كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بينهما.
واختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة وحكمها:
فقال أبو العباس وأبو إسحاق وأكثر أصحابنا: صورتها: أن يشهد أجنبيان أن فلانا المتوفى أوصى بعتق عبده غانم وهو ثلث ماله، وشهد وارثان: أنه أوصى بعتق سالم وهو ثلث ماله، فعبر الشافعي عن الوصية بالعتق؛ لأن الوصية وقعت بالعتق، فإذا كان هذا صورتها.. فإنه يقرع بينهما كما قال المزني.
وقول الشافعي: (فسواء، ويعتق من كل واحد منهما نصفه) لم يرد به تبعيض العتق فيهما، وإنما أراد: أن شهادة الأجنبيين كشهادة الوارثين لا مزية لأحدهما على الآخر، وأن العبدين سواء يجب أن يقسم الثلث بينهما كما يقسم في الوصايا غير العتق في القياس، إلا إن السنة منعت من قسم الثلث في العتق ووردت في الإقراع.
ومن أصحابنا من قال: صورتها: كما قال أبو العباس وأبو إسحاق، ولكن الحكم ما ذكره الشافعي، وهو: أن يعتق من كل واحد منهما نصفه، ولكن لا يعتق من كل واحد منهما نصفه، إلا إذا كان في كلام الموصي ما يدل على أنه قصد تبعيض الحرية في العبدين؛ بأن يشهد الأجنبيان أنه قال: أعتقوا هذا العبد وإن لم يحتمل الثلث إلا نصفه فأعتقوا نصفه، وشهد الوارثان بمثل ذلك لعبد آخر؛ لأنه قد علم من الموصي أنه أراد تبعيض الحرية فيهما، كما لو أوصى أن يعتق من كل واحد منهما نصفه، فأما إذا لم يكن في كلام الموصي ما يدل على أنه قصد تبعيض الحرية فيهما.. فإنه يقرع بينهما.
ومن أصحابنا من خالف أبا إسحاق وأبا العباس في صورتها وحكمها وقال: صورتها: أن الشهادتين وقعتا بالعتق المنجز لا بالوصية، والحكم في ذلك: أنه إن عرف المعتق منهما أولا.. عتق ورق الثاني، وإن لم يعرف السابق منهما.. ففيه قولان:
أحدهما: أنه يقرع بينهما، فأيهما خرج له سهم العتق.. عتق ورق الآخر؛ لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون هو الذي أعتقه أولا فيعتق ويرق الآخر، وليس لأحدهما مزية على الآخر فأقرع بينهما، كما لو أعتقهما معا.
والثاني: يعتق من كل واحد منهما نصفه؛ لأنا نعلم أن أحدهما حر والآخر رقيق، فإذا أقرعنا بينهما.. لم نأمن أن تخرج الحرية لمن هو رقيق، والرق على من هو حر، ولا مزية لأحدهما على الآخر، فأعتق من كل واحد منهما نصفه لتساويهما.
ويخالف
إذا أعتقهما؛ لأن الحرية لم تقع لأحدهما.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا الطريق أشبه بالمذهب وعليه التفريع.
هذا إذا كانت البينتان عادلتين، فإن كانت إحداهما غير عادلة.. نظرت: فإن كان الأجنبيان فاسقين، والوارثان عدلين.. فلا تعارض شهادة العدلين بشهادة الفاسقين، فيرق العبد الذي شهد الأجنبيان بعتقه، ويعتق العبد الذي شهد الوارثان بعتقه.
وإن كان الأجنبيان عدلين، والوارثان فاسقين.. فلا تعارض شهادة العدلين بشهادة الفاسقين، فإن كان الوارثان لم ينفيا ما شهد به الأجنبيان.. عتق العبد الذي شهد بعتقه الأجنبيان، وأما العبد الذي شهد بعتقه الوارثان.. قال الشيخ أبو حامد: فإنه يعتق نصفه عليهما؛ لأنهما يقولان: لو قبلت شهادتنا وشهادة الأجنبيين.. لعتق النصف من كل واحد من العبدين لا غير - على القول الذي يقول: يقسم العتق بينهما - والنصف الثاني من العبد الذي شهد الأجنبيان بعتقه مغصوب علينا وهو رقيق لنا، وإنما نصف هذا الذي شهدنا له حر، فيلزمهما عتق نصف العبد الذي شهدا له بإقرارهما.
قال ابن الصباغ: وهذا سهو، وينبغي أنه إذا كان قد غصب منهما نصف العبد الذي شهد به الأجنبيان أن لا يعتق عليهما إلا خمسة أسداس عبد؛ لأن سدس التركة مغصوب عليهما، ويدخل النقص على ما يستحقه الأول بالوصية فيحصل هاهنا دور، ويقال: عتق من الأول - وهو ثلث التركة - نصف شيء والباقي منه مغصوب، وعتق من الثاني نصف شيء تمام الوصية، وبقي في يد الورثة ثلث التركة إلا نصف شيء يعدل شيئين، فإذا جبرت.. عدل ثلث التركة شيئين ونصف شيء، الشيء الكامل أربعة أخماس عبد وهو ثلث التركة، فيكون قد عتق من العبد الذي أقر له الوارثان خمساه ورق ثلاثة أخماسه، وعتق من العبد الذي شهد له الأجنبيان بالوصية خمساه والباقي منه مغصوب من حق الورثة، ويبقى في يد الورثة عبد وثلاثة أخماس
عبد، وذلك مثلا ما عتق منهم بالوصية.
وأما إذا نفى الوارثان ما شهد به الأجنبيان؛ بأن قال الأجنبيان: إنه أعتق عبده غانما وقيمته ثلث التركة، وقال الوارثان: لم يعتق غانما وإنما أعتق سالما وقيمته ثلث التركة، وكان الأجنبيان عدلين والوارثان فاسقين.. فشهادة الوارثين: أنه لم يعتق غانما لا تقبل لفسقهما، ولأنها شهادة على نفي، فيعتق غانم بشهادة الأجنبيين، والوارثان يقران: أن المعتق هو سالم، وغانما مغصوب عليهما.
قال الشيخ أبو حامد: فيعتق عليهما سالم بإقرارهما.
قال ابن الصباغ: وهذا سهو أيضا، ويجب أن يقال: يعتق ثلثاه؛ لأن غانما كالمغصوب، فلا يحتسب عليهما في التركة.
وإن اختلفت قيمة العبدين، فشهد أجنبيان: أنه أعتق غانما في مرض موته وقيمته ثلث ماله، وشهد الوارثان: أنه أعتق سالما وقيمته سدس ماله، والبينتان عادلتان:
فإن قلنا: لا يقرع بينهما.. عتق من كل واحد مهما ثلثاه، وهو ثلث التركة.
وإن قلنا: يقرع بينهما.. أقرع بينهما، فإن خرج سهم الحرية للعبد الذي شهد له الأجنبيان.. عتق ورق الآخر، وإن خرج سهم الحرية للعبد الذي شهد له الوارثان.. عتق جميعه ونصف الآخر تمام الثلث.
فرع شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق غانم وشهد الوارثان لغيره
وبرجوعه وكلاهما ثلث التركة]:
وإن شهد أجنبيان: أن فلانا أوصى بعتق عبده غانم وقيمته ثلث ماله، وشهد وارثان: أنه رجع عن وصيته بعتق غانم وأوصى بعتق سالم وقيمته ثلث ماله، والبينتان عادلتان.. فإن شهادة الوارثين تقبل بإبطال عتق غانم وبإثبات العتق لسالم؛ لأنهما لا يجران إلى نفسهما بذلك نفعا ولا يدفعا عنهما ضررا؛ لأن قيمة العبدين متساوية.
وإن كان الأجنبيان عدلين والوارثان فاسقين.. لم تقبل شهادة الوارثين بالرجوع عن عتق غانم، ولكنهما يقولان: غانم لا يستحق العتق، وإنما الذي يستحق العتق سالم، فيكون غانم كالمغصوب عليهما.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فيعتق عليهما ثلثا سالم وهو ثلث التركة مما بقي من المال في أيديهما).
