كتاب السير
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
من حين أسلم قبل بلوغه.
وإن وصف الكفر بعد بلوغه، أو لم يصف الإسلام.. لم يحكم بصحة إسلامه؛ لأنه لا يتبين ما كان منه في الصغر إلا بما انضاف إليه بعد البلوغ.
والصحيح: أنه لا يصح إسلامه، وما رُوِيَ عن عليّ.. فقد روي: (أنه كان يوم أسلم ابن إحدَى عشرة سنة) فيحتمل أنه أقر بالبلوغ ثم أسلم.
فعلى هذا: يحال بينه وبين أبويه؛ لئلا يزهداه في الإسلام.
فإن بلغ ووصف الإسلام.. حكم بإسلامه من حين وصفه بعد البلوغ.
وإن وصف الكفر.. قرع فإن أقام على ذلك.. رد إلى أهله.
مسألة: لا يفرق في السبي بين أم وولدها
وإن سبيت امرأة وولدها الصغير.. لم يجز أن يفرق بينهما؛ لما رَوَى أبُو أيوب الأنصاري: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من فرق بين والدة وولدها.. فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» ورَوَى عمران بن الحصين: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ملعون، ملعون من فرق بين والدة وولدها» ورَوَى أبُو سعيد الخدري: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمع امرأة تبكي، فقال: "ما لها؟ قيل له: فرق بينها وبين ولدها، فقال، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا توله والدة بولدها».
قال الشيخ أبُو حامد: وهذا الإجماع لا خلاف فيه.
وإلى أي سن لا يجوز التفرقة بينهما؟ فيه قولان:
أحدهما: إلى أن يبلغ الولد سبع سنين.
والثاني: إلى أن يبلغ.
وقد مَضَى توجيههما في البيوع.
وقال مالك: (تحرم التفرقة بينهما إلى أن يسقط سنه وينبت).
وقال الليث: إلى أن يأكل بنفسه ويلبس بنفسه.
وقولهما قريب من قولنا في بلوغه سبع سنين.
وقال أحمد: (تحرم التفرقة بينهما أبدًا).
وهذا خطأ؛ لأنه إذا بلغ.. استغنى بنفسه، فلم تحرم التفرقة بينهما.
فرع: التفرقة بين الرجل وولده أو بينه وبين جده أو جدته
]: وإن سبي الرجل وولده الصغير.. فهل تحرم التفرقة بينهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تحرم؛ لأنا إنما منعنا التفرقة بينه وبين الأم؛ لئلا يفقد لبنها وحضانتها، وهذا لا يوجد في حق الأب.
والثاني: تحرم، وهو اختيار الشيخ أبي حامد؛ لما رُوِيَ عن عُثمانَ بن عفان، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه قال: (لا يفرق بين الوالد وولده).
ولأن الأب وإن لم يكن له لبن.. فله حضانة؛ لأنه يكتري له الحاضنة ويشرف عليه.
فإذا فرق بينهما.. استضر بذلك.
وتحرم التفرقة بين الولد الصغير وبين جدته أم أمه وإن علت.
وتحرم التفرقة بينه وبين جدته أم أبيه وأم أبي أبيه؛ لأن لها لبنًا وحضانة، فهي بمنزلة أم أمه.
وأمَّا التفرقة بينه وبين جده.. فعلى الوجهين في التفرقة بينه وبين الأب.
فرع: التفرقة بين الأخوين ونحوهما
ولا تحرم التفرقة بين الولد الصغير وبين أخيه، وعمه، وخاله، وعمته، وخالته.
وقال أبو حَنِيفَة: (تحرم).
وروي ذلك عن عمر.
دليلنا: أنهما شخصان تقبل شهادة أحدهما للآخر، فلم تحرم التفرقة بينهما، كابني العم.
مسألة: السبي وفسخ النكاح
]: إذا سبي الزوج وحده.. لم ينفسخ نكاحه حتى يسترقه الإمام.
وإن سبيت الزوجة وحدها.. انفسخ نكاحها.. ووافقنا أبو حنيفة في الحكم في هذا وخالفنا في العلة؛ فالعلة عندنا: حدوث الرق، والعلة عنده: اختلاف الدارين.
وإن سبي الزوجان معًا.. انفسخ نكاحهما.
وبه قال الليث والثوريُّ وأبو ثور.
وقال أبو حَنِيفَة: (لا ينفسخ النكاح؛ لأن اختلاف الدارين لم يوجد).
دليلنا: ما رُوِيَ: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث سرية إلى أوطاس، فأصابوا نساء ذات أزواج، فتأثم ناس من وطئهن لأجل أزواجهن، فنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] ».
والمراد بالمحصنات هاهنا: الزوجات، فاستحلوا وطأهن، ولم يفرق بين أن يسبى زوجها أو تسبى وحدها.
ورُوِي: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قسم سبي أوطاس وبني المصطلق، وقال: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض» ولم يفرق بين ذات زوج
وغير ذات زوج.
ولأنها ملكت بالقهر والغلبة، فبانت من زوجها، كما لو سبي أحدهما دون الآخر.
وإن سبي الزوجان أو أحدهما وهما مملوكان.. فهل ينفسخ نكاحهما؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: ينفسخ نكاحهما؛ لأنه حدث سبب يوجب الاسترقاق، كما أن الزِّنَى يوجب الحد وإن صادف حدًا.
و [الثاني]: قال الشيخ أبُو إسحاق: لا ينفسخ نكاحهما؛ لأنه لم يحدث بالسبي رق، وإنما حدث انتقال ملك، فلم ينفسخ النكاح، كما لو انتقل الملك فيهما بالبيع.
فرع: سبيت زوجة مشرك وعنده أسرى من المسلمين
إذا سبيت زوجة مشرك فجاء زوجها يطلبها وقال: عندي فلان وفلان من المسلمين مأسورين، فإن أطلقتموها أطلقتهما.. قال الشيخ أبُو حامد: فإن الإمام يقول له: أحضرهما، فإذا أحضرهما.. أطلقهما الإمام ولم يطلق له زوجته؛ لأنهما حران، فلا يجوز أن يكونا ثمن مملوكة له، بل يقال له: إن اخترت أن تشتريها.. فاشترها.
مسألة: اغتنام ما يؤكل
إذا دخل المسلمون دار الحرب، وغنموا منها ما يؤكل، كالحب والخبز واللحم والعسل وما أشبهه، واحتاجوا إلى أكله.. جاز لهم أكله ولا قيمة عليهم فيه؛ لما روي: عن عبد الله بن أبي أوفى، أنه قال: «أصبنا مع رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بخيبر طعامًا، فكان كل واحد منا يأخذ قدر كفايته منه»، ورُوِي عن ابن عمر: «أن جيشًا على عهد رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، غنموا طعامًا وعسلًا، فلم يؤخذ منهم الخمس» يعني: مما أكلوا ولأن الحاجة إلى إباحة ذلك للغانمين؛ لأنه يشق عليهم حمل ما يقتاتون إلى دار الحرب ويشق عليهم أن يشتروا من المشركين.
ولأنه ربما فسد إذا حمل إلى دار الإسلام، وربما كانت المؤنة بنقله أكثر من قيمته، فكانت إباحته للغانمين من غير عوض أولى.
وهل لهم أن يأكلوا منه من غير حاجة لهم إلى الأكل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لهم أكله، كما لا يجوز للإنسان أكل مال غيره بغير إذنه من غير حاجة به إليه.
والثاني ـ وهو ظاهر المذهب ـ: أنه يجوز لهم أكله؛ لما رُوِيَ عن عبد الله بن مغفل، أنه قال: «ولي جراب فيه شحم يوم خيبر، فأتيته فالتزمته، ثم قلت: لا أعطي أحدًا منه شيئًا، فالتفت فإذا برسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خلفي يبتسم»، فلو لم يجز أكل ما زاد على الحاجة.. لنهاه عن ذلك.
فرع: قرض طعام الغنيمة
قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإذا أقرض غيره شيئًا من ذلك الطعام.. جاز).
قال أصحابنا: لم يرد بذلك أنه قرض في الحقيقة؛ لأنه لا يملكه، وإنما أبيح له أخذه، فإذا أخذه.
كان أحق به من غيره.
فأما إذا أقرضه غيره من الغانمين ودفعه إليه.
صار الثاني أحق به من الأول؛ لأن يد الأول زالت عنه وثبتت يد الثاني عليه.
