو بكر: أصبت يا رسول الله، أو أخطأت؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أصبت بعضا، وأخطأت بعضا "، فقال أبو بكر: أقسمت عليك لتخبرني بالخطأ، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا تقسم».. فهو قسم في اللغة، لا أنه قسم في الشرع؛ بدليل: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا تقسم "، أي: لا تقسم قسما شرعيا تجب فيه الكفارة.
وإن قال رجل: أعتصم بالله، أو أستعين بالله، أو توكلت على الله لأفعلن كذا.. لم يكن يمينا، سواء نوى به اليمين أو لم ينو؛ لأن ذلك لا يصلح لليمين.
مسألة: السؤال بالله أو القسم لفعل
]: إذا قال رجل لآخر: أسألك بالله، أو أقسم عليك بالله لتفعلن كذا، فإن أراد بذلك الشفاعة إليه بالله.. لم يكن يمينا، وإن أراد أن يعقد للمسؤول بذلك يمينا.. لم تنعقد لأحدهما يمين؛ لأن كل واحد منهما لم يعقدها يمينا لنفسه.
وإن أطلق، ولم ينو اليمين ولا غيرها.. لم ينعقد يمينا؛ لأنه لم يثبت لها عرف في الشرع ولا في الاستعمال.
وإن أراد السائل أن يعقد اليمين لنفسه بذلك.. انعقدت اليمين في حقه؛ لأنها تصلح لليمين بقوله: بالله، وإن لم يفعل المسؤول ما حلف عليه السائل.. حنث السائل، ووجبت الكفارة عليه.
وقال أحمد: (تجب الكفارة على المسؤول؛ لأن الكفارة وجبت بفعله).
دليلنا: أن المسؤول لم يعقد اليمين، فلم تلزمه الكفارة، كما لو لم يحلف عليه.
مسألة: الاستثناء في اليمين
]: الاستثناء في اليمين جائز؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 17] ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: 18] [القلم: 17 - 18].
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «والله لأغزون قريشا " إلى أن قال في الثالثة: " إن شاء الله».
والاستثناء في اليمين ليس بواجب، وحكي عن بعض الناس: أنه قال: هو واجب؛ لأن الله تعالى ذم قوما أقسموا ولم يستثنوا.
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حلف على نسائه شهرا ولم يستثن».
إذا ثبت هذا: فقال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، ففعله.. لم يحنث؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله.. لم يحنث».
ولأنه علق الفعل على مشيئة الله، ومشيئة الله لا تعلم، وإنما يعمل الاستثناء إذا وصله بيمينه، فإن فصله عن يمينه بغير عذر.. لم يرتفع اليمين، وإن فصله عن يمينه لضيق نفس، أو عي، أو لتذكر يمينه الذي يريد أن يحلفها، أو كان
بلسانه فأفأة لم يمكنه وصله باليمين لذلك.. كان في حكم الموصول.
هذا مذهبنا.
وقال الحسن البصري: وعطاء: إذا استثنى وهو في مجلسه.. صح.
وحكي عن ابن عباس: أنه قال: (إذا استثنى بعد سنة.. صح).
وحكي عنه: أنه يصح الاستثناء أبدا.
وقيل: إنه رجع عن ذلك.
ودليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها.. فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه».
ولو كان الاستثناء يعمل بعد تمام اليمين والانفصال عنها.. لكفاه ذلك عن الكفارة.
ولا يصح الاستثناء حتى ينويه، وهو أن ينوي تعليق الفعل بمشيئة الله تعالى؛ لأن اليمين بالله لا تصح إلا بالنية، فكذلك الاستثناء، وهل من شرطه أن ينوي الاستثناء من أول اليمين، أو يصح أن ينوي الاستثناء في بعض ألفاظ اليمين؟ فيه وجهان مضى ذكرهما في الطلاق.
وإن حلف واستثنى، ولم ينو الاستثناء.. صح الاستثناء في الظاهر دون الباطن.
فرع: إن شاء الله لا أفعل
قال القاضي أبو الطيب: إذا قال: إن شاء الله والله لا أفعل كذا.. لم يحنث.
وكذلك: إذا قال لامرأته: إن شاء الله أنت طالق.. لم تطلق، أو: إن شاء الله أنت طالق وعبدي حر.. لم تطلق امرأته، ولم يعتق عبده؛ لأنه لا فرق بين أن يقدم الاستثناء أو يؤخره.
وكذلك: إذا قال: أنت طالق إن شاء الله عبدي حر - من غير واو العطف - لم تطلق امرأته، ولم يعتق عبده؛ لأنه علقهما بمشيئة الله، وواو العطف يجوز حذفها، كما
روي عن ابن عباس: «التحيات المباركات الصلوات الطيبات» من غير واو العطف.
