البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 246-285

كتاب البيوع

صفحات 246-285
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[فرعٌ: بيع أصول الثمار]

وإذا باعه أصلاً وقد ظهرت بعض ثمرته.. فإنَّ الظاهر منها يكون للبائع، فإن ظهر باقي ثمرة العام بعد البيع.. فلمن يكون الظاهر بعد العقد؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في التأبير.

مسألة: بيع أرض مختلفة الزرع

وإن باع أرضًا وفيها نبات غير الشجر، فإن كان له أصل يبقى السنتين والثلاث، ويجز مرة بعد أخرى، كالرطبة، وهو القضب، والقضب الفارسي، والنعناع، والهندباء، والبطيخ، والبنفسج، والنرجس.. فإن الأصل يدخل في البيع.
فإن كان قد نبت منه شيء حال عقد البيع.. فإن النابت منه يكون للبائع، كالطلع المؤبر.
وإن لم يكن نابتًا حال العقد.. فلا حق للبائع فيه، بل ذلك للمشتري، كالطلع الذي لم يؤبر.
قال الشيخ أبو حامد: ومن أصحابنا من قال: النرجس يكون للمشتري بكل حال.
قال: وهذا كلام من لم يعرف النرجس، وذلك: أن النرجس له أصل يبقى عشرين سنة، وإنما يحول من موضع إلى موضع في كل سبع سنين لمصلحته.
وإن باع أرضًا وفيها زرعٌ ظاهرٌ.. نظرت:

فإن كان يجز مرة بعد أخرى.. دخل الأصل في بيع الأرض.
وما ظهر حال العقد.. فهو للبائع، وما يظهر بعد العقد.. فهو للمشتري.
وكذلك الكراث إذا بيعت الأرض التي هو بها.. فإن أصل الكراث يدخل في البيع، وما كان ظاهرًا حال العقد لا يدخل في البيع إلا بالشرط، ويؤمر البائع بأخذه في الحال؛ لأن الزيادة بعد العقد تكون للمشتري.
وإن كان الزرع يؤخذ مرة واحدة، كالحنطة والشعير.. فإنه لا يدخل في بيع الأرض من غير شرط؛ لأن هذا الزرع مودع في الأرض، فهو كالكنز والماس؛ لأنه نماءٌ ظاهرٌ لا يراد للبقاء، فلم يدخل في بيع الأرض من غير شرط، كالطلع المؤبر.
وإن قال: بعتك هذه الأرض بحقوقها.. قال الشيخ أبو حامد: فإن الزرع لا يدخل في بيعها؛ لأنه ليس من حقوقها، بخلاف الغراس.
إذا ثبت هذا: فإن للبائع أن يبقي هذا الزرع في الأرض إلى أن يستحصد.
وقال أبو حنيفة: (يجبر على أخذه في الحال).
دليلنا: هو أن من ابتاع شيئًا مشغولاً بحق البائع.. فإن على البائع أن يأخذ ذلك على الوجه الذي جرت العادة بأخذه، كما لو باعه دارًا فيها طعامٌ للبائع.. فإنه لا يجب عليه نقله إلا على حسب العادة في نقله، ولا يلزم البائع أجرة الأرض إلى وقت الحصاد؛ لأن الأجرة تجب في مقابل منفعة استوفاها بالغصب، أو بالعقد، ولا غصب هاهنا، ولا عقد.
فإذا بلغ أوان الحصاد.. فعلى البائع أن يحصد زرعه، فإذا حصده.. نظر فيه: فإن لم يبقى للزرع عروق في الأرض تضر بها، كالحنطة والشعير.. فقد ارتفعت يده، ولا شيء عليه غير ذلك.
وإن بقي للزرع عروق تضر بالأرض، كالذرة.. فعلى البائع أن يقلع تلك العروق.

فإن حصد البائع زرعه قبل أوان الحصاد.. لم يكن له أن يبدل مكان زرعه زرعًا آخر؛ لأن المستحق على المشتري تبقيه هذا الزرع لا غير.
إذا تقرر ما ذكرناه: فإن أبا إسحاق المروزي قال: إذا باع أرضًا فيها زرع للبائع.. فهل يصح البيع في الأرض؟ على قولين، كبيع الأرض المستأجرة من غير المستأجر؛ لأن الأرض في يد البائع إلى أن يحصد زرعه، كما أن الأرض في يد المستأجر إلى أن يستوفي منفعته.
وقال أكثر أصحابنا: يصح البيع في الأرض، قولاً واحدًا؛ لأن يد المستأجر تحول بين المشتري وبين ما اشترى، ويد البائع لا تحول بينه وبين الأرض؛ لأن للمشتري أن يدخل إلى الأرض، ويتصرف بها بما ليس بمزروع فيها بما شاء من وجوه التصرفات التي لا تضر بالزرع، ولأن هذا لو أشبه الأرض المستأجرة.. لوجب أن يبطل البيع، قولاً واحدًا؛ لأن مدة الإجارة معلومة، ومدة بقاء الزرع مجهولة، وهذا لم يقله أحد.
وإن باع الزرع والأرض، فإن كان الزرع لا حبَّ فيه.. صح البيع مطلقًا من غير شرط القطع تبعًا للأرض.
وإن كان في الزرع حبٌّ، فإن كان حبًّا ظاهرًا، كالشعير والذرة.. صحّ البيع فيهما، وإن كان غير ظاهر، كالحنطة والدخن، فإن قلنا بقوله القديم: (إن بيع الحنطة في سنبلها مع سنبلها يصح) صح البيع فيهما وإن قلنا بقوله الجديد: (لا يصح بيع الحنطة في سنبلها).. لم يصح البيع في الأرض والحنطة؛ لأنه يكون بيع مجهول ومعلوم.

