البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 5-45

كتاب البيوع

صفحات 5-45
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب البيوع البيع جائز.
والأصل في جوازه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] [الْبَقَرَةِ: 275]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 282] [الْبَقَرَةِ: 282]. وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] [النِّسَاءِ: 29].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] [الْبَقَرَةِ: 282]. والمداينة لا تكون إلا في بيع.

وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198] [الْبَقَرَةِ: 198]. قال ابن عباس، وابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: (نزلت هذه الآية في التجارة في مواسم الحج).
وأما السنة: فروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشترى فرسا، وجارية، وباع حلسا، وقدحا.

وروي «عن قيس بن أبي غرزة الجهني: أنه قال: كنا نسمى على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السماسرة، فسمانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باسم أحسن منه فقال: "يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بشيء من الصدقة».
وروي «عن رافع بن خديج: أنه قال: قيل: يا رسول الله، أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» و: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجتاز في السوق غدوة وعشيا ينهى عن الشيء بعد الشيء».
وأما الإجماع: فأجمعت الأمة على جوازه.

فروي: (أن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان بزازا)، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لو اتجر أهل الجنة.. لم يتجروا إلا في البز».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير تجارتكم البز».
و: (كان أمير المؤمنين عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه يبيع الحنطة والأقط).
و: (كان العباس بن عبد المطلب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عطارا).
و: (كان أبو سفيان يبيع الأدم).
و: (ابتاعت عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بريرة بمشورة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).
إذا ثبت هذا: فقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «يا تجار، كلكم فجار إلا من أخذ الحق وأعطاه».

وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «إن التجار هم الفجار".
فقالوا: أليس قد أحل الله البيع؟ قال: "بلى، ولكنهم يحلفون ويكذبون».
وهذا الذم إنما ينصرف إلى من يحلف ويكذب؛ لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة».
وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب على ظهره، فيأتي، فيبيعه، فيأكل منه ويتصدق.. خير من أن يأتي رجلا أتاه الله من فضله، فيسأله، أعطاه أو منعه».

مسألة فيمن يصح تصرفه

]: ولا يصح البيع إلا من بالغ عاقل مختار.
فأما الصبي: فلا يصح بيعه، سواء كان بإذن الولي، أو بغير إذنه.

وقال أبو حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهما: (يصح بيع الصبي المميز بإذن الولي).
فإن باع بغير إذنه.. كان عند أبي حنيفة موقوفا على إجازة الولي.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
ولأن الصبي غير مكلف، فلم يصح بيعه، كالمجنون، ولا يصح بيع المجنون؛ للخبر.
وإن أكره على البيع، فإن كان بغير حق.. لم يصح بيعه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما البيع عن تراض» فدل على: أنه لا بيع عن غير تراض.
وإن كان بحق، بأن كان عليه حق، وامتنع من أدائه.. فللحاكم أن يكرهه على بيع ما يؤدي به ذلك الحق، فإن أكرهه على البيع.. صح؛ لأنه قول حمل عليه بحق، فصح، كالحربي إذا أكره على كلمة الإسلام.

مسألة اشتراط الإيجاب والقبول

]: ولا يصح البيع عند عامة أصحاب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلا بالإيجاب والقبول.
وقال أبو حنيفة: (التعاطي بيع).

وحكي عن أبي العباس بن سريج: أنه قال: للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قول آخر مثل هذا في الأشياء التافهة، وليس بمشهور عنه.
وقال مالك رحمة الله عليه: (يقع البيع بما يعده الناس بيعا).
قال ابن الصباغ: وهذا له وجه جيد.
قال: والذي ينبغي أن يعتبر في ذلك: أنهما متى افترقا عن تراض منهم بالمعاوضة.. فقد تم البيع بينهما.
وكذلك الحكم في الهدايا والهبة؛ لأن البيع موجود قبل الشرع، وإنما علق الشرع عليه أحكاما، فيجب أن يرجع فيه إلى العرف، كما يرجع في القبض والحرز والإخبار.
ولأن المسلمين مجمعون في بيعاتهم على ذلك، ولم ينقل عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أنهم استعملوا البيع بلفظ البيع، ولو فعلوا ذلك.. لنقل نقلا شائعا، بل نقل: «أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشكا إليه الحاجة، فقال له: "هل عندك شيء؟ "، فجاءه بقعب وحلس، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من يشتري هذين؟ "، فقال رجل: هما علي بدرهم، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من يزيد على درهم؟ "، فقال آخر: هما علي بدرهمين، فقال: خذ» وروي «عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أنه قال: كنا ندخل السوق، فنبيع الإبل بالدراهم، ونأخذ عنها الدنانير، ونبيع بالدنانير، ونأخذ عنها الدراهم، فسألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك فقال: لا بأس إذا تفرقتما، وليس بينكما شيء» ولم يذكر سوى الأخذ.
وقد أهدي إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الحبشة وغيرها، ولم ينقل: أنه أمر فيه بالإيجاب والقبول.
قال: ويحكى عن الشيخ أبي حامد: أنه سئل عما يتبايعه الناس؟ فقال: إنه ليس ببيع، ولكنه يسقط عن ذممهم بالتراضي بها.
قال: وهذا ليس بمستقيم؛ لأن في البيع الفاسد لا يختلف المذهب: أن لكل واحد من المتبايعين الرجوع على الآخر بما دفعه إليه إن كان باقيا، أو بقيمته إن كان تالفا، وقد حصل التراضي بينهما، وعلى أن إسقاط الحقوق يفتقر إلى اللفظ، فلم يجعل التراضي حال العقد يقوم مقام اللفظ في ذلك، ولم يجعله يقوم مقام اللفظ في المعاوضة.
قال ابن الصباغ: وسألت القاضي أبا الطيب عما يفعله الناس من ذلك؟ فقال: هو إباحات وليس بمعاوضات، فقلت له: إذا كان كل واحد منهما يبيح للآخر ما يدفعه إليه، ويستبيحه الآخر من جهة الإباحة.. فما تقول فيمن أعطى قطعة، وأخذ بقلا، فأكله، وعاد يطلب القطعة، فهل له ذلك أم لا؟ فقال: ليس له ذلك، فقلت له: فلو كان ذلك إباحة من كل واحد منهما.. لكان لأحدهما أن يرجع فيما أباحه قبل حصول الإتلاف من المباح له، ألا ترى أنه لو أباح رجلان كل واحد منهما لصاحبه