فإذا رده إلى الأول.. صار أحق به أيضًا.
وإن دفعه لغير الغانمين.. وجب عليه رده إلى الغنيمة.
قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن باع شيئًا من ذلك الطعام من بعض الغانمين بطعام آخر.. جاز).
وقال أصحابنا: لم يرد به لأنه ليس ببيع في الحقيقة؛ لما ذكرناه فيما لو أقرضه، وإنما أراد: أن الثاني يصير أحق به من الأول؛ لثبوت يده عليه، ولا يلزمه بدله.
وإن باع منه صاع طعام بصاعين أو أكثر.. جاز للثاني أكله؛ لأنه ليس ببيع فلا يكون ربًا.
وإن باعه من غير الغانمين.. لم يجز؛ لأن الأول لا يملكه والثاني لا يستحقه.
فإذا أخذه بعض الغانمين من المشتري أو دفعه إليه.. صار أحق به.
فرع: علف المركوب وغيره وماذا لو رجع ومعه بقية طعام؟
ويجوز للمجاهد أن يعلف مركوبه وما يحمل عليه رحله من البهائم من العلف الذي يؤخذ من المشركين في دار الحرب، ولا ضمان عليه فيه؛ لأن الحاجة إلى ذلك كحاجته إلى الطعام.
وإن كان مع المجاهد بزاة، أو صقور، أو كلاب صيد.. فليس له أن يطعمها من الغنيمة؛ لأنه لا حاجة به إلى حملها إلى دار الحرب.
وإن خرج المجاهد إلى دار الإسلام ومعه بقية من الطعام.. فقد قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، في موضع: (يرده إلى المغنم؛ لأن حاجته إليه قد زالت)، وقال في موضع آخر: (يكون له).
فمن أصحابنا من قال فيه قولان:
أحدهما: يلزمه رده إلى المغنم؛ لأن حاجته إليه قد زالت.
والثاني: يكون أحق به؛ لأنه لما جاز له أكله في دار الحرب.. جاز له أكله في دار الإسلام.
ومنهم من قال: إن كان كثيرًا.. وجب عليه رده إلى المغنم قولًا واحدًا، وإن كان قليلًا.. فعلى القولين.
والطريق الأول أصح.
وقال الأَوزَاعِي وأبو حَنِيفَة: (إن كان قبل القسمة.. رده إلى المغنم.
وإن كان بعد القسمة.. باعه وتصدق بثمنه).
دليلنا: أنه إن كان له.. فلا يجب عليه أن يتصدق به.
وإن كان للغانمين.. لم يجز له أن يتصدق به.
فرع: غنيمة الأدوية وتوقيح الدابة ولبس ثياب وركوب دابة الغنيمة
]: وإن غنموا أدوية.. لم يجز لأحد منهم أن يتناول منها شيئًا؛ لأنها ليست بقوت والحاجة إليها نادرة.
فإن احتاج بعض الغانمين إلى تناول شيء منها لعلة فيه.. جاز له ذلك، وكان عليه ضمانه.
قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وليس له أن يوقح دابته بدهن من الغنيمة).
و (التوقيح): أن يدهن حافر الدابة؛ لأن هذا دواء وليس بقوت، وكذلك ليس له أن يدهن من دهن الغنيمة؛ لما ذكرناه.
وإن كان في الغنيمة ثياب وفي الغزاة عار.. فليس له أن يلبس شيئًا منها من غير أن يضمنه، ولا لأحد أن يركب شيئًا من دواب الغنيمة من غير ضرورة؛ لما رُوِيَ: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر.. فلا يركب دابة من فيء المسلمين، حتى إذا أعجفها.. ردها فيه.
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر.. فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين حتى إذا خلق.. رده فيه».
[فرع: غنموا حيوانًا مأكولًا أو ركاء وسطائح]
]: فإن غنموا شيئًا من الحيوان المأكول واحتاجوا إلى ذبحه لأكله.. ففيه وجهان:
أحدهما: لهم ذلك، ولا ضمان عليهم فيه، كما لو وجدوا طعامًا أو لحمًا.
والثاني: ليس لهم ذلك؛ لأن الحاجة إليه نادرة، والأول أصح.
فأما جلد هذا الحيوان: فلا يجوز لهم الانتفاع به؛ لأنه ليس بقوت.
قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن اتخذوا منه سيورًا أو ركاء، أو سطائح.. كان عليهم ردها، وأجرة مثلها للمدة التي أقامت في أيديهم، وأرش ما نقصت).
وقال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يجوز أن يذبحوا دابة من دواب الغنيمة لأجل الركاء والسطائح)؛ لما رُوِيَ: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة».
وإن غنموا ركاء وسطائح.. لم يكن لهم استعمالها؛ لأنها ليست بقوت.
فرع: غنيمة الكتب
وإن غنم المسلمون من المشركين كتبًا، فإن كان فيها طب أو نحو أو شعر مباح.. فهي غنيمة؛ لأنها مال.
وإن كان فيها كفر، أو التوراة، أو الإنجيل.. لم يجز تركها؛ لئلا تقع في يد مسلم فتغويه.
فعلى هذا: ينظر فيها: فإن أمكن محو كتابتها، والانتفاع بما كتب عليه.. فعل ذلك.
وإن لم يمكن ذلك.. مزقت، ولا تحرق بالنار؛ لأنه ربما انتفع بالمكتوب عليه بعد التمزيق، ولا يمكن ذلك بعد التحريق.
ولأنها لا تخلو من أن يكون فيه اسم الله تَعالَى.
[فرع: أصابوا خمرًا أو خنزيرًا أو كلابًا أو ما يباح تملكه كالصقر ونحوه]
وإن أصاب المسلمون في دار الحرب خمرًا في دنان.. فإن الخمر يراق، كما لو وجدت في يد مسلم.
وأمَّا الدنان: فإن كان المسلمون قد غلبوا على الدار.. فإن الدنان غنيمة.
وإن لم يغلبوا على الدار، فإن أمكنهم أخذ الدنان.. أخذوها، وإن لم يمكنهم ذلك كسرت؛ لئلا يعصوا الله بها ويتقووا بها على المعاصي.
وإن أصابوا خنازير.. قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (تقتل، ولا أترك عاديًا عليّ مسلم وأقدر على قتله).
فمن أصحابنا من قال: إن كان فيها عدو.. قتلت؛ لما فيها من الضرر.
وإن لم يكون فيها عدو.. لم تقتل؛ لأنه لا ضرر فيها.
ومنهم من قال: تقتل بكل حال؛ لأنه يحرم الانتفاع بها، فوجب إتلافها، كالخمر.
وإن أصابوا كلابًا، فإن كان عقارة.. قتلت؛ لما فيها من الضرر.
وإن كانت ينتفع بها للصيد والماشية والزرع.. قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (قسمت بين الغانمين) يعني: تقر أيديهم عليها، لا أنهم يتملكونها؛ لأن الكلاب لا تملك عندنا.
فإن كان في الغانمين وأهل الخمس أهل صيد أو ماشية أو زرع.. دفعت إليهم.
وإن لم يكن فيهم من ينتفع بها.. قال الشيخ أبُو حامد: قتلت أو تركت؛ لأن اقتناء الكلب لا يجوز لغير حاجة.
وإن وجد في دار الحرب سنانير، أو بزاة، أو صقور.. كانت غنيمة؛ لأنها مملوكة مباحة.
[فرع: ما وجد مباحًا أو لقطة في دار الحرب فهو كالمباح في دار الإسلام]
وكل ما كان مباحًا في دار الإسلام، كالصيد الذي لا علامة عليه في البرية، والأشجار في الموات، والأحجار في الجبال؛ فإن وجد شيء من ذلك في دار الحرب.. فهو لمن أخذه، كما قلنا فيمن وجد ذلك في دار الإسلام.
وإن كان على ذلك أثر يد؛ مثل الصيد المقرط أو الموسوم، أو الشجر في الموات المحوط عليه، والتراب المحوط، والأحجار في البناء.. فهو غنيمة؛ لأن الظاهر من هذه العلامات ثبوت اليد عليها، فكانت غنيمة.
قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن وجد في دار الحرب ما يمكن أن يكون ملكًا للمشركين، ويمكن أن يكون سقط من المسلمين.. أحببت لمن وجده أن يعرفه اليوم واليومين، فإن لم يظهر مالكه.. فهو غنيمة).
هكذا ذكر الشيخ أبُو حامد.