[فرعٌ: اشترى أرضًا كان رآها]

إذا اشترى أرضًا غائبة عنه، وكان قد رآها قبل ذلك غير مزروعة، فوجدها مزروعة، أو اشترى نخلا قد رآها قبل الشراء لا طلع عليها، فوجد عليها طلعا

مؤبَّرًا.. قال الشافعي: (فللمشتري الخيار فيهما)؛ لأنه يفوته زرع تلك السنة في الأرض، وتفوته الثمرة في النخل تلك السنة، فيثبت له الخيار، ولأن ملكه يبقى مشغولا بحق غيره، وذلك نقص عليه، فثبت له الرد.

[فرعٌ: اشترى أرضًا مبذورة]

وإن اشترى أرضًا مبذورة، فإن كان البذر مما يبقى أصله في الأرض سنتين وثلاثًا، كبذر الكراث وما أشبهها من البقول.. دخل البذر في بيع الأرض.
وهكذا: إذا باعه أرضًا وقد بذرَ فيها نوى أو جوزًا.. دخل البذر في بيع الأرض؛ لأنه بذر فيها للبقاء، لا للنقل والتحويل.
وإن كان بذر زرع يؤخذ إذا استحصد، ولا يبقى أصله، كبذر الحنطة والشعير والذرة، فإن أطلق البيع، ولم يشترط دخول البذرة في البيع.. صح البيع في الأرض، ولم يدخل البذر في البيع؛ لأنه مودعٌ في الأرض يراد للنقل والتحويل، فهو كالزرع، وعلى المشتري تبقية هذا البذر في أرضه إلى أن يستحصد، كالزرع.
فإن علم المشتري بأن الأرض مبذورة.. فلا خيار له.
وإن لم يعلم أنها مبذورة.. ثبت له الخيار؛ لأن في بقائه في أرضه ضررًا عليه، فثبت له الخيار لأجل ذلك.
وإن قال البائع: أنا آخذ هذا البذر، وأمكنه ذلك في زمان لا يضر بمنافع الأرض.. لم يكن للمشتري الخيار.
قال في " الأم " [3/39]: (وكذلك: إن رضي البائع بتركه للمشتري.. فلا خيار له)؛ لأنه زاده خيرًا بالترك، فلزمه قبوله؛ لأن فيه تصحيح العقد.
وإن باعه الأرض مع البذر.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو المذهب ـ: أن البيع في البذر باطل؛ لأنه مجهول.
فعلى هذا: إن قلنا: إن الصفة لا تفرق.. بطل، أو قلنا: تفرق، ويأخذ الأرض بحصتها من الثمن.. بطل البيع في الأرض أيضًا.
وإن قلنا: يأخذ الأرض بجميع الثمن.. صحَّ البيع فيها، وثبت له الخيار فيها؛ لتفرق الصفقة.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: يصح البيع في البذر تبعًا لبيع الأرض.
وليس بشيء.

[مسألة: باع أصلاً وعليه ثمرته]

]: إذا باع أصلا وعليه ثمرة لبائع.. لم يكلف البائع قطع ثمرته قبل أوان قطعها.
وقال أبو حنيفة: (يجبر على قطعها في الحال).
دليلنا: أن من ابتاع شيئًا مشغولاً بملك البائع.. فإنه لا يجب على البائع أن يأخذ ملكه إلا على الوجه الذي جرت العادة بأخذه فيه، كما لو باع منه دارًا له فيها قماشٌ بالليل.. فإنه لا يلزم البائع نقل قماشه إلا بالنهار، وإن كان في المطر.. لم يكلف البائع نقل متاعه حتى يسكن المطر، ولا يلزمه أن ينقله دفعة واحدة، بل على حسب العادة في نقله، ولم تجر العادة بأن الناس يأخذون ثمارهم قبل أوان جذاذها.
إذا ثبت هذا: فإن كان عنبًا.. فإن له أن يبقي ذلك إلى أن ينضج، ويحلو، وتشتد حلاوته.
وإن كان تينًا أو تُفاحًا وغيرهما مما يشبههما من الثمار.. فإلى أن ينضج.
وإن كان نخلاً.. فإلى أن يُرطبَ، إلا أن يكون نخلاً لا يصير رطبًا، وهو القرش الذي لا يقطع إلا بُسرًا، فإذا اشتدت حلاوته بسرًا.. فعليه أن يأخذه، فإذا بلغ إلى أول حالٍ يؤخذ فيها.. فعليه أن يأخذها.
فإن قال البائع: أنا لا آخذها بل أُبقيها؛ لأنه أنفع لها، وأتم لصلاحها.. فليس له ذلك، كما لو باع دارًا وفيها متاعٌ له.. فعليه أن ينقل متاعه عنها، ولو قال: لا أنقله عنها.
لأنها أحرز من غيرها.. لم يكن له ذلك، كذلك هاهنا مثله.

