كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وحكى الشيخ أبو إسحاق، عن أبي سعيد الأصطخري أنه: يقضى عليه بنكوله من غير أن تحلف؛ لأنه أمر لا تعلمه.
وليس بشيء؛ لأنه حق نكل فيه المدعى عليه عن اليمين، فحلف المدعي، كسائر الحقوق.
وقوله: (إنه أمر لا تعلمه) يبطل بكنايات الطلاق والقذف.
فإذا ثبت أنه عنين بإقراره، أو بيمينها بعد نكوله.. فإن الحاكم يؤجله سنة، سواء كان الزوج حرا أو عبدا.
وحكى عن مالك رحمة الله عليه: أنه قال: (يؤجل العبد نصف سنة).
دليلنا: ما رويناه عن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم: أنهم قالوا: (يؤجل سنة)، ولم يفرقوا.
ولأن العجز عن الوطء قد يكون للعجز من أصل الخلقة، وقد يكون لعارض، فإذا مضت عليه سنة.. اختلفت عليه الأهوية، فإن كان ذلك قد أصابه من الحرارة.. انحل في الشتاء، وإن أصابه من الرطوبة.. انحل في الصيف وشدة الحر، وإن كان طبعه يميل إلى هواء معتدل.. أمكنه ذلك في الفصلين الآخرين.
فإذا مضت عليه سنة ولم يقدر على الوطء.. علم أن عجزه من أصل الخلقة.
ولأن بعضهم قال: الداء لا يستجن في البدن أكثر من سنة، ثم يظهر.
ولا يضرب المدة له إلا الحاكم؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه أجل العنين سنة بعد ثبوت العنة.
ولأن من الناس من قال: يؤجل، ومنهم من قال: لا يؤجل.
وكل حكم مختلف فيه.. فلا يثبت إلا بالحاكم، كالفسخ بالعيوب والإعسار بالنفقة.
ولا يضرب له الحاكم المدة إلا من حين ترافعها إليه بعد ثبوت العنة.
فأما إذا أقر الزوج للزوجة بالعنة وأقاما على ذلك زمانا.. فلا يحكم عيه بالتأجيل؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه ضرب أجل العنين سنة، والظاهر أنه إنما ضرب له المدة من حين ترافعها إليه.
فرع يسقط حق المرأة إذا جامع العنين في المدة
فإذا ضربت للعنين المدة، ثم جامع امرأته قبل انقضاء السنة، أو بعدها وقبل الفسخ.. سقط حقها من الفسخ؛ لأنه قد ثبتت قدرته على الوطء.
فإذا كان ذكره سليما.. خرج من العنة بتغيب حشفته في فرجها، ولا يخرج بما دون ذلك، ولا يلزمه أكثر من ذلك؛ لأن أحكام الوطء من وجوب الغسل، والحد، والعدة، واستقرار المهر تتعلق بذلك.
وإن كان بعض ذكره مقطوعا وبقى منه ما يتمكن به من الجماع، فإن غيب جميعه في فرجها.. خرج من العنة بذلك.
وإن غيب منه أقل من مقدار الحشفة.. لم يخرج من العنة.
وإن غيب منه قدر الحشفة.. ففيه وجهان:
أحدهما: يخرج من العنة بذلك؛ لأنه لو كان ذكره سليما فغيب منه هذا القدر.. خرج من العنة.
فكذلك إذا كان بعضه مقطوعا.
والثاني - وهو ظاهر النص -: أنه لا يخرج من العنة إلا بتغييب جميع ما بقي من الذكر؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (ولا تكون الإصابة إلا بأن يغيب الحشفة أو ما بقي من الذكر في الفرج).
ولأنه إذا كان سليما.. فهناك حد يمكن اعتباره - وهو: الحشفة - فإذا كان بعضه مقطوعا.. فليس هناك حد يمكن اعتباره، فاعتبر الجميع.
وعندي: أن الغسل وسائر أحكام الوطء فيه على هذين الوجهين.
وإن وطئها في الموضع المكروه.. لم يخرج من العنة؛ لأنه ليس محلا للوطء في الشرع، ولهذا لا يحصل به الإحلال للزوج الأول.
وإن أصابها في الفرج وهي حائض، أو نفساء، أو صائمة عن فرض، أو محرمة.. خرج من العنة؛ لأنه محل للوطء في الشرع، وإنما حرم الوطء لعارض.
فرع ادعاء الزوج الوطء
وإن ادعى الزوج: أنه قد وطئها، وأنكرت، فإن كانت ثيبا.. فالقول قول الزوج من يمينه؛ لأنه لا يمكن إثباته بالبينة.
وإن كانت بكرا.. عرضت على أربع من القوابل، فإن قلن: إن بكارتها قد زالت.. فالقول قول الزوج مع يمينه؛ لأن الظاهر أن البكارة لا تزول إلا بالوطء.
وإن قلن: إن البكارة باقية، فإن قال الزوج كذبن، قد أصبتها وهي ثيب.. لم يلتفت إلى قوله؛ لأن في ذلك طعنا على البينة فيثبت عجزه.
وإن قال: صدقن، كنت قد أصبتها وأزلت بكارتها ثم عادت.. فالقول قول الزوجة؛ لأن الظاهر أن البكارة لا تعود.
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وتحلف المرأة على ذلك؛ لأن ما يدعيه الزوج ممكن؛ لأنه قد قال أهل الخبرة: إن الرجل إذا وطئ البكر ولم يبالغ.. فإن البكارة ربما زالت ثم عادت، فحلفت عليه)
هذا مذهبنا، وبه قال الثوري وأبو حنيفة رحمهما الله.
وقال الأوزاعي: (يترك الزوج معها، ويكون هناك امرأتان جالستان خلف ستر قريب منهما، فإذا قام الرجل عن جماعها.. بادرتا فنظرتا إلى فرجها، فإن رأتا فيه الماء.. علمنا أنه أصابها، وأن لم تريا فيه الماء.. علمنا أنه لم يصبها).
وقال مالك رحمة الله عليه: (يفعل ذلك، ولكن يقتصر فيه على امرأة واحدة)
وحكي: (أن امرأة ادعت على زوجها العنة، فكتب سمرة بذلك إلى معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فكتب إليه: أن يزوج امرأة ذات حسن وجمال، يذكر عنها الصلاح، ويساق إليها صداقها من بيت المال؛ لتخبر عن حاله، فإن أصابها.. فقد كذبت - يعنى زوجته - وإن لم يصبها.. فقد صدقت.
ففعل ذلك، ثم سألها عنه، فقالت ما عنده شيء! فقال سمرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ما دنا ولا انتشر عليه؟ فقالت: بلى دنا وانتشر عليه، ولكن جاءه سره) أي: أنزل قبل أن يولج.
هذه رواية الشيخ أبي حامد وسائر أصحابنا، وأما أبو عبيد فذكر: (أن معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كتب إليه: أن اشتر له جارية من بيت المال، وأدخلها معه ليلة ثم سلها عنه، ففعل سمرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فلما أصبح قال ما صنعت؟ قال: فعلت حتى خضخض فيه، فسأل الجارية، فقالت: لم يصنع شيئا، فقال: خل سبيلها يا مخضخض).
و (الخضخضة): الحركة في الشيء حتى يستقر.
وما ذكره الأوزاعي ومالك رحمة الله عليهما غير صحيح؛ لأن العنين قد ينزل من غير إيلاج، وقد يولج غير العنين من غير إنزال.
وما ذكره معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غير صحيح؛ لأن الرجل قد يعن عن امرأة ولا يعن عن غيرها.
مسألة بعد مضي سنة تكون المرأة بالخيار
وإذا انقضت السنة ولم يقدر على وطئها.. كانت بالخيار: بين الإقامة، أو الفسخ.
فإن اختارت الإقامة سقط حقها من الفسخ؛ لأنها أسقطت ما ثبت لها من الفسخ، فإن أرادت بعد ذلك أن ترجع وتطالب بالفسخ.. لم يكن لها ذلك؛ لأنه عيب رضيت به، فهو كما لو وجدته مجذوما أو أبرص فرضيت به، ثم أرادت أن تفسخ بعد ذلك.
وإن اختارت الفسخ.. لم يصح إلا بالحاكم؛ لأنه مجتهد فيه.
قال ابن الصباغ: ويفسخ الحاكم النكاح، أو يجعله إليها فتفسخ.
وقال الشيخ أبو حامد: لا تفسخه المرأة بنفسها؛ لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم قالوا: (فإن جامعها، وإلا.. فرق بينهما)، فأخبروا: أنها لا تتولاه.
ويكون ذلك فسخا لا طلاقا
وقال مالك، وأبو حنيفة رحمهما الله: (تكون طلقة بائنة)
دليلنا: أنه فسخ لعيب، فلم يكن طلاقا، كالأمة إذا أعتقت تحت عبد فاختارت الفسخ.
فإن رضيت بالمقام معه قبل أن تضرب له المدة أو في أثنائها.. ففيه وجهان، وحكاهما ابن الصباغ قولين:
أحدهما: يسقط حقها من الفسخ؛ لأنها رضت بعنته، فهو كما لو رضيت به بعد انقضاء المدة.
والثاني: لا يسقط حقها من الفسخ، وهو الأصح؛ لأنها أسقطت حقها من الفسخ قبل جوازه فلم يسقط، كالشفيع إذا أسقط حقه من الشفعة قبل الشراء
فرع وطئ ثم عجز
إذا تزوج رجل امرأة فوطئها، ثم عجز عن وطئها.. لم يثبت لها الخيار، ولا يحكم لها عليه بالعنة.