وهذا يؤيد قول ابن الصباغ في الأولى.
وإن كان الأجنبيان فاسقين والوارثان عدلين.. فلا تعارض شهادة الأجنبيين الفاسقين شهادة العدلين، فيعتق العبد الذي شهد له الوارثان بالوصية.
فرع شهد بوصية عتق وشهد الوارثان برجوعه لغيره
فرع: [شهد بوصية عتق بسدس التركة وشهد الوارثان برجوعه لغيره وبغير السدس]:
وإن شهد أجنبيان: أنه أوصى بعتق غانم وقيمته سدس التركة، وشهد الوارثان: أنه رجع عن عتق غانم وأوصى بعتق سالم وقيمته ثلث التركة، وهم عدول.. عتق سالم ورق غانم.
وإن كان الوارثان فاسقين.. عتق غانم؛ لأن الوارثين لا تقبل شهادتهما في الرجوع عن وصيته وهما يقران: أن غانما ملكهما وهو مغصوب عليهما، ويقران: أن الوصية إنما هي لسالم، فيعتق من ثلث التركة التي حصلت في أيديهما وهي خمسة أسداس سالم.
وإن كانت قيمة غانم ثلث التركة، وقيمة سالم سدس التركة، والوارثان عدلان..
فإن شهادتهما لا تقبل في نصف غانم؛ لأنهما يجران بها إلى أنفسهما نفعا بالرجوع عن الوصية بالسدس، وهل تقبل شهادتهما في نصفه الآخر؟ فيه قولان؛ لأنها شهادة اشتملت على شيئين فردت في أحدهما للتهمة.
فإن قلنا: ترد شهادتهما في الجميع.. حكم بعتق العبد الذي شهد له الأجنبيان، إلا أن الوارثين يقولان: هو مغصوب علينا، وإنما الموصى بعتقه هو سالم فيعتق عليهما أيضا بإقرارهما؛ لأنه ثلث ما بقي في أيديهما من التركة.
وإن قلنا: إنها ترد في نصفه وتقبل في نصفه.. عتق نصف غانم ورق نصفه، وعتق جميع سالم؛ لأن الثلث يحتمله.
وإن كان الوارثان فاسقين.. عتق غانم بشهادة الأجنبيين، وعتق سالم بإقرار الوارثين.
فرع شهد أنه أوصى بعتق عبد وشهد الوارثان لغيره
من دون رجوع أو رجع وشهدت بينة ثالثة]:
وإن شهد أجنبيان: أنه أوصى بعتق غانم وقيمته ثلث التركة، وشهد الوارثان: أنه أوصى بعتق سالم وقيمته ثلث التركة ولم يشهدا برجوعه عن عتق غانم وهم عدول.. أقرع بين العبدين، فمن خرج له سهم الحرية.. عتق ورق الآخر.
وإن كانت قيمة غانم ثلث التركة، وقيمة سالم سدس التركة.. أقرع بينهما، فإن خرج سهم الحرية على غانم.. عتق ورق سالم، وإن خرج سهم العتق على سالم.. عتق جميعه وعتق من غانم نصفه، وهو تمام الثلث.
وإن شهد أجنبيان: أنه أوصى لزيد بثلث ماله، وشهد الوارثان: أنه أوصى لعمرو بثلث ماله ولم يشهدا على رجوعه عن وصية لزيد.. قسم الثلث بين زيد وعمرو نصفين.
وإن شهد أجنبيان: أنه أوصى بثلث ماله لزيد، وشهد الوارثان: أنه رجع عن وصيته لزيد وأوصى بثلث ماله لعمرو وهم عدول.. بطلت وصيته لزيد وثبتت وصيته لعمرو.
فإن كانت بحالها وشهد آخران: أنه رجع عن وصية عمرو وزيد وأوصى بثلثه
لخالد.. بطلت وصية زيد وعمرو وثبتت وصية خالد.
وإن شهد أجنبيان: أنه أوصى بثلثه لزيد، وشهد الوارثان: أنه رجع عن وصيته لزيد وأوصى بثلثه لعمرو، وشهد آخران: أنه رجع عن إحدى الوصيتين ولم يعيناها.. بطلت شهادة من شهد بالرجوع من غير تعيين وثبتت الوصية لعمرو.
فرع شهدا بوصية لزيد بثلث وشهد واحد لغيره
وإن شهد رجلان: أنه أوصى لزيد بثلث ماله، وشهد واحد: أنه أوصى لعمرو بثلث ماله.. فهل يحلف عمرو ويساوي زيدا في قسمة الثلث بينهما؟ فيه قولان، مضى بيانهما.
فأما إذا شهد رجلان: أنه أوصى بثلث ماله لزيد، وشهد آخر: أنه رجع عن وصيته لزيد ووصى بثلث ماله لعمرو.. فلعمرو أن يحلف مع شاهده، ويحكم ببطلان وصية زيد، وثبوت وصية عمرو قولا واحدا؛ لأن البينتين هاهنا لم يتعارضا، وإنما الشاهدان شهدا بالوصية، والشاهد شهد بالرجوع وهو يشهد بغير ما شهدا له به، والمقصود بالرجوع المال فثبت بالشاهد واليمين.
فرع ادعى عليهما أنهما رهنا عبدا بدين
وإن ادعى رجل على رجلين: أنهما رهنا عبدا لهما عنده بدين له عليهما، فصدقه كل واحد منهما على حق شريكه وكذبه في حق نفسه.. فيه وجهان:
أحدهما: لا تقبل شهادتهما، لأنه يدعي أن كل واحد منهما، كاذب.
والثاني: تقبل شهادتهما ويحلف مع كل واحد منهما ويصير العبد رهنا عنده؛ لأن كذب كل واحد مهما غير معلوم؛ لجواز أن يكون نسي رهنه لنصيبه.
والله أعلم.
باب الرجوع عن الشهادة
إذا شهد الشهود عند الحاكم، ثم رجعوا عن الشهادة.. لم يخل رجوعهم من ثلاثة أحوال:
إما أن يكون قبل الحكم بشهادتهم، أو بعد الحكم وقبل استيفاء ما شهدوا به، أو بعد الحكم وبعد استيفاء ما شهدوا به.
فإن كان قبل الحكم.. لم يجز للحاكم أن يحكم بشهادتهم.
قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع، إلا ما حكي عن أبي ثور أنه قال: (يحكم بشهادتهما؛ لأن الشهادة قد حصلت فلم تبطل بالرجوع، كما لو رجعوا بعد الحكم).
وهذا خطأ؛ لأن الحاكم إنما يحكم بشهادتهم، فإن رجعوا.. لم تبق هناك شهادة يحكم بها، ولأن الحاكم إنما يجوز له أن يحكم بشهادة يغلب على ظنه صدق شهودها، فإذ رجعوا عن الشهادة.. احتمل أن يكونوا صادقين في الشهادة كاذبين في الرجوع، واحتمل أن يكونوا كاذبين في الشهادة وصادقين في الرجوع، وذلك يوقع شكا في شهادتهم فلم يجز الحكم بشهادتهم، كما لو فسقوا بعد الشهادة وقبل الحكم بها.
وإن شهدوا بحق، فقالوا للحاكم قبل الحكم: توقف في الحكم حتى نتثبت في شهادتنا، ثم عادوا وقالوا: قد أثبتنا شهادتنا.. فهل يجوز للحاكم أن يحكم بها؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز أن يحكم بها؛ لأنهم لم يرجعوا عن الشهادة.
والثاني: لا يجوز أن يحكم بها؛ لأن قولهم هذا يورث ريبة في شهادتهم.
فإن رجعوا بعد الحاكم بشهادتهم وقبل استيفاء ما شهدوا به، فإن كان
ما شهدوا به مما يسقط بالشبهة؛ كالحدود والقصاص.. لم يجز استيفاؤه؛ لأن هذه الحقوق تسقط بالشبهة، ورجوع الشهود أقوى شبهة فلم يجز استيفاؤها.
وحكى المسعودي [في ((الإبانة)) ] وجها آخر في القصاص: أنه يستوفى؛ لأنه حق للآدمي.
والمشهور هو الأول.