مسألة: انقطاع الماء عن الثمر المؤبر

]: وإن باع نخلاً، وعليها ثمرةٌ مؤبرة، ولم يشترطها المشتري.. فقد ذكرنا: أن الثمرة للبائع، فإن انقطع الماء، فإن كان تبقية الثمرة على النخل لا تضر بالنخل، أو

تضرُّ بها ضررًا يسيرًا.. فللبائع أن يبقي ثمرته على النخل؛ لأنه وجب بإطلاق العقد، ولا ضرر بذلك على النخل.
وإن كان تبقية الثمرة تضر بالنخل.. ففيه قولان: أحدهما: للبائع أن يبقي ثمرته وإن ضر بالنخل؛ لأن ذلك وجب له بإطلاق العقد.
والثاني: يلزمه قطع ثمرته؛ لأنه إنما يملك التبقية إذا لم يضر بنخل المشتري، فإذا كان يضر به.. لم يكن له ذلك.
وإن احتاجت الثمرة والنخل إلى السقي.. فلكل واحد منهما أن يسقي، وإن منعه الآخر.. أُجبر الممتنع منهما؛ لأنه لا ضرر على أحدهما بالسقي.
وإن كان السقي يضر بالثمرة والنخل.. فليس لأحدهما أن يسقي بغير إذن صاحبه لأنه يضر ولا ينفعه ويضر غيره وإن كان السقي ينفع أحدهما دون الآخر، فإن اتفقا على السقي أو على ترك السقي.. جاز؛ لأن الحق لهما.
وإن دعا إلى السقي من له فيه منفعة، وامتنع من عليه ضرر في السقي ففيه وجهان: [الأول]: قال أبو إسحاق يفسخ العقد بينهما؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، ففسخ العقد بينهما.
و [الثاني]: قال أبو علي بن أبي هريرة: يجبر الممتنع منها؛ لأنهما دخلا في العقد على ذلك، وكل من أراد السقي.. فأجرة السقي عليه؛ لأن منفعته تعود إليه.
فإن اختلفا في قدر السقي، فقال البائع: تسقى في كل عشرة أيام سقية، وقال المشتري: بل في كل عشرين يومًا سقية.. رجع فيها إلى أهل الخبرة بذلك، فما احتيج إليه.. أجبر عليه الآخر إذا قلنا: يجبر.

[فرعٌ: شراء شجرة في أرض]

ذكر الطبري في " العدة ": إذا اشترى شجرة في أرض.. ملك الشجرة، وله تبقيتها في أرضها إلى أن تستقلع، وهل يكون قرارها داخلاً في البيع؟ فيه وجهان:

أحدهما: أنه داخل في البيع؛ لأن قوامها به، فجرى مجرى أصل الشجرة.
فعلى هذا: إذا انقلعت هذه الشجرة.. كان له أن يقيم مقامها في قرارها.
والثاني: أنه لا يدخل في البيع؛ لأن اسم الشجرة لا يقع على قرارها.
فعلى هذا: إذا انقلعت الشجرة.. كان قرارها ملكًا للبائع.

مسألة: بيع الثمر قبل صلاحه

إذا باع الثمرة على رؤوس الشجر مفردة قبل بدو الصلاح، أو باع زرعًا في أرض قبل بدو الصلاح، فإن شرط في البيع قطع ذلك.. قال الشيخ أبو حامد: صحّ البيع بلا خلاف؛ لأنهما يأمنان بهذا الشرط من الغرر.
وإن شرطا تبقية ذلك.. لم يصح البيع بلا خلاف؛ لأن ذلك يؤدي إلى الغرر؛ لأنه لا يدري، هل يسلم ذلك، أم لا؟ وإن أطلقا العقد.. لم يصح البيع عندنا، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: (يصح البيع، ويأخذ المشتري بقطع ذلك في الحال).
دليلنا: ما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها».