وقال أبو ثور: (تضرب له المدة، ويثبت لها الخيار، كما لو وطئها ثم جب ذكره)
دليلنا: أن العنة يتوصل إليها بالاستدلال والاجتهاد، فإذا تحققنا قدرته على الوطء في هذا النكاح.. لم يرجع فيه إلى الاستدلال بمضي الزمان؛ لأنه رجوع من اليقين إلى
الظن.
ويخالف: إذا وطئها ثم جب؛ لأن الجب أمر مشاهد متحقق، فجاز أن ترفع قدرته على الوطء بالأمر المتحقق.
فإن تزوج امرأة ثم وطئها، ثم طلقها فبانت منه، ثم تزوجها، فادعت عليه العنة.. سمعت دعواها عليه، فإن أقر بذلك.. ضربت له المدة؛ لأن كل نكاح له حكم نفسه، ويجوز أن تثبت العنة في نكاح دون نكاح، كما تثبت في امرأة دون امرأة.
فرع علمت بأنه عنين
وإن تزوج رجل امرأة مع علمها أنه عنين، بأن أخبرها: أنه عنين، أو تزوجها فأصابته عنينا، ففسخت النكاح ثم تزوجها ثانيا.. ففيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (لا يثبت لها الخيار)؛ لأنها تزوجته مع العلم بحاله، فلم يثبت لها الفسخ، كما لو اشترى سلعة مع العلم بعيبها.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يثبت لها الفسخ)؛ لأن كل نكاح له حكم نفسه، ولأنها إنما تحققت عنته في النكاح الأول، ويجوز أن يكون عنينا في نكاح دون نكاح.
مسألة فارقها العنين ثم راجعها
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن فارقها بعد ذلك، ثم راجعها، ثم سألت أن يؤجل لها.. لم يكن لها ذلك).
وجملة ذلك: أن المرأة إذا أصابت زوجها عنينا فضربت له المدة ورضيت بالمقام معه، ثم طلقها وعادت إليه.. نظرت: فإن طلقها طلاقا رجعيا، ثم راجعها وأرادت أن تضرب له المدة ثانيا.. لم يكن لها ذلك؛ لأن الرجعة استصلاح للنكاح الأول وليست بتجديد عقد للنكاح، وقد رضيت بمقامها معه في هذا النكاح، فلم يكن لها أن تطالب بضرب المدة.
واعترض المزني على الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقال: لا تجتمع الرجعة مع العنة؛ لأنه إن كان قد وطئها في هذا النكاح.. فإنه لا تضرب له المدة للعنة فيه، وإن لم يصبها فيه.. فلا عدة عليها له ولا رجعة.
قال أصحابنا: يحتمل أن يكون الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بنى هذا على القول القديم: (أن الخلوة تثبت العدة)، فكأنه فرضها فيمن خلا بامرأته ولم يطأها فأصابته عنينا، فضربت له المدة، ثم اختارت المقام معه، ثم طلقها ولم يبنها.. فإن له الرجعة عليها؛ لأن الخلوة كالدخول في استقرار المهر ووجوب العدة والرجعة على هذا.
ويحتمل أنه بناها على القول الجديد، وهو: (إذا وطئها ولم يغيب الحشفة في الفرج وأنزل، أو استدخلت ماءه من غير جماع.. فإنه يجب عليها العدة وله عليها الرجعة).
قال الشيخ أبو حامد: وهذا أصح؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذكره في (الأم)، وقوله في (الأم): (إن الخلوة لا تقرر المهر ولا توجب العدة)
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: يحتمل أن يكون الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أراد: إذا وطئها في دبرها.
وإن كان الطلاق بائنا: ثم تزوجها بعده.. فقد تزوجته مع العلم بعنته، وهل لها الخيار؟ فيه قولان مضى بيانهما.
[فرع عنَّ عن إحدى زوجتيه]
إذا تزوج امرأتين فعن عن إحداهما دون الأخرى.. ضربت له المدة للتي عن عنها؛ لأن لكل واحدة حكم نفسها، فاعتبر حكمها بانفرادها.
مسألة وجدته مجبوبا أو خصيا أو خنثى زال إشكاله
وإن أصابت المرأة زوجها مجبوبا، فإن جب ذكره من أصله.. ثبت لها الخيار في الحال؛ لأن عجزه متحقق.
وإن بقي بعضه، فإن كان الباقي مما لا يمكن الجماع
به.. فهو كما لو لم يبق منه شيء؛ لأن وجود الباقي كعدمه.
وإن كان الباقي مما يمكن الجماع به، فإن اتفق الزوجان على أن الزوج يقدر على الجماع به.. فلا خيار لها.
وإن اختلفا، فقالت الزوجة: لا يقدر على الجماع به، وقال الزوج: بل اقدر على الجماع به.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول الزوج مع يمينه، كما لو كان الذكر سليما.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أن القول قول الزوجة مع يمينها؛ لأن الظاهر ممن قطع بعض ذكره أنه لا يقدر على الجماع به.
فإن ثبت عجزه عن الجماع به، إما بإقراره أو بيمينها.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما - حكاه عن الشيخ أبي حامد -: أن الخيار يثبت لها في الحال؛ لأن عجزه متحقق.
والثاني -: وهو قول القاضي أبي الطيب، ولم أجد في (التعليق) إلا ذلك -: أنه تضرب له مده العنين؛ لأن عجزه غير متحقق؛ لأنه قد يقدر على الجماع به، فهو كالعنين.
وأما إذا اختلفا في القدر الباقي: هل هو مما يمكن الجماع به، أو مما لا يمكن الجماع به؟
فذكر الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق - والمحاملي: أن القول قول الزوجة وجها واحدا؛ لأن الأصل عدم الإمكان.
وقال ابن الصباغ: ينبغي أن لا يرجع في ذلك إليها، وإنما يرجع إلى من يعرف
ذلك بصغره وكبره، كما لو ادعت: أنه مجبوب، وأنكر ذلك.
وإن أصابت زوجها خصيا، أو خنثى قد زال إشكاله، فإن قلنا: لها الخيار.. كان لها الخيار في الحال، سواء كان قادرا على الوطء أو عاجزا عنه؛ لأن العلة فيه: أن النفس تعاف من مباشرته.
وإن قلنا: لا خيار لها وادعت عجزه عن الجماع، فأقر بذلك.. ضربت له مدة العنين، وهي سنة.
فرع العنة في الصبي والمجنون
]: روى المزني عن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن لم يجامعها الصبي.. أجل).
قال المزني: معناه عندي: صبي قد بلغ أن يجامع مثله.
قال أصحابنا: أخطأ المزني في النقل والتأويل.
فأما النقل: فإن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال في القديم: (وأن لم يجامعها الخصى.. أجل)، وبنى الشافعي هذا إذا قلنا: لا خيار لها في الخصي وادعت عجزه عن الجماع.. فإنه يؤجل، فغلط المزني من الخصي إلى الصبي.
وأما تأويله: فغلط أيضا؛ لأن الصبي لا تثبت العنة في حقه؛ لأن العنة لا تثبت إلا باعترافه أو بنكوله عن اليمين ويمين الزوجة، وهذا معتذر في حقه قبل أن يبلغ؛ لأن دعوة المرأة لا تسمع عليه بذلك قبل بلوغه.
وإن ادعت امرأة المجنون على زوجها العنة.. لم تسمع دعواها عليه؛ لأنه لا يمكنه الجواب على دعواها.
وإن ثبتت عنته قبل الجنون، فضربت له المدة وانقضت وهو مجنون.. فلا يجوز للحاكم أن يفسخ النكاح بينهما؛ لأنه لو كان عاقلا.. لجاز أن يدعي الإصابة ويحلف عليها، إن كانت ثيبا، وهذا متعذر منه في حال جنونه.
وإن كانت بكرا، فيجوز أن يكون قد وطئها وأزال بكارتها، ثم عادت البكارة، أو منعته عن نفسها.. فلم يجز الحكم عليه قبل إفاقته.
مسألة اختلفت صفه الزوج أو نسبه عما شرط
إذا تزوجت امرأة رجلا على أنه على صفة فخرج بخلافها، أو على نسب فخرج بخلافه، سواء خرج أعلى مما شرط أو دون ما شرط.. فالحكم واحد، وذلك بأن تتزوج رجلا بشرط أنه طويل فخرج قصيرا، أو بشرط أنه قصير فخرج طويلا، أو أنه أسود فخرج أبيض، أو أنه أبيض فخرج أسود، أو أنه موسر فخرج فقيرا، أو أنه فقير فخرج موسرا، أو على أنه قرشي فخرج غير قرشي، أو على أنه ليس بقرشي فكان قرشيا، أو على أنه حر فكان عبدا وكان نكاحه بإذن مولاه، أو على أنه عبد فخرج حرا، وكان هذا الشرط في حال العقد.. فهل يصح العقد؟ فيه قولان:
أحدهما: أن النكاح باطل؛ لأن الاعتماد في النكاح على الصفات والأسماء، كما أن الاعتماد في البيوع على المشاهدة، بدليل: أنه لو قال: زوجتك أختي أو ابنتي.. صح وإن لم يشاهدها الزوج، كما أنه إذا باعه سلعة شاهدها.. صح.
ثم اختلاف الأعيان يوجب بطلان النكاح والبيع، بدليل: أنه لو قال: زوجتك ابنتي يا عمرو، فقبل غيره نكاحها - وهو: زيد - أو قال: بعتك عبدي هذا، فقال المشتري: قبلت البيع في الجارية.. لم يصح النكاح والبيع، فوجب أن يكون اختلاف الصفة يوجب بطلان العقد.