وإن كان المشهود به حقا لآدمي لا يسقط بالشبهة؛ كالمال والنكاح وما أشبهه.. فالمنصوص: (أنه يجوز للمشهود له استيفاؤه).
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز له استيفاؤه؛ لأن الحكم غير مستقر قبل استيفاء المشهود به، فرجوع الشهود في هذه الحالة كرجوعهم قبل الحكم.
وليس بشيء؛ لأن الحكم قد نفذ والشبهة لا تؤثر فيه، فجاز استيفاؤه.
وإن رجعوا بعد الحكم وبعد استيفاء المشهود به.. لم ينقض الحكم، ولم يجب على المشهود له رد ما أخذه.
وهو قول كافة العلماء، إلا ابن المسيب والأوزاعي؛ فإنهما قالا: ينقض الحكم ويجب على المشهود له أن يرد ما أخذه.
وهكذا قالا: إذا رجع الشهود بعد الحكم وقبل الاستيفاء.. فإنه ينقض الحكم ولا يستوفى الحق المشهود به.
دليلنا: أن الشهود يجوز أن يكونوا صادقين في الشهادة كاذبين في الرجوع، ويجوز أن يكونوا كاذبين في الشهادة صادقين في الرجوع، فليس أحدهما بأولى من الآخر، فلا يجوز نقض الحكم لأمر محتمل.
مسألة ما يترتب على الشهود فيما لو رجعوا عن شهادتهم وبعد استيفاء الحكم
وإذا شهد الشهود بحق ثم رجعوا بعد الحكم وبعد الاستيفاء.. فقد ذكرنا: أنه لا ينقض الحكم ولا يجب على المشهود له رد ما حكم له به ولا ضمانه، والكلام هاهنا
فيما يجب على الشهود؛ فلا يخلو المشهود به: إما أن يكون إتلافا أو في معنى الإتلاف، أو يكون مالا.
فإن كان إتلافا؛ كالشهادة فيما يوجب القتل والقطع والرجم.. وجب على الشهود الضمان؛ لأن المشهود عليه قتل أو قطع بسبب ملجئ من قبل الشهود.. فوجب عليهم ضمانه، كما لو أتلفوه بأيديهم.
إذا ثبت هذا: ففيه ثمان مسائل:
إحداهن: أن يشهد رجلان أو جماعة على رجل بما يوجب القتل فقتل، أو بما يوجب القطع فقطع، ثم رجعوا عن الشهادة، فإن قالوا: تعمدنا الشهادة عليه ليقتل أو ليقطع.. وجب عليهم القتل أو القطع، وبه قال ابن سيرين وأحمد وإسحاق.
وقال ربيعة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يجب عليهم القتل ولا القطع، وإنما يجب عليهم الأرش).
دليلنا: ما روي: أن رجلين شهدا عند أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على رجل بالسرقة فقطع يده، ثم رجعا عن الشهادة وقالا: أخطأنا، فقال: (لو أعلم أنكما تعمدتما.. لقطعتكما).
وروي: (أن رجلين شهدا عند علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على رجل بالسرقة فقطع يده، ثم أتياه بآخر فقالا: هذا هو السارق وأخطأنا بالأول، فرد شهادتهما على الثاني، وغرمهما دية يده، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما.. لقطعتكما).
ولا مخالف لهما في الصحابة، ولأنه نوع إتلاف يضمن بالفعل فضمن بالقول كالعتق، ولأنهما ألجآ الحاكم إلى إتلافه فصارا كالمكرهين له على إتلافه شرعا، والقود يجب عندنا وعنده على المكره الآمر، وكذلك هذا مثله.
المسألة الثانية: أن يقول الشهود: تعمدنا الشهادة عليه بالقتل والقطع والزنى، وما ظننا أنه يقتل أو يقطع بشهادتنا، وإنما ظننا أنه يجلد أو يحبس، وهم ممن يجوز أن يجهلوا ذلك.. فلا يجب عليهم القود؛ لأنهم لم يعترفوا بما يوجب القود، وتجب عليهم دية مغلظة من أموالهم؛ لأنها عمد خطأ، ولا تحملها العاقلة؛ لأنها وجبت باعترافهم، وهل تجب الدية حالة أو مؤجلة؟
قال المسعودي - رَحِمَهُ اللَّهُ -[في ((الإبانة)) ]: نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنها تجب حالة) وبه قال القفال؛ لأنهم متعمدون من كل وجه، وقولهم: (ولم نعلم أنه يقتل) كقول من يقول: رميته قصدا ولم أعلم أن السهم يبلغه.
وذكر الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ: أنها تجب مؤجلة؛ لما فيها من الخطأ.
وبه قال صاحب ((التقريب)) وحمل النص عليه إذا مضى من وقت القتل إلى وقت المطالبة ثلاث سنين.
المسألة الثالثة: أن يقول الشهود: أخطأنا في الشهادة عليه وظننا أنه القاتل أو الزاني، وإنما القاتل والزاني غيره.. فلا يجب عليهم القود وتجب عليهم الدية في أموالهم مؤجلة.
المسألة الرابعة: إذا اتفقوا أن بعضهم تعمد الشهادة عليه ليقتل، وأن بعضهم أخطأ في الشهادة عليه.. فلا يجب على العامد قود لمشاركته المخطئ، ويجب عليه قسطه من الدية المغلظة في ماله، ويجب على المخطئ قسطه من الدية المخففة في ماله؛ لأنها وجبت باعترافه.
المسألة الخامسة: إذا اختلفوا فقال بعضهم: تعمدنا كلنا الشهادة عليه ليقتل، وقال بعضهم: أخطأنا كلنا بالشهادة عليه أو أخطأنا دونهم؛ فمن أقر بعمد الجميع.. وجب عليه القود؛ لأنه أقر أنه عامد هو وشريكه، ولا يجب القود على من أقر بالخطأ؛ لأنه لا يقبل عليه إقرار غيره، ويلزمه قسطه من الدية المخففة.
المسألة السادسة: إذا شهد أربعة على رجل بما يوجب القتل فقتل، ثم رجعوا عن الشهادة، فقال اثنان منهم: تعمدنا كلنا الشهادة عليه ليقتل، وقال الآخران: تعمدنا نحن الشهادة عليه ليقتل وأخطأ الأولان.. فإن الأولين اللذين أقرا بعمد الجميع يجب عليهما القود؛ لأنهما أقرا على أنفسهما بذلك، وهل يجب القود على الآخرين؟
حكى الشيخ أبو إسحاق فيها قولين، وحكاهما الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والمسعودي [في ((الإبانة)) ] وجهين:
أحدهما: يجب عليهما القود؛ لأنهما اعترفا على أنفسهما بالعمد وأضافا الخطأ إلى من اعترف على نفسه بالعمد، فصار كما لو اعترفوا جميعا بالعمد.
والثاني: لا يجب عليهما القود، وهو الأصح؛ لأنهما أقرا بعمد شاركهما فيه مخطئ، ومقتضى هذا: لا يجب عليهما القود، فلا يجب عليهما القود بقول غيرهما.
فعلى هذا: يجب عليهما نصف الدية مغلظة في أموالهما.
المسألة السابعة: إذا قال اثنان منهم: تعمدنا الشهادة عليه ليقتل وأخطأ هذان، وقال الآخران: بل تعمدنا نحن الشهادة عليه ليقتل وأخطأ هذان.. فهل يجب على جميعهم القود، أو لا يجب عليهم القود بل الدية مغلظة؟ فيه قولان حكاهما الشيخ أبو إسحاق، ووجههما ما ذكرناه في التي قبلها.
المسألة الثامنة: أن يقول بعضهم: تعمدت الشهادة عليه ليقتل ولا أدري: هل تعمد أصحابي أو أخطؤوا؟ فإنه يرجع إليهم، فإن أقروا جميعا بالعمد.. وجب القود على جميعهم.
وإن أقروا بالخطأ، أو أقر واحد منهم بالخطأ والباقون بالعمد.. لم يجب على واحد منهم القود؛ لأن العامد شريك للمخطئ، ويجب على من أقر العمد قسطه من الدية المغلظة في ماله، وعلى من أقر بالخطأ قسطه من الدية المخففة مؤجلة في ماله.