وروى أنس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمار حتى تُزهي، قيل: يا رسول الله وما تزهي؟ قال: " حتى تحمر "، ثم قال: " أرأيت لو منع الله الثمرة.. بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟».
وروى أنس أيضًا: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد، ونهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها».
وعموم هذا يدل على أنه لا يجوز بشرط القطع ولا بغيره، فقامت الدلالة على جواز البيع بشرط القطع، وهو الإجماع، وبقي الباقي على عموم الخبر، ولأن نقل المبيع إنما يكون على حسب العادة بنقله، بدليل: أنه إذا اشترى متاعا بالليل.. فإنه لا يكلف نقله حتى يصبح، وإذا اشترى طعامًا.. لم يكلف نقله دفعةً واحدةً، بل ينقله شيئًا بعد شيء، وقد جرت العادة أن الثمار لا تنقل إلا بعد بدو الصلاح فيها، وإذا باعه ثمرة أو زرعًا قبل بدو الصلاح فيها من غير شرط القطع.. لم يأمن أن يتلف بعاهة قبل ذلك، وفي ذلك غرر من غير حاجة، فلم يصح.

مسألة: بيع الثمار قبل الصلاح من غير شرط القطع

]: قال الشافعي في " الرسالة ": (وإن باع الثمار مع الأصول قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع.. صح البيع)؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من باع نخلاً بعد أن تؤبر.. فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع».
ولأن الشيء قد لا يجوز بيعه مفردًا، ويجوز بيعه مع غيره على وجه التبع، كما قلنا في الحمل في البطن، واللبن في الضرع، وأساس الحيطان.

[فرعٌ: يتعين القطع قبل بدو الصلاح]

وإن باع الثمرة قبل بدو صلاحها من صاحب النخل من غير شرط القطع، أو باع الزرع قبل بدو صلاحه من صاحب الأرض من غير شرط القطع ـ ويتصور هذا: بأن يبيع الرجل نخلاً وعليها ثمرة مؤبرة ـ أو باع أرضًا وفيها زرعٌ، ولم يشترط المشتري دخول الثمرة والزرع في البيع.. فقد ذكرنا: أن الثمرة والزرع غير مبيعين، ثم باع البائع ذلك من صاحب النخل والأرض، أو أوصى لرجل بثمرة نخله أو بزرع أرضه، ثم مات، وباع صاحب الثمرة ثمرته من مالك النخل، أو باع مالك الزرع زرعه من مالك الأرض قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع.. فهل يصح البيع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح البيع؛ لأنه باع الثمرة والزرع قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع، فلم يصح البيع، كما لو باع ذلك من غير مالك النخل والأرض.
والثاني: يصح البيع؛ لأنهما يحصلان لواحد، فهو كما لو اشتراهما دفعةً واحدةً.

[فرعٌ: استثناء البائع الثمرة لنفسه]

]: وإن باع الرجل نخلاً وعليها طلعٌ غير مؤبر.. فقد ذكرنا: أن الثمرة تكون للمشتري، فإن استثنى البائع الثمرة لنفسه.. فهل يجوز من غير شرط القطع؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يصح، وهو ظاهر النص، كما لو ابتدأ شراءها.
فعلى هذا: إذا اشترط التبقية.. بطل البيع.
والثاني: يصح البيع؛ لأن ذلك ليس بابتياع، وإنما هو استبقاء لها على ملكه، فلم يفتقر إلى شرط القطع.
فعلى هذا: إذا شرط التبقية فيها إلى وقت جذاذها.. صحّ البيع؛ لأن هذا من مقتضى العقد.

[فرعٌ: بيع نصف الثمر قبل صلاحه]

لو باع نصف ثمرته قبل بدو الصلاح فيها، أو نصف زرعه قبل بدو الصلاح فيه.. قال ابن الحداد: لم يصح البيع؛ لأنه لا يصح قسمة ذلك.
فغلطه بعض أصحابنا في العلة، وقال: ليس العلة: أنه لا تصح قسمة ذلك، ألا ترى أنه لا يصح البيع.
وإن قلنا: إن القسمة تمييز الحقين؛ لأن نصيبه لا يتميز من نصيب شريكه، ولا يجبر شريك على قلع زرعه، وهذا تعليله في كتاب (الصلح)، بل العلة: أنه لا يصح قطع نصف الثمرة والزرع مشاعًا.
وقال القاضي أبو الطيب: بل الصحيح ما علل به ابن الحداد، وقد نص الشافعي على هذه العلة، فقال: (لو كان بين رجلين زرعٌ، فصالحه أحدهما على نصف الزرع.. لم يجز من قبل أنه لا يجوز أن يقسم الزرع أخضر، لا يجبر شريكه على أن يقطع منه شيئًا).
قال القاضي: وإذا باعه نصف ثمرة أو نصف زرع قبل بدو الصلاح بشرط القطع، فإن قلنا: إن القسمة بيع.. لم يصح هذا البيع؛ لأنه لا تصح قسمته، وإذا لم تصح قسمته.. لم يتأت قطع نصفه.
وإن قلنا: إن القسمة تمييز الحقين.. صح البيع؛ لأنه يمكن قطعه كأن يقاسمه في الثمرة أو الزرع، فإذا تميز حقه.. قطعه، فإن قلنا:

لا تصح قسمة الثمرة، فباعه نصف الثمرة أو نصف الزرع بشرط أن يقطع الجميع.. لم يصح البيع؛ لأن البائع لا يجبر على قطع ما لم يبع، فكان هذا الشرط ينافي مقتضى العقد، فأبطله.