فعلى هذا: يفرق بينهما، فإن كان لم يدخل بها.. فلا شيء عليه، وإن دخل بها.. وجب لها عليه مهر مثلها.
والقول الثاني: أن النكاح صحيح، وبه قال أبو حنيفة، وهو الأصح؛ لأنه معنى لا يفتقر العقد إلى ذكره، ولو ذكره وكان كما شرط.. صح العقد.
فإن ذكره وخرج بخلاف ما شرط.. لم يبطل العقد، كالمهر.
فإذا قلنا بهذا.. نظرت: فإن كان الشرط في الصفة، فإن خرج الزوج أعلى مما شرط في العقد، بأن شرط أنه فقير فكان موسرا، أو أنه جاهل فكان عالما، أو أنه شيخ فكان شابا، أو أنه قبيح فكان مليحا.. لم يكن لها الخيار في فسخ النكاح؛ لأن الخيار يثبت للنقص، وهذه زيادة لا نقصان.
وإن خرج أدنى مما شرط.. ثبت لها الخيار في فسخ النكاح؛ لأنه دون ما شرط.
وإن كان في النسب.. نظرت: فإن شرط أنه حر خرج عبدا وهي حرة.. ثبت لها الخيار في فسخ النكاح قولا واحدا؛ لأن العبد لا يكافئ الحرة.
وكذلك: إذا شرط أنه عربي فخرج عجميا وهي عربية.. ثبت لها الخيار؛ لأنه لا يكافئها.
وإن خرج نسبه أعلى من النسب الذي انتسب إليه بأن شرط أنه ليس من قريش فكان قرشيا.. فلا خيار لها لأنه أعلى مما شرط.
وإن خرج نسبه دون نسبه الذي انتسب إليه، ودون نسبها.. ثبت لها الخيار.
وإن كان مثل نسبها أو أعلى منه.. ففيه وجهان:
أحدهما: لها الخيار؛ لأنها لم ترض به أن يكون كفؤا لها.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنه لا خيار لها؛ لأنه كفء لها، ولا نقص عليها في ذلك.
مسألة تزوج على أنها حرة فبانت أمة
وإن تزوج رجل امرأة على أنها حرة فكانت أمة.. فهل يصح النكاح؟ فيه قولان، وجههما ما ذكرناه في التي قبلها، وإنما يتصور القولان مع وجود أربع شرائط:
أحدها: أن يكون الزوج ممن يحل له نكاح الأمة.
والثاني: أن يكون الشرط في حال العقد.
فأما قبله أو بعده.. فلا يؤثر.
الثالث: أن يكون الغرر من جهة الأمة أو من وكيل السيد، فأما إذا كان هذا الشرط من السيد.. فإنها تعتق.
الرابع: أن يكون النكاح بإذن السيد.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا: إن النكاح باطل، فإن لم يدخل بها.. فرق بينهما، ولا شيء عليه.
وإن دخل بها.. لزمه مهر المثل لسيدها، فإذا غرمه.. فهل يرجع به على من غره؟ فيه قولان، مضى توجيههما في التي قبلها.
وإن حبلت منه وخرج الولد حيا.. كان حرا للشبهة، سواء كان الزوج حرا أو عبدا، ويلزمه قيمته لسيدها؛ لأنه أتلف رقه باعتقاده، ويرجع بقيمته إذا غرمها على من غره قولا واحدا؛ لأنه لم يحصل له في مقابلة حريته منفعة، بخلاف المهر، وتعتبر قيمته يوم الوضع.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (تلزمه قيمته يوم الترافع إلى القاضي)
دليلنا: أن الحيلولة بينه وبين سيد الأمة وجدت يوم الوضع، فاعتبرت قيمته عند ذلك.
وإن وضعته ميتا.. فلا شيء عليه؛ لأنه لم يوجد بينه وبين سيد الأمة حيلولة.
وإن ضرب ضارب بطنها فأسقطته ميتا.. وجب على الضارب للزوج غرة عبد أو أمة مقدرة بنصف عشر دية أبيه، وكم يجب على الزوج للسيد؟ فيه وجهان:
أحدهما: قيمة الغرة بالغة ما بلغت.
والثاني: أقل الأمرين من قيمة الغرة، أو عشر قيمة الأمة.
فإن كان المغرور عبدا.. ففي محل ما يلزمه من المهر وقيمة الولد ثلاثة أقوال:
أحدها: في رقبته.
والثاني: في ذمته إلى أن يعتق.
والثالث: في كسبه.
وإن كان المغرور حرا، ودفع إليه ما يلزمه من المهر وقلنا: له أن يرجع به أو دفع قيمة الولد، فإن كان الذي غره هو وكيل السيد.. رجع عليه في الحال إن كان موسرا.
وإن كان معسرا أنظر إلى إيساره.
وإن كان الذي غره هي الأمة.. رجع عليها إذا أعتقت.
وإن كان الذي غره هي الأمة ووكيل السيدِ.. ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة ":
أحدهما: أنه بالخيار: إن شاء.. رجع بالجميع على الوكيل في الحال، وإن شاء.. رجع بالجميع على الأمة بعد العتق.
والثاني: أنه يرجع بما غرمه عليهما نصفين، إلا أنه لا يرجع على الأمة إلا بعد العتق.
وإن كان المغرور عبدا، فإن قلنا: محل الغرم ذمته إذا عتق.. فإنه لا يرجع إلا بعد أن يغرم.
وإن قلنا: إن محل الغرم رقبته أو كسبه.. رجع السيد على الغارم بعد الغرم.
وإن قلنا: إن النكاح صحيح.. فهل يثبت له الخيار في الفسخ؟ فيه ثلاث طرق:
[الطريق الأول]: قال أكثر أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: لا يثبت له الخيار؛ لأنه يمكنه أن يطلقها.
والثاني: له الخيار؛ لأن كل معنى ثبت به الخيار للزوجة.. ثبت به الخيار للزوج، كسائر العيوب.
و [الطريق الثاني]: منهم من قال: يثبت له الخيار قولا واحدا، كما يثبت للحرة
في العبد؛ لأن الكفاءة وإن لم تعتبر إلا أن عليه ضررا في استرقاق ولده منها، وذلك أعظم من ضرر الكفاءة.
و [الطريق الثالث]: قال أبو إسحاق: إن كان الزوج عبدا.. لم يثبت له الخيار قولا واحدا؛ لأنه مساو لها.
والصحيح: أن للجميع الخيار.
فإن قلنا: له الخيار، واختار الفسخ، فإن كان قبل الدخول.. فلا شيء عليه.. وإن كان بعد الدخول.. وجب عليه مهر المثل؛ لأن العقد إذا فسخ بمعنى قارن العقد.. صار كأن العقد وقع باطلا، فلزمه مهر المثل.
والكلام في رجوعه به على من غره على ما مضى.
وإن قلنا: لا خيار له، أو قلنا: له الخيار فاختار الإقامة على النكاح.. استقر عليه المسمى بالدخول، فإن حبلت منه قبل أن يعلم برقها.. فالولد حر، ويلزمه قيمته لسيده، ويرجع به على من غره.
وإن وطئها بعد ما علم برقها فحبلت منه، فإن كان الزوج غير عربي.. كان ولده منها رقيقا لسيد الأمة.
وإن كان الزوج عربيا، فإن قلنا بقوله الجديد: (إن العرب يسترقون إذا أسروا).. كان ولده رقيقا.
وإن قلنا بقوله القديم: (إن العرب لا يسترقون).. كان ولده منها حرا، وعليه قيمة الولد لسيد الأمة.
فرع وجدها خلاف ما وصفت أو نسبت
]: وإن تزوجها على أنها على صفة فخرجت بخلافها، أو أنها من نسب فخرجت بخلافه، وكان هذا الشرط في حال العقد.. فهل يصح النكاح؟ فيه قولان، وسواء خرجت أعلى من الشرط أو دونه.
فإن قلنا: إن النكاح باطل، فإن لم يدخل بها.. فرق بينهما، ولا شيء عليه.
وإن دخل بها.. لزمه مهر مثلها، وهل يرجع به على من غره؟ فيه قولان، مضى توجيههما.
فإن قلنا: لا يرجع.. فلا كلام.
وإن قلنا: يرجع على من غره، فغرم، فإن كان الذي غره وليها وهو واحد.. رجع عليه بالجميع، وإن كانوا جماعة، فإن غروه بالنسب.. رجع على جميعهم بالسوية بجميع المهر؛ لأن نسبها لا يخفى عليهم.
وإن غروه بصفة غير النسب، فإن كانوا كلهم عالمين بحالها، أو كلهم جاهلين بحالها.. رجع على جميعهم بالسوية؛ لأنه لا مزية لبعضهم على بعض.
وإن كان بعضهم عالما بحالها وبعضهم جاهلا بحالها.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: يرجع على الجميع؛ لأن الجميع منهم زوجوه، وحقوق الأموال لا تسقط بالخطأ.
والثاني: يرجع على العالم منهم بحالها دون الجاهل؛ لأن العالم بحالها هو الذي غره.
فإن كان الذي غره هي الزوجة.. ففيه وجهان:
أحدهما: يرجع عليها بجميع المهر، كما قلنا في الأولياء.
والثاني: لا يرجع عليها بالجميع، بل يبقى منه شيء حتى لا يعرى الوطء عن بدل.
فإن قلنا: يرجع عليها بالجميع، فإن كان قد قبضته منه.. ردته إليه، وإن لم تقبضه منه.. لم تقبضه، بل يسقط أحدهما بالآخر على أحد الأقوال.