فرع اعتبار عدد الراجعين عن شهادة على إتلاف بعد الاستيفاء
وإن رجع بعض من شهد بإتلاف بعد استيفاء المشهود به.. نظرت: فإن: فإن لم يزد عدد الشهود على عدد البينة؛ بأن شهد اثنان على رجل: أنه قتل رجلا عمدا فقتل به، ثم رجع أحد الشاهدين وقال: تعمدنا الشهادة عليه ليقتل.. وجب عليه القود، ولا يجب على الآخر شيء.
وإن قال الراجع: أخطأنا بالشهادة عليه، أو أخطأت وتعمد صاحبي.. لم يجب على الراجع قود، ووجب عليه نصف دية مخففة.
وكذلك: إذا شهد أربعة على رجل بالزنى وهو محصن فرجم، ثم رجع واحد منهم، فإن قال: تعمدنا كلنا الشهادة عليه ليقتل.. وجب عليه القود، ولم يجب على
الثلاثة شيء.
وإن قال الراجع: أخطأنا كلنا، أو أخطأ بعضنا.. وجب عليه ربع دية مخففة.
وإن رجع اثنان.. وجب عليهما نصف الدية.
وإن زاد عدد الشهود على عدد البينة.. نظر في ذلك: فإن كان الشهود في غير الزنى؛ بأن شهد ثلاثة رجال على رجل: أنه قتل رجلا عمدا، فقتله ولي الدم، ثم رجع أحد الثلاثة وقال: شهدت بالزور وعمدت إلى ذلك ليقتل وتعمد شريكاي.. قال ابن الحداد: وجب على الراجع القود، فإن اختار الولي أن يعفو عنه على مال.. وجب عليه ثلث الدية.
وإن كان ذلك في الشهادة على الزنا؛ بأن شهد خمسة رجال على رجل: أنه زنى وهو محصن، فرجم بشهادتهم، ثم رجع واحد منهم وقال: شهدت بالزور وعمدت إلى ذلك ليقتل، وعمد أصحابي إلى الشهادة عليه بالزور ليقتل.. فإنه لا يجب على الراجع قود.
والفرق بينها وبين الأولى: أن قيام البينة عليه يوجب القتل في غير الزنا، ولا يسقط ضمانه عن الأجنبي؛ لأنه لا يكون مباح الدم؛ بدليل: أنه لو قتله غير ولي الدم.. وجب عليه القود، فلم يكن مسقطا لضمان نفسه.
وإذا قامت البينة عليه بالزنى وهو محصن.. كان وجوب رجمه يوجب سقوط ضمانه ويصير مباح الدم؛ بدليل: أنه لو قتله قاتل.. لم يجب عليه القود.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يجب حد القذف على الراجع؛ لأن حصانه المقذوف ساقطة ببقاء قيام الأربعة عليه بالزنى.
وهل يجب على الراجع شيء من الدية؟ فيه قولان، حكاهما المسعودي [في ((الإبانة)) ]، وحكاهما أصحابنا العراقيون وجهين:
أحدهما - حكاه المزني في ((المنثور)) واختاره أبو إسحاق المروزي -: أنه يجب عليه خمس الدية؛ لأنه مقر أنه أتلف جزءا منه وهو مضمون، فلزمه من ضمانه بقدر ما أقر من إتلافه.
والثاني - وهو قول ابن الحداد والقاضي أبي حامد -: أنه لا يجب عليه شيء، وهو الصحيح؛ لأن البينة قائمة على إباحة نفسه وسقوط ضمانه بالشهود الأربعة، فهو كما لو قتل رجل رجلا فقامت بينة على زنى المقتول وهو محصن.. فإنه لا يجب على قاتله شيء وكذلك هذا مثله.
فإن رجع اثنان من الخمسة وقالا: شهدنا بالزور عليه وتعمدنا بالشهادة عليه ليقتل، وتعمد أصحابنا الشهادة بالزور ليقتل.. وجب عليهما القود.
وإن قالا: أخطأنا.. فعلى قول أبي إسحاق: تجب عليهما خمسا الدية، وعلى قول ابن الحداد: يجب عليهما ربع الدية بينهما نصفين؛ لأن البينة لم ينخرم إلا ربعها.
وإن شهد عليه ثمانية بالزنا وهو محصن فرجم، فرجع واحد منهم، أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة، وقالوا: قد تعمدنا الشهادة عليه بالزور ليقتل.. فلا خلاف: أنه لا يجب عليهم القود؛ لما مضى، وأما الدية: فتجب على قول أبي إسحاق: على كل واحد منهم ثمن الدية، وعلى قول ابن الحداد: لا يجب على الأربعة شيء.
وإن رجع خمسة منهم وقالوا: تعمدنا بالشهادة عليه بالزور ليقتل، وتعمد أصحابنا.. وجب عليهم القود.
وإن قالوا: أخطأنا.. وجب عليهم ربع الدية بينهم أخماسا.
وإن رجع ستة.. وجب عليهم نصف الدية، وإن رجع سبعة.. وجب عليهم ثلاثة أرباع الدية، وإن رجعوا كلهم.. وجبت الدية عليهم على كل واحد منهم ثمنها.
مسألة شهد أربعة على شخص بالزنى وشهد اثنان بإحصانه فرجم ثم رجع الشهود
وإن شهد أربعة على رجل بالزنى، وشهد اثنان من غيرهم: أنه محصن، فرجم، ثم رجعوا كلهم، فقال شهود الزنا: أخطأنا وما كان زنى، وقال شاهدا الإحصان: أخطأنا ما كان وطئ في نكاح صحيح.. فهل يجب الضمان على شاهدي الإحصان؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يجب عليهما الضمان - وبه قال أبو حنيفة - لأن شهود الزنى شهدوا بفعله، وشاهدي الإحصان إنما يشهدان بصفته، وإنما قتل بفعله لا بصفته.
والثاني: يجب عليهما الضمان؛ لأنه إنما قتل بالزنى والإحصان؛ بدليل: أنه لو انفرد أحدهما عن الآخر.. لم يقتل.
والثالث: ينظر في شاهدي الإحصان: فإن شهدا بإحصانه قبل قيام البينة عليه بالزنى.. لم يجب عليهما الضمان؛ لأنهما إنما أثبتا صفته.
وإن شهدا بعد قيام البينة عليه بالزنى.. وجب عليهما الضمان؛ لأنهما إنما شهدا عليه ليقتل.
فإذا قلنا: يجب الضمان على شاهدي الإحصان.
فكم يجب عليهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليهما نصف الدية، على كل واحد منهما ربع الدية، ويجب على شهود الزنى نصفها على كل واحد منهم ثمنها؛ لأنه قتل بنوعين من البينة.
والثاني: يجب على شاهدي الإحصان ثلث الدية، وعلى شهود الزنى ثلثاها؛ لأنه قتل بشهادة ستة، فكان على كل واحد منهم سدس الدية.
وقال أبو ثور: (لا يجب على شهود الزنى هاهنا شيء من الدية، ويجب جميع الدية على شاهدي الإحصان).
وهذا خطأ؛ لأنه قتل بشهادة الجميع.. فكان ضمانه على الجميع.
وإن شهد أربعة رجال على رجل بالزنى، وشهد اثنان منهم أنه محصن.. قبلت شهادتهما؛ لأنهما لا يجران بذلك إلى أنفسهما نفعا.
فإن رجم ثم رجعوا كلهم عن الشهادة.
فإن قلنا: لا يجب الضمان على شاهدي الإحصان في التي قبلها.. فهاهنا أولى.
وإن قلنا: يجب الضمان على شاهدي الإحصان في التي قبلها.. فهاهنا وجهان:
أحدهما: لا يجب عليهما الضمان؛ لأن الشاهدين اللذين شهدا بالزنا لا غير، وجد من كل واحد منهما جناية، وهو شهادته بالزنى، وود من اللذين شهدا بالإحصان والزنى جنايتان، فإذا تلف المشهود عليه بجنايتهم.. قسم الضمان عليهم على عدد رؤوسهم لا على عدد جناياتهم، كما لو جرح رجل رجلا جراحة وجرحه آخر جراحتين ومات.