[فرعٌ: في النخلة المشتركة]

وإن كانت نخلة مثمرة بين رجلين، فاشترى أحدهما حق شريكه من جذع النخلة بحقه من الثمرة قبل بدو صلاحها، بشرط أن يقطع جميع الثمرة.. صح البيع؛ لأن المشتري للثمرة يلزمه أن يقطع النصف الذي اشتراه بالشرط، ويلزمه أن يقطع النصف الذي لم يبع بتفريغ الجذع الذي باع، فيجب عليه قطع الجميع بخلاف المسألة قبلها.

[فرعٌ: بيع الثمر بعد صلاحه]

وإذا باع الثمرة أو الزرع بعد بدو الصلاح فيه، فإن باعه بشرط القطع.. صح البيع بالإجماع؛ لحديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما؛ ولأنه إذا صح بيعه بشرط القطع قبل بدو الصلاح.. فبعد بدو الصلاح أولى.
وإن باعه مطلقًا.. صح بيعه بالإجماع.
وعندنا يلزم البائع تبقيته إلى أوان الجذاذ والحصاد.
وعند أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - يلزم المشتري نقله في الحال، كما قال فيمن باع نخلاً وعليه ثمرة مؤبرة.
وإن باعه بشرط التبقية إلى وقت الجذاذ.. صح البيع عندنا، وبه قال محمد.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (لا يصح).
دليلنا: أن نقل المبيع لا يجب إلا على ما جرت العادة بنقله، ولم تجر العادة بنقل الثمرة والزرع إلا بعد وقت الجذاذ فيه، فاقتضى الإطلاق ذلك، وكان شرط التبقية بيانًا لما يقتضيه العقد، فلم يمنع صحة البيع له.

إذا ثبت: أن المشتري لا يلزمه نقل ثمرته، ولا زرعه إلا وقت الجذاذ فيه، إما بالإطلاق، أو بشرط التبقية.. فحكمه حكم من باع نخلاً وعليها ثمرةٌ مؤبرة، فيلزمه أن يأخذ ذلك في الحال التي يلزم البائع أخذ ثمرته.
فإن احتاجت هذه الثمرة أو الزرع إلى سقي.. وجب على البائع أجرة السقي؛ لأنه يجب عليه التسليم في حال الجذاذ والحصاد، وذلك لا يحصل إلا بالسقي، فلزمه ذلك.

[فرعٌ: أخر الجذاذ لما بعد بدو الصلاح]

إذا اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع، فلم يقطعها حتى بدا صلاحها.. لم يبطل البيع.
وقال أحمد في أصح الروايتين عنه: (يبطل البيع، وتعود الثمرة بزيادتها إلى البائع).
دليلنا: أن المبيع بحاله، وإنما طرأت عليه زيادة، والزيادة لا تبطل العقد، كما لو اشترى عبدًا صغيرًا، فكبر، أو هزيلا، فسمن.
وإن باع ثمرة بعد بدو صلاحها وما يحدث بعد ذلك من الثمرة.. لم يصح البيع في الموجودة ولا في المعدومة.
وقال مالك: (يصح في الجميع).
دليلنا: أن هذا غرر، فلم يصح، كما لو باعه المعدومة منفردة.

مسألة: بيان بدو الصلاح

وبدو الصلاح: هو تغير الثمرة باحمرار أو اصفرار إن كانت مما يتغير.
وحُكي عن بعض الفقهاء: أنه قال: بدو الصلاح: هو طلوع الثريا؛ لما «روى ابن عمر: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة).
وقيل لابن عمر: متى تنجو من العاهة؟ فقال: طلوع الثريا»

دليلنا: ما «روى أنسٌ أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمار حتى تُزهي).
قيل: وما تُزهي؟ قال: تحمر» وأما قول ابن عمر: فإنما بين بذلك وقت بدو الصلاح.
إذا ثبت هذا: فإن كانت الثمرة رُطَبًا.. فبدو الصلاح فيها أن تصفر أو تحمر؛ وإن كان عنبا أسود.. فبدو صلاحه أن يسود، وإن كان أبيض.. فبأن يتموّه، وهو أن تبدو فيه الحلاوة، ويصفر لونه، وإن كان مما لا يتلون، مثل: التفاح.. فبأن يحلو، ويطيب أكله.
قال الشافعي: (وللخربز ـ وهو البطيخ ـ نضج كنضج الرطب، فإذا رأى ذلك.. حل بيع خربزه).
قال: (والقثاء يؤكل صغارًا طيِّبا، فبدو صلاحه أن يتناهى عظمه أو عظم بعضه).
فاعترض ابن داود على الشافعي، وقال: علَّمنا الشافعي: (أن القثاء يؤكل صغارًا)، وذلك يدرك بالمشاهدات، وقوله: (إنه طيب) يدل على: أنه كان يحب القثاء.
قال أصحابنا: فالجواب: أن الشافعي لم يرد هذا، وإنما أراد أن يبين بهذا أن كل ثمرة في الدنيا إذا طاب أكلها.. فقد بدا صلاحها، إلا القثاء، فإنه يؤكل صغارًا طيِّبًا، وليس ذلك بدو صلاحه، وإنما يشترط كبره بحيث يوجد في العادة ويؤكل، ويبلغ إلى الحد الذي لو زاد عليه.. لفسد.
والدليل على ما ذكرناه: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد».