وإن قلنا: لا يرجع عليها بالجميع، فإن كانت قد قبضت الجميع.. رجع عليها بما قبضت منه، ويبقي منه بعضه.
وإن لم تقبضه منه.. أقبضها منه شيئا، وسقط الباقي عنه.
وإن قلنا: إن النكاح صحيح، فإن غرته بصفة فخرجت على صفة أعلى مما شرطت، أو بنسب فخرج نسبها أعلى مما شرطت.. فلا خيار للزوج؛ لأنه لا نقص
عليه، وإن خرج نسبها دون ما شرطت من النسب إلا أنه مثل نسب الزوج أو أعلى من نسبه.. فلا خيار له؛ لأنه لا نقص عليه.
وإن خرج نسبها دون النسب الذي شرطت ودون نسب الزوج، أو كان الغرور بصفة فخرجت صفتها دون الصفة التي شرطت.. فهل له الخيار في فسخ النكاح؟ فيه قولان:
أحدهما: له الخيار؛ لأنه معنى لو شرطه الزوج بنفسه وخرج بخلافه.. لثبت لها الخيار، فثبت به للزوج الخيار، كالعيوب.
والثاني: لا يثبت له الخيار؛ لأنه يمكنه أن يطلقها، ولأنه لا عار على الزوج بكون نسب الزوجة دون نسبه ودون صفته، بخلاف الزوجة.
فإن قلنا: له الخيار، فاختار الفسخ.
فهو كما لو قلنا: إنه باطل.
وإن قلنا: إنه لا خيار له، أو له الخيار فاختار إمساكها.. لزمته أحكام العقد الصحيح.
مسألة تزوج امرأة يظنها حرة أو مسلمة فبانت أمة أو كتابية
وإن تزوج رجل امرأة يظنها حرة فبانت أمة، وهو ممن يحل له نكاح الأمة.. فالنكاح صحيح، والمنصوص: (أنه لا خيار له).
وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيمن تزوج امرأة يظنها مسلمة فبانت كتابية: (إن النكاح صحيح، وللزوج الخيار).
واختلف أصحابنا فيهما:
فمنهم من قال: لا فرق بينهما؛ لأن الحرة الكتابية أحسن حالا من الأمة؛ لأن ولده منها لا يسترق واستمتاعه بها تام، فإذا ثبت له الخيار في الكتابية.. ففي الأمة أولى.
وإذا لم يثبت له الخيار في الأمة.. ففي الكتابية أولى، فيكون فيهما قولان.
ومنهم من قال: لا يثبت له الخيار في الأمة، ويثبت له الخيار في الكتابية.
والفرق بينهما: أن ولي الكافرة كافر، وعليه أن يغير حال نفسه ليعلم أنه كتابي، فإذا لم يفعل.. كان هو المفرط، فثبت للزوج الخيار، وولي الأمة المسلمة مسلم، وليس عليه أن يغير حال نفسه، فليس من جهته تفريط، وإنما المفرط هو الزوج إذ لم يسأل عن الزوجة، فلم يثبت له الخيار.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] طريقا ثالثا: أنه لا يثبت لواحد منهما الخيار قولا واحدا.
ووجهه: أن العقد وقع مطلقا، فهو كم لو ابتاع شيئا ظنه على صفة فبان بخلافها.. فإنه لا خيار له.
وما ذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الكتابية.. فمحمول عليه: إذا شرط أنها مسلمة.
والمشهور: هما الطريقان الأولان.
مسألة بيع الأمة المزوجة أو أعتقت وزوجها حر
وإذا كان لرجل أمة مزوجة، فباعها سيدها من غير زوجها.. صح بيعه، ولا يكون طلاقا، بل النكاح بحاله.
وبه قال عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، وعامة أهل العلم.
وقال ابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وأنس، وجابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: (يكون بيعها طلاقا).
دليلنا: ما روي: «أن عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اشترت بريرة فأعتقتها فخيرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
فلو كان نكاحها قد انفسخ بالشراء.. لما خيرها فيه.
وإن أعتقت الأمة وزوجها عبد.. ثبت لها الخيار في فسخ النكاح.
وهو إجماع لا خلاف فيه، والأصل فيه ما روي: «أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أعتقت بريرة، فخيرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قالت: وكان زوجها عبدا».
«قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: كان زوج بريرة عبدا أسود لبني المغيرة يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه وهو يدور خلفها في سكك المدينة ويبكي ودموعه على خديه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للعباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ألا تعجب من حب مغيث بريرة، وبغض بريرة مغيثا؟ !) فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لو راجعتيه؛ فإنه أبو ولدك؟)، فقالت: يا رسول الله، أبأمرك؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لا، إنما أنا شفيع)، فقالت: لا حاجة لي فيه».
ولأن المرأة إذا تزوجت رجلا فبان أنه عبد ولم تكن علمت به.. ثبت لها الخيار في الفسخ، فإذا ثبت لها الخيار في ابتداء النكاح.. ثبت لها في استدامته.
وإن أعتقت الأمة وزوجها حر.. لم يثبت لها الخيار في الفسخ.
وبه قال ابن عباس، وابن عمر، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وابن المسيب، وسليمان بن يسار، ومالك، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم.
وقال الشعبي، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: (يثبت لها الخيار).
دليلنا: ما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «خير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بريرة وكان زوجها عبدا، ولو كان زوجها حرا.. ما خيرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
وعائشة لا تقول ذلك إلا بعد أن تعلم ذلك من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطعا ويقينا؛ لأن مثل هذا لا يجوز أن يقطع به عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من جهة الاستدلال.
ولأنه لا ضرر عليها في كونها حرة تحت حر، ولهذا: لا يثبت لها الخيار في ابتداء النكاح، فلم يثبت ذلك لها في استدامته.
فرع عتق بعض الشركاء نصيبه من المزوجة بعبد
وإذا كانت أمة لجماعة وهي مزوجة بعبد، فأعتق بعضهم نصيبه وهو معسر.. عتق نصيبه لا غير، ولا يثبت لها الخيار في فسخ النكاح؛ لأن الخيار إنما يثبت لها لكمالها بالحرية، وذلك لم يوجد قبل عتق جميعها.
قال في (الفروع): وإن تبعضت الحرية فيها.. فقد قيل: لا يثبت لها الخيار حتى تكمل حريتها.
وقيل: إذا زادت أجزاء حريتها على أجزاء حريته.. ثبت لها الخيار.
فرع اختيار المعتقة تحت عبد فسخ النكاح
وإن أعتقت الأمة تحت عبد واختارت فسخ النكاح.. فلها أن تفسخ النكاح بنفسها، ولا تفتقر إلى حكم الحاكم؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لبريرة: (إن شئت.. أقيمي تحت هذا العبد، وإن شئت.. فارقيه»، فجعل المفارقة إليها.
ولأنه: مجمع عليه، فلم يفتقر إلى حكم الحاكم، كفسخ البيع عند وجود العيب.
وفي وقت خيارها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه على الفور، فإن أخرت الفسخ بعد العلم بالعتق مع تمكنها منه.. سقط حقها؛ لأنه خيار عيب فكان على الفور، كخيار الرد بالعيب.
والثاني: أنها بالخيار ثلاثة أيام؛ لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أن بريرة قضى فيها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالثلاث».
ولأنا لو قلنا: لا يكون خيارها إلا على الفور.. أضررنا بها؛ لأنها قد تحتاج إلى التأمل والنظر فيما لها فيه الحظ من ذلك.
ولو قلنا: على التراخي أبدا.. أضررنا بالزوج؛ لأنه لا يدري أتقيم معه أم تفارقه، فقدر بالثلاث؛ لأنها أول حد الكثرة وآخر حد القلة.
والثالث - وهو الصحيح -: أنها بالخيار إلى أن يطأها باختيارها؛ لما روي عن عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن «بريرة خيرها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال لها: (إن قربك.. فلا خيار لك».
وبه قال ابن عمر وحفصة بنت عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
قال المحاملي: وفيها قول رابع ضعيف: أنها بالخيار إلى أن يسقط حقها، أو تمكن من وطئها، أو يوجد ما يدل على الرضا مثل: أن يقبلها فتسكت.
وقال ابن الصباغ: لها الخيار إلى أن يمسها باختيارها، أو تصرح بما يبطله.
فرع ادعاء الأمة جهالة العتق أو بالحكم بعد فوات خيار الفسخ
إذا أعتقت الأمة تحت عبد فلم تفسخ حتى وطئها الزوج وقلنا: إن لها الخيار إلى أن يطأها، أو مضت الأيام الثلاثة إذا قلنا: إن لها الخيار ثلاثا، أو مضى زمان تمكنت فيه من الفسخ إذا قلنا: إنه على الفور، ثم ادعت الجهالة، فإن ادعت الجهالة بالعتق، فإن كانت في موضع يجوز أن يخفى عليها العتق، بأن تكون في بلد غير البلد الذي أعتقها فيه السيد، أو في محلة غير محلة السيد.. قبل قولها مع اليمين؛ لأن الظاهر أنها لم تعلم.
وإن كانت في موضع لا يجوز أن يخفى عليها العتق، بأن تكون مع السيد في دار واحدة.. ففيه طريقان، حكاهما القاضي أبو الطيب:
أحدهما - وهو اختيار الشيخين: أبي حامد وأبي إسحاق -: أنه لا يقبل قولها قولا واحدا؛ لأن دعواها تخالف الظاهر.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق المرزوي -: أنها على قولين:
أحدهما: لا يقبل قولها؛ لما ذكرناه.