والثاني: يجب عليهما الضمان؛ لأنه تلف بسببين؛ بالشهادة بالزنى والشهادة بالإحصان، فقسمت الدية عليهما.
فإذا قلنا بهذا، وقلنا في التي قبلها: إنه يجب على شاهدي الإحصان نصف الدية.. وجب هاهنا على الشاهدين اللذين شهدا بالزنا والإحصان ثلاثة أرباع الدية وعلى الشاهدين اللذين شهدا بالزنا لا غير.. ربع الدية.
وإن قلنا في التي قبلها: يجب على شاهدي الإحصان ثلث الدية.. وجب هاهنا على الشاهدين اللذين شهدا بالزنا والإحصان ثلثا الدية، وعلى الشاهدين اللذين شهدا بالزنا لا غير ثلث الدية.
فرع شهدوا على زنى رجل فزكاهما اثنان فرجم ثم بان عدم أهلية الشهود
وإن شهد أربعة على رجل بالزنى، فجهل الحاكم عدالتهم، فزكاهم رجلان، فقبل الحاكم تزكيتهما ورجم المشهود عليه، ثم بان أن الشهود كانوا عبيدا أو كفارا.. فإنه يجب ضمان نفس المشهود عليه؛ لأنه رجم بغير حق، ووليه بالخيار: إن شاء طالب الحاكم؛ لأنه أمكن من قتله، وإن شاء طالب المزكيين؛ لأنهما ألجآ الحاكم إلى قتله.
فإن طالب الحاكم.. رجع على المزكيين؛ لأنهما غراه، وإن طالب المزكيين.. لم يرجعا على غيرهما؛ لأنهما لم يلجئهما إلى التزكية أحد.
مسألة رجوع الشهود عن شهادتهم بما فيه معنى الإتلاف وبعد الاستيفاء
وإن كان المحكوم به ليس بإتلاف وإنما هو بمعنى الإتلاف؛ وهو: إتلاف الحكم، كالشهادة بالطلاق والعتاق وما أشبههما.. وجب على الشهود الضمان إذا رجعوا كما قلنا في شهود القتل.
فإذا شهد شاهدان على رجل: أنه أعتق عبدا له، فقبل الحاكم شهادتهما وحكم
بعتقه، ثم رجعا عن الشهادة.. وجب عليهما قيمة العبد؛ لأنهما أتلفا عليه رقبة العبد، فوجب عليهما قيمته، كما لو قتلاه.
وسواء قالا: تعمدنا الشهادة أو أخطأنا؛ لأن المال يضمن بالعمد والخطأ.
وإن شهد عليه: أنه كاتب عبده، فحكم الحاكم بالكتابة، ثم رجعا عن الشهادة.. ففيه وجهان - حكاهما الصباغ -:
أحدهما: يرجع عليهما بما بين قيمته وعوض الكتابة؛ لأن مال الكتابة قد رجع إليه.
والثاني: يرجع عليهما بجميع قيمته؛ لأن مال الكتابة الذي أداه إنما هو كسبه والسيد يملكه.
قال ابن الصباغ: وهذا ينبغي أن يكون إذا أدى وعتق، فأما قبل ذلك.. فلا يضمن.
وإن شهدا لأمة باستيلاد سيدها لها، ثم رجعا، فإذا مات السيد.. عتقت ورجع ورثة سيدها عليهما بقيمتها.
قال ابن الحداد: وإن شهد شاهدان على رجل: أنه أعتق عبده على ضمان مائة درهم، وقيمة العبد مائتا درهم، فضمن العبد المائة، وحكم الحاكم بعتق العبد، ثم رجعا عن شهادتهما.. فإن الحاكم لا ينقض حكمه، ويرجع السيد عليهما بتمام القيمة وهي مائة درهم؛ لأن الشاهدين قد أقرا برجوعهما أنهما أتلفا عليه نصف العبد وهو ما يقابل المائة الثانية من قيمته، فلزمهما ضمان ذلك.
وإن شهد ثلاثة على رجل: أنه أعتق عبده، فحكم الحاكم بعتقه، ثم رجع واحد منهم.. لم يرجع عليه بشيء على قول ابن الحداد والقاضي أبي حامد، وعلى ما حكاه المزني في ((المنثور)) وقول أبي إسحاق المروزي.. يرجع عليه بثلث القيمة.
وإن رجعوا كلهم.. رجع عليهم بقيمة العبد، على كل واحد ثلث قيمته بلا خلاف على المذهب.
فرع شهدا على رجل أنه طلق بائنا فطلقت زوجته ثم رجعا
وإن شهد رجلان على رجل: أنه طلق امرأته طلاقا بائنا، وحكم الحاكم عليه بالطلاق، ثم رجعا عن الشهادة.. نظرت: فإن كان بعد الدخول.. رجع الزوج عليهما بمهر مثلها، على كل واحد منهما بنصف مهر مثلها.
وبه قال ربيعة وعبيد الله بن الحسن العنبري.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يرجع عليهما بشيء).
دليلنا: أنهما أتلفا عليه بضعها، فوجب عليهما مهر مثلها، كما لو كان قبل الدخول.
فإن كان ذلك قبل الدخول.. وجب عليهما الضمان؛ لأنهما أتلفا عليه بضعها، وبكم يرجع عليهما؟
روى المزني: (أنه يرجع عليهما بجميع مهرها)، وروى الربيع: (أنه يرجع عليهما بنصف مهر مثلها).
واختلف أصحابنا فيها على طريقين:
فـ[الأول]: منهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: يرجع عليهما بنصف مهر مثلها - وهو اختيار القاضي أبي الطيب - لأن الفرقة إذا وقعت قبل الدخول.. فالزوج مالك لنصف البضع؛ بدليل: أنه لا يلزمه إلا نصف المهر، فكأنهما لم يتلفا عليه إلا بنصف البضع، فلم يلزمهما أكثر من قيمة نصف مهر مثلها.
والثاني: يلزمهما جميع مهر مثلها - وهو اختيار الشيخ أبي حامد - لأن ملك الزوج على البضع قبل الدخول كملكه عليه بعد الدخول؛ بدليل: أنه يملك المعاوضة عليه قبل الدخول كما يملك ذلك بعد الدخول، فلما ثبت أنهما إذا شهدا عليه بعد الدخول وجب عليهما مهر مثلها.. فكذلك قبل الدخول.
و [الطريق الثاني]: من أصحابنا من قال: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:
فحيث قال: (يرجع عليهما بجميع مهر مثلها) أراد: إذا كان قد سلم إليها جميع مهرها، ثم شهدا عليه بالطلاق.
وحيث قال: (يرجع عليهما بنصف مهر مثلها) أراد: إذا لم يسلم إليها شيئا من المهر، ثم شهدا عليه بالطلاق قبل الدخول.
والفرق بينهما: أنه إذا سلم إليها صداقها، ثم شهدا عليه بالطلاق.. فهو يقول: هي زوجتي وقد سلمت إليها ما تستحقه، ولا أستحق الرجوع عليها بشيء مما سلمته إليها؛ فلذلك استحق الرجوع على الشاهدين بجميع مهر مثلها، وإذا لم يسلم إليها صداقها؛ فالزوجة تقول: قد وقعت الفرقة بيننا قبل الدخول، فلا أستحق عليه إلا نصف المهر المسمى، فلا يغرم الزوج غير ذلك، فلا يرجع على الشاهدين إلا بقدر ذلك من مهر المثل.
والصحيح هو الطريق الأول؛ لأن الاعتبار بما أتلف الشاهدان على الزوج من البضع لا بما سلمه الزوج؛ بدليل: أنه إنما يرجع عليهما بمهر المثل أو بنصفه، ولا اعتبار بالمسمى.