وتقول العرب: أكلت خبزا سمنا.
قال ابن الصباغ: وهذا وإن كان مجازا، فإنه إذا قصده.. صح الاستثناء؛ لأن الاستثناء لا يكون إلا بالقصد.
فرع: قوله والله لأفعلن كذا إن شاء زيد
]: وإن قال: والله لأفعلن كذا إن شاء زيد.. فإن هذا ليس باستثناء، وإنما هو تعليق عقد اليمين بمشيئة زيد.
فإن فعل ذلك الشيء قبل أن يعلم مشيئة زيد.. لم يتعلق بذلك حكم.
وإن قال زيد: شئت أن تفعله.. انعقدت يمينه، فإن فعله.. بر في يمينه، وإن لم يفعله، وتعذر فعله.. حنث في يمينه.
وإن قال زيد: لست أشاء أن تفعله.. لم تنعقد يمينه؛ لأنه لم يوجد شرط انعقاد اليمين، فإن فعله أو لم يفعله.. لم يحنث.
وإن فقدت مشيئة زيد بالجنون، أو الغيبة، أو الموت.. لم تنعقد اليمين؛ لأنه لم يوجد شرط انعقادها.
وإن قال: والله لا دخلت الدار اليوم إن شاء زيد، فإن قال زيد: شئت أن تدخلها.. انعقدت، فإن دخلها في اليوم.. بر في يمينه، وإن انقضى اليوم ولم يدخلها.. حنث في يمينه.
وإن قال زيد: شئت أن لا تدخلها، أو لست أشاء أن تدخل.. لم تنعقد يمينه.
وإن فقدت مشيئته بالموت، أو الغيبة، أو الجنون، فانقضى اليوم ولم يدخلها.. لم يحنث؛ لأن يمينه لم تنعقد.
فرع: أقسم على عدم الدخول إلا بمشيئة زيد
وإن قال: والله لأدخلن هذه الدار اليوم إلا أن يشاء زيد.. فقد انعقدت يمينه على دخول الدار في اليوم، إلا أن يشاء زيد أن لا يدخلها، فتنحل اليمين؛ لأن الاستثناء ضد المستثنى منه، فإن دخل الدار في يومه.. بر في يمينه، وإن قال زيد:
قد شئت أن لا يدخلها.. انحلت اليمين، فيتخلص من الحنث في اليمين بأحد هذين.
وإن قال زيد: قد شئت أن تدخلها، أو قال: لست أشاء أن لا تدخلها.. فقد زال حكم الاستثناء، ولم يتخلص من الحنث إلا بأن يدخلها في يومه، فإن انقضى اليوم قبل أن يدخلها.. حنث في يمينه.
وإن فقدت المشيئة من زيد بغيبة، أو جنون، أو خرس، أو موت، ومضى اليوم ولم يدخلها.. فقد قال الشافعي في " المختصر ": (يحنث في يمينه؛ لأن الأصل أن لا مشيئة).
وإن قال: والله لا دخلت هذه الدار اليوم إلا أن يشاء زيد.. فاليمين هاهنا على النفي، فيكون الاستثناء على الإثبات، فإن مضى اليوم ولم يدخل الدار.. بر في يمينه، سواء شاء زيد أو لم يشأ.
وإن قال زيد: شئت أن تدخلها.. فقد تخلص من الحنث، سواء دخلها أو لم يدخلها.
وإن قال زيد: شئت أن لا تدخلها، أو لست أشاء أن تدخلها.. فقد تعذر التخلص من الحنث بالاستثناء، فإن لم يدخل الدار حتى انقضى اليوم.. فقد بر في يمينه، وإن دخل الدار في يومه.. حنث.
وإن تعذرت مشيئة زيد بغيبة، أو جنون، أو خرس.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (لم يحنث).
وهذا مخالف للنص في الأولى.
واختلف أصحابنا فيها على ثلاث طرق:
فـ[الطريق الأول]: قال أبو إسحاق وغيره: يحنث فيهما، قولا واحدا، كما نقله المزني؛ لأن الأصل عدم المشيئة، وأما ما ذكره الشافعي في " الأم ": فالظاهر أنه رجع عنه؛ لأن المزني لو وجده لاعترض به عليه، ويحتمل: أن الربيع نقلها قبل أن يتحقق رجوعه عنها.
و [الطريق الثاني]: منهم من نقل جواب كل واحدة منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين:
أحدهما: لا يحنث فيهما؛ لأنه يجوز أن يكون قد شاء، ويجوز أنه لم يشأ، فحصل شك في حصول الحنث، والأصل أن لا حنث.