والثاني: أنه يقبل قولها مع يمينها؛ لأنه يجوز أن يخفى ذلك عليها، ولأن الأصل عدم علمها.
وإن أقرت أنها علمت بالعتق وادعت: أنها جهلت أن لها الخيار.. فهل يقبل قولها مع يمينها؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يقبل قولها، كما لو اشترى سلعة فوجد بها عيبا وادعى: أنه لم يعلم أن له الرد.
والثاني: يقبل قولها مع يمينها؛ لأن هذا الأمر لا يعرفه إلا خواص الناس، بخلاف الرد بالعيب؛ فإن الخاص والعام يعلمه.
هذا ترتيب البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا ادعت الجهالة.. فهل يقبل قولها؟ فيه قولان.
واختلف أصحابنا في موضع القولين:
فمنهم من قال: القولان إذا ادعت الجهالة بالعتق، فأما إذا ادعت الجهالة بالحكم: فلا يقبل قولها قولا واحدا.
ومنهم من قال: القولان إذا ادعت الجهالة بالحكم، فأما بالعتق: فيقبل قولها قولا واحدا.
فرع مهر المعتقة بعد اختيارها
وإذا اختارت فراقه، فإن كان قبل الدخول.. فلا مهر عليه لها ولا متعة؛ لأن الفرقة جاءت من جهتها.
وإن اختارت بعد الدخول.. وجب عليه المهر، وأي مهر يجب عليه؟ ينظر فيه:
فإن وطئها ثم أعتقت.. وجب عليه المهر المسمى؛ لأنه استقر بوطئه.
وإن أعتقت ثم وطئها ثم اختارت الفسخ.. وجب عليه مهر المثل؛ لأن الفسخ يستند إلى حالة العتق، فصار كالوطء في نكاح فاسد، ويكون المهر في الحالين للسيد؛ فإنه وجب وهي في ملكه.
وإن اختارت المقام، فإن كان قد سمى لها مهرا صحيحا.. كان ذلك لسيدها.
وإن سمى لها مهرا فاسدا.. كان لسيدها مهر مثلها.
وإن كانت مفوضة، ففرض لها المهر بعد العتق، فإن قلنا: يجب مهر المفوضة بالعقد.. كان لسيدها.
وإن قلنا: يجب بالفرض.. كان لها، ويأتي بيان ذلك في موضعه.
فرع عتق قاصرة تحت عبد والصغير تبع لأبيه إذا أسلم
]: وإن أعتقت الصغيرة أو المجنونة تحت عبد.. لم يكن لها أن تختار؛ لأنه لا حكم لكلامها، وليس لوليها أن يختار الفسخ؛ لأنه خيار شهوة وذلك يتعلق بشهوتها، ولزوجها أن يستمتع بها، وعليه لها النفقة إلى أن تبلغ الصغيرة أو تفيق المجنونة ويثبت لها الخيار.
وهل يكون على الفور أو على التراخي؟ على الأقوال في البالغة العاقلة.
قال ابن الصباغ: وكذلك إذا كان زوج الكافر ابنه الصغير من عشر نسوة، ثم أسلم الأب.. تبعه الابن في الإسلام.
فإن أسلمت الزوجات.. كان النكاح موقوفا إلى أن يبلغ الزوج ويختار، وتجب عليه نفقتهن.
قال: وينبغي أن يمنع من الاستمتاع بهن؛ لأن الإقرار على نكاح جميعهن لا يجوز، بخلاف الحرة تحت العبد.
فرع عتقت قبل أن تختار أو تعلم بعتق زوجها
]: وإن لم تعلم بعتقها حتى أعتق العبد، أو قلنا: لا يبطل خيارها بالتأخير، فأعتق قبل أن تختار.. ففيه قولان:
أحدهما: يسقط خيارها من الفسخ؛ لأن الخيار إنما يثبت لها لنقصه بالرق، وقد زال هذا النقص.
والثاني: لا يسقط خيارها؛ لأنه حق ثبت بالرق فلا يتغير بالعتق، كما لو وجب عليه حد وهو عبد فأعتق قبل أن يقام عليه.
فرع عتقت في عدة طلاقها الرجعي
وإن كانت أمة تحت عبد فطلقها طلاقا رجعيا، فأعتقت في أثناء العدة.. فلها أن تختار الفسخ؛ لأنها في حكم الزوجات، ولأن لها في ذلك فائدة - وهي: أنها لا تأمن
أن يراجعها في آخر عدتها - فإذا فسخت.. استأنفت العدة.. فإن فسخت.. انقطع النكاح.
وإن اختارت المقام معه على الزوجية.. لم يكن لهذا الاختيار حكم؛ لأنها جارية إلى بينونة، فلا يصح اختيارها للنكاح، كما لو ارتد الزوج وراجع في حال العدة، فإن راجعها.. كان لها أن تختار الفسخ.
وإن سكتت ولم تختر الفسخ ولا النكاح.. لم يسقط خيارها؛ لأنها لو صرحت بالمقام معه.. لم يسقط خيارها، فلأن لا يسقط خيارها بسكوتها أولى.
فرع طلاق العبد أمته قبل اختيارها الفسخ
]: وإن أعتقت أمة تحت عبد فطلقها قبل أن تختار الفسخ.. ففيه قولان:
أحدهما: أن الطلاق موقوف، فإن اختارت الفسخ.. لم يقع طلاقه.
وإن لم تختر الفسخ.. وقع طلاقه؛ لأن في إيقاعه إسقاطا لما ثبت لما من الفسخ، وذلك سابق لطلاقه.
والثاني: يقع عليها طلاقه؛ لأنه طلاق صادف زوجية صحيحة، فوقع كما لو طلقها قبل العتق.
وقال الشيخ أبو حامد: ولأنه لا خلاف أن الزوجة إذا وجدت بالزوج عيبا.. يثبت به لها الفسخ، فطلقها قبل أن تفسخ.
نفذ طلاقه، فكذلك هذا مثله.
فرع فسخ المعتقة إذا زوجها سيدها أثناء مرض موته أو بوصيته
وإن كان لرجل أمة قيمتها مائة درهم، وله مائة درهم أخرى، وزوج الأمة بمائة درهم، فأعتقها في مرض موته، أو أوصى بعتقها فأعتقت قبل الدخول، ولا يملك السيد غير ذلك.. لم يثبت لها الفسخ؛ لأنها لو فسخت.. لسقط مهرها، وإذا سقط مهرها.. لم ينفذ العتق في جميعها، وإذا لم ينفذ العتق في جميعها.. لم يثبت لها الفسخ، فكان إثبات الفسخ يؤدي إلى سقوطه فسقط الفسخ.
وإن كان قد دخل بها.. ثبت لها الفسخ؛ لأنها تخرج من الثلث.
فرع عتق وزوجته أمة
وإن أعتق عبد وزوجته أمة.. ففيه وجهان:
أحدهما: يثبت له الخيار في فسخ النكاح؛ لأنه صار كاملا مع نقصان زوجته، فصار بمنزلة الأمة إذا أعتقت تحت عبد.
والثاني: لا يثبت له الفسخ، وهو المذهب؛ لأن رقها لا يثبت له الخيار في ابتداء النكاح، وهو: إذا تزوج حر امرأة مطلقا، ثم بان أنها أمة.. لم يثبت له الخيار، فلم يثبت له الخيار في استدامته، بخلاف الحرة، فإنها لو تزوجت برجل مطلقا، ثم بان أنه عبد.. ثبت لها الخيار في ابتداء النكاح، فثبت لها في استدامته.
فرع تزوج أمة من رجل ثم اختلفا
وإذا تزوج رجل أمة من رجل ثم اختلفا، فقال السيد: زوجتكها وأنا لا أملك تزويجها؛ لأني كنت محرما، أو محجورا علي.
فقال الزوج: بل زوجتنيها وأنت تملك تزويجها.. قال ابن الحداد.
فالقول قول الزوج مع يمينه.
فمن أصحابنا من وافقه على ذلك؛ لأن الزوج يدعي الصحة، والسيد يدعي البطلان لمعنى قارن العقد، والأصل عدم ذلك المعنى، وسلامة العقد منه.
قال هذا القائل: ولو ادعى الزوج: أنه تزوجها منه في حال الإحرام أو الحجر، أو أنه كان واجدا لطول حرة، وقال السيد: بل تزوجتها من غير إحرام ولا حجر، وكنت عادما لطول حرة.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم هذه الأشياء إلا أنها تحرم على الزوج في المستقبل؛ لأنه أقر بتحريمها عليه.
ومن أصحابنا من قال: إن كان لا يعرف له حال إحرام ولا حجر.. فالقول قول من يدعي عدم ذلك.
وإن عرف له حال إحرام أو حجر ولم يعلم: هل وقع ذلك في حال الإحرام أو الحجر أو في غيرهما.. ففيه قولان:
أحدهما: القول قول من يدعي نفيه؛ لأن الأصل عدمه.
والثاني: القول قول من يدعي الفساد؛ لأنه ليس أحد الأمرين بأولى من الآخر والأصل عدم اللزوم.
وقال القاضي أبو الطيب: والصحيح: قول ابن الحداد.
وبالله التوفيق
باب نكاح المشرك
أنكحة أهل الشرك صحيحة، وطلاقهم واقع.
فإذا نكح مشرك مشركة وطلقها ثلاثا.. لم تحل له إلا بعد زوج.. ولو نكح مسلم ذمية ثم طلقها ثلاثا، ثم نكحها ذمي ودخل بها وطلقها الذمي.. حلت للمسلم الذي طلقها بعد انقضاء عدتها.
فيتعلق بأنكحتهم سائر الأحكام التي تتعلق بأنكحة المسلمين.