وروي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنه نهى عن بيع الثمرة حتى تُزهيَ).
قيل: وما تُزهي؟ قال: "تصفر».
فنص على العنب والرطب والحب، وقسنا على ذلك غيرها من الثمار، فإذا وجد بدو الصلاح في بعض نوع من جنس ولو كان بسرة واحدة أو عنبة واحدة.. جاز بيع جميع ما في ذلك الحائط من ذلك النوع تبعا لما بدا فيه الصلاح منه.
ولأنا لو قلنا: لا يجوز إلا بيع ما بدا فيه الصلاح من ذلك النوع.. لأدى إلى الضرر بسوء المشاركة، واختلاف الأيدي، وهل يجوز بيع ما لم يبدُ فيه الصلاح من نوع آخر من ذلك الجنس في ذلك الحائط معه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن الأنواع من جنس يضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب في الزكاة، فكذلك في البيع.
والثاني: لا يجوز؛ لأن النوعين يتباعد إدراكهما، بخلاف النوع الواحد، وقد نص الشافعي في " البويطي ": (إذا كان أحدهما صيفيًّا والآخر شتويًّا.. لا يتبع أحدهما الآخر).
فكذلك هذا مثله.
وإن أفرد ما لم يبد فيه الصلاح من ذلك الجنس في ذلك الحائط بالبيع من غير شرط القطع.. فهل يصح؟ فيه وجهان، ذكرناهما في التأبير.
ولا يجوز أن يبيع ما لم يبد فيه الصلاح من ذلك الجنس في حائط آخر، ولا ما لم يبد فيه الصلاح من جنس آخر في ذلك الحائط.
هذا مذهبنا، وبه قال أحمد.
وقال الليث: (إذا بدا الصلاح في بعض الثمار.. كان بدوًّا للصلاح في جميع الثمار).
وقال مالك: (إذا بدا الصلاح في جنس.. كان ذلك بدوًّا للصلاح في ذلك الجنس كله في ذلك البلد، فيجوز بيعه).
دليلنا على الليث: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد».
فاعتبر كل واحد بنفسه.

وعلى مالك: أنه نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وإذا باع ثمرة البستان الذي لم يبد فيه الصلاح.. فقد باع الثمرة قبل بدو صلاحها.
ولأنا إنما جعلنا بدو الصلاح في بعض الجنس في حائط صلاحًا لجميع ذلك الجنس في ذلك الحائط؛ لئلا يؤدي إلى الضرر بسوء المشاركة، واختلاف الأيدي، وهذا المعنى لا يوجد في بستانين، فلم يصح.

مسألة: بيع ما مأكوله نابت في بطن الأرض

قال الشافعي: (وكل ما ينبت تحت الأرض، ويكون مأكوله تحت الأرض، مثل: الجزر والبصل والسلق والكراث، فلا يجوز بيعه إلا بعد قلعه، وهذا كما قال: كل ما كان مأكوله نابتًا في الأرض، مثل: الجزر والبصل والكرَّاث والثوم والفجل.. يجوز أن يبيع ورقه بشرط القطع، فإن بيع بشرط القطع بعد عشرة أيام.. لم يصح البيع؛ لأنه يحدث هناك زيادة لا تتميز، ولا يجوز بيع ما منه تحت الأرض؛ لأنه لا يجوز بيعه بيع خيار الرؤية؛ لأن بيع خيار الرؤية ما إذا نظر إليه المشتري ولم يرضه.. ردَّه على البائع من غير ضرر، وهاهنا لا يمكنه أن ينظر إليه إلا بعد قلعه، ولا يمكنه ردُّه على البائع كما أخذه، ولا يمكنه أيضًا أن يبيعه بيعًا لا خيار له فيه؛ لأن فيه غررًا، فلم يجز.
والفرق بين هذا وبين الجوز واللوز وكل ما كان مأكوله في جوفه: أن كون الجوز واللوز في قشره من مصلحته وحافظًا لمنفعته، فلذلك جاز بيعه فيه، وليس كذلك هذه الأشياء النابتة في الأرض؛ لأن بعد بلوغها الحد الذي توجد فيه لا مصلحة لها في بقائها تحت الأرض؛ ولأن الجوز واللوز إذا رآه المشتري استدل على مأكوله؛ لأنه إذا كان الجوز كبيرًا أبيض.. علم أن مأكوله كثير جيد، وإذا كان

صغيرًا.. علم أن مأكوله قليل، وليس رؤية الورق في الجزر وما أشبهه يدل على أصله.