وذكر الشيخ أبُو إسحاق: أنه يعرفه سنة.
[فرع: موات دار الحرب وفتحت مكة عندنا صلحًا لا عنوة]
وإن فتحت أرض عنوة وأصيب فيها موات، فإن لم يمنع الكفار منها.. فهي لمن أحياها، وإن منعوا منها.. ففيها وجهان مَضَى ذكرهما في إحياء الموات.
وإن فتحت صلحًا على أن تكون الأرض لهم.. لم يجز للمسلمين أن يملكوا فيها مواتًا بالإحياء؛ لأن الدار للكفار، فلا يملك المسلمون إحياءها.
إذا ثبت هذا: فإن مكة دخلها رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يوم الفتح صلحًا عندنا لا عنوة، ولسنا نريد بذلك أنه عقد الصلح مع جميع أهل مكة، وإنما عقد الصلح مع أبي سفيان وحده، وعقد لهم الأمان بشرط، ثم وجد الشرط فلزمه الأمان، ولم يكن للنَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، سبي أموالهم وذراريهم، ولا قتل من وجد فيه منهم شرط الأمان إلا من استثناه.
وبه قال مجاهد.
وقال مالك والأَوزَاعِي وأبو حَنِيفَة: (دخلها رسول، الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، عنوة، وكان له أن يقتل ويسبي ويغنم، ولكنه عفا عنهم).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد: 31] [الرعد: 31] الآية.
فأخبر أن مشركي قريش لا يزال تصيبهم القوارع من سرايا رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إلى أن يحل رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قريبًا بقرب ديارهم وتنقطع عنهم القوارع، وهذا لا يكون إلا على قولنا.
ولقوله تَعالَى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: 20] إلى قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: 21] [الفتح: 20-21] والتي عجل لهم: هي غنائم حنين والتي لم يقدروا عليها: قال بعض أهل التفسير: هي غنائم مكة؛ لأنها فتحت صلحًا لا عنوة.
ولما رُوِيَ: أن النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سار إلى مكة.. نزل بمر الظهران.
قال العباس: فقلت في نفسي: إن دخل رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مكة قبل أن يخرجوا إليه فيستأمنوه.. إنه لهلاك قريش، فركبت بغلة رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لعلي أجد ذا حاجة أخبره بذلك، فيخبر أهل مكة ليخرجوا إليه فيستأمنوه، فبينا أنا سائر إذا أنا بأبي سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء، فقلت: أبا حنظلة، فقال أبا الفضل؟ ! قلت نعم.
قال: بأبي أنت وأمي، ما لك؟ فقلت: رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والناس، فقال: ما ترى؟ قلت: اركب خلفي، فركب خلفي، ورجع بديل بن ورقاء، فأتيت به النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمنه، وقال لي: خذه إلى الغد، فلما أن كان من الغد.. جئت به النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلقيني عمر، فقال: الحمد لله الذي أمكن من هذا المنافق بغير إيمان ولا أمان، فقلت له: إن رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قد أمنه، ثم دخلت على رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا، فقال رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن" قال: "وما تغني داري؟ فقال: "ومن دخل المسجد فهو آمن"، فقال: وما يغني المسجد؟ فقال: "ومن أغلق عليه بابه.. فهو آمن، ومن ألقى
السلاح.. فهو آمن".
قال العباس: فقلت له: النجاء إلى قومك فحذرهم، فقال رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أوقفه في المضيق؛ ليرى جند الله"، فأوقفته في المضيق، فمرت به القبائل على راياتها، فمرت بنا مزينة وغطفان، فقال: من هؤلاء؟ فقلت: مزينة وغطفان، فقال: ما لي ومزينة، فأقبل رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في الكتيبة الخضراء من المهاجرين والأنصار لا تبين منهم إلا الحدق، فقال: من هؤلاء؟! فقلت: رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في المهاجرين والأنصار، فقال لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكًا عظيمًا فقلت: ما هذا بملك، إنما هو نبوة، فقال: نعم.
ثم سار أبُو سفيان إلى مكة، وقال: إن محمدًا قد أتاكم بعسكر لا قبل لكم به.
قالوا: فمه؟ قال: من دخل داري.. فهو آمن قالوا: وما تغني دارك؟ قال: ومن دخل المسجد الحرام.. فهو آمن.
قالوا: وما يغنى المسجد؟ قال: ومن أغلق عليه بابه.. فهو آمن، ومن ألقى السلاح.. فهو آمن ـ قال ابن عبَّاس ـ: فتفرق الناس إلى دورهم والمسجد.
وفي رواية أخرى: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما نزل بمر الظهران.. قال لهم: "إن أبا سفيان بالقرب منكم"، فتفرق الناس يطلبونه، فوجده العباس، فأتى به النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال له: "أسلم"، فقال: قومي قومي؟ فقال: "من ألقى سلاحه.. فهو آمن ". قال: فما لي؟ قال: "من دخل دارك.. فهو آمن".
ورُوِي: أن العباس لما أوقفه في المضيق فمرت به القبائل.. استشعر أبُو سفيان فقال: أغدرا يا بني عبد مناف؟ ! قال العباس: لا.
وهذا يدل على تقدم عقد الأمان.
ورَوَى مصعب بن سعد عن أبيه: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمن يوم الفتح الناس كلهم إلا ستة أنفس: مقيس بن صبابة، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وابن خطل، والقينتين جاريتين كانتا لعبد الله بن سعد تغنيان بهجو رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
ولـ: (أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل مكة ولم يقتل غير من استثناه، ولم يسب، ولم يغنم الأموال والديار، بل عفا عن بعض من أمر بقتلهم)، وهذه علامات الصلح لا علامات العنوة.
مسألة: غلول بعض الغانمين لا قطع فيه وماذا لو كان من غيرهم؟
؟]: إذا سرق بعض الغانمين نصابًا من الغنيمة قبل إخراج الخمس.. لم يقطع؛ لأن له حقًا في الخمس وفي الأربعة الأخماس.
وإن سرق نصابًا بعد إخراج الخمس، فإن سرقه من الخمس.. لم يقطع؛ لأن له فيه حقًا.
وإن سرقه من أربعة أخماسها، فإن سرق قدر حقه أو دونه.. لم يقطع؛ لأن له فيما سرقه شبهة.
وإن سرق أكثر من حقه، والزائد على حقه نصاب.. ففيه وجهان:
أحدهما: يقطع؛ لأنه لا شبهة له في سرقة النِّصَاب.
والثاني: لا يقطع؛ لأن حقه شائع في الجميع.
وإن سرق غير الغانمين نصابًا من الغنيمة، فإن سرق منها قبل إخراج الخمس أو من الخمس بعد إخراجه.. لم يقطع؛ لأن له شبهة في الخمس.
وإن سرق من أربعة أخماسها، فإن لم يكن في الغانمين من له شبهة في ماله، كالولد والوالد والسيد.. قطع؛ لأنه لا شبهة له فيه.
وإن كان في الغانمين من له شبهة في ماله.. قال الشيخ أبُو إسحاق: لم يقطع؛ لأن له شبهة فيما سرق.
والذي يقتضي المذهب: أنه ينظر: فإن سرق قدر نصيبه أو دونه.. لم يقطع.
وإن سرق أكثر من نصيبه.. ففيه وجهان، كما لو كان السارق من الغانمين.
مسألة: وطء أحد الغانمين جارية من السبي
إذا غنم المسلمون أموال الكفار وحازوها، فإن كان فيها جارية، فوطئها رجل من الغانمين.. نظرت: فإن كان عددهم غير محصور.. لم يجب عليه الحد.
وبه قال مالك وأبو حَنِيفَة وأكثر الفقهاء.
وقال الأَوزَاعِي وأبو ثور: (عليه الحد).
دليلنا: أنه ملك أن يملك سهمًا منها، وإن كان ذلك السهم غير معلوم.. فصار ذلك شبهة، فسقط به الحد عنه.
وأمَّا التَّعزِير: فإن كان قد نشأ في بلاد الإسلام، وعلم تحريم ذلك.. عزر.
وإن نشأ في بادية بعيدة، ولم يعلم تحريم ذلك.. لم يعزر.
ويجب عليه جميع المهر؛ لأنه وطء في غير ملك يسقط فيه الحد عن الموطوءة، فوجب عليه المهر، كما لو وطئ في نكاح فاسد.