طعاما، فأكل أحدهما ما أباحه له، ورجع عما أباحه لصاحبه.. كان له ذلك؟ فقال: إنما أباح كل واحد منهما للآخر بسبب إباحة الآخر له، فقلت له: هذا معنى المعاوضة دون الإباحة؛ لأن الإباحة إذا وجدت بعوض.. لم تكن إباحة.
والمشهور: أنه لا بد من الإيجاب والقبول؛ لأنه عقد معاوضة، فافتقر إلى الإيجاب والقبول، كالنكاح.
إذا ثبت هذا: فالإيجاب أن يقول البائع: بعتك، أو ملكتك بكذا، فيقول المبتاع: ابتعت، أو قبلت، أو اشتريت، أو قد اشتريت، فيصح.
فإن قال المشتري: بعني، فقال البائع: قد بعتك.. انعقد البيع وإن لم يقل المشتري: قبلت.
وقال أبو حنيفة، وأحمد رحمهما الله: (لا ينعقد).
دليلنا: أن كل عقد انعقد بالإيجاب والقبول.. انعقد بالإيجاب والاستدعاء، كالنكاح.
وإن قال المشتري: أتبيعني هذا بكذا؟ فقال البائع: بعتك.. لم ينعقد البيع؛ لأن قوله: (أتبيعني؟) استفهام، وليس باستدعاء، فلم ينعقد به البيع.
فإن فصل بين الإيجاب والقبول بزمان طويل، أو نام أحدهما، أو حجر عليه، أو قام من المجلس، ثم قبل.. لم يصح البيع.
وإن فصل بينهما بزمان قليل، بأن قال: بعتك داري بألف، فصبر المشتري زمانا قليلا، إلا أنه لم يفارق المجلس، ثم قال: قد اشتريت.. ففيه وجهان، حكاهما الصيمري، المشهور: أنه لا يصح.
وإن قال: بعتك داري بألف، فمات المشتري عقيب الإيجاب، وقبل القبول، وكان وارثه حاضرا، فقال الوارث عقيب موت مورثه: قبلت.. ففيه وجهان:

[أحدهما]: قال الداركي: يصح؛ لأنه لما ورث ماله.. ورث القبول.
والثاني: لا يصح، وهو الصحيح؛ لأنه قبول من غير من أوجب له، فلم يصح، كما لو قال لزيد: بعتك، فقال عمرو: قبلت.

فرع الكتاب لأجل البيع

]: وإن كتب رجل إلى رجل ببيع سلعة، فلما قرأ المشتري البيع قال: قبلت.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأنه موضع ضرورة.
والثاني: لا يصح؛ لأنه قادر على النطق، فلا ينعقد بغيره، كالإيماء في حق الناطق.
فإن كان أخرس، فأشار إلى البيع بما يفهم منه، أو كتب.. صح بيعه؛ لأن إشارته وكتابته كنطق غيره.

مسألة ثبات الخيار للمتبايعين

]: وإذا انعقد البيع.. ثبت لكل واحد من المتبايعين الخيار بين الفسخ والإمضاء، إلى أن يتفرقا أو يتخايرا، وبه قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن عباس، وأبو برزة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ومن التابعين:

الشعبي، وسعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، وعطاء، والزهري، رحمة الله عليهم، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. وقال النخعي، ومالك، وأبو حنيفة: (يلزم البيع بنفس العقد، ولا يثبت خيار المجلس، وإنما يثبت الخيار بالشرط فقط).
دليلنا: ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا عن مكانهما، فإذا تفرقا.. فقد وجب البيع».
وروى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا عن مكانهما، أو يقول أحدهما للآخر: اختر».

وروى الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار».
ومعنى قوله: «إلا بيع الخيار» إلا بيعا قطعا فيه خيار المجلس: إما بالتخاير بعد العقد، أو باعه على أنه لا خيار بينهما إذا قلنا: يصح؛ ولأنه عقد قصد به تمليك المال، فلا يلزم بمجرد العقد، كالهبة، وفيه احتراز من النكاح والخلع.
إذا ثبت هذا: فالتفرق: هو أن يتفرقا بأبدانهما عن مجلسهما الذي تبايعا فيه وكيفية ذلك مأخوذ مما عد في عادة الناس وعرفهم تفرقا.
فإن كانا في دار صغيرة، أو مسجد صغير، أو سفينة صغيرة.. فبأن يخرج أحدهما من الدار، أو المسجد، أو السفينة، أو يصعد السطح.
وإن كانا في دار، أو مسجد كبير، أو سفينة كبيرة.. فبأن يقوم أحدهما من ذلك المجلس، ويمشي إلى مجلس آخر، أو يدخل من صحن الدار إلى الصفة، أو من الصفة إلى البيت.
وإن كانا في صحراء، أو سوق، أو شارع، أو طريق.. فالذي قال الشافعي

  • رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن أحدهما إذا قام وولى الآخر ظهره.. فقد وقع التفرق).
    قال أصحابنا: أراد: إذا قام، وولى ظهره، ومشى خطوتين أو ثلاثا؛ لما روي: (أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما كان إذا أراد أن يجب البيع.. مشى قليلا).
    قال أبو سعيد الإصطخري: إنما يحصل التفرق بأن يتفرقا، بحيث إذا كلم أحدهما صاحبه بغير صياح ولا مناداة، بالخطاب المعتاد.. لا يسمع.
    فإن تبايعا، وقاما جميعا من المجلس، وتسايرا يومهما وليلتهما، أو أكثر بحيث لم يتفرقا.. لم ينقطع خيارهما؛ لما روي: «أن رجلين ترافعا إلى أبي برزة الأسلمي، وكان قد أقاما في مجلس البيع يومهما وليلتهما، ثم ذهبا إليه، فقال: لأقضين بينكما بقضاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: ما أراكما تفرقتما».
    قال صاحب " الفروع ": وقيل: لو لم يتفرقا، ولكنهما شرعا في أمر آخر، وأعرضا عن أمر العقد، وطال الفصل.. بطل الخيار.
    وليس بشيء.

فرع ما لا يضر في الخيار

]: فإن جعل بينهما ستر من بناء حائط، أو ستارة.. لم ينقطع خيارهما بذلك؛ لأن ذلك لا يحصل به التفرق.
وأما التخاير: فإن قال أحدهما: اخترت إمضاء العقد.. انقطع خياره، فإن قال الآخر: اخترت فسخ العقد.. انفسخ العقد.
وهكذا: لو اختار أحدهما فسخ العقد.. انفسخ العقد.
ولو اختار الآخر إمضاءه بعد ذلك.. لم يؤثر ذلك؛ لأن الخيار لكل واحد منهما، فإذا اختار أحدهما الفسخ.. انفسخ من الجانبين.

وإن قال أحدهما للآخر: اختر، فسكت المسئول.. لم ينقطع خياره، وهل ينقطع خيار السائل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ينقطع، كما لو قال لزوجته: اختاري، فسكتت.. فإن خيار الزوج لا ينقطع في طلاقها.
والثاني: ينقطع خياره، وهو المذهب؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أو يقول أحدهما للآخر: اختر».
ولأنه لم يقل هذا إلا بعد الرضا منه بالبيع.
ويخالف الزوجة، فإنها لم تكن مالكة للخيار، فإذا خيرها، فلم تختر.. بقي الزوج على خياره.

فرع الإكراه على التفرق

]: قال الشيخ أبو حامد: إذا أكرها على التفرق، ومنعا من التخاير.. لم يبطل خيارهما، وجها واحدا؛ لأنهما قد أكرها عليه، فلم ينقطع خيارهما إلا بالتراضي.
وإن أكرها على التفرق، ولم يمنعا من التخاير.. فهل ينقطع خيارهما؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي إسحاق -: أنه ينقطع خيارهما؛ لأنهما قد قدرا على الفسخ بالقول، فكان سكوتهما رضا منهما بالإمضاء.
والثاني - وهو قول عامة أصحابنا، وهو الصحيح -: أنه لا ينقطع خيارهما؛ لأن وجود التفرق مع الإكراه كعدمه، وسكوتهما عن الفسخ لا يسقط الخيار الثابت.
وقال القفال: إذا أكرها على التفرق، ولم يمنعا من التخاير.. سقط خيارهما، وجها واحدا.
وإن أكرها على التفرق، ومنعا من التخاير.. فهل ينقطع خيارهما؟ فيه وجهان.
فإن هرب أحدهما من الآخر.. لزم العقد، وجها واحدا؛ لأنه فارقه باختياره، وليس يقف افتراقهما على تراضيهما جميعا؛ لأنه لما سكت عن الفسخ، وفارق صاحبه.. لزم البيع.