فرع ادعت نكاحه ودخوله وطلاقه فأنكر ذلك وشهد لها شهود فغرم ثم رجعوا
وإن ادعت امرأة على رجل: أنه نكحها ودخل بها فطلقها ومهر مثلها ألفان، فأنكر الزوج النكاح والإصابة والطلاق، فشهد عليه شاهدان بالنكاح، وآخران بإقراره بالإصابة، وآخران بالطلاق، فحكم عليه الحاكم بذلك كله، ثم رجع جميع الشهود.. قال ابن الحداد: يرجع الزوج على شاهدي الطلاق؛ لأنهما حالا بشهادتهما بينه وبين بضعها وأتلفاه عليه.
فمن أصحابنا من خطأه في ذلك وقال: لا يرجع عليهما بشيء؛ لأنه منكر للنكاح والإصابة، فصار مقرا بأنه لم يملك بضعها، وإذا لم يملك بضعها.. فلم يتلف عليه شاهدا الطلاق شيئا؛ فلم يرجع عليهما بشيء.
فرع شهدا عليه بطلاق زوجته قبل الدخول ففرق بينهما ثم رجعا عن الشهادة
وإن شهد عليه رجلان: أنه طلق امرأته قبل الدخول، وكان قد فرض لها صداقا، ففرق الحاكم بينهما وألزمه نصف المسمى، ثم رجع شاهدا الطلاق عن شهادتهما، ثم قامت بينة أنها ابنته أو أخته من الرضاع.. قال ابن الحداد: فإنه لا يجب على شاهدي الطلاق له شيء؛ لأنا تبينا أنه لم يكن بينهما نكاح، ويجب عليها أن ترد على الزوج ما أخذت منه؛ لأنا تبينا أن ذلك غير واجب عليه.
وإن شهدا عليه بالطلاق قبل الدخول ولم يكن الزوج فرض لها مهرا، فحكم الحاكم بالفرقة وألزم الزوج المتعة، ثم رجع الشاهدان عن شهادتهما.. فإن الزوج لا يرجع بما دفع من المتعة عليهما؛ لأنه لا يرجع بما غرم، وإنما يرجع عليهما بقيمة البضع، وفي قدر ذلك طريقان، مضى ذكرهما.
فإذا طلقها قبل الدخول وكان قد فرض لها مهرا.. قال ابن الحداد: وإن شهدا عليه أنه طلق امرأته على ضمان ألف ومهر مثلها ألفان، ثم رجعا عن الشهادة.. فإنه يرجع عليهما بألف وهو تمام مهر المثل.
فرع شهدا على طلاق رجعي فحكم بشهادتهما ثم رجعا
وإن شهد رجلان على رجل بطلاق رجعي، فحكم بشهادتهما، ثم رجعا عن شهادتهما.. فحكى ابن الصباغ فيها وجهين:
أحدهما: يرجع عليهما بما يرجع عليهما بالطلاق البائن؛ لأن الطلاق يزيل ملكه عنها بانقضاء العدة.
والثاني: لا يرجع عليهما بشيء؛ لأنه يمكنه تلافي ذلك بالرجعة، وإنما تبين باختياره.
فرع شهدا على امرأة بنكاح فحكم به ثم رجعا
وإن شهد رجلان على امرأة بنكاح لرجل، فحكم الحاكم عليها بالنكاح، ثم رجع
الشاهدان.. فقد قال بعض أصحابنا: إن كان قبل الدخول.. لم ترجع عليهما بشيء، وإن كان بعد الدخول.. غرما ما نقص من المسمى عن مهر مثلها.
فال ابن الصباغ: وينبغي أن يقال: إن كان قبل الدخول.. رجعت على الشهود - إن كان المهر المسمى دون مهر المثل - ببقيته.
فرع شهد رجل وعشر نسوة على رضاع بين زوجين ثم حصل رجوع
وإن شهد رجل وعشر نسوة على رجل: أن بينه وبين زوجته رضاعا يحرم فحكم الحاكم بالفرقة بينهما، ثم رجع الرجل وسبع نسوة.. قال ابن الحداد: فإن الزوج يرجع على الراجعين بربع مهر مثلها؛ لأنه انخرم ربع البينة وبقي ثلاثة أرباعها.
وعلى قول المزني في ((المنثور)) وأبي إسحاق المروزي: يجب على الراجعين ثلاثة أرباع مهر مثلها، على الرجل سهمان، وعلى كل امرأة سهم.
وإن رجع الرجل وست نسوة.. فعلى قول ابن الحداد: لا شيء على الراجعين.
وعلى قول المزني وأبي إسحاق: يرجع عليهم بثلثي مهر المثل.
وإن رجع الرجل: قال القاضي أبو الطيب: فعلى قول ابن الحداد.. لا يجب على الراجع شيء؛ لأن البينة قائمة.
وعلى قول المزني وأبي إسحاق.. يرجع عليه بسدس مهر مثلها.
مسألة رجوع الشهود عن مال الرجل
وإن كان المشهود به مالا؛ بأن شهدا عليه بمال لرجل وحكم الحاكم بالشهادة، ثم رجع الشهود عن الشهادة.. فقد ذكرنا: أن الحكم لا ينقض، ولا يجب على المشهود
له رد ما أخذ، وهل يجب على الشهود الضمان؟ نقل المزني: (أنه لا ضمان عليهم).
وقال فيمن أقر بدار في يده لزيد، ثم أقر بها لعمرو: إنها تسلم إلى زيد، وهل يغرم لعمرو شيئا؟ فيه قولان.
واختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: لا يجب على الشهود في المال إذا رجعوا الضمان قولا واحدا؛ لأن أيديهم لم تثبت على المال، فلم يلزمهم غرم بخلاف المقر؛ فإن يده ثبتت على الدار.
وقال أكثرهم: فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليهم الضمان؛ لما ذكرناه.
والثاني: يلزمهم الضمان - وبه قال مالك وأبو حنيفة - وهو الأصح؛ لأنهم حالوا بين المشهود عليه وبين ماله بغير حق فلزمهم الضمان، كما لو غصبوه منه.
وما قاله الأول.. غير صحيح؛ لأن المال قد يضمن بغير اليد والإتلاف، وهو: إذا حفر بئرا في طريق الناس، فوقع فيها بهيمة أو عبد لرجل.. فإنه يجب على الحافر ضمانه.
فإذا قلنا بهذا: فإن شهد رجلان عليه بمال، فحكم الحاكم بشهادتهما عليه، ثم رجعا عن الشهادة.. وجب الضمان عليهما نصفين.
وإن رجع أحدهما دون الآخر.. وجب على الراجع نصف المشهود به عليه.
وإن شهد عليه ثلاثة رجال بمال، وحكم الحاكم بشهادتهم، ثم رجع واحد منهم وبقي اثنان.. لم يجب عليه الضمان على قول ابن الحداد، وعلى ما حكاه المزني في ((المنثور)) وقول أبي إسحاق: يجب عليه ضمان ثلث المشهود به.
فإن رجع اثنان منهم وبقي الثالث.. رجع عليهما على قول ابن الحداد بضمان نصف المشهود به، وعلى ما حكاه المزني في ((المنثور)) وقول أبي إسحاق: يرجع عليهما بضمان ثلثيه.
وإن رجع الثلاثة كلهم.. رجع عليهم بالمشهود به بينهم أثلاثا.
فرع شهد أربعة على رجل بمال فحكم بها ثم رجعوا واحدا بعد واحد
وإن شهد أربعة رجال على رجل بأربعمائة درهم وحكم الحاكم بشهادتهم، ثم رجع واحد منهم عن مائة، ورجع الثاني عن مائتين، ورجع الثالث عن ثلاثمائة، ورجع الرابع عن أربعمائة.. فعلى ما حكاه المزني وقول أبي إسحاق: يلزم كل واحد منهم بحصته مما رجع عنه؛ فيلزم الراجع عن مائة خمسة وعشرون درهما، ويلزم الراجع عن مائتين خمسون، ويلزم الراجع عن ثلاثمائة خمسة وسبعون، ويلزم الراجع عن أربعمائة مائة.