فإن ملكها بعد ذلك.. لم يسقط عنه شيء من المهر، كما لو وطئ جارية غيره بشبهة ثم ملكها.
فإن كانت بحالها، وأخرج الإمام الخمس لأهل الخمس، وقسم أربعة أخماسها بين الغانمين، فدفع جارية من المغنم إلى عشرة من الغانمين بحصتهم من الغنيمة؛ لأن له أن يفعل، فوطئها أحدهم.. نظرت: فإن وطئها بعد أن اختاروا تملكها.. فهي كالجارية بين الشركاء يطؤها أحدهم، فلا يجب عليه الحد، ويجب عليه تسعة أعشار المهر، ويسقط العشر؛ لأن ذلك حصة ملكه.
وإن وطئها قبل أن يختاروا تملكها.. فلا حد عليه، وعليه جميع المهر.
فإن لم يختر الواطئ تملك نصيبه منها بعد وطئه.. أخذ منه جميع المهر.
وإن اختار تملك نصيبه منها بعد وطئه.. سقط عنه عشر مهرها؛ لأنه لا معنى في أن يؤخذ منه جميع المهر، ثم يرد إليه العشر منه.
قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإن أحضر المغنم، فعلم كم قدر حقه منها.. سقط عنه من المهر بقدر حصته).
قال أبُو إسحاق: يحتمل أنه أراد هاتين المسألتين: الأولى والثانية.
وقال الشيخ أبُو حامد: الظاهر أنه أراد به الثانية وحدها؛ لأن المهر في الثانية قد وجب كله، ثم سقط منه حصته، وفي الأولى لم تجب حصته من المهر أصلًا.
وأمَّا إذا كان عدد الغانمين محصورًا، فوطئ رجل منهم الجارية قبل القسمة، واختار التملك.. لم يجب عليه الحد للشبهة، ويجب عليه جميع المهر، ثم ينظر فيه.
فإن لم يختر نصيبه منها بعد ذلك.. استوفي منه جميع المهر للغانمين.
وإن اختار تملك نصيبه منها.. أخرج من المهر الخمس لأهل الخمس، ويسقط من أربعة أخماسه ما يخص نصيبه من الجارية، وأخذ الباقي منه للغانمين.
والفرق بين هذه وبين الأولى: أن عدد الغانمين إذا كان غير محصور.. لا يعلم قدر حصته من الغنيمة، فلم يسقط عنه قدر نصيبه من المهر.
وإذا كان عددهم محصورًا.. علم قدر حصته منها.. فلذلك سقط عنه ما يخص نصيبه من المهر.
هذا الكلام إذا لم يحبلها، فأما إذا أحبلها الواطئ.. نظرت: فإن كان عدد الغانمين غير محصور.. فإن الولد حر، ويلحق الواطئ نسبه.
وقال أبو حَنِيفَة: (لا يلحقه نسبه، ويكون مملوكًا للغانمين).
دليلنا: أنه وطء يسقط فيه الحد عن الواطئ للشبهة، فلحقه نسبه، كما لو وطئ امرأة بنكاح فاسد.
ولا تصير الجارية أم ولد له في الحال؛ لأنها علقت منه بحر في غير
ملكه.
فإن ملكها بعد ذلك.. فهل تصير أم ولد؟ فيه قولان.
وهل تقوم الجارية على الواطئ، أو تقسم بين الغانمين؟ اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: إن قلنا: إنها تصير أم ولد له إذا ملكها فيما بعد.. قومت عليه، لأن الذي يمنع من كونها أم ولد له هو أنها ليست بمملوكة له، وقد يمكن أن تصير مملوكة بالقيمة حتى تصير أم ولد له.
وإن قلنا: لا تصير أم ولد له فيما بعد.. لم تقوم عليه.
وقال أبُو إسحاق: تقوم عليه قولًا واحدًا لأنه لا يجوز قسمتها بين الغانمين ولا بيعها؛ لأنها حامل بحر، ولا يجوز أن تؤخر قسمتها إلى أن تضع؛ لأن فيه ضررًا على الغانمين، فلم يبق إلا التقويم.
فإذا قلنا: لا تقوم عليه.. فلا كلام.
وإن قلنا: تقوم عليه، فإن كانت قيمتها قدر حقه.. أخذها.
وإن كانت قيمتها أقل من حقه من الغنيمة.. أخذها وأخذ تمام حقه من الغنيمة.
وإن كانت قيمتها أكثر من حصته من الغنيمة.
وجب عليه دفع الفضل إلى الغانمين، فإن لم يكن معه الفضل.. قال الشيخ أبُو حامد: بقي منها قدر الزيادة رقيقًا للغانمين، وصار الباقي أم ولد له.
وهل تلزمه قيمة الولد؟
إن قلنا: تقوم الجارية عليه، فقومت عليه، ثم وضعت الولد.. لم يجب عليه قيمته؛ لأنها وضعته في ملكه.
وإن قلنا: لا تقوم عليه الأم، أو قلنا: تقوم ولكن لم تقوم حتى وضعت.. فعليه قيمة الولد؛ لأنها وضعته في غير ملكه.
فأما إذا أفرد الجماعة منهم جارية، فاختاروا تملكها، ثم وطئها أحدهم وأحبلها.. فالحكم فيها كالحكم في الجارية المشتركة إذا أحبلها أحدهم، وقد مَضَى بيانها في (العتق).
فرع: وجد في المغنم من يعتق على بعضهم
وإن كان في الغنيمة من يعتق على بعض الغانمين إذا ملكه.. نظرت: فإن كان عدد الغانمين غير محصور.. فإن الغانم لا يملك شيئًا من الغنيمة إلا بالقسمة واختيار التملك.
فإن قسمت الغنيمة، فخرج في سهمه من يعتق عليه واختار تملكه.. عتق عليه.. وإن خرج بعضه في سهمه واختار تملكه.. عتق عليه منه سهمه، وقوم عليه الباقي وعتق إن كان موسرًا به، ولا يقوم عليه ولا يعتق إذا كان معسرًا.
وإن كان عدد الغانمين محصورًا.. فإن الغانم لا يملك شيئًا قبل اختيار التملك.
فإن اختار التملك.. عتق عليه نصيبه منه، وقوم عليه الباقي إن كان موسرًا، ولا يقوم عليه إن كان معسرًا.
فرع: أسر من يعتق عليه
قال ابن الحداد: إذا أسر أباه منفردًا به.. لم يعتق عليه؛ لأن الأسير لا يصير رقيقًا إلا باسترقاق الإمام واختياره.
فإن اختار الإمام استرقاقه واختار الولد تملكه.. عتق عليه أربعة أخماسه، وقوم عليه الخمس إن كان موسرًا، ولا يقوم عليه إن كان معسرًا.
وأمَّا إذا أسر الرجل أمه أو ولده الصغير.. فإنهما يصيران رقيقين بنفس الأسر، فإن اختار تملكهما.. عتق عليه أربعة أخماسهما، وقوم عليه الباقي إن كان موسرًا، ولا يقوم عليه إن كان معسرًا.
وإن لم يختر تملكهما.. كان أربعة أخماسهما لأهل المصالح، والخمس لأهل الخمس.
فرع: بيع الحربي وزوجته أو أصوله أو فروعه
قال ابن الحداد: ولو أن حربيًا باع من المسلمين امرأته وقد قهرها.. جاز.
ولو باع أباه أو ابنه وقد قهرهما.. لم يجز؛ لأنه إذا قهر زوجته.. ملكها، فإذا باعها.. صح بيعه، وإذا قهر أباه أو ابنه.. عتق عليه، فإذا باعه.. لم يصح بيعه.
مسألة: موجب الحد في دار الحرب
]: من فعل في دار الحرب معصية يجب عليه فيها الحد إذا فعلها في دار الإسلام، كالزنا والقذف والسرقة.. وجب عليه الحد فإن كان الإمام في دار الحرب، أو الأمير من قبله على الإقليم وهو غير مشغول بالقتال.. أقام عليه الحد، وإن كان مشغولًا بالقتال.. أخر إقامته إلى أن يفرغ من القتال، أو إلى الخروج إلى دار الإسلام.
وإن لم يكن في دار الحرب إلا الأمير على الجيش، فإن جعل الإمام إليه إقامة الحد.. أقام عليه الحد.
وإن لم يجعل إليه إقامة الحد.. لم يقمه عليه، فيقيمه الإمام إذا خرج إلى دار الإسلام.