فرع غياب العقل

]: وإن جن أحدهما، أو أغمي عليه قبل التفرق.. لم يبطل خياره.
قال ابن الصباغ: فإن كان له ولي.. قام مقامه في اختيار ما هو أحظ له، وإن لم يكن له ولي.. قام الحاكم مقامه.
وإن خرس، فإن كانت له إشارة مفهومة أو خط.. قام ذلك مقام لفظه، وإن لم تكن له إشارة مفهومة ولا خط.. كان كالمغمى عليه، ينوب عنه وليه أو الحاكم.

فرع تقدير خيار الموكل والوكيل

إذا اشترى الوكيل شيئا لموكله.. فهل يتقدر الاختيار بمجلس الوكيل، أو الموكل؟ فيه وجهان، المذهب: أنه يتقدر بمجلس الوكيل.
فإن مات الوكيل قبل التفرق والتخاير.. فهل ينتقل إلى الموكل؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو المذهب -: أنه ينتقل إليه؛ لأن العقد له.
والثاني: لا ينتقل إليه؛ لأن الخيار تعلق بمجلس الوكيل، وليس الموكل وارثا له.

فرع بيعان في مجلس

]: إذا تبايعا وتقابضا، وتبايعا بالعوض المقبوض بيعا ثانيا قبل التفرق، أو التخاير.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو قول أبي العباس، وهو المشهور -: أن البيع الثاني صحيح،

وينقطع الخيار للأول؛ لأن دخولهما في الثاني رضا منهما بلزوم العقد الأول.
والثاني - حكاه ابن الصباغ عن القفال -: أن الثاني لا ينعقد إلا على القول الذي يقول: إن الخيار لا يمنع انتقال الملك.
فإذا قلنا: يمنع.. فلا يصح.

فرع تولي الولي طرفي العقد

إذا اشترى الأب أو الجد شيئا من مال ابنه الصغير، أو باعه وتولى طرفي العقد.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما - وهو المشهور -: أن خيار المجلس يثبت، ولا يلزم العقد إلا بمفارقة الأب مجلس العقد، أو باختياره للإمضاء؛ لأنه لما قام مقام الابن في العقد.. قام مقامه في خيار المجلس.
والثاني - حكاه الطبري في " العدة " -: أنه لا يثبت خيار المجلس؛ لأنه ليس هاهنا أحد يفارقه.
والثالث - حكاه أبو علي السنجي في " شرح التلخيص " -: أنه يثبت، ولكن لا يلزم إلا بالاختيار بالقول، ولا يلزم بمفارقته مجلس العقد؛ لأنه لما كان هو العاقد لا غير.. كان كالمتبايعين إذا قاما من مجلسهما إلى مجلس آخر، واصطحبا إلى مكان بعيد.. فلا يبطل خيارهما ما لم يتفرقا، إلا بالتخاير.

مسألة شرط عدم الخيار

]: إذا شرطا قطع خيار المجلس في حال العقد، مثل أن يقول: بعتك على أن لا يكون بيننا خيار المجلس، فقال المشتري: قبلت.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في

القديم، و" البويطي ": (إن الخيار لا ينقطع)؛ لأنه قال: (وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار» يحتمل تأويلين: أحدهما - وهو أظهرهما عند أهل اللغة واللسان، وأقواهما بالسنة والقياس -: أن يتخايرا بعد التبايع.
والثاني: أن يتخايرا في عقد البيع، ولا أقول هذا، وقولي الأول).
وقال في (الأيمان والنذور): (إذا قال الرجل لعبده: إذا بعتك.. فأنت حر، فباعه بيعا ليس ببيع خيار.. عتق).
واختلف أصحابنا في ذلك: فقال أبو إسحاق: المسألة على قول واحد، وإن قطع الخيار في حال العقد لا يجوز، والذي قاله في (الأيمان والنذور): إنما قصد به الرد على مالك وأبى حنيفة؛ لأنهما يقولان: (ليس بين المتبايعين خيار المجلس).
وإذا تم العقد.. لزم البيع، ولم يعتق العبد، إلا إن كان بينهما خيار الشرط، فأراد الشافعي بقوله: (ليس ببيع خيار) أي: خيار الشرط.
ومنهم من جعل ذلك قولا آخر للشافعي، فجعل المسألة على قولين، وهو اختيار الشيخ أبي حامد: أحدهما: يصح الشرط؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار».
وهذا استثناء من إثبات، فوجب أن يكون نفيا، ولأن خيار المجلس غرر، فإذا صح البيع معه.. فلأن يصح مع عدمه أولى.
والثاني: لا يصح الشرط، وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يتخايرا».
والتخاير لا يكون إلا بعد البيع؛ لأنهما قبل تمام العقد لا يقال لهما متبايعان، بدليل: أن من حلف لا يبيع.. لا يحنث إلا بعد الإيجاب والقبول، ولأن هذا خيار يثبت بعد تمام البيع، فلم يجز إسقاطه قبل ذلك، كخيار الشفعة، وفيه احتراز من خيار القبول.
فإذا قلنا: إن الشرط جائز.. وقع البيع لازما، ولا خيار.

وإذا قلنا: إن الشرط باطل.. فهل يبطل البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: يبطل البيع؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، فأبطله، كما لو قال: بعتك على أن لا أسلم المبيع.
والثاني: لا يبطل البيع؛ لأنه لا يؤدي إلى جهالة العوض والمعوض، فلم يبطل العقد لأجله.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فقال: إذا باعه على أن لا خيار بينهما.. ففيه وجهان، وإن شئت قلت: في المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: يبطل البيع والشرط.
والثاني: يصح البيع والشرط.
والثالث: يصح البيع، ويبطل الشرط.
إذا ثبت هذا: فقال الرجل لعبده: إن بعتك.. فأنت حر، فباعه بيعا مطلقا.. فإنه يعتق إذا تم الإيجاب والقبول؛ لأنه يثبت له خيار المجلس، وهو يملك إعتاقه، فكذلك إذا وجدت صفة العتق فيه.
وإن باعه بيعا شرط فيه قطع خيار المجلس، فإن قلنا: لا يصح البيع.. لم يعتق العبد؛ لأن الصفة لم توجد.
وإن قلنا: إن الشرط صحيح، والبيع صحيح.. لم يعتق العبد أيضا؛ لأن البيع يقع من غير خيار.
وإن قلنا: الشرط باطل، والبيع صحيح.. عتق العبد، كما لو باعه مطلقا.

مسألة العقود التي يثبت بها الخيار

]: ويجوز شرط خيار الثلاث في البيوع التي لا ربا فيها؛ لما روي: «أن حبان بن منقذ أصاب رأسه آمة، فثقل لسانه، فكان يغبن في بياعاته، فجاء أهله إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فسألوه أن يحجر عليه، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذا بايعت.. فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثة أيام».