مسألة: حدوث ثمرة ثانية بعد شراء الأولى

إذا اشترى ثمرة على الشجرة، ولم يأخذها حتى حدثت ثمرة أخرى ـ قال الشيخ أبو حامد: وهذا يتصور في التين ـ فإن تميزت ثمرة إحداهما عن الأخرى بصغر أو كبر أو لون.. فإن الثمرة الأولى للمشتري، والثانية للبائع.
وإن اختلطتا ولم تتميزا، أو لم يتميز بعضها من بعض.. ففيه قولان: أحدهما: أن البيع ينفسخ؛ لأنه قد تعذر القبض المستحق بالعقد، فانفسخ البيع، كما لو اشترى عبدًا، فمات قبل القبض.
والثاني: لا ينفسخ البيع، بل يقال للبائع: أتسمح بترك ثمرتك للمشتري؟ فإن سمح.. أُجبر المشتري على قبوله، وإن لم يسمح.. فسخ العقد بينهما؛ لأن المبيع باق، وإنما انضاف إليه ما لا يتميز منه، فلم ينفسخ العقد، كما لو اشترى عبدًا صغيرًا، فكبر، أو هزيلاً، فسمن.
وإن اشترى من رجل طعامًا، فاختلط بطعام للبائع، ولم يتميز، فإن كان بعد قبض الطعام.. لم يبطل البيع، قولاً واحدًا؛ لأن العقد قد انبرم بالقبض، بل يكون القول قول من الطعام بيده مع يمينه في قدر حق صاحبه منه.
وإن كان ذلك قبل أن يقبض المشتري طعامه.. ففيه قولان، كالمسألة قبلها.
وأمّا الثمرة: فلا فرق فيها بين أن يقبضها المشتري، أو لا يقبضها.
وقال المزني: بل تكون الثمرة كالطعام، ففرق فيه بين أن يختلط قبل القبض أو بعده، كما قلنا في الطعام.
وهذا غلط، لأن المشتري إذا قبض الطعام.. لم يبق بينه وبين البائع علقة، فإذا اختلط المبيع بغيره.. لم يؤثر في البيع، وليس كذلك الثمرة

على الشجر، فإن المشتري وإن قبضها، إلا أن العُلْقَةَ لا تنقطع بينهما؛ لأن على البائع سقيها، ويثبت للمشتري الخيار إذا أصابها العطش، وإذا تلفت.. كانت من ضمان البائع في أحد القولين.
وإن اشترى رجل من آخر شجرة عليها ثمرة للبائع، فلم يأخذ البائع ثمرته حتى حدث فيها حمل ثمرة أخرى، واختلطا، ولم يتميزا.. ففيه طريقان: [الطريق الأول]: قال عامة أصحابنا: هي على قولين: أحدهما: ينفسخ البيع.
والثاني: لا ينفسخ، بل يقال للبائع: أتسمح بترك ثمرتك للمشتري؟ فإن سمح.. أُجبر المشتري على قبولها، وإن لم يسمح.. قيل للمشتري: أتسمح بترك ثمرتك الحادثة للبائع؟ فإن سمح.. أجبر البائع على قبوله، وإن لم يسمح.. فُسخ العقد بينهما.
و [الطريق الثاني]: قال أبو علي بن خيران، وأبو علي الطبري: لا ينفسخ البيع، قولاً واحدًا، بل يقال لهما: إن سمح أحدكما بترك حقه.. أقر البيع، وإن لم يسمح واحدٌ منكما.. فسخ البيع؛ لأن المبيع هو الشجر، ولم يختلط بغيره، وإنما اختلطت الثمرة، فلم ينفسخ البيع في الشجرة، كما لو اشترى دارًا وفيها طعامٌ للبائع وطعام للمشتري، فاختلط أحد الطعامين بالآخر.. فإن البيع لا ينفسخ في الدار، فكذلك هذا مثله.
والمنصوص للشافعي هي الطريقة الأولى؛ لأن المقصود بالشجرة هو الثمرة، بخلاف الدار.
وإن اشترى جِزَّةً من القصب بشرط القطع، فلم يأخذها المشتري حتى طالت.. فإن الزيادة تكون للبائع، وما الحكم في البيع؟ فيه طريقان: [أولهما]: من أصحابنا من قال: لا ينفسخ البيع، قولاً واحدًا، بل يقال للبائع:

إن سمحت بترك حقك للمشتري.. أُجبر المشتري على قبوله، وأُقر العقد، وإن لم تسمح.. فسخ البيع؛ لأن المبيع لم يختلط بغيره، وإنما زاد، فهو كما لو باعه عبدًا صغيرًا، فكبر.
و [الثاني]: منهم من قال: بلى هي على قولين: أحدهما: ينفسخ البيع.
والثاني: لا ينفسخ، بل يقال للبائع: إن سمحت بترك حقك.. أقر عقد البيع، وإن لم تسمح.. فسخ.
وهذه الطريقة أصح؛ لأن زيادة العبد يجبر البائع على تسليمها، وهاهنا لا يجبر.