وقال أبو حَنِيفَة: (إن كان معهم الإمام في دار الحرب أو الأمير على الإقليم.. أقام عليه الحد.
وإن لم يكن معهم إلا الأمير على الجيش.. لم يقم عليه الحد، ولا يقيمه عليه إلا الإمام بعد خروجه إلى دار الإسلام).
دليلنا: الظواهر في وجوب هذه الحدود، ولم تفرق.
ولأن كل دار لو كان فيها إمام أقيم فيها الحد.. وجب إذا لم يكن فيها إمام أن يقام فيها الحد، كدار الإسلام.
فرع: قتل مسلم مسلما في دار الحرب
]: وإن قتل مسلم مسلما في دار الحرب.. وجب عليه بقتله ما يجب عليه بقتله في دار الإسلام.
وقال أبو حنيفة: (إن كان المقتول حربيًا أسلم ولم يخرج إلى دار الإسلام، أو كان أسيرًا.. فلا قَوْد على قاتله ولا دية عليه، بل عليه الكفارة.
وإن كان حرًا.. ففيه الدية والكفارة).
دليلنا: الظواهر في وجوب القود والدية، ولم تفرق.
ولأنه حكم يتعلق بالقتل في دار الإسلام، فجاز أن يتعلق بالقتل في دار الحرب كالكفارة.
فرع: نقل أخبار المسلمين إلى الكفار
]: إذا تجسس المسلم للكفار، وأوقفهم على أخبار المسلمين، ودلهم على عوراتهم.. فلا يجب قتله بذلك؛ لما رُوِيَ: «أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إليهم عام الفتح وأرسله مع امرأة، فأمر النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، من تبعها، فأخرجت الكتاب من عقاصها ـ وهي: ضفيرة رأسها ـ وأتى به النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما حملك على هذا يا حاطب؟ ! "فقال: "والله يا رسول الله، ما تغيرت منذ أسلمت، ولكن لكل أحد من المهاجرين عشيرة، ولي فيها مال، وليس لي فيها أهل ولا عشيرة، فأردت أن أصطنع إليهم وأتخذ عندهم يدًا أحفظ بها مالي.
فقام عمر فقال: دعني يا رسول الله، أضرب عنق هذا المنافق، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك: لعل الله قد اطلع على أهل بدر؟ فقال: "اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم».
مسألة: غنيمة المشركين من المسلمين
إذا قهر المشركون المسلمين، وأخذوا شيئًا من أموالهم.. لم يملكه المشركون بذلك، ومتى ظهر المسلمون عليهم وأخذوا ذلك المال.. فمالكه أحق به، فإنه كان وجده قبل القسمة.. أخذه، وإن لم يجده إلا بعد القسمة.. أخذه ممن وقع في سهمه، وأعطى الإمام من وقع في سهمه عوضه من سهم المصالح.
هذا مذهبنا، وبه قال أبُو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعبادة بن الصامت، وإحدى الروايتين عن عمر
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وهو قول ربيعة والزهريُّ.
وقال عمرو بن دينار: إذا حازه المشركون إلى دار الحرب.. ملكوه، فإذا ظهر المسلمون عليهم وغنموه.. فهو للغانمين، سواء كان قبل القسمة أو بعد القسمة.
وقال الأَوزَاعِي ومالك وأبو حَنِيفَة وأصحابه: (إذا حازه المشركون إلى دار الحرب.. ملكوه، فإذا ظهر المسلمون عليهم وغنموه، فإن وجده صاحبه قبل القسمة.. فهو أحق به، فيأخذه بلا شيء.
وإن وجده بعد القسمة.. فهو أحق به بالقيمة، فيرد قيمته على من وقع في سهمه)، إلا أن أبا حَنِيفَة قال: (إذا أسلم هذا الكافر الذي حصل في يده.. فإنه أحق به من صاحبه.
وإن دخل مسلم دار الشرك متلقصا وسرق ذلك المال.. فصاحبه أحق به بالقيمة.. وإن ملكه مسلم من المشرك ببيع.. فصاحبه أحق به.
ويرد الثمن على المشتري.
وإن ملكه مسلم منه بهبة.. فصاحبه أحق به بقيمته.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: 27] [الأحزاب: 27].
فامتن علينا بأن ملكنا أرض المشركين وأموالهم بالقهر والغلبة، فلو كان المشركون يملكون ذلك علينا بالقهر والغلبة.. لساوونا في ذلك وبطل موضع الامتنان.
ورَوَى عمران بن الحصين: «أن المشركين أغاروا على سرح رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فذهبوا به وذهبوا بالعضباء ـ ناقة النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأسروا امرأة من المسلمين وأوثقوها، فانفلتت من وثاقها ذات ليلة، فأتت الإبل، فكلما مست بعيرًا.. رغى، حتى أتت العضباء فمستها فلم ترغ، فركبتها وصاحت بها، فانطلقت، فطلبت فلم يروها، فركبوا خلفها، فنذرت إن نجاها الله عليها.. لتنحرنها، فلما قدمت المدينة.. عرفت الناقة: أنها ناقة رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فذكرت نذرها، فأخبر النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بذلك فقال: "سبحان الله! بئس ما جزتها، لا وفاة لنذر ينذر في معصية الله، ولا فيما لا يملكه ابن آدم».
فلو كانوا قد ملكوها.. لما جاز للنبي أخذها من المرأة.
مسألة: المسلم يأسره الكفار ويقدر على الهروب
إذا أسر المشركون مسلما ً، وحملوه إلى دار الحرب، ثم أطلقوه، وأمنوه بلا ثمن.. نظرت:
فإن أطلقوه وأمنوه على أن يكون في ديارهم.. فلا يجوز له المقام في دار الشرك لأن مقامه فيها معصية، فيجب عليه أن يهرب، ولكن لا يجوز له أن يسبي أحدا منهم ولا يقتله ولا يأخذ شيئًا من أموالهم؛ لأنهم إذا أمنوه.. اقتضى أن يكونوا منه في أمان.
وحكى الشيخ أبُو إسحاق عن أبي عليّ بن أبي هُرَيرَة أنه قال لا أمان لهم منه لأنهم لم يستأمنوه.
والأول هو المشهور.
وإن أطلقوه على أن يقيم في أرضهم ولم يؤمنوه.. وجب عليه الهرب منهم وجاز له قتلهم وسبيهم وأخذ أموالهم؛ لأنه لا أمان بينه وبينهم.
وإن أطلقوه على أن يقيم في أرضهم وحلفوه على أن لا يخرج، فإن أكرهوه على اليمين.. لم يلزمه حكم اليمين، وعليه أن يخرج.
قال الشيخ أبُو حامد: ولا يجوز له أن يقتل منهم ولا يسبي ولا يأخذ شيئًا من أموالهم؛ لأن إحلافهم له أمان منهم.
وإن لم يكرهوه على اليمين، بل حلف من عند نفسه.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنها يمين إكراه.
فإن خرج.. لم تلزمه الكفارة؛ لأنه لا يقدر على الخروج إلا باليمين، فهو كما لو أكرهوه عليها.
والثاني: أنها ليست بيمين إكراه، وهو المشهور؛ لأنه حلفها باختياره، إلا أنها يمين على فعل ما لا يجوز له فعله، فيلزمه الخروج، وإذا خرج.. لزمته كفارة.
[فرع: وعد الأسير المسلم أن يدفع للمشركين مالًا]
وإن أطلقوه على أن ينفذ إليهم من دار الإسلام مالًا اتفقوا عليه، فإن لم ينفذه إليهم.. عاد إليهم، وهل يلزمه إنفاذ المال إليهم إذا وجده؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال الشيخ أبُو إسحاق: لا يلزمه؛ لأنه ضمان مال بغير حق، إلا أن المستحب، أن ينفذه إليهم؛ ليكون ذلك طريقًا إلى إطلاق الأسارى.
وقال الشيخ أبُو حامد، وأكثر أصحابنا: يلزمه إنفاذ المال إليهم؛ لأن فيه مصلحة؛ لأنه إذا لم ينفذه إليهم.. لم يثقوا بقول الأسارى في ذلك، فلا يطلقوهم.
والذي يقتضي المذهب: أنه متى أنفذ إليهم المال، إما مستحبًا على قول الشيخ أبي إسحاق، أو واجبًا على قول غيره.. فإنهم لا يملكونه، بل يكون كالذي أخذوه منه قهرًا على ما مَضَى؛ لأنهم أخذوه بغير حق.