إذا ثبت هذا: فذكر أصحابنا العقود التي يثبت فيها الخيار والتي لا يثبت فيها، على ترتيب المزني؛ ليسهل حفظه، فمنها: الصرف والسلم، يثبت فيهما خيار المجلس؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا».
وهذان متبايعان، ولا يثبت فيهما خيار الشرط؛ لأنهما يفتقران إلى القبض في المجلس، فلو أثبتنا فيهما خيار الشرط.. أدى إلى أن يفترقا قبل تمامهما، فلم يصح.
وأما الرهن: فلا يثبت فيه خيار المجلس ولا خيار الشرط؛ لأن الراهن بالخيار ما لم يقبض الرهن، والمرتهن له فسخ الرهن متى شاء، فلا معنى لإثبات الخيارين.
وكذلك القرض لا يثبت فيه الخياران؛ لأن للمقرض أن يطالب بالقضاء متى شاء، وللمقترض أن يقضي متى شاء، فلا معنى لإثبات الخيارين.

وأما الصلح: فعلى ثلاثة أضرب: صلح هو حطيطة، وصلح بمعنى البيع، وصلح بمعنى الإجارة.
فأما صلح الحطيطة: فبأن يدعي عليه ألفا، فيقر له بها، ثم يبرئه من بعضها، ويأخذ منه الباقي، فلا خيار فيه، كالإبراء.
وأما صلح البيع: فبأن يعطيه بالألف عينا، فهذا بيع يثبت فيه الخياران، كالبيع.
وأما صلح الإجارة: فبأن يملكه منفعة عين من أعيان أمواله بالألف، فهذا كالإجارة على ما يأتي.
وأما الحوالة: فلا يثبت فيها خيار الشرط.
وفي خيار المجلس وجهان: أحدهما: يثبت؛ لأنها معاوضة في الحقيقة.
والثاني: لا يثبت؛ لأنها تجري مجرى الإبراء، بدليل: أنها لا تصح بلفظ البيع، فلم يثبت.
وأما الضمان والكفالة بالأبدان: فلا يثبت فيهما الخياران؛ لأن الضامن يدخل فيهما متطوعا مع الرضا بالعين، ولهذا يقال: الكفالة: أولها ندامة، وأوسطها ملامة، وآخرها غرامة.
وأما الوكالة والشركة والعارية والوديعة والقراض والجعالة: فلا يثبت فيها الخياران؛ لأنها عقود جائزة، لكل واحد منهما فسخها متى شاء، فلا معنى لإثبات خيار المجلس فيها وخيار الشرط.
وأما الشفعة: فلا يثبت فيها خيار الشرط؛ لأنها لا تقف على التراضي.
وأما خيار المجلس: فلا يثبت للمشتري؛ لأنه يؤخذ منه الشقص بغير اختياره، وهل يثبت للشفيع؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت له؛ لأن ذلك معاوضة.
والثاني: لا يثبت له، كما لا يثبت له خيار الشرط.

وأما المساقاة والإجارة المعقودة على زمان: فلا يثبت فيهما خيار الشرط، وهل يثبت فيهما خيار المجلس؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يثبت فيهما، كما لا يثبت فيهما خيار الشرط.
والثاني: يثبت فيهما؛ لأن قدره يسير.
وأما الإجارة في الذمة: فمثل: أن يستأجره ليحصل له بناء حائط، أو ليحصل له خياطة ثوب: ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا يثبت فيها الخياران؛ لأن الإجارة عقد على ما لم يخلق، وذلك غرر؛ فلا يجوز أن يضاف إليه غرر الخيار.
والثاني: يثبتان؛ لأن بمضي المدة لا ينفصل من المعقود عليه شيء.
والثالث: يثبت فيها خيار المجلس، ولا يثبت فيها خيار الشرط، كالسلم.
وأما الوقف: فلا يثبت فيه الخيار؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة، فلا يثبت فيه الخيار، كالعتق.
وأما الهبة: فإنها قبل القبض لا تلزم، وأما بعد القبض: فإن قلنا: لا تقتضي الثواب.. لم يثبت فيها خيار.
وإن قلنا: تقتضي الثواب.. فحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال: هل يثبت فيها الخياران؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبتان؛ لأنها معاوضة، فأشبهت البيع.
والثاني: لا يثبتان؛ لأنها وإن كانت معاوضة، فليس القصد منها العوض، فلم يثبت فيها الخيار، كالنكاح.

وقال القاضي أبو الطيب: لا يثبت فيها خيار الشرط، وجها واحدا، وفي خيار المجلس وجهان.
وأما الوصية: فلا يثبت فيها الخياران؛ لأن الموصي بالخيار إلى أن يموت، فإذا مات.. سقط خياره، وكان الموصى له بالخيار إن كان معينا إلى أن يقبل، وهل يثبت له الخيار بعد القبول وقبل القبض؟ فيه وجهان.
وأما النكاح: فلا خيار فيه؛ لأنه لا يقصد منه العوض.
وأما الصداق: فاختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لا يثبت فيه الخيار، ومنهم من قال: يثبت إذا شرط، ونذكر ذلك في النكاح إن شاء الله تعالى.
وأما الخلع: فلا يثبت فيه خيار الشرط، وفي خيار المجلس وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: يثبت؛ لأنه معاوضة، فإذا فسخ.. بقي الطلاق رجعيا.
والثاني: لا يثبت؛ لأن القصد منه الفرقة، دون المال، فأشبه النكاح.
وأما الطلاق: فلا يثبت فيه الخيار؛ لأنه إذا وقع لم يرتفع.
وأما السبق والرمي: فإن قلنا: إنهما كالجعالة، فهما عقدان جائزان.. فلا يثبت فيهما الخيار.
وإن قلنا: إنهما كالإجارة.. فقد مضى حكمها.
وأما القسمة: فإن كان فيها رد.. ثبت فيها الخياران؛ لأنها بيع.
وإن لم يكن فيها رد، فإن كان الحاكم يقسمها.. فهي قسمة إجبار، فلا خيار فيها وإن اقتسم الشريكان بأنفسهما، فإن قلنا: إنها إقرار الحقين.. فلا خيار فيها، وإن قلنا: إنها بيع.. ثبت فيها الخياران.
وأما العتق: فلا خيار فيه؛ لأنه إسقاط حق.
وكذلك التدبير لا يثبت فيه الخيار؛ لأنه عتق بشرط.
وأما الكتابة: فلا خيار للسيد فيها؛ لأنه يدخل على وجه القربة، ويعلم أنه مغبون من جهة المال، وأما العبد: فله الخيار إلى أن يؤدي المال.

فرع جواز خيار الشرط

]: وكل عقد صح فيه خيار الشرط.. صح أن يشترطا خيار يوم أو يومين؛ لأنه إذا جاز شرط الخيار في الثلاث.. فلأن يجوز فيما دونها أولى.
قال الزبيري: إذا قال: بعتك على أن لي الخيار إلى طلوع الشمس من الغد.. لم يجز، وإن قال: إلى وقت طلوعها.. جاز؛ لأن طلوع الشمس مجهول؛ لأنها قد تتغيم، فلا تطلع وقت طلوعها، ووقت طلوعها لا يتغير، ولو قال إلى غروب الشمس.. جاز؛ لأن الغروب سقوط القرص، ولا مانع من ذلك كما يمنع الغيم من طلوعها.
وإن تبايعا بالنهار، وشرطا الخيار إلى الليل، أو تبايعا بالليل، وشرطا الخيار إلى النهار.. لم يدخل الليل والنهار في الخيار.
وقال أبو حنيفة: (يدخلان).
دليلنا: أنها مدة ملحقة بالعقد، فلا يدخل حدها في محدودها، كالأجل.