وبه قال الزهري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابه - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -.
وقال مالك رحمة الله عليه: (أنكحة أهل الشرك باطلة، فلا يتعلق بها حكم من أحكام النكاح الصحيح).
وحكاه أصحابنا الخراسانيون قولا آخر للشافعي:
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: 9] [القصص: 9]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: 4] [المسد: 1 - 4]، فأضاف امرأتيهما إليهما، وحقيقة الإضافة تقتضي الملك.
وروي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ولدت من نكاح لا من سفاح»، وكان مولودا في الشرك.
إذا ثبت هذا: فإن أسلم الزوجان المشركان معا، فإن كانا عند إسلامهما ممن يجوز ابتداء النكاح بينهما.. أقرا على نكاحهما الأول وإن كانا عقدا بغير ولي ولا شهود؛ لأنه أسلم خلق كثير وأقرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أنكحتهم ولم يسأل عن شروطها.
وإن كانا لا يجوز لهما ابتداء عقد النكاح بينهما، بأن كانت محرمة عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو معتدة من غيره.. لم يقرا على النكاح؛ لأنه لا يجوز لهما ابتداء النكاح، فلا يجوز إقرارهما عليه.
مسألة أسلم وزوجته كتابية أو مشركة
وإن أسلم الزوج والزوجة كتابية.. أقرا على النكاح؛ لأنه يجوز للمسلم ابتداء النكاح على الكتابية، فأقرا عليه.
وإن أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين، أو أسلمت الزوجة ولم يسلم الزوج، فإن كان قبل الدخول.. انفسخ النكاح، وإن كان بعد الدخول.. وقف النكاح.
فإن أسلم الكافر منهما قبل انقضاء عدة الزوجة.. أقرا على النكاح.
وإن لم يسلم الكافر منهما حتى انقضت عدة الزوجة.. بانت منه من وقت إسلام المسلم منهما.
ولا فرق بين أن يكون ذلك في دار الإسلام أو في دار الحرب.
وبه قال أحمد.
وقال مالك رحمة الله عليه: (إن كانت هي المسلمة.. فكما قلنا، وإن كان هو المسلم.. عرض عليها الإسلام في الحال، فإن أسلمت، وإلا.. انفسخ نكاحها).
وقال أبو ثور: (إن أسلم الزوج قبل الزوجة.. وقعت الفرقة بكل حال).
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن كانا في دار الحرب وكان ذلك بعد الدخول.. فالنكاح موقوف على انقضاء العدة - كقولنا - وإن كانا في دار الإسلام، فسواء كان قبل الدخول أو بعده.. فإن النكاح لا ينفسخ، بل يعرض الإسلام على المتأخر منهما، فإن أسلم.. فهما على الزوجية، وإن لم يسلم.. فرق بينهما بتطليقة.
وإن لم يعرض الإسلام على المتأخر منهما وأقاما على الزوجية مدة طويلة.. فهما على النكاح).
دليلنا: ما روي عن عبد الله بن شبرمة: «أن الناس كانوا يسلمون على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة.. فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة.. فلا نكاح بينهما»، والعدة لا تكون إلا بعد الدخول، ولم يفرق: بين أن يسلم الرجل أولا أو المرأة، وبين أن يكونا في دار الإسلام أو في دار الحرب.
وإن أسلم الزوجان في حالة واحدة قبل الدخول.. لم ينفسخ نكاحهما؛ لأنه لم يسبق أحدهما الآخر.
فرع لا يفرق عندنا بين الزوجين المشركين باختلاف الدار
ولا تقع الفرقة - عندنا - بين الزوجين المشركين باختلاف الدار بهما، وإنما تقع باختلاف الدين على ما بيناه.
وقال أبو حنيفة: (إذا اختلفت الدار بهما فعلا وحكما.. انفسخ النكاح بينهما، مثل أن تزوج ذمي ذمية ثم نقض العهد ولحق بدار الحرب، أو أسلم أحد الحربيين ودخل دار الإسلام، أو عقد الأمان لنفسه ودخل دار الإسلام.. انفسخ النكاح بينهما.
وإن اختلفت الدار بهما فعلا لا حكما، أو حكما لا فعلا.. لم ينفسخ النكاح بينهما - واختلاف الفعل دون الحكم هو: أن يتزوج ذمي ذمية، ثم خرج أحدهم إلى دار الحرب في تجارة ولم ينقض ذمته، أو دخل الحربي دار الإسلام ولم يعقد لنفسه ذمة ولا أمانا.
واختلاف الدار بينهما حكما لا فعلا هو: أن يسلم أحد الزوجين الحربيين ويقيم في دار الحرب - فلا ينفسخ النكاح بينهما).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما قصد مكة عام الفتح.. نزل بمر الظهران، وكان ذلك الموضع قد صار دار إسلام؛ لغلبة رسول الله عليه وسلم عليه، ومكة دار كفر؛ لغلبة الكفار عليها، وبينه وبين مكة مرحلة، فخرج أبو سفيان بن حرب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، إليه فأسلم، وتقدم أبو سفيان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى مكة قبل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فدخل مكة وصاح بأعلى صوته في مكة: يا معشر قريش، قد جاء محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بجيش لا قبل لكم به! فخرجت زوجته هند وقالت: لبئس طليعة القوم أنت، وتعلقت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال، فإنه قد صبأ.. فقال لهم: لا تغرنكم هذه.
قالوا: فما الحيلة؟ فقال: من دخل داري.. فهو آمن.
قالوا: وما تغني دارك؟ فقال: ومن دخل المسجد الحرام.. فهو آمن، ومن ألقى سلاحه.. فهو آمن.
ثم دخل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكة بعد ذلك، وأقامت هند على شركها، وحمل إليها خالد بن الوليد أبا هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يقرأ عليها القرآن فلم تسلم، ثم أسلمت بعد ذلك وبايعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولم تزل زوجة أبي سفيان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إلى أن ماتت» فلو كان نكاحه قد انفسخ.. لأخبره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك ولما أقرهما عليه.
وأيضا روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما فتح مكة.
أمن الناس كلهم إلا خمسة - وقيل إلا سبعة - منهم: صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل.
فهرب عكرمة بن أبي جهل إلى الساحل، وهرب صفوان إلى اليمن، وأقامت امرأتاهما بمكة وأسلمتا، فأخذت امرأة عكرمة له أمانا من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخرجت به إليه فأسلم وعاد إلى مكة، وأخذ لصفوان الأمان فرجع إلى مكة فأقام على الشرك شهرا، وخرج مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى هوازن، ثم عاد إلى مكة فأسلم».
ولم يخبره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بأن نكاحه قد انفسخ؛ لأنه خرج إلى الطائف وهي دار حرب في شركه، وامرأته مسلمة بمكة.
فرع الفرقة باختلاف الدين بين الزوجين
فرع: [الفرقة باختلاف الدين تكون فسخا لا طلاقا]:
وكل موضع حكمنا بوقوع الفرقة بين الزوجين باختلاف الدين.
فإن ذلك يكون فسخا لا طلاقا.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن كان المسلم هو الزوج، فعرض الإسلام عليها فامتنعت.. فرق بينهما وكان فسخا - كقولنا - وإن كانت المسلمة هي الزوجة، فعرض الإسلام على الزوج فامتنع.. فرق بينهما وكان طلاقا).
دليلنا: أن كل سبب لو كان من جهة الزوج كان فسخا، فإذا كان من جهة الزوجة.. كان فسخا، كالردة.
مسألة أسلم على أكثر من أربع
إذا أسلم الرجل وتحته أكثر من أربع زوجات فأسلمن معه في العدة، أو كن كتابيات.. لزمه أن يختار أربعا منهن ويفارق ما زاد، سواء تزوجهن بعقد واحدا أو بعقود، وسواء اختار من نكحها أولا أو آخرا.
وبه قال مالك، وأحمد، ومحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - تعالى.
وقال الزهري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: (لا يصح التخيير بحال، بل إن كان تزوجهن بعقد واحد.. بطل نكاح الجميع، ولا تحل له واحدة منهن إلا بعقد مستأنف.
وإن تزوجهن بعقود.. لزمه نكاح الأربع الأوائل، وبطل نكاح من بعدهن).
دليلنا: ما روي: «أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أمسك أربعا، وفارق سائرهن» ولم يفرق
وروي «عن نوفل بن معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسألته، فقال: " فارق إحداهن، وأمسك أربعا " فعمدت إلى أقدمهن عندي عهدا ففارقتها» وأراد: أقدمهن صحبة.
فرع العقد لأكثر من رجل على امرأة
]: وإن تزوج رجلان أو أكثر من امرأة في الشرك، ثم أسلموا أو تحاكموا إلينا قبل الإسلام، فإن عقدوا عليها في حالة واحدة.. بطل نكاح الجميع؛ لأنه ليس بعضهم بأولى من بعض.
وإن عقدوا عليها واحدٌ بعد واحدٍ.. فالنكاح للأول، وما بعده باطل.
ولا يمكن التخيير هاهنا؛ لأنا لو جعلنا الخيرة للأزواج.. لم نأمن أن يختارها كل واحد منهم، ولا سبيل إلى اتباع خيرتهم، ولا مزية لبعضهم على بعض في التقديم.
ولا سبيل إلى أن تجعل الخيرة لها؛ لأن المرأة لا تملك فسخ النكاح وحله إلا بعيب، ولأنه لما لم يجز لها ابتداء العقد على النكاح.. لم يجز لها اختيار الزوج.
وحكى الطبري في " العدة " وجها آخر: أنها تخير.