وإن لم يقدر على المال الذي شرطوه عليه.. لم يلزمه العود إليهم.
وقال الأَوزَاعِي: (يلزمه العود إليهم).
دليلنا: أن مقامه في دار الشرك معصية، فلا يلزمه العود إليها.
فرع: أخذ الأسير مالا من أحد المشركين على أن يرده وماذا لو وكله المشرك
]: وإن أخذ الأسير مالا من بعض المشركين على أن ينفذ إليهم عوضه من دار
الإسلام.. لزمه أن ينفذ إليهم عوضه؛ لأنه أخذه منهم بعقد، وعقد المسلم مع الكافر صحيح؛ بدليل: أنه لا يصح أن يبتاع منه درهمين بدرهم.
وإن أعطاه المشرك شيئا ليبيعه له في دار الإسلام ويرده عليه.. كان وكيلا ًله، كما لو وكله مسلم على بيع ماله.
[مسألة: في إظهار الله تَعالَى للإسلام]
قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33] [التوبة: 33].
فاعترض على هذا، وقيل: كيف أخبر الله تَعالَى: أنه يظهر دين الإسلام على الأديان كلها وقد وجدنا الأديان كلها باقية؛ مثل دين اليهود والنصارى والمجوس؟
فأجاب أصحابنا عن ذلك بأربعة أجوبة:
أحدها: أنه أراد إظهار الإسلام بالحجج والبراهين؛ لأنه ما من أحد يتفكر في معجزات النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التي أتى بها في حياته.. إلا ويعلم أن دين الإسلام حق، وإن غيره باطل.
والثاني: أنه أراد بالآية إظهار الإسلام في الحجاز دون غيره من البلاد؛ لأن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث فيه وكانت فيه أديان مختلفة، فأسلم بعضهم، وقتل بعضهم، ودخل تحت الجزية والصغار بعضهم.
والثالث: أن الإسلام قد ظهر على كل دين؛ لأنه ما من دين إلا وقد أثر الإسلام فيه، وإن كان قد بقي منه بقية.
والرابع: أنه أراد بالآية: أنه إذا نزل عيسى ابن مريم؛ لأنه لا يبقى على وجه الدنيا دين غير دين الإسلام؛ بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يوشك أن ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب».
وهذا موافق لما رُوِيَ: أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها».
وإنما يكون ذلك إذا نزل عيسى ابن مريم، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقوله: «زويت لي الأرض» أي: جمعت.
وبالله التوفيق
باب الأنفال
واحد الأنفال: نفل، يقال: بتحريك الفاء وسكونها.
وإنما سمي بذلك؛ لأنه زائد على السهم الراتب، كما سميت صلاة التطوع نافلة؛ لأنها زائدة على الصلاة الواجبة.
والنفل: أن يعلق الإمام أو الأمير على الجيش استحقاق مال من الغنيمة بفعل يفضي إلى الظفر بالعدو؛ بأن يقول: من دلنا على القلعة الفلانية، أو من فتحها، أو من تقدم في السرية الفلانية.. فله كذا.
فإذا فعل رجل ذلك.. استحق ما شرطه له
الإمام؛ لما رَوَى ابن عمر قال: «بعث رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، سرية قبل نجد فيها عبد الله بن عمر، فأصابوا إبلًا كثيرة، فبلغت سهامهم اثني عشر بعيرًا، ونفلهم رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بعيرا بعيرًا».
ورَوَى عبادة بن الصامت: (أن «النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفل في البدأة الربع، وفي القفول الثلث».
وروي: «في الرجعة الثلث».
و (القفول): الرجوع.
واختلف تأويل البدأة والرجعة.
فقيل: (البدأة): هي السرية التي ينفذها الإمام أول ما يدخل بلاد العدو، و (الرجعة): هي السرية التي ينفذها بعد رجوع الأولى؛ لأن عمل الثانية أشق من عمل الأولى؛ لأن الأولى تدخل والعدو وعلى غفلة، والثانية تدخل والعدو على حذر.
وقيل: (البدأة): هي السرية التي ينفذها الإمام وقت دخوله بلاد العدو.
و (الرجعة): التي ينفذها بعد رجوعه من بلاد العدو.
ولأن حال الأولى أسهل؛ لأن الإمام من ورائهم يعضدهم، والثانية ليس وراءها من يعضدها.
إذا ثبت هذا: فالنفل عندنا غير مقدر، بل هو إلى رأي أمير الجيش، ويختلف باختلاف قلة العمل وكثرته؛ لـ: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث» وإنما خالف بينهما؛ لأن العمل فيهما يختلف على ما مَضَى.
مسألة: مصدر النفل من خمس الخمس من الغنيمة
النفل مستحق من خمس الخمس؛ لما رُوِيَ عن سعيد بن المسيب أنه قال: كانوا يعطون النفل من الخمس، ومعناه: من خمس الخمس.
ولأنه مال يدفع لمصلحة المسلمين، فأشبه ما يصرف في المساجد والقناطر.
وما رُوِيَ في الخبر: (أنه نفل في البدأة الربع، وفي القفول الثلث).. فله تأويلان:
أحدهما: أنه شرط لكل واحد منهم قدر ربع سهمه الذي يصيبه في البدأة، وقدر ثلث سهمه الذي يصيبه في القفول.
والثاني ـ وعليه أكثر أهل العلم ـ: أنه جعل لهم في البدأة قدر ربع ما يغنمون بعد الخمس، وقدر ثلث ذلك في القفول، ويخرجه في الحالين من الخمس؛ لما رُوِيَ عن رجل من فهر: أنه قال: «شهدت النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس».
فإن قيل: قد رُوِيَ عن ابن عمر: أنه قال: «كنت في سرية فنفلهم رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بعيرًا بعيرًا، وبلغت سهامهم اثني عشر بعيرًا»، وهذا أكثر من خمس الخمس؟.
قلنا: فيه تأويلان:
أحدهما: أنه كان في الغنيمة غير الإبل، فخرجت الإبل التي صرفها في النفل من خمس خمس تلك الغنيمة.
والثاني: أن الإبل التي صرفها في النفل.. لم تكن تخرج من خمس تلك الغنيمة، وإنما تممها رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، من سهم المصالح في بيت المال، وللإمام أن يفعل ذلك.
وأمَّا دفع رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في هذا النفل بعيرًا بعيرًا.. فله تأويلان أيضًا:
أحدهما: أنه كان قد شرط لهم بعيرًا بعيرًا.
والثاني: أنه كان قد شرط لهم نصف سدس سهامهم، فبلغ سهم كل واحد منهم اثني عشر بعيرًا، وكان نصف سدس سهمه بعيرًا.
مسألة: جعل الإمام جارية لمن دله على قلعة فدله واحد
إذا قال: الإمام أو الأمير على الجيش: من دلنا على القلعة الفلانية فله منها الجارية الفلانية وسماها، أو قال له منها جارية ولم يسمها.. فإن ذلك جعالة صحيحة؛ لما رَوَى عدي بن حاتم: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "كأني بالحيرة قد فتحت" فقال رجل: يا رسول الله، هب لي جارية منها، فقال: "قد فعلت"، فلما فتحت الحيرة بعد رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أعطي ذلك الرجل جارية منها، فقال له أبوها: بعنيها بألف درهم، فقال: نعم، فقيل له: لو طلبت بها ثلاثين ألفًا لأعطاك، فقال: وهل عدد أكثر من ألف؟!!» فلما وهب له النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منها جارية مجهولة لا يملكها؛ لأنها من المشركين.. جاز عقد الجعالة عليها.
وروي: (أن أبا موسى الأشعري عاقد دهقانًا على أن يفتح له قلعة على أن يختار أربعين نفسًا منها، فلما فتحها لهم.. كان يختار، وأبو موسى يقول: اللهم أنسه نفسه، فلما اختار الأربعين ولم يختر نفسه.. أخذه أبُو موسى فقتله).
ولا مخالف له في الصحابة.
فإن قيل: كيف صحت هذه الجعالة بمال لا يملكه الباذل وهو مجهول أيضًا؟
فالجواب: أن الجعالة إنما تفتقر إلى عوض معلوم يملكه الباذل، إذا عقد ذلك في أموال المسلمين، فأما إذا عقد في أموال المشركين.. فيصح أن يكون العوض مجهولًا لا يملكه الباذل، كما روي: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نفل في البدأة الربع، وفي القفول الثلث»، وإنما يأخذونه من خمس الخمس وإن كان غير مملوك وقت العقد ولا معلوم.