فرع معرفة معنى لا خلابة

]: إذا قال في بيعه: " لا خلابة "، قال ابن القطان: فإن كانا عالمين بأن ذلك عبارة عن خيار الثلاث.. ثبت، وإن كان البائع عالما بذلك، والمشتري جاهلا به.. فيتحمل وجهين: أحدهما: لا يثبت؛ لأنه ليس في ذلك ذكر الشرط.

والثاني: يلزمه، ولا يعذر في جهله، كما إذا بايع محجورا عليه.. لزمه حكم حجره وإن كان جاهلا به.

فرع لا خيار فوق ثلاث

]: ولا يجوز أن يشترط الخيار أكثر من ثلاثة أيام، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (يجوز أن يشترط من الخيار ما تدعو الحاجة إليه.
فإن كان المبيع ثوبا.. جاز أن يشترطا ساعة، ولا يجوز أكثر، وإن كان المبيع قرية أو ضيعة.. جاز أن يشترطا ما تدعو الحاجة إليه من شهر أو أكثر).
وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد: (يجوز شرط الخيار ما شاءا، كالأجل).
دليلنا: ما روي «عن أمير المؤمنين عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أنه قال: ما أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحبان بن منقذ - إنه كان ضرير البصر - جعل له عهدة ثلاثة أيام، إن رضي.. أخذ، وإن سخط.. ترك».
ولأن الخيار غرر في العقد، وإنما جوز رخصة ولأجل الحاجة، فيجب أن يتقدر بما تدعو الحاجة إليه غالبا، والحاجة لا تدعو إلى أكثر من الثلاث في الغالب؛ لأنه أول حد الكثرة، وآخر حد القلة، ولهذا: «جوز النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثا».

وأما الدليل على أن الثلاث يجوز شرطها في البيان، وما يتوصل إلى معرفته في أقل من الثلاث: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لحبان بن منقذ: ولك الخيار ثلاثا» ولم يفرق.
وإن اشترى شيئا يسرع إليه الفساد قبل انقضاء الثلاث، كالهريسة وما أشبهها، وشرط فيه خيار ثلاثة أيام.. فسمعت الفقيه زيد بن عبد الله اليفاعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - يقول: يحتمل وجهين: أحدهما: يبطل البيع.
والثاني: يصح البيع.
وإذا خيف عليها الفساد قبل انقضاء الخيار.. بيعت، وجعل ثمنها قائما مقامها.

فرع إسقاط الزائد من الخيار

]: إذا شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام.. فسد البيع، وإن أسقط ما زاد على الثلاث.. لم يحكم بصحة العقد، وبه قال زفر.
وقال أبو حنيفة: (إذا أسقط ما زاد على الثلاث بعد العقد.. صح البيع).
دليلنا: أن العقد وقع فاسدا، فلم يصح حتى يستأنف العقد، كما لو باع درهما بدرهمين، ثم أسقطا الدرهم الزائد بعد العقد.

فرع جواز اشتراط الخيار لأحدهما

]: ويجوز أن يشترط الخيار لأحدهما دون الآخر، ويجوز أن يشترط لأحدهما ثلاثا، ولأحدهما يوما، أو يومين؛ لأن ذلك يجوز رفقا بهما، فجاز ما تراضيا عليه من ذلك.
فإن شرطا الخيار، ثم اختارا إمضاء العقد.. لزم العقد، وانقطع الخيار، كما قلنا في خيار المجلس.

فرع جهالة مدة الخيار

وإن شرطا في البيع خيارا مجهولا.. بطل الشرط والبيع، وبه قال أبو حنيفة.
وقال ابن أبي ليلى: الشرط باطل: والبيع صحيح.
وقال ابن شبرمة: الشرط صحيح، والبيع صحيح.
وقال مالك: (إذا اشترطا الخيار، ولم يقدراه.. صح).
وجعل لهما من الخيار قدر ما يختبر به المبيع في العادة.
دليلنا: أنها مدة ملحقة بالعقد، فلم يجز مع الجهل بها، كالأجل.

فرع رضا وخيار الأجنبي

]: وإن قال: بعتك على رضا فلان.. قال الشيخ أبو حامد: فإنه يسأل، فإن قال: أردت به أن يكون الخيار لي وله على وجه النيابة.. صح، وإن قال: أردت أن الخيار له دوني، وكان ذلك مقدرا بثلاثة أيام فما دونها.. ففيه قولان: أحدهما: لا يصح هذا الشرط؛ لأنه حكم من أحكام العقد، فلم يجز أن يجعل إلى غيرهما، كسائر أحكامه.
فعلى هذا: يبطل البيع.

والثاني: يصح الشرط؛ لأن شرط الخيار أجيز هاهنا للأجنبي رفقا بهما للحاجة، وقد تدعو الحاجة إلى شرطه للأجنبي، بأن يكون أعرف بالمتاع المبيع منه.
فإذا قلنا بهذا: ثبت الخيار للأجنبي، وهل يثبت للبائع؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت له؛ لأنه إذا ثبت للأجنبي من قبله.. فلأن يثبت له أولى.
والثاني: لا يثبت؛ لأن ثبوته بالشرط، ولم يشترطه إلا للأجنبي.
فإن باع عبدا، وشرط الخيار للعبد.. قال ابن الصباغ: فهو على القولين، كما لو شرطه للأجنبي.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا قال: بعتك هذه السلعة على أن أستشير فلانا، أو أستأمر فلانا.. لم يكن له أن يرد حتى يقول: قد استأمرت فلانا، فأمرني بالرد).
فمن أصحابنا من قال: هذا على القول الذي يقول: إنه إذا شرط الخيار للأجنبي.. صح، وكان له دون الذي شرط.
ومنهم من قال: له أن يرد، ويجيز من غير أن يستأمر فلانا.
ولم يذكر الشيخ أبو حامد غير هذا؛ لأن له أن يفسخ من غير ذكر الاستئمار، فلا يسقط بذكر الاستئمار، وتأولوا كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - تأويلين: أحدهما: ليس له أن يرد احتياطا حتى يستشيره، ويأمره؛ لأنه ربما كان أعرف منه بالمبتاع.
والثاني: ليس له أن يرد، ويقول: استشرت فلانا، فأمرني بالرد، إلا وقد فعل؛ لئلا يكون كاذبا.
فإذا قلنا بالأول.. فهل يجوز إطلاق هذا؟ فيه وجهان:

أحدهما: يجوز إطلاقه، ولا يكون مقدرا، كخيار الرؤية لا يتوقف.
والثاني - وهو المنصوص -: أنه لا يجوز إلا مؤقتا ثلاثا، أو ما دونها؛ لأنه خيار شرط.