قال: وهو اختيار القاضي
أبي الطيب، حيث قال: إن مات أحد الزوجين في الشرك ثم أسلمت مع الزوج.. بقيا على النكاح وجها واحدا.
والأول هو المشهور:
فرع أسلم وتحته أكثر من أربع زوجات
وإذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة وأسلمن.. فقد ذكرنا: أنه يجب عليه أن يختار أربعا منهن؛ «لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لغيلان بن سلمة: " اختر أربعا» وهذا أمر، والأمر يدل على الوجوب.
فإن لم يختر.. أجبره الحاكم على الاختيار؛ لأنه لا يجوز له أن يمسك أكثر من أربع نسوة، ويحبسه ليختار، فإن لم يفعل.. أخرجه وضربه جلدات دون أقل الحد، فإن لم يفعل.. أعاده إلى الحبس، فإن لم يفعل.. أخرجه ثانيا ًوضربه.
وعلى هذا يتكرر عليه الحبس والضرب إلى أن يختار؛ لأن هذا حق تعين عليه، فهو كما لو كان عليه دين وله مال ناضٌّ أخفاه.. فإنه يحبس ويعزر إلى أن يظهره ويقضي به الدين.
ويجب عليه أن ينفق على جميعهن إلى أن يختار؛ لأنهن محبوسات عليه.
فإن جن في حال الحبس.. أطلق من الحبس؛ لأنه خرج عن أن يكون من أهل الاختيار.
فإذا أفاق.. أعيد إلى الحبس والتعزير.
ولا ينوب الحاكم عنه في الاختيار؛ لأنه اختيار شهوة، فلم ينب عنه الحاكم.
فإن قال لأربع منهن: اخترتكن، أو اخترت نكاحكن، أو اخترت حبسكن، أو أمسكتكن، أو أمسكت نكاحهن، أو ثبت نكاحكن، أو ثبت عقدكن.. لزم نكاحهن وانفسخ نكاح ما زاد عليهن.
وإن قال لواحدة، أو لما زاد على أربع: فسخت نكاحكن.. انفسخ نكاحهن، ولزم نكاح الأربع الباقيات.
وإن طلق واحدة أو أربعا.. وقع عليها الطلاق، وكان ذلك اختيارا لها للزوجية؛ لأن ذلك يتضمن الاختيار؛ لأن الطلاق لا يقع إلا في زوجة.
فإن قال لواحدة: فارقتك، أو اخترت فراقك.. فذكر الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق -: أن ذلك يكو اختياراً لفسخ نكاحها.
وقال القاضي أبو الطيب: يكون ذلك اختياراً لها للزوجية، فتقع عليها الفرقة، ويعتد بها من الأربع الزوجات؛ لأن الفراق صريح في الطلاق، فلما كان الطلاق في واحدة منهن اختيارا لزوجيتها، فكذلك لفظ الفراق.
قال ابن الصباغ: وهذا وإن كان مبنيا على هذا الأصل، إلا أنه مخالف للسنة، «فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لغيلان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " اختر منهن أربعا، وفارق سائرهن»، وكذلك «حديث نوفل بن معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حيث قال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فارق إحداهن»، وهذا يقتضي: أن يكون لفظ الفراق فيه صريحا، كما قلنا: إنه صريح في الطلاق، فيكون صريحا في الطلاق وفي الفسخ؛ لأنه حقيقة فيهما، ويتخصص بالموضع الذي يقع فيه.
فإن كان ظاهر من واحدة منهن أو آلى منها.. لم يكن ذلك اختيارا لها؛ لأنه قد يخاطب به غير الزوجة.
وإن وطئ واحدة.. ففيه وجهان:
أحدهما: يكون ذلك اختيارا لها بالنكاح؛ لأن الظاهر أنه لا يطأ إلا من يختارها للنكاح، كما قلنا في البائع إذا وطئ الجارية المبيعة في حال الخيار.. فإنه فسخ للبيع.
والثاني: لا يكون ذلك اختيارا لها؛ لأن ما يتعلق به استصلاح النكاح، لا يكون بالوطء، كالرجعة.
فإذا قلنا: إنه اختيار للموطوءة للنكاح، فوطئ أربعا منهن.. لزم نكاحهن، وانفسخ نكاح البواقي.
وإذا قلنا: لا يكون اختيارا للنكاح.. قلنا له: اختر أربعا، فإن اختار الموطوءة.. فلا شيء عليه.. وإن اختار أربعا غير الموطوءة.. لزمه للموطوءة مهر مثلها.
فرع تعليق النكاح أو فسخه على صفة لأكثر من زوجة
]: وإن قال: كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت نكاحها.. لم يصح؛ لأن الاختيار كابتداء النكاح، فلا يجوز تعليقه على الصفة.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن قال: كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاحها.. لم يكن شيئا إلا أن يريده طلاقا).
وجملة ذلك: أن الرجل إذا أسلم وتحته أكثر من أربع زوجات، فقال: كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاحها، فإن أراد به الفسخ.. لم يصح؛ لأن الفسخ لا يصح تعليقه بالصفات، فهو كما لو أسلمن وقال لكل واحدة: إذا طلعت الشمس فقد فسخت نكاحك.
وإن نوى به الطلاق أو قال: كلما أسلمت واحدة منكن فهي طالق.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال بظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يصح ذلك؛ لأن الطلاق يصح تعليقه على الصفات.
فإذا أسلم أربع منهن.. وقع عليهن الطلاق، وكان ذلك اختيارا بزوجيتهن.
ومنهم من قال: لا يصح، ولا يتعلق بهذا حكم.
قال الشيخ أبو حامد: وهو المذهب؛ لأن هذا يتضمن اختيارا للزوجية، والاختيار لا يصح تعليقه بالصفة.
أحدهما: أنه أراد إذا أسلم الرجل وليس عنده إلا أربع زوجات حرائر وتأخر إسلامهن، فقال: كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاحها، فإن أراد به الفسخ.. لم يصح؛ لأن الفسخ لا يصح إلا فيمن تفضل على الأربع.
وإن أراد به
الطلاق.. صح؛ لأنه يلزمه نكاح جميعهن، والطلاق يصح تعليقه بالصفات.
والتأويل الثاني: أنه أراد إذا أسلم وتحته أكثر من أربع زوجات، فكلما أسلمت واحدة منهن قال لها: فسخت نكاحك، ونوى به الطلاق.. فيصح ذلك، ويكون طلاقا أو اختيارا لها.
فيكون الشرط من كلام الشافعي لا من كلام الزوج.
والتأويل الثالث: أنه أراد إذا أسلم رجل وعنده ثمان زوجات، فأسلم أربع منهن، فأختار نكاحهن.. لزم نكاحهن، ثم قال بعد ذلك للباقيات: كلما أسلمت واحدة منكن فقد اخترت فسخ نكاح واحدة من زوجاتي اللاتي اخترت نكاحهن، فإن أراد به الفسخ.. لم يصح، وإن أراد به الطلاق.. صح به، فكلما أسلمت واحدة من الباقيات.. طلقت واحدة من الزوجات.
قال ابن الصباغ: والطريقة الأولى أظهر، والتأويل يبعد؛ لأن الطلاق يصح تعليقه بالصفات، والاختيار تابع.
فرع أسلم وأسلمن والاختيار حال الردة أو الإحرام
وأن أسلم وأسلمن، ثم ارتد.. لم يصح اختياره.
وكذلك: إذا رجعن إلى الردة.. لم يصح اختياره لواحدة منهن؛ لأن الردة تنافي ابتداء النكاح، فكذلك الاختيار.
وأن أسلم وأحرم.. فالمنصوص: (أنه يصح اختياره).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يصح اختياره، كما لا يصح نكاحه.
والثاني: يصح اختياره، كما تصح رجعته.
ومنهم من قال: إن أسلم وأحرم ثم أسلمن.. لم يصح اختياره، كما لا يصح نكاحه.
وإن أسلم وأسلمن ثم أحرم.. صح اختياره؛ لأن الإحرام طرأ بعد ثبوت الاختيار.
مسألة أسلم وزوجاته أكثر من أربع ومات قبل الاختيار
]: وإن أسلم رجل حر وتحته أكثر من أربع زوجات حرائر وأسلمن معه، فمات قبل أن يختار أربعا.. فإن الوارث لا يقوم مقامه في الاختيار؛ لأنه اختيار شهوة، والوارث لا ينوب منابه في الشهوة، فيلزمهن العدة.
فإن كن حوامل.. لم تنقض عدتهن إلا بوضع الحمل؛ لأن من كانت منهن زوجة.. فهي متوفى عنها زوجها، وعدة المتوفى عنها زوجها تنقضي بوضع الحمل.
ومن لم تكن منهن زوجة.. فهي موطوءة بنكاح فاسد وعليها العدة، ولا تنقضي عدتها إلا بوضع الحمل.
وإن كن حوائل، فإن كن من ذوات الشهور.. لم تنقض عدتهن إلا بأربعة أشهر وعشرٍ؛ لأن من كانت منهن زوجة.. فعدتها عدة المتوفى عنها زوجها: أربعة أشهر وعشر.
ومن لم تكن منهن زوجة.. فهي موطوءة بشبهة، فعدتها ثلاثة أشهر، ولا تتعين الزوجات من غيرهن، فلزمهن أربعة أشهر وعشر؛ ليسقط الفرض بيقين.