قال أصحابنا البغداديون: ولا فرق بين أن يكون الدليل مسلمًا أو كافرًا.
وقال الخراسانيون: إن كان الدليل مسلمًا.. فهل يصح هذا العقد معه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن الشافعي، إنما نص فيها على دلالة العلج، و (العلج): لا يكون إلا كافرًا.
ولأنه عقد فيه نوع غرر فلم يجز مع المسلمين، كسائر العقود.
والثاني: يصح، وهو المشهور؛ لأنه عقد جعالة يصح مع الكافر فصح مع المسلم، كالجعالة على رد الآبق.
وإنما نص الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على دلالة العلج؛ لأنه هو الذي يعرف طرقهم في الغالب.
إذا ثبت هذا، فدلهم رجل على هذه القلعة.. فينظر فيه: فإن لم تفتح القلعة.. لم يستحق الدليل شيئًا.
ومن أصحابنا من قال: يرضخ له لدلالته.
وليس بشيء؛ لأنه لما قال: من دلنا على القلعة الفلانية فله جارية منها.. فالظاهر أنه جعل له الجارية بشرطين: الدلالة والفتح، فإذا لم يوجد أحدهما.. لم يستحق شيئًا.
وإن فتحت القلعة.. نظرت: فإن فتحت عنوة وكان الشرط على جارية معلومة وهي فيها، أو كان الشرط على جارية مجهولة وليس في القلعة غير جارية واحدة، فإن
كانت الجارية كافرة.. سلمت إلى الدليل، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، ولا يستحق أهل الخمس ولا الغانمون منها شيئًا؛ لأن الدليل استحقها بسبب سابق، وسواء كانت حرة أو أمة للمشركين.
وإن أسلمت الجارية الحرة قبل أسرها.. لم تسلم إلى الدليل سواء كان مسلمًا أو كافرًا؛ لأن إسلامها قبل أسرها يمنع من استرقاقها.
قال أبُو العباس: وفيها قول آخر: أنها تسلم إلى الدليل؛ لأنه قد استحقها قبل إسلامها.
وليس بشيء.
فإذا قلنا: لا تسلم إليه.
فهل يستحق الدليل شيئًا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يستحق شيئًا؛ لأنها صارت كالمعدومة.
والثاني ـ وهو قول أصحابنا البغداديين، وهو الأصح ـ: أنه يستحق قيمتها؛ لأن الشَّرع لما منع استرقاقها لإسلامها.. أوجب دفع قيمتها، كما: (أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما صالح أهل مكة على أن يرد إليهم من جاءه من المسلمات ومنعه الله تَعالَى من ردهن.. أمره برد مهورهن إليهم).
وإن أسلمت بعد ما أسرت، فإن كان الدليل مسلما ً.. سلمت إليه.
وإن كان كافرًا.
فإن قلنا: يصح شراء الكافر للجارية المسلمة.. سلمت إليه، وأجبر على إزالة ملكه عنها.
وإن قلنا: لا يصح شراؤه لها.. لم تسلم إليه، وسَلَّم إليه قيمتها، وقسمت بين الغانمين.
فإن فتحت عنوة، وكانت الجارية قد ماتت.. ففيه قولان:
أحدهما: أن للدليل قيمتها؛ لأن تسليمها قد تعذر بموتها، فوجبت له قيمتها كما لو أسلمت.
والثاني: لا يجب له قيمتها؛ لأنه إنما استحقها بعينها، فإذا ماتت.. لم يستحق شيئًا، كما لو قال من رد عبدي الآبق فله هذا العبد.. فمات العبد المبذول.
هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: إن ماتت قبل الظفر بها.. لم يستحق الدليل شيئًا.
وإن ماتت بعد الظفر بها، وأرادوا قبل تسليمها إليه.. فهل يستحق قيمتها؟ فيه قولان.
وإن لم يكن في القلعة من المال غير الجارية.. ففيه وجهان، حكاهما المسعوديُّ [في " الإبانة "]:
أحدهما: تسلم إلى الدليل للشرط السابق.
والثاني: لا تسلم إليه؛ لأن هذا تنفيل، ولا يجوز للإمام أن ينفل جميع الغنيمة، وهذه الجارية جميع الغنيمة.
وإن فتحت القلعة صلحًا.. نظرت: فإن شرط على أن يكون جميع ما فيها لنا، أو كان الصلح على أن ما في القلعة لأهلها إلا الجارية.. فهو كما لو فتحت القلعة عنوة.
وإن كان على أن لصاحب القلعة أهله وعشيرته أو من يختاره منها، وكانت الجارية من أهله وعشيرته أو ممن اختاره.. قال الشيخ أبُو حامد: فإن أبا إسحاق قال الصلح صحيح والجعالة صحيحة، ثم يقال للدليل: هذه الجارية التي جعلناها لك قد صالحنا عليها، أفترضى بقيمتها؟ فإن رضي بقيمتها.. دفعت إليه القيمة وأمضينا الصلح.
وإن لم يرض إلا بالجارية.. قيل لصاحب القلعة: صالحناك على ما جعلناه لغيرك، أفتسلم الجارية ونعطيك قيمتها؟ فإن سلمها.. سلمت إلى الدليل، ودفع إلى صاحب القلعة قيمتها، وأمضينا الصلح.
وإن لم يسلمها صاحب القلعة.. قيل له: صالحناك على شيء ولا يمكن الوفاء به، فترد عليك ونتركك حتى تمتنع كما كنت، وتصير حربًا لنا.
وأمَّا الشيخ أبُو إسحاق: فحكى فيها وجهين:
أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق المَروَزِيُّ ـ: أن الجارية للدليل، وشرطها في الصلح لا يصح.
والثاني: شرطها في الصلح صحيح؛ لأن الدليل لو عفا عنها.. أمضي الصلح ولو كان العقد فاسدا ً.. لافتقر إلى عقد آخر.
فرع: جعل الأمير جارية لمن دل على موقع فدله جماعة
إذا قال الأمير: من دلنا على القلعة.. فله منها جارية، فدله عليها اثنان أو ثلاثة أو أكثر.. استحقوا الجارية، كما قلنا في رد العبد الآبق.
[فرع: شرط الإمام بأن من أخذ شيئًا فهو له]
قال في " الأم ": (إذا قال الإمام قبل التقاء الفريقين: من أخذ شيئًا.. فهو له بعد الخمس.. فذهب بعض الناس إلى جوازه؛ لأن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يوم بدر: «من أخذ شيئًا فهو له» قال الشافعي، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وهذا الحديث لا يثبت، والصحيح في السنة: أنه يقسم الخمس لأهل الخمس وأربعة أخماسها للغانمين، ولو قال قائل بذلك.. كان مذهبًا)، فأومأ فيه إلى قولين:
أحدهما: يكون على ما شرطه الإمام ـ وبه قال أبو حَنِيفَة ـ لما ذكرناه من الخبر يوم بدر.
والثاني: لا يصح شرط الإمام في ذلك؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، وهذا يقتضي: اشتراكهم فيها من غير تخصيص، وهو قول النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في يوم بدر؛ لأن الغنائم كلها كانت له يومئذ برمتها.
وبالله التوفيق
باب قسم الغنيمة
الغنيمة: ما أخذه المسلمون من أهل الحرب بالقهر.
وكانت الغنيمة محظورة في شرع من قبلنا، تنزل نار من السماء فتحرقها.
وكانت في شرعنا في أول الإسلام للنبي، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] [الأنفال: 1] الآية.
ثم نسخت هذه الآية بقوله تَعالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] [الأنفال: 41] الآية.
فإذا قهر الجيش الذي مع الإمام، أو الجيش الذي خرج بإذنه أهل الحرب على شيء.. نظر فيه: فإن كان مما ينقل، كالدراهم والدنانير وما أشبههما، فإن كان فيه مال للمسلم.. دفعه إليه.
وإن كان فيه سلب لقاتل.. دفعه إليه ـ على ما مَضَى ـ ثم يدفع من الباقي أجرة النقال والحافظ؛ لأنه مصلحة للغانمين.
ثم يدفع الرضخ من الباقي إذا قلنا: يرضخ من رأس الغنيمة.
وما بقي.. قسم على خمسة أسهم: سهم لأهل الخمس، والباقي للغانمين على ما يأتي بيانه إن شاء الله عز وجل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] [الأنفال: 41] الآية.