وعلى قول ابن الحداد: لا يرجع عليهما بمائتين؛ لأن البينة قائمة فيهما، فإذا رجع الأول والثاني.. لا يرجع عليهما بشيء بنفس رجوعهما، فإذا رجع على الثالث والرابع.. فإن البينة قائمة في مائتين، وقد رجع الأربعة عن مائة، فيجب على الأربعة على كل واحد منهم ربعها، وقد رجع الثاني والثالث والرابع من المائة الثانية وبقي فيها الأول شاهدا، وكم يجب على الثاني والثالث والرابع من المائة التي رجعوا بها، فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: يرجع عليهم بثلاثة أرباعها؛ لأنها لزمته بشهادة أربعة، وقد بقي منهم واحد ثابتا على الشهادة.
والثاني: يجب عليهم نصفها؛ لأنه لم ينخرم إلا نصف البينة التي يلزم بها الحق.
فرع شهد رجل وامرأتان أو أكثر على رجل بمال فحكم بها ثم رجعوا
وإن شهد رجل وامرأتان على رجل بمال، فحكم الحاكم بشهادتهم، ثم رجعوا عن الشهادة.. وجب على الرجل ضمان النصف وعلى المرأتين ضمان النصف؛ لأن شهادة الرجل كشهادة المرأتين.
وإن شهد رجل وعشر نسوة بمال، فحكم بشهادتهم، ثم رجعوا عن الشهادة.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي العباس وأبي يوسف -: أنه يجب على الرجل ضمان
النصف وعلى النساء ضمان النصف؛ لأن النساء لا يحكم بشهادتهن بانفرادهن في المال، وإنما يحكم بشهادتهن في ذلك مع الرجل، فدل على أنهن حزب والرجل حزب، فوجب عليهن ضمان النصف وعلى الرجل ضمان النصف.
والثاني - وهو قول أكثر أصحابنا، وبه قال أبو حنيفة -: أنه يجب على الرجل ضمان السدس وعلى النسوة ضمان خمسة أسداس.
وهو الأصح؛ لأن شهادة كل امرأتين بشهادة رجل، فهو كما لو شهد بالمال ستة رجال، ثم رجعوا.
فإن رجع ثمان نسوة.. لم يجب عليهن شيء على قول ابن الحداد، وعلى قول المزني وأبي إسحاق: يجب عليهن ثلثا المال.
وإن رجع منهن تسع.. وجب على التسع على قول ابن الحداد ربع المال، وعلى قول أبي إسحاق: يجب ثلاثة أرباع المال.
فرع حكم بشهادة الفرع ثم رجع شاهدا الأصل
وإن شهد شاهدان على شهادة رجلين بحق، فشهد شاهد الفرع بالحق، وحكم الحاكم بشهادتهما، فاعترف شاهدا الأصل: أنهما ادعياهما وأنهما رجعا عن الشهادة، وإنما ادعياهما لزور.. فإن الضمان يجب على شاهدي الأصل عندنا، وبه قال أبو حنيفة.
وقال محمد: يجب الضمان على شاهدي الفرع.
دليلنا: أن الحق إنما يثبت بشهادة شاهدي الأصل، وشاهدا الفرع إنما يثبتان شهادتهما، فإذا رجعا.. لزمهما الضمان، كما لو شهدا بها عند الحاكم فحكم بها، ثم رجعا.
فرع رجوع الشهود وتعزيرهم وماذا عن قبول شهادتهم
وإذا شهد الشهود بحق ثم رجعوا.. فهل يعزرون؟ ينظر فيهم: فإن وجب عليهم عند رجوعهم قصاص في نفس أو طرف.. لم يعزروا؛ لأن التعزير للردع، والذي يفعل بهم أبلغ من التعزير بالردع.
وإن لم يلزمهم قصاص، وإنما لزمهم مال.. نظرت: فإن ذكروا أنهم أخطؤوا في الشهادة.. لم يعزروا؛ لأنهم معذورون في الخطأ، وإن قالوا: تعمدنا.. عزروا؛ لأنهم أقروا بارتكاب كبيرة مع العلم بها فاستحقوا التعزير.
وهل تقبل شهادتهم بعد رجوعهم؟
أما في الذي رجعوا عنه: فلا تقبل شهادتهم فيه بحال؛ لأنهم قد رجعوا عن الشهادة فيه.
وأما في غيره: فينظر فيه: فإن قالوا: تعمدنا الشهادة بالزور عليه.. لم تقبل شهادتهم إلا بعد التوبة والإصلاح، كما قلنا في شهادة الزور.
وإن قالوا: أخطأنا.. قبلت شهادتهم في غيره؛ لأنهم معذورون في الخطأ، فلا تسقط به عدالتهم.
مسألة موت الشهود أو طرو جنون أو إغماء
أو فسق عليهم]:
وإذا شهد الشهود بحق، ثم ماتوا قبل أن يعرف الحاكم عدالتهم، ثم قامت البينة بعدالتهم بعد موتهم، أو ماتوا بعد ثبوت عدالتهم وقبل الحكم بشهادتهم، أو جنوا قبل ثبوت عدالتهم ثم ثبتت عدالتهم بعد جنونهم، أو جنوا بعد ثبوت عدالتهم وقبل الحكم بشهادتهم.. فللحاكم أن يحكم بشهادتهم في جميع ذلك؛ لأن الموت أو الجنون ليس بفسق، فلم يورث ذلك شكا في شهادتهم، فجاز الحكم بها، كما لو كانوا أحياء عقلاء.
وكذلك: إذا أغمي عليهم أو ارتدوا أو خرسوا أو عموا.. فإنه يجوز الحكم بشهادتهم.
وقال أبو حنيفة: (إذا عموا قبل الحكم بشهادتهم.. لم يجز الحكم بشهادتهم).
وقد مضى ذلك والدليل عليه.
وأما إذا شهد الشهود بحق، ثم فسقوا قبل الحكم بشهادتهم.. لم يجز الحكم بشهادتهم؛ لأن الفسق إذا ظهر قبل الحكم.. أوقع شكا في العدالة حال الشهادة؛ لأن العادة في الناس أنهم يستترون في المعاصي ويظهرون الطاعات، فإذا ظهر الفسق.. دل على تقدم أمثاله، فلم يجز الحكم بشهادتهم.
وإن شهد الشهود بحق، فحكم الحاكم بشهادتهم واستوفى ذلك الحق، ثم فسق الشهود.
لم يؤثر الفسق، سواء كان ذلك الحق لله تعالى أو للآدمي؛ لأن الحق قد استوفى والفسق ظهر بعد استيفاء الحق، فيجوز أن يكونوا فساقا حال الشهادة، ويجوز أن يكونوا عدولا، وقد استوفى الحق ونفذ فلا ينقض بأمر محتمل.
وإن فسق الشهود بعد الحكم وقبل استيفاء الحق، فإن كان الحق له تعالى كحد الزنى والسرقة والشرب.. لم يستوف؛ لأنها تسقط بالشبهة، والفسق يوقع شكا في حال الشهادة.
وإن كان الحق لآدمي.. نظرت: فإن كان حقا لا يسقط بالشبهة؛ كالمال والنكاح.. فله استيفاؤه؛ لأن الحكم قد نفذ فلا ينقض بأمر محتمل.
وإن كان مما يسقط بالشبهة، كالحد والقصاص.. ففيه وجهان - حكاهما ابن الصباغ -:
أحدهما - ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق غيره -: أنه لا يجوز استيفاؤه؛ لأن ذلك ما يسقط بالشبهة، والفسق شبهة، فلم يجز استيفاؤه بعد فسق الشهود، كحد الزنى.
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره -: أن له استيفاؤه؛ لأنه حق لآدمي فلم يمنع فسق الشهود بعد الحكم به من استيفائه كالديون.
مسألة قضية نقض الحكم بسبب بيان أن الشهود ممن لا تصح شهادتهم
وإذا حكم الحاكم بشهادة رجلين، ثم بان أنهما عبدان أو كافران.. فإنه ينقض حكم نفسه وينقضه غيره؛ لأنه إنما حكم بشهادة من يعتقدهما حرين مسلمين، فأما إذا بانا عبدين أو كافرين.. فقد تحقق أنه حكم بشهادة من لا يجوز الحكم بشهادته فنقضه، كما لو حكم بحكم ثم وجد النص بخلافه.