فرع ابتداء مدة الخيار

]: وإذا شرطا في البيع خيار الثلاث.. ففي ابتداء مدته وجهان: أحدهما - وهو الصحيح -: أنه من حين العقد؛ لأنه مدة ملحقة بالعقد، فكان ابتداؤها من حين العقد، كالأجل.
فعلى هذا: إذا اصطحبا في مجلس العقد أربعة أيام.. كان الخيار لهما في مدة الثلاث بالشرع والشرط، وفيما بعد الثلاث بالشرع، وإن شرطا أن يكون ابتداء الثلاث من حين التفرق.. بطل البيع، وجها واحدا؛ لأن ابتداء الخيار يكون مجهولا.
والوجه الثاني: أن ابتداء خيار الشرط من حين التفرق؛ لأن ما قبل ذلك الخيار ثابت فيه بالشرع.
فعلى هذا: إذا اصطحبا في مجلس البيع أربعة أيام، ثم افترقا قبل الفسخ أو الإجازة.. فإن في الأربع الخيار ثابت فيها بالشرع، وما بعدها الخيار ثابت فيها بالشرط.
فإن اشترطا على هذا أن يكون ابتداء خيار الشرط من حين العقد.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح الشرط والبيع، وهو الصحيح؛ لأن ابتداء الخيار يكون معلوما.
والثاني: لا يصح الشرط؛ لأنه يسقط موجب العقد، وهل يبطل البيع؟ فيه وجهان مأخوذان ممن شرط إسقاط خيار المجلس في عقد البيع، وقلنا: لا يصح الشرط.. فهل يبطل البيع؟ فيه وجهان، وقد مضى ذكرهما.

فرع قبض الثمن في زمن الخيار

لا يكره نقد الثمن في خيار المجلس، ولا في خيار الشرط، وبه قال أبو حنيفة رحمة الله عليه.
وقال مالك: (يكره؛ لأنه يصير في معنى بيع وسلف، ولأنه إذا نقده الثمن، ثم تفاسخا.. صار كأنه أقرضه، فيجتمع بيع وقرض).
دليلنا: أن هذا حكم من أحكام العقد، فجاز في حال الخيار، كالإجارة.
فإن باعه على أنه لم ينقده الثمن في ثلاثة أيام فلا بيع بينهما.. فإن هذا ليس بشرط للخيار، بل هو شرط فاسد، ويفسد به البيع.
وكذلك: إن قال البائع: بعتك على أني إذا رددت الثمن بعد الثلاث فلا بيع بيننا.. فإن هذا ليس بشرط للخيار، بل هو شرط فاسد يبطل به البيع.
وقال أبو حنيفة: (يصح البيع، ويكون في المسألة الأولى إثبات الخيار للمشتري وحده، وفي الثانية إثبات الخيار للبائع وحده).
دليلنا: أنه علق فسخ العقد على شرط، فلم يصح، كما لو علقه بقدوم زيد، ولأنه إذا لم يجز تعليق تمامه على غرر.. لم يجز فسخه على غرر.

فرع فسخ أحدهما الخيار

]: ومن ثبت له الخيار.. فله أن يفسخ بمحضر من صاحبه وبغيبته.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز بغيبة صاحبه).
دليلنا: أنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فلم يفتقر إلى حضوره، كالطلاق، وفيه احتراز من الإقالة.
فإن كان المبيع جارية، فأعتقها البائع في حال الخيار، أو وطئها، أو باعها، أو وهبها، أو أجرها.. فإن ذلك يكون اختيارا منه لفسخ البيع؛ لأنه يملك الفسخ، فجعل ذلك اختيارا للفسخ.

وإن أعتقها المشتري.. كان ذلك اختيارا منه لإمضاء البيع.
وإن باعها، أو وطئها، أو وهبها، أو أجرها.. فهل يكون ذلك اختيارا منه للإمضاء؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: لا يكون اختيارا؛ لأن ذلك لا يمنع الرد بالعيب.
والثاني - وهو الصحيح -: أنه يكون اختيارا للإمضاء؛ لأن ذلك يفتقر إلى الملك، فكان اختيارا للإمضاء، كالعتق.
وإن وطئها المشتري بحضرة البائع، وهو ساكت.. فهل ينقطع خيار البائع بذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: ينقطع خياره بذلك؛ لأن رضاه بذلك اختيار منه للإمضاء.
والثاني: لا ينقطع خياره بذلك؛ لأنه لم يوجد منه إلا السكوت، وذلك لا يسقط حقه، كما لو رأى رجلا يحرق ثوبه، وهو ساكت.. فإنه لا يسقط بذلك حقه.
وقال الصيمري: فإن قال البائع - في حال الخيار -: لا أبيع حتى تزيدني في الثمن، وقال المشتري: لا أفعل، أو قال المشتري: لا أشتري حتى تنقص لي من الثمن، وقال البائع: لا أفعل.. كان ذلك اختيارا للفسخ.
وهكذا: إذا طلب البائع حلول الثمن المؤجل، أو طلب المشتري تأجيل الثمن الحال.. كان ذلك فسخا في حال الخيار.
حكاه الصيمري.

فرع ركوب الدابة لا يبطل الخيار

وإن ركب الدابة من له الخيار في حال الخيار.. فهل يبطل خياره؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ 236]: أحدهما: يبطل؛ لأن ذلك تصرف يفتقر إلى الملك.
والثاني: لا يبطل؛ لأنه يحتمل أنه ركبها للتجربة، فلا يبطل خياره بذلك.

فرع مضي مدة الخيار

وإذا شرطا خيار الثلاث، فمضت الثلاث، ولم يفسخا، ولم يجيزا.. تم العقد، ولزم.
وقال مالك: (لا يلزم بمضي مدة الخيار).
دليلنا: أن شرط الخيار ثلاثا يمنع من لزوم حكم العقد، فإذا انقضت.. ثبت موجب العقد، كالأجل إذا انقضى.. ثبت الدين، ولأن ترك الفسخ رضاء بالعقد، فلزمه.

مسألة موت صاحب الخيار

وإذا اشترطا الخيار في البيع، فمات من له الخيار في أثناء الخيار.. انتقل الخيار إلى وارثه، وبه قال مالك.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهم: (يبطل خياره بموته).
دليلنا: أنه خيار ثابت في معاوضة محضة، فقام الوارث فيه مقام المورث، كالرد بالعيب.
فقولنا: (ثابت) لأنه ليس لأحد أن يدفعه عنه، وفيه احتراز من خيار القبول في البيع، فإن البائع إذا قال: بعتك.. فإن الخيار في القبول قد ثبت للمشتري، ولكن للبائع أن يدفعه قبل القبول، ويقول: قد أبطلت الإيجاب.
وقولنا: (في معاوضة محضة) احتراز من المكاتب، فإنه لو مات لم يقم غيره مقامه في خيار الفسخ.
إذا ثبت هذا: فإن علم الوارث بالبيع، وبموت مورثه عند موته.. فله الخيار فيما

بقي من مدة الخيار، وإن لم يعلم بهما، أو بأحدهما حتى مضت مدة الخيار.. ففيه وجهان: أحدهما: يثبت له الخيار في قدر ما بقي من مدة الخيار من حين علم؛ لأنه لما انتقل الخيار إلى غير من شرط له بالموت.. وجب أن ينتقل إلى غير الزمان الذي شرط فيه.
والثاني: يثبت له الخيار على الفور؛ لأن المدة التي شرط فيها الخيار قد فاتت، فسقطت، وبقي الخيار، فكان على الفور، كالرد بالعيب.