فأضاف الغنيمة إلى الغانمين، ثم قطع الخمس لأهله، فكان الظاهر أن ما بقي بعد الخمس على مقتضى الإضافة.
وإن كانت الغنيمة مما لا ينقل، كالأرض والدور.. فمذهبنا: أن الحكم فيها كالحكم فيما ينقل.
وبه قال الزبير وبلال.
وقال عمر، ومعاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وسفيان الثوريُّ، وابن المبارك: (الإمام فيها بالخيار: إن شاء قسمها كما قلنا، وإن شاء وقفها على المسلمين).
وقال أبو حَنِيفَة وأصحابه: (الإمام فيها بالخيار: إن شاء قسمها بين الغانمين، وإن شاء وقفها على المسلمين، وإن شاء أقرها في أيدي أهلها وضرب عليهم الخراج على وجه الجزية، وإذا أسلموا.. لم يسقط عنهم ذلك، ويجوز أن يخرج عنها أهلها ويسكنها قومًا آخرين ويضرب عليهم الخراج).
وقال مالك: (تصير وقفًا على المسلمين بنفس الفتح).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] [الأنفال: 41] الآية، ولم يفرق بين ما ينقل وما لا ينقل.
مسألة: ما يغنم بغير إذن الإمام
وإن غزت سرية من المسلمين دار الحرب بغير إذن الإمام فغنمت مالًا.. فإنه يخمس.
وحكى الشيخ أبُو حامد: أن من أصحابنا من قال لا يخمس.
وليس بشيء.
وقال أبو حَنِيفَة: (إن كانت لهم منعة.. خمس.
وإن لم تكن لهم منعة.. لم يخمس).
وقال أبُو يوسف: إن كانوا تسعة أو أكثر.. خمس.
فإن كانوا أقل.. لم يخمس.
وقال الحَسَن البَصرِيّ: يؤخذ منهم جميع ما غنموه عقوبة لهم؛ حيث غزوا بغير إذن الإمام.
وقال الأَوزَاعِي: (الإمام بالخيار: بين أن يخمسه وبين أن لا يخمسه).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] [الأنفال: 41] الآية، ولم يفرق بين أن يغزوا بإذن الإمام أو بغير إذنه.
ولأنه مال مأخوذ من حربي بالقهر فكان غنيمة، كما لو غزوا بإذن الإمام.
فرع: شروط تملك الغنيمة
ومكان تقسيمها على الغانمين]: وإذا غنم المسلمون من المشركين مالًا وحازوه وانقضى القتال.. فإنهم لا يملكونه بذلك، وإنما ملكوا أن يملكوه، ولا يملك أحد منهم سهمه إلا بأن يختار التملك، أو بأن يقسم له الإمام سهمه ويسلمه إليه ويقبله.
فإن كان الإمام والجيش في دار الحرب بعد انقضاء القتال وحيازة الغنيمة.. نظرت:
فإن كان هناك عذر يدعو إلى تأخير قسمة الغنيمة إلى أن يخرجوا إلى دار الإسلام؛ بأن كانوا يخافون كرة المشركين عليهم عند اشتغالهم بالقسمة، أو كانوا في موضع قليل العلف أو الماء مع حاجتهم إليه.. لم يكره تأخير القسمة إلى أن يزول العذر، أو إلى الخروج إلى دار الإسلام.
وإن لم يكن هناك عذر يدعو إلى تأخير القسمة.. قسم الإمام الغنيمة، ويكره له تأخيرها إلى الخروج إلى دار الإسلام.
وقال أبو حَنِيفَة: (يكره له قسمة الغنيمة في دار الحرب مع التمكن من القسمة فيها، فإن قسمها هناك.. صحت القسمة، إلا أن يحتاج الغانمون إلى شيء من الغنيمة مثل الثياب وغيرها.. فلا تكره قسمتها في دار الحرب).
دليلنا: ما روي: (أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قسم غنائم بدر في شعب من شعاب الصفراء قريب من بدر)، وبدر كانت دار شرك؛ لأنه قريب من مكة.
وروي: «أن النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قسم غنائم بني المصطلق على مياههم» و: «غنائم هوازن في ديارهم، وغنائم حنين في أوطاس»، وهو واد من حنين ولم يزل الخلفاء بعده يقسمون الغنائم حيث يأخذونها.
مسألة: تقسيم الأربعة الأخماس
وإذا أخرج الإمام خمس الغنيمة لأهل الخمس.. فإنه يقسم الأربعة الأخماس الباقية بين الغانمين، وينظر فيهم: فإن كانوا فرسانًا كلهم أو رجالة كلهم.. قسمها بينهم بالسوية؛ لأن الله تَعالَى أضاف أربعة أخماس الغنيمة إلى الغانمين، والإضافة تقتضي التسوية.
وإن كان بعضهم فرسانًا وبعضهم رجالة.. فإنه يقسم للفارس ثلاثة أسهم؛ سهمًا له وسهمين لفرسه، وللراجل سهمًا.
وبه قال من الصحابة: عمر وعلي، ومن التابعين: الحَسَن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، ومن الفقهاء: مالك وأهل المدينة، والأَوزَاعِي، وأهل الشام، والليث، وأبو يوسف، ومحمد، وأكثر أهل العلم.
وقال أبو حَنِيفَة وحده: (يقسم للفارس سهمين؛ سهمًا له وسهمًا لفرسه، وللراجل سهمًا، وقال: لا أفضل بهيمة على مسلم).
دليلنا: ما رَوَى ابن عمر وابن عبَّاس: (أن «النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسهم للفارس ثلاثة أسهم؛ سهمًا له، وسهمين لفرسه» وهذا نص.
ورُوِي: (أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم: سهم له وسهمين لفرسه، وسهم لأمه صفية؛ لأنها من ذوي القربى).
ولأن السهم إنما يستحق بما يلزم من المؤنة والتأثير في القتال، ومؤنة الفرس أكثر من مؤنة الفارس، وتأثيره في القتال أكثر، فيجب أن يزيد سهمه على سهمه.
وأمَّا قوله: (لا أفضل بهيمة على مسلم) فيقال له: فلا تساو بينهما! فلما جازت المساواة بينهما.. جازت المفاضلة بينهما.
فرع: مصرف الأربعة الأخماس
ولا يجوز أن يصرف الإمام شيئًا من أربعة أخماس الغنيمة إلى غير الغانمين، ولا يفضل فارسًا على فارس، ولا راجلًا على راجل، ولا يفضل من قاتل على من لم يقاتل.
وقال أبو حَنِيفَة: (يجوز أن يصرف منها شيئًا إلى غير الغانمين).
وقال مالك: (يجوز أن يصرف شيئًا منها إلى غير الغانمين، ويجوز تفضيل بعضهم على بعض).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] [الأنفال: 41] الآية.
فأضاف الغنيمة إلى الغانمين بلام التمليك، ثم قطع الخمس منها لأهل الخمس، فدلَّ على: أن الباقي لهم.
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الغنيمة لمن شهد الوقعة» فدلَّ على: أنه لا شيء لغيرهم فيها إلا ما خصه الدليل، ولم يفرق بين من قاتل ومن لم يقاتل.
ولأن من لم يقاتل.. فقد أرصد نفسه للقتال ويحصل به الإرهاب، فهو كالمقاتل.
فرع: الإسهام للخيل
ولا يسهم لمركوب غير الخيل، وهو إجماع؛ ولأن غير الخيل لا يغني غناء الخيل ولا يسد مسدها في القتال، فلم يلحق بها في السهم.
ويسهم للفرس العربي: وهو الذي أبواه من الخيل العراب، ويسمى: العتيق.
ويسهم للبرذون: وهو الفرس الذي أبواه نبطيان، وللهجين: وهو الذي أبوه عربي وأمه نبطية، وللمقرف: وهو الذي أبوه نبطي وأمه عربية.
وبه قال مالك وأبو حَنِيفَة.
وحكى المسعوديُّ [في " الإبانة " ق \ 454] قولًا آخر: أنه لا يسهم للبرذون والهجين الذي لا يصلح للكر والفر، كالبغل.
والأول هو المشهور.
وقال الأَوزَاعِي: (لا يسهم للبرذون، ويسهم للهجين سهمًا واحدًا).
وقال أحمد: (يسهم للعربي سهمين، ولغيره سهمًا واحدًا) وهي إحدَى الروايتين عن أبي يوسف والأخرى كقولنا.