فإن قيل: كيف ينقض حكم من حكم بشهادة عبدين وقد ذهب إلى جواز شهادة العبيد بعض السلف؟ قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: أن الإجماع قد حصل بعد الاختلاف على رد شهادة العبيد، فيرتفع الاختلاف ويصير إجماعا.
والثاني: أن من قال بقبول شهادة العبيد يخالف القياس الجلي؛ لأنه لا يجوز أن يكون الرق مانعا عن الميراث والولاية والرجم ولا يكون مانعا من قبول الشهادة، وكل حكم خالف القياس الجلي.. فإنه ينقض.
فأما إذا حكم الحاكم بشهادة رجلين ظاهرهما العدالة ثم شهد شاهدان أنهما فاسقان:
فإن شهدا بفسق مطلق غير مضاف إلى حال الشهادة، أو شهدا بفسق حادث بعد الحكم والاستيفاء.. لم ينقض الحكم بشهادتهما.
وإن شهدا بفسقهما حال شهادتهما بالحق الذي شهد به.. فقد قال الشافعي في موضع: (ينقض الحكم بشهادتهما).
وقال في موضع: (إن الحاكم ينظر المشهود عليه بجرح الشهود ثلاثا فإن أتى بالجرح بعده.. لم يقبله) وهذا يدل على أنه إذا أقام البينة بفسقهم بعد الحكم.. لا يقبله، واختلف أصحابنا فيها على طريقين:
فـ[الطريق الأول]: قال أبو العباس: فيها قولان:
أحدهما: لا ينقض الحكم بشهادتهما - وبه قال أبو حنيفة - لأن عدالتهما عرفت من طريق الاجتهاد، وعدالة الشاهدين اللذين شهدا بفسقهما علمت من طريق الاجتهاد، فلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد.
والثاني: ينقض الحكم بشهادتهما، وهو الأصح؛ لأنه لو بان رقهما.. لنقض الحكم بشهادتهما، ولا نص في رد شهادة العبد ولا إجماع، فلأن ينقض الحكم بشهادتهما إذا بانا فاسقين وقد ثبت النص برد شهادة الفاسق والإجماع أولى.
فأما النص: فقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] [الطلاق: 2].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] [الحجرات: 6].
فأمر بالتبين في نبأ الفاسق وهو خبره، والشهادة خبر فوجب ردها.
وأما الإجماع: فإن أحدا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم لم يجز شهادة الفاسق.
و [الطريق الثاني]: قال أبو إسحاق: ينقض الحكم بشهادتهما قولا واحدا؛ لما ذكرناه.
وحيث قال: (إذا أتى المشهود عليه بالجرح.. لم يقبل) أراد: إذا كان الفسق حادثا، أو كانت الشهادة بفسقهما مطلقة غير مضافة إلى حال الشهادة.
إذا ثبت هذا، وقلنا: ينقض الحكم بشهادة الفاسق، أو بانا عبدين أو كافرين.. فلا يخلو المحكوم به: إما أن يكون إتلافا أو مالا.
فإن كان إتلافا، مثل الشهادة بما يوجب القتل فقتل، أو بما يوجب القطع فقطع.. فلا يجب الضمان على الشاهدين؛ لأنهما مقيمان على أنهما صادقان في الشهادة، وإنما الشرع منع من قبول شهادتهما.
ويخالف إذا رجعا عن الشهادة؛ لأنهما اعترفا بالكذب، ولا يجب على المشهود له ضمان؛ لأنه يقول: استوفيت حقي، ويجب الضمان على الحاكم؛ لأنه حكم بذلك بشهادة من لا يجوز الحكم بشهادته.
وقال أبو سعيد الإصطخري: هذا إذا كان الحاكم تولى الاستيفاء بنفسه، أو أمر من تولى ذلك، فأما إذا كان الولي استوفاه بأمر الحاكم.. فالضمان على الولي.
والمذهب الأول؛ لأن الحاكم سلطة على ذلك وأجازه له.
وقال أبو حنيفة: (يجب الضمان على المزكيين).
دليلنا: أن المزكيين يقولان: ما ثبت بشهادتنا شيء وإنما شهدنا بصفة، والحكم إنما وقع بشهادة الشاهدين، فلا يلزمنا الضمان، وإنما وجب على الحاكم الضمان؛ لأنه مفرط حيث حكم بشهادة من لا يعرف عدالته ظاهرا وباطنا.
إذا ثبت هذا: فإن القصاص لا يجب على الحاكم؛ لأنه مخطئ، وتجب عليه الدية، وهل تجب على عاقلته أو في بيت المال؟ على قولين، مضى ذكرهما.
وإن كان المحكوم به مالا، فإن كان المحكوم به باقيا في يد المحكوم له.. وجب عليه رده.
وإن كان تالفا، فإن كان المحكوم له موسرا.. غرمه، وإن كان معسرا.. وجب ضمانه على الحاكم، وهل يجب في ماله أو في بيت المال؟ على قولين.
ولا يمكن إيجابه على العاقلة؛ لأن العاقلة لا تحمل المال.
فإذا غرم الحاكم المال.. كان المال ثابتا في ذمة المشهود له، فإذا أيسر.. غرم الحاكم أقل الأمرين: مما دفع أو الحق المشهود به.
والفرق بين المال وإتلاف النفس والعضو: أن المال يضمن بالإتلاف واليد، وقد حصل المال في يد المشهود له فلزمه ضمانه، وضمان النفس والعضو إنما يجب إذا أتلف بغير حق، وتمكين الحاكم المشهود له من إتلاف ذلك.. أخرج إتلافه عن أن يكون إتلافا بغير حق، فلم يلزمه الضمان.
مسألة حكم الحاكم لا يحيل الأمور
حكم الحاكم لا يحيل الأمور عما هي عليها، فإذا ادعى رجل على رجل حقا، فأنكر المدعى عليه، وأقام المدعي شاهدين وحكم الحاكم بشهادتهما، فإن كانا قد شهدا بحق.. صح الحكم ظاهرا وباطنا وحل للمشهود له ذلك.
وإن شهدا بغير حق، أو حكم له الحاكم بشيء بيمين فاجرة.. فإن الحكم ينفذ في الظاهر، ولا ينفذ في الباطن، ولا يحل للمحكوم له ما حكم له به.
وبه قال شريح ومالك وأبو يوسف ومحمد وأكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (حكم الحاكم يحيل الشيء عما هو عليه في الباطن، فإذا ادعى رجل على امرأة أجنبية أنها زوجته فأنكرت، فشهد بذلك شاهدان أنها زوجته وهما شاهدا زور، فحكم له الحاكم بشهادتهما.. فإن الحكم ينفذ ظاهرا وباطنا، وتحل له المرأة.
وهكذا: إذا ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها فأنكر، فأقامت على طلاقها شاهدي زور، وحكم الحاكم بشهادتهما.. بانت منه، وحل لكل واحد من الشاهدين أن يتزوجها ولو كان عالما أنه لم يطلقها.
وكذلك ما أشبه ذلك).
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأنا أقضي بما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء.. فلا يأخذ به؛ فإنما أقطع له قطعة من النار».
فموضع الدليل منه: قوله: «فمن قضيت له من حق أخيه بشيء.. فلا يأخذه»، وحق أخيه قد يكون مالا وقد يكون طلاقا ونكاحا، فلو كان حكمه - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يغير الشيء عما هو عليه في الباطن.. لم يمنع المحكوم له من أخذه.
وروي: «أن سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة ادعيا على وليدة زمعة، فقال سعد: يا رسول الله، إن أخي عتبة عهد إلي أنه ألم بها في الجاهلية، وأن ولدها ابنه، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ثم رأى به شبها بعتبة، فقال لسودة بنت زمعة: "احتجبي عنه يا سودة» وقد كان حكم بأنه أخوها، فلما رأى به شبها بالزاني.. أمرها أن تحتجب عنه، فلو كان حكم الحاكم يغير الشيء عما هو عليه في الباطن.. لما أمرها بالاحتجاب عنه، ولأنه حكم بسبب غير صحيح في الباطن، فوجب أن لا ينفذ الحكم به في الباطن، كالأموال.
والله أعلم وبالله التوفيق