فرع موت أحد المتعاقدين في المجلس

]: وإن مات المتبايعان، أو أحدهما في مجلس البيع قبل التفرق أو التخاير.. فنص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أكثر كتبه: (أن الخيار لا يبطل، وينتقل إلى الوارث).
وقال في (كتاب المكاتب): (إذا باع المكاتب شيئا، أو اشترى شيئا، ثم مات في مجلس البيع قبل التفرق أو التخاير.. وجب البيع).
وظاهر هذا: أن الخيار يبطل بموته، واختلف أصحابنا فيهما على ثلاث طرق: فـ[الطريق الأول]: منهم من قال: لا يبطل الخيار في الحر، ولا في المكاتب، قولا واحدا.
وقوله في (المكاتب): (وجب البيع) أراد: أنه لا يبطل البيع، كما تبطل الكتابة، وقصد به الرد على قوم قالوا: يبطل البيع.
و [الثاني]: منهم من قال: بل أراد: أنه يبطل الخيار في بيع المكاتب، ولا يبطل في حق غيره على ظاهر النصين.
والفرق بينهما: أن السيد ليس بوارث للمكاتب،

وإنما يعود المكاتب رقيقا، فيستحق السيد بحق الملك، فلا ينوب منابه في الخيار بخلاف الحر.
و [الثالث]: منهم من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين: أحدهما: يبطل؛ لأنه إذا بطل بالتفرق.. فلأن يبطل بالموت أولى.
والثاني: لا يبطل، وهو الصحيح؛ لأن خيار المجلس آكد من خيار الشرط؛ لأنه يثبت بمقتضى العقد، وخيار الشرط لا يثبت إلا بالشرط، فإذا لم يبطل خيار الشرط بالموت.. فلأن لا يبطل خيار المجلس أولى.
فعلى هذا: إذا كان الوارث حاضرا في مجلس البيع.. ثبت له الخيار إلى أن يتفرقا عن مجلسهما، أو يتخايرا، وإن كان غائبا عن مجلس البيع، وبلغه موت مورثه والبيع.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو المشهور -: أن له الخيار إلى يفارق مجلسه الذي هو فيه، فإن فارقه قبل أن يفسخ، أو قام الثاني من المتبايعين من مجلسه.. لزم العقد.
والثاني - حكاه ابن الصباغ -: أن الخيار للوارث إذا نظر إلى السلعة ليعرف الحظ في الفسخ، أو الإجازة.
وإن ورث خيار المجلس جماعة، وكانوا في مجلس واحد، أو مجالس.. نظرت: فإن فارقوا جميعا مجلسهم، أو مجالسهم.. لزم العقد في حقهم.
وإن فارقوا مجلسهم، أو مجالسهم إلا واحدا.. لم يلزم العقد؛ لأنه لم يحصل تمام الافتراق؛ لأنهم ينوبون جميعا مناب الميت، فإن اختار واحد الإجازة، واختار الباقون الفسخ.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:

أحدهما: يقدم الفسخ، كالمتعاقدين إذا اختار أحدهما الفسخ، والآخر الإجازة.
والثاني: لا ينفسخ بقول بعضهم، كما لا يلزم بتفرق بعضهم.
وإن اختار بعضهم فسخ نصيبه فيه.. لم يكن له ذلك، كما لو فسخ المورث البيع في بعض المبيع.

مسألة وقت انتقال الملك في الخيار

وفي الوقت الذي ينتقل الملك فيه إلى المشتري في البيع الذي فيه خيار المجلس، أو خيار الشرط، ثلاثة أقوال، سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما: أحدها: أنه لا ينتقل إلا بشرطين: العقد، وانقطاع الخيار؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كل متبايعين فلا بيع بينهما ما لم يتفرقا».
ومعلوم أنه لم يرد به: أنه لا عقد بينهما؛ لأن العقد قد وجد، فعلم أنه أراد: لا حكم للبيع بينهما ما لم يتفرقا، فثبت أن المشتري لم يملك، ولأن البائع لما ملك أن يفسخ مع سلامة الثمن... دل على أن المشتري لم يملك أصله بأصل القبول.
فقولنا: (مع سلامة الثمن) احتراز من البائع إذا وجد بالثمن عيبا.
والقول الثاني: أن الملك موقوف مراعى فإن مضت المدة، ولم يفسخا.. تبينا أن المشتري ملك بنفس العقد، وإن فسخا.. تبينا أنه لم يملك، وأن الملك كان للبائع؛ لأنه لا يجوز أن يقال: إن المشتري قد ملك بالعقد؛ لأن للبائع أن يفسخ البيع ويزيله، ولا يجوز أن يقال: إن الملك لم يزل عن البائع؛ لأن سبب زوال الملك هو العقد، وقد وجد، فلم يبق إلا أن نقول إنه موقوف مراعى.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا أضعف الأقوال.

والقولُ الثالث: أن المِلك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «من باع عبدًا وله مالٌ.. فمالُه للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع».
فظاهر هذا: أنه إذا اشترطه المبتاع.. كان له بالشرط والعقد، فمن قال: إنه لا يملكه بالعقد الشرط.. فقد خالف ظاهر الخبر، ولأنه معاوضة توجب التمليك، فملك بنفس العقد كالمهر في النكاح، وفيه احترازٌ من الكتابة.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا أصح الأقوال.
وأما صاحبُ " الإبانة " [ق\236] فقال: الصحيحُ: إن كان الخيار لهما.. فالملك موقوف، وإن كان لأحدهما.. فالملك لمن له الخيار.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الخيار لهما، أو للبائع.. لم يملك المشتري إلا بانقضاء الخيار، فإذا مضى الخيار زال ملك البائع، وملك المشتري بالعقد السابق، وإن كان الخيار للمشتري وحده.. فالمِلك قد زال عن البائع، ولم ينتقل إلى المشتري حتى تمضي مُدة الخيار، فإذا مضت.. ملك المشتري بالعقد السابق).
وتوجيه الأقوال دليل عليه.
إذا ثبت هذا: فإن كان المبيع جارية، فأعتقها البائع قبل انقضاء الخيار.. فقد ذكرنا: أنه يكون اختيارًا منه للفسخ، وينفذ عتقه على الأقوال كلها؛ لأنها إن كانت باقية على ملكه.. فقد أعتق ملكه، وإن قلنا: إنها في ملك المشتري، إلا أن البائع يملك الفسخ، فجعل العتق فسخًا.. فينفذ، وإن أعتقها المشتري بغير إذن البائع، فإنه يكون اختيارًا منه للإمضاء، وهل ينفذ عتقه؟ ينظر في البائع:

فإن اختار إجازة البيع بعد عتق المشتري، فإن قلنا: إن المشتري يملك بنفس العقد، أو الملك موقوف.. نفذ عتقه؛ لأنه صادف ملكه.
وإن قلنا: إنه لا يملك إلا بشرطين.. لم ينفذ عتقه؛ لأنه أعتق قبل أن يملك.
وإن اختار البائع الفسخ بعد عتق المشتري، فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلاَّ بشرطين، أو قلنا: الملك موقوفٌ.. لم ينفذ عتقه؛ لأنه لم يصادف ملكه.
وإن قلنا: إنه يملك بنفس العقد.. فالمنصوص وهو قول الأكثرين من أصحابنا: (أنه لا ينفذ عتقه)؛ لأنه أعتق ما لم يتم ملكه عليه؛ لأنّ للبائع الفسخ، ولأن عتق المشتري إجازةٌ، وفسخ البائع فسخ، وإن وجد من أحدهما الفسخ، ومن الآخر الإجازة.. قدم الفسخ وإن كان متأخرًا.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن أبا العباس بن سريج قال: ينفذ عتقه، ولم يفصل بين الموسر والمعسر.
واختاره الشيخ أبو حامد؛ لأن عتقه صادف ملكه، كما لو أجاز البائع البيع.
وأما القاضي أبو الطيب: فقال: إنما ينفذ العتق عند أبي العباس إذا كان المشتري موسرًا، وإن كان معسرًا.. لم ينفذ، ولم يذكر في " المهذب " و" الشامل " عن أبي العباس غير هذا.
فإن قلنا بالمنصوص.. أخذ البائع عبده، وإن قلنا بقول أبي العباس.. ففيما يرجع به البائع وجهان: أحدهما: أنه يرجع بقيمة العبد؛ لأن البيع قد انفسخ في العبد، وتعذّر الرجوع إلى عين العبد، فرجع إلى قيمته، كما لو تلف.
والثاني: يرجع إلى الثمن، فيكون العتق هاهنا مقرِّرًا للبيع، ومبطلا للفسخ، والأول أظهر.
وإن أعتق المشتري العبد بإذن البائع.. نفذ عتقه، وبطل خيارُهما؛ لأنهما قد رضيا بإمضاء البيع.

[فرعٌ: شراء من يعتق عليه]

]: إذا اشترى من يعتق عليه، كوالده، أو ولده.. فهل يعتق عليه قبل انقضاء الخيار؟ قال ابن الصباغ: يجري ذلك مجرى المشتري إذا اشترى جارية فأعتقها قبل انقضاء الخيار، على التفصيل الذي ذكرناه.

[فرعٌ: العتق في الخيار]

إذا اشترى عبدًا بأمة، واشترطا الخيار للمشتري وحده، فإن أعتق المشتري الجارية في حال الخيار.. نفذ عتقه، وكان فسخا للبيع، وإن أعتق العبد.. نفذ عتقه، وكان اختيارًا لإمضاء البيع، وإن أعتقهما معًا في حالة واحدة.. لم يعتقا جميعًا.
قال القاضي أبو الطيب: وهذه من النوادر في أنه يملك عتق كل واحدٍ منهما على الانفراد، وإذا أعتقهما معًا.. عتق أحدُهُما بعينه.
وقال أبو حنيفة: (يعتقان).
وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يملك إعتاق أحدهما بعد الآخر، فلم يملك الجمع بينهما، كعبده وعبد غيره.
فإذا ثبت هذا: فأيُّهما يعتق عليه؟ فيه وجهان: أحدُهما ـ وهو قول ابن الحدَّاد، واختيار أكثر أصحابنا ـ أنه يعتق العبد الذي اشتراهُ؛ لأن عِتقه للعبد إمضاءٌ، وعتقه للأمة فسخ.
وإذا اجتمع في حق من له الخيار ما يوجب الفسخ والإتمام.. كان الإتمام أولى؛ لأن الإتمام حق عليه لصاحبه، ولأن عتق الأمة يترتب على فسخ البيع، وعتق العبد

لا يترتب على واسطة، فإذا كان كذلك.. كان العتق يسبق إلى العبد بلا واسطة قبل الأمة، فعتق، ولم تعتق الأمة.
والوجه الثاني ـ ولم يذكر ابن الصبّاغ غيره ـ: أنَّه يعتق عليه ما باع؛ لأن عتقه لما باع فسخ، ولما اشترى إجازة، وإذا اجتمع الفسخ والإجازة.. قدم الفسخ.

[فرعٌ: التصرُّف يلغي الخيار]

]: وإن باع البائع المبيع، أو وهبه في مدّة الخيار.. كان ذلك اختيارًا لفسخ البيع الأول، وصحّ بيعه الثاني.
وإن باع المشتري، أو وهبه، فإن كان بغير رضا البائع، والخيار لهما، فإن فسخ البائع البيع.. انفسخ البيع الأول، ولم يصح البيع الثاني؛ لأن له حق الفسخ.
وإن أجاز البائع البيع، فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلاّ بشرطين.. لم يصح بيعه.
وإن قلنا: إنه يملك بنفس العقد أو الملك موقوف.. فهل يصحُّ بيعُهُ؟ فيه وجهان: أحدُهما: يصح بيعه؛ لأنه صادف ملكه.
والثاني: لا يصحُّ؛ لأنه باع عينا تعلق بها حق غيره، بغير إذنه.. فلم يصح، كالراهن إذا باع الرهن.
وإن باعه المشتري، أو وهبه بإذن البائع.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يصح بيعه؛ لأنه ابتدأ به قبل أن يتم ملكه عليه.
والثاني: يصح بيعه؛ لأن المنع من التصرف لحق البائع، وقد رضي.
قال ابن الصبّاغ: وعلى الوجهين جميعًا قد لزم البيع الأول، وسقط الخيار فيه.
وإن كان الخيار للمشتري وحده، فباع، أو وهبَ.. قال المسعودي [في " الإبانة " [ق\236]: فيه ثلاثةُ أوجه:

أحدها ـ وهو الأصح ـ: أنه يبطل الخيار في الأول، ويصح في الثاني.
والثاني: لا يبطل الخيار في الأول، ولا يصح البيع الثاني.
والثالث: يبطل الخيار في الأول، ولا يصح في الثاني.

[مسألةٌ: وطء الجارية زمن الخيار]

]: وإن كان المبيع جارية، وبينهما الخيار، فأراد أن يطأها البائع في حال الخيار.. لم يمنع من وطئها؛ لأنه يملكها في أحد الأقوال، وعلى القول الذي يقول: لا يملكُها إلا أنه يملك الفسخ، فإذا وطئها.. كان ذلك اختيارًا للفسخ.
وإن أراد المشتري وطأها.. لم يجز له ذلك؛ لأنها على ملك البائع في بعض الأقوال، وفي بعضها على ملك المشتري، إلاَّ أنه ملك غير تامّ؛ لأن للبائع أن يزيل ملكه، والوطء لا يجوز إلاَّ في ملك تامّ.
قال الصيمري: فإن اشترى زوجته، وأراد وطأها قبل انقضاء الخيار.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لم يحل له ذلك؛ لأنه لا يدري أيطأ بالملك، أم بالزوجية؟).
وحكى الشاشي في " حلية العلماء " وجهًا آخر: أنه يحل له.
وليس بشيء.
فإن قال لها بعد الشراء، وقبل انقضاء الخيار: أنت طالق، فإن أمضيا العقد، فإن قلنا: إنه يملك بالعقد، أو الملك موقوف.. لم يقع طلاقه.
وإن قلنا: إنه لا يملك إلا بشرطين.. وقع طلاقه.
وإن فسخا البيع، فإن قلنا: إنه لا يملك إلا بشرطين، أو الملك موقوفٌ.. وقع طلاقه.
وإن قلنا: إنه يملك بنفس العقد.. فهل يقع طلاقه؟ فيه وجهان، حكاهما الصيمري.

جارٍ التحميل