والثاني: أنه يحنث فيهما؛ لأنه قد وجد عقد اليمين والمخالفة، ويمكن حصول المشيئة وارتفاع اليمين، ويمكن عدم المشيئة وبقاء حكم اليمين، والأصل عدم المشيئة.
وأما المزني: فقد قال عقيب نقله: وهذا خلاف قوله في
باب: (جامع الأيمان)،
ويريد بذلك: إذا حلف ليضربنها مائة، فضربها بضغث فيه مائة شمراخ، وخفي عليه، هل وصل جميعها إلى بدنها، أم لا؟ أنه لا يحنث، فلم يحنثه مع الشك في فعل ما حلف عليه.
و [الطريق الثالث]: منهم من قال: هما على اختلاف حالين:
فحيث قال: (حنث) أراد: إذا أيس من معرفة مشيئته بموته؛ لأنه أيس من معرفة مشيئته، والأصل عدمها.
وحيث قال: (لا يحنث) أراد: إذا لم ييأس من مشيئته، بأن غاب أو خرس، فيرجى أن يرجع من غيبته، أو ينطلق لسانه، فيعلم ذلك منه.
فرع: علق يمينه على يمين صاحبه
إذا قال رجل لآخر: يميني في يمينك.. نظرت: فإن كان المقول له قد حلف بالله تعالى.. لم تنعقد يمين القائل، سواء نوى اليمين أو لم ينو؛ لأن اليمين بالله لا تنعقد بالكناية مع النية.
وإن كان المقول له قد حلف بالطلاق، أو الظهار، أو العتاق.. نظرت في القائل:
فإن نوى ذلك.. انعقدت يمينه بذلك؛ لأن اليمين تنعقد بالكناية مع النية.
وإن كان المقول له لم يحلف قبل هذا.. لم تنعقد يمين الحالف بشيء، سواء نوى اليمين بالطلاق، أو الظهار، أو العتق، أو لم ينو؛ لأن يمينه إنما تنعقد بذلك بالصريح، أو بالكناية مع النية، وليس هاهنا لفظ صريح، ولا كناية مع نية؛ لأن المقول له لم يحلف.
وبالله التوفيق
باب جامع الأيمان
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إذا كان في دار، فحلف: لا يسكنها.. أخذ في الخروج من مكانه، فإن تخلف ساعة وهو يمكنه الخروج منها.. حنث).
وجملة ذلك: أنه إذا كان ساكنا في دار، فحلف: لا يسكنها، فإن أمكنه الخروج منها وأقام أي زمان كان.. حنث.
وقال مالك: (إن أقام دون اليوم والليلة.. لم يحنث).
دليلنا: أن استدامة السكون بمنزلة ابتدائه، فإذا أمكنه الخروج ولم يخرج.. حنث، كما لو أقام يوما وليلة.
وإن خرج من الدار في الحال.. لم يحنث.
وقال زفر: يحنث وإن انتقل في الحال؛ لأنه لا بد أن يكون ساكنا بها زمانا ما.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن ما لا يمكنه الاحتراز منه لا يدخل في اليمين، ولأنه تارك للسكنى بالخروج، والتارك لا يسمى ساكنا، كما لو أولج في ليلة الصيام، ونزع مع طلوع الفجر.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وإن كانت اليمين في جوف الليل، فخاف من العسس إذا خرج ذلك الوقت.. فإنه لا يحنث بالمكث إلى وقت الإمكان.
وإن وقف في الدار بعد اليمين لينقل قماشه ورحله من الدار.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول القفال، وبه قال أبو حنيفة -: (إنه لا يحنث)؛ لأنه من أسباب الخروج.
والثاني - وهو قول البغداديين من أصحابنا، وهو المشهور -: إنه يحنث؛ لأنه أقام في الدار بعد اليمين مع تمكنه من الخروج، فحنث، كما لو أقام لا لنقل القماش.
فإن خرج من الدار عقيب اليمين، وترك رحله فيها.. لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: (يحنث، إلا أن ينقل أهله وماله).
وبه قال أحمد.
وحكي عن مالك: أنه اعتبر نقل عياله دون ماله.
دليلنا: أنه حلف على أن لا يسكن، فإذا تحول بنفسه منها عقيب يمينه، فلم يسكن.. فوجب أن لا يحنث، كما لو حلف أن لا يسكن بلدا، فخرج منها، وترك رحله فيها.
فإن رجع إلى الدار بعد الخروج؛ لنقل القماش، أو لعيادة مريض فيها، وما أشبه ذلك.. لم يحنث؛ لأنه قد وجد منه المفارقة للدار ومزايلة السكنى، وبعوده إليها لا يسمى به ساكنا، فلم يحنث.