وإن كن من ذوات الأقراء.. لزم كل واحدة أن تعتد بأقصى الأجلين: من أربعة أشهر وعشرٍ، أو ثلاثة أقراء؛ لأن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر، وعدة الموطوءة بشبهة ثلاثة أقراء، فإن انقضت الأربعة الأشهر والعشر قبل مضي ثلاثة أقراء.. لزمها استكمال ثلاثة أقراء، وإن انقضت ثلاثة أقراء قبل مضي أربعة أشهر وعشرٍ.. لزمها استكمال أربعة أشهر وعشر؛ ليسقط الفرض بيقين، كما قلنا فيمن نسي صلاة من خمس صلوات لا يعرفها بعينها.
وإن كان بعضهن حوامل، وبعضهن من ذوات الشهور، وبعضهن من ذوات الأقراء.. لزم كل واحدة حكم نفسها فيما ذكرناه من ذلك، ويوقف لهن من ماله ميراث أربع زوجات، وهو: الربع مع عدم الولد، أو الثمن مع الولد؛ لأن فيهن أربع
زوجات بيقين.
وإن لم يعرفهن بأعيانهن، فإن اصطلحن فيه على التساوي، فإن كن ثماني نسوة فأخذت كل واحدة منهن ثمن الموقوف، أو تفاضلن فيه برضائهن.. صح.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن كان فيهن مولى عليها: إما صغيرة أو مجنونة.. لم يصح لوليها أن يصالح عنها بأقل من ثمن الموقوف)؛ لأنها تستحق هذا القدر في الظاهر، فلا يجوز أن يصالح عنها على أقل منه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (الأم): (فإن جاءت منهن واحدة إلى الحاكم تطلب حقها من الميراث.. لم يدفع إليها شيئا؛ لأنه يمكن أن لا تكون زوجته.
وكذلك: إن جاء اثنتان أو ثلاث أو أربع.
فإن جاء خمس.. دفع إليهن ربع الموقوف؛ لأنا نتيقن أن فيهن زوجة بيقين).
قال أكثر أصحابنا: إلا أنه لا يدفع إليهن ذلك إلا بشرط أنه لم يبق لهن حق في الباقي من الموقوف؛ ليمكن صرفه إلى الثلاث الباقيات إن طلبنه؛ لأنه إذا لم يشرط عليهن ذلك.. كان حقهن متعلقا به فيؤدي إلى أن يأخذن نصيب زوجة بيقين، وحقهن في الباقي.
وكذلك: إن جاء ست.. دفع إليهن نصف الموقوف بهذا الشرط، ودفع الباقي إلى الأخريين إن طلبتاه.
وإن جاء سبع منهن.. دفع إليهن ثلاثة أرباع الموقوف بهذا الشرط، ودفع الباقي منه إلى الثامنة إن طلبت ذلك.
قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر، وذلك أن من يعطى من الميراث اليقين.. لا يسقط بذلك حقه مما يجوز أن يستحقه، كم لو خلف زوجة وحملا.. فإنا نعطي الزوجة اليقين، ونوقف الباقي ولا يسقط حقها منه.
وإن أسلم وتحته أربع زوجات كتابيات، وأربع وثنيات، فأسلمن الوثنيات معه، ثم مات قبل أن يختار.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يوقف شيء من تركته، بل يدفع الجميع إلى باقي ورثته؛ لأنه ما يوقف إلا ما يتيقن استحقاقه على باقي الورثة ويجهل من يستحقه، وهاهنا يجوز أن تكون الزوجات هن الكتابيات.
والثاني: أنه يوقف؛ لأنه لا يجوز أن يدفع إلى باقي الورثة إلا ما يتحقق أنهم يستحقونه، وهاهنا يجوز أن تكون المسلمات هن الزوجات.
مسألة أسلم على أختين أو غيرهما
]: وإن أسلم رجل وعنده أختان فأسلمتا معه.. اختار إحداهما؛ لما روي: «أن رجلا - يقال له الديلمي أو ابن الديلمي - أسلم على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعه أختان، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (اختر أيتهما شئت، وفارق الأخرى».
وكذلك: إذا أسلم وعنده امرأة وعمتها، أو امرأة وخالتها وأسلمتا معه.. اختار إحداهما؛ لأنه لا يجوز له الجمع بينهما، فهما كالأختين.
فرع أسلم على امرأة وابنتها وأسلمتا معه باعتبار الدخول
وإن أسلم رجل وعنده امرأة وابنتها، سواء عقد بهما في عقد واحد، أو عقد بإحداهما بعد الأخرى، فإن لم يدخل بواحدة منهما وكانتا كتابيتين أو وثنيتين وأسلمتا معه في حالة واحدة.. ففيها قولان:
أحدهما: أنه يلزمه نكاح البنت، وينفسخ نكاح الأم - وهو اختيار المزني - لأن النكاح في حال الشرك صحيح، ولهذا قال - لو جمع بين أختين -: كان له أن يختار أيتهما شاء.
وإذا صح العقد على البنت.. حرمت أمها على التأبيد، وقد وجد العقد على البنت، فوجب أن تحرم أمها.
والثاني: له أن يختار أيتهما شاء، وهو الأصح؛ لأن العقد في الشرك لا يحكم بصحته إلا بانضمام الاختيار إليه في حال الإسلام.
وقال الشيخ أبو حامد: ولهذا لو تزوج بعشر نسوة فاختار أربعا منهن.. لم يجب للباقيات مهر ولا متعة ولا نفقة، ولا عدة عليهن، ولا يلحقه من جهتهن نسب، كأنه لم يعقد عليهن.
فإذا اختار الأم.. صار كأنه لم يعقد على الابنة.
فعلى هذا: إن اختار الابنة.. حرمت عليه الأم على التأبيد.
وإن اختار الأم حرمت عليه البنت تحريم جمع، فإن دخل بها.. حرمت البنت عليه على التأبيد.
وإن ماتت الأم أو طلقها قبل الدخول.. جاز له أن ينكح البنت.
وإن كان قد دخل بهما.. حرمتا عليه على التأبيد.
أما البنت: فحرمت عليه بدخوله بالأم.
وأما الأم: فإن قلنا: إنها تحرم عليه بالعقد على البنت.. فقد حرمت عليه بعلتين: بالعقد على البنت، وبالدخول بها.
وإن قلنا: لا تحرم عليه بالعقد على البنت.. حرمت عليه بعلة واحدة، وهي: الدخول بالبنت.
وإن كان قد دخل بالبنت دون الأم.. لزمه نكاح البنت، وحرمت عليه الأم على التأبيد بعلتين في أحد القولين، وبعلة في الآخر.
وإن كان قد دخل بالأم دون البنت.. حرمت عليه البنت على التأبيد.
وأما الأم: فإن قلنا: إنها تحرم عليه بالعقد على البنت.. حرمت عليه أيضا.
وإن قلنا: لا تحرم عليه بالعقد على البنت.. لزمه نكاح الأم.
فرع تزوج أما وابنتها وبنت بنتها وأسلموا
وإن تزوج رجل امرأة وابنتها وأسلمتا قبله، أو أسلم قبلهما قبل الدخول.. انفسخ النكاح.
وإن علم أنه أسلم مع إحداهما في حالة واحدة، ثم أسلمت الأخرى ولم تعرف بعينها.. لم يكن له أن يختار إحداهما؛ لأن المتأخرة منهما ينفسخ نكاحها، وكل واحدة منهما يشك في إباحتها له، فلا يجوز له إمساك مشكوك في تحليلها.
وإن عقد النكاح على امرأة وابنتها وبنت بنتها وأسلموا معا في حالة واحدة قبل الدخول.. فعلى القولين الأولين:
أحدهما: يختار من شاء منهن.
والثاني: يثبت له نكاح بنت البنت.
وإن أسلم الزوج وأسلمت معه واحدة قبل الدخول، وأسلم اثنتان بعد ذلك ولم تتعين المسلمة معه.. لم يحل له إمساك واحدة منهن.
وإن أسلمت معه السفلى وتأخر الأخريان.. ثبت نكاح السفلى، وانفسخ نكاح الأخريين.
وإن أسلمت معه الوسطى وتأخر إسلام الأخريين.. ففيه قولان:
أحدهما: له إمساكها.
والثاني: ليس له إمساكها؛ لأجل عقده على ابنتها.
ولو أسلمت معه الجدة وتأخرت الأخريان.. فهل له إمساكها؟ فيه قولان.
وإن تزوج امرأة وابنتها، ودخل بإحداهما وأسلموا ولم يعرف المدخول بها.. قال الصيمري: انفسخ نكاحهما معا.
فرع ملك أما وابنتها وأسلمتا معه باعتبار الوطء
وإذا ملك المشرك أما وابنتها فأسلم وكانتا كتابيتين أو مجوسيتين أو وثنيتين، فأسلمتا معه، فإن كان قد وطئهما.. حرم عليه وطؤهما على التأبيد، ولكنه يستديم ملكه عليهما.
وإن لم يطأ واحدة منهما.. كان له أن يطأ أيتهما شاء.. فإن وطئ الأم.. صارت فراشا له، وحرم عليه وطء البنت على التأبيد.
وكذلك: إذا وطئ البنت.. حرمت عليه الأم على التأبيد.
وإن وطئ إحداهما في الشرك.. صارت فراشا له، وحرم عليه وطء الأخرى على التأبيد.
فرع تزوج أختين أو غيرهما وأسلمتا معه قبل الدخول
إذا تزوج أختين في حال الشرك وأسلم وأسلمتا معه قبل الدخول، في حالة واحدة، أو كانتا كتابيتين.. فإن له أن يختار أيتهما شاء للنكاح.
فإذا اختار إحداهما للنكاح.. حرمت عليه الأخرى تحريم جمع، وهل يجب عليه لها مهر؟