مسألة: حلف بالله لا يساكن زيدا
وإن قال: والله لا ساكنت فلانا، وهو ساكن معه في مسكن، فإن خرج أحدهما في أول حال إمكان الخروج.. لم يحنث؛ لأنه لم يساكنه، وإن أقام بعد إمكان الخروج.. حنث؛ لأن المساكنة تقع على الاستدامة كما تقع على الابتداء.
قال الشافعي: (والمساكنة: أن يكونا في بيت، أو في بيتين حجرتهما واحدة ومدخلهما واحد).
فإن كانا في مدخلين، أو في حجرتين في درب نافذ، أو غير نافذ، متفرقتين أو متلاصقتين.. فليسا بمتساكنين، وإنما هما متجاوران.
وإن سكن كل واحد منهما في بيت من خان، وكان البيتان متفرقين أو متلاصقين.. فهما غير متساكنين؛ لأن بيوت الخان كل بيت منها مسكن على الانفراد.
وإن سكن كل واحد منهما في بيت في دار صغيرة، وكل واحد منهما ينفرد بغلق.. فهما متساكنان؛ لأن الدار الواحدة مسكن واحد، ويخالف الخان وإن كان صغيرا؛ لأنه بني للمساكن.
وإن كانا في بيتين في دار كبيرة ذات بيوت كل بيت منفرد بباب وغلق.. فقد ذكر أكثر أصحابنا: أن ذلك ليس بمساكنة؛ لأنها كبيوت الخان.
وقال الشيخ الحسن الطبري في " عدته ": وفي هذا نظر؛ لأن جميع الدار تعد في العادة مسكنا واحدا، بخلاف بيوت الخان.
وإن كانت الدار كبيرة، إلا أن أحدهما في البيت، والآخر في الصفة، أو كانا في صفتين، أو كانا في بيتين ليس لأحدهما غلق دون الآخر.. فهما متساكنان.
فكذلك: إذا كانا في بيتين في دار كبيرة ذات بيوت لا أبواب عليها.. كان ذلك مساكنة؛ لأن اشتراكهما في مرافق الصحن الجامع للبيتين، وفي الباب المدخول منه إليهما، كاشتراكهما في موضع السكون.
قال الشافعي: (إلا أن يكون له نية.. فهو على ما نواه).
وإن أراد: أنه نوى أن لا يساكنه في درب أو بلد أو بيت واحد.. كان على ما نواه؛ لأنه يحتمل ما نواه من ذلك.
وفيه وجه آخر، حكاه الطبري: إذا نوى لا يساكنه في هذه البلدة.. لم يصح، كما لو نوى لا يساكنه بخراسان.
إذا ثبت هذا: فحلف: لا يساكنه، وهما في بيتين في حجرة، قال الشافعي: (فجعل بينهما جدار، ولكل واحدة من الحجرتين باب.. فليست هذه بمساكنة).
قال أصحابنا البغداديون: ظاهر هذا الكلام أنهما إذا أقاما في بيتهما، وجعل بينهما جدار، ولكل واحد من الحجرتين باب.. لم يحنث.
وليس هذا على ظاهره، وإنما أراد بذلك: إذا انتقل أحدهما في الحال، وعاد لبناء الجدار والباب، فأما إذا أقاما مع إمكان الانتقال لبناء الجدار والباب.. حنث الحالف.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا اشتغلا ببناء الجدار فيما بينهما عقيب اليمين.. فهل يحنث الحالف؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأن البناء يحتاج إلى مدة طويلة، ولم تجر العادة به.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه اشتغل بسبب الفرقة.
فرع: حلف لا يفعل أمرا وهو متلبس به
وإن حلف: لا يلبس ثوبا، وهو لابسه، أو لا يركب دابة، وهو راكبها، فإن نزع الثوب، أو نزل عن الدابة أول حال إمكانه.. لم يحنث، وإن استدام ذلك مع إمكان تركه.. حنث؛ لأن استدامة اللبس والركوب تسمى: لبسا وركوبا؛ ولهذا يقال: لبست الثوب شهرا، وركبت الدابة شهرا.
وإن قال: والله لا تزوجت، وهو متزوج، فاستدام، أو لا تطهرت، وهو متطهر، فاستدام.. لم يحنث؛ لأن استدامة ذلك لا يجري مجرى ابتدائه؛ ولهذا: لا يقال: تزوجت شهرا، وتطهرت شهرا، وإنما يقال: تزوجت من شهر، وتطهرت من شهر، فإن عقد النكاح، أو ابتدأ الطهارة.. حنث.
وإن قال: والله لا تطيبت، وهو متطيب، فاستدام.. ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لأن اسم التطيب يقع على الاستدامة، ألا ترى أنه يقال: تطيبت شهرا، كما يقال: لبست شهرا؟