مسألة: الشجر يحمل حملين

وإن كان له شجرة تحمل حملين ـ قال الشيخ أبو حامد: ولا أعلم ذلك إلا التين.
وقيل: الموز ـ فباعه أحد الحملين بعد بدو الصلاح فيه، وهو يعلم أن الحمل الثاني يحدث ويختلط بالحمل الأول، ولا يتميز.. فالبيع باطل.
وقال الربيع: فيه قول آخر: أن البيع لا يبطل.
ولعله أخذ ذلك ممن باع جزَّةً من الرطبة، فلم يأخذها حتى طالت.. فإنها على قولين: أحدهما: ينفسخ البيع.
والثاني: لا ينفسخ، بل يقال للبائع: إن سمحت بترك حقك.. أقر البيع.
فأخذه من هذا القول؛ لأنه يعلم أن الرطبة تطول قبل الجز.
والصحيح: أن البيع باطل، قولاً واحدًا؛ لأنه باع ما لا يقدر على تسليمه؛ لأن العادة في الثمار أنها لا تؤخذ إلا بعد تكامل الصلاح فيها، بخلاف الجزة من الرُّطْبة، فإنها تجز في الحال، ولا تختلط بغيرها.

[فرعٌ: بيع الجوز في قشرتيه]

ذكر الشيخ أبو حامد: أنه لا يجوز بيع الجوز واللوز، وعليه قشرته العليا على شجرةٍ ولا على الأرض؛ لأنه لا مصلحة له في بقائه فيها، ويجوز بيعه وهو في قشرته السفلى على شجرة وعلى الأرض؛ لأن بقاءه فيها من مصلحته.
وذكر ابن الصباغ: هل يجوز بيعها في قشرتهما العليا إذا كانا أخضرين على الشجر؟ فيه وجهان.
وإن كان يابسين.. لم يجز، وجهًا واحدًا.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يجوز بيعهما في قشرتهما العليا بكل حال).
دليلنا: أنّ المقصود مستور بما لا يدخر فيه.. فلم يصح بيعه فيه، كما لو باع شاةً مذبوحةً قبل السلخ.
وبالله التوفيق.

باب المصرَّاةِ والردِّ بالعيبِ

ِ قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (والتصرية: أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة، ثم تترك من الحلاب اليومين والثلاث، حتى يجتمع فيها اللبن، فيراه مشتريها كثيرًا، فيزيد في ثمنها لذلك).
و (التصرية): في اللغة: الجمع، يقال: صرى الماء في الحوض: إذا جمعه، ولهذا سميت: الصُّراة؛ لأنها مجتمع الماء.
ويقال: صرى الرجل الماء في صلبه، إذا امتنع من الجماع، قال الشاعر: رأت غلامًا قد صرى في فقرته... ماء الشباب عنفوان شرته ويسمى أيضا: الحفل، وهو مأخوذ من الجمع أيضًا.
يقال: فلان احتفل مالا، أي: جمعه، ومنه يقال: المحفل؛ لأنه مجتمع الناس.
إذا ثبت هذا: فإن اشترى الرجل ناقةً أو شاةً أو بقرةً مصراةً، ولم يعلم أنها مصراة، ثم علم أنها مصراة.. ثبت له الخيار بين الإمساك والرد.
هذا مذهبنا، وبه قال من الصحابة: ابن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس، ومن الفقهاء: مالك، والليث، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، وزفر.
وقال أبو حنيفة، ومحمد: (ليس ذلك بعيب، ولا يثبت له الرد لأجله).
وقال داود: (يثبت له الرد في الناقة والشاة، ولا يثبت له الرد في البقرة).

دليلنا: ما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك.. فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ثلاثًا، فإن رضيها.. أمسكها، وإن سخطها.. ردها وصاعًا من تمر».
وروى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ابتاع محفلة.. فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها.. ردَّ معها مثل أو مثلَيْ لبنها قمحًا».
وهذا لفظ يجمع الناقة والشاة والبقرة.
ولأن التصرية تدليس بما يختلف به الثمن، فثبت لأجلها الرد، كما لو اشترى جارية قد سود شعرها.. فبان أنه كان أشمط.
وإن اتفق أن الشاة لم تحلب يومين أو ثلاثا، فاجتمع في ضرعها لبنٌ من غير قصد

إلى التصرية.. فهل يكون ذلك عيبًا يثبت لأجله الرد للمشتري؟ فيه وجهان، حكاهما الشاشي.
وأما الكلام في زمان الخيار: فقد روي في الخبرين: «أنه بالخيار ثلاثة أيام».
واختلف أصحابنا في ذلك: فقال أبو إسحاق: إنما قدر خيار التصرية بالثلاث؛ لأنه لا يمكن معرفة التصرية بما دون الثلاث؛ لأنه إذا حلبها في اليوم الأول.. يجد لبنها كثيرًا، فيظن أنه لبن عادة، ويجوز أن يكون لأجل التصرية، فإذا حلبها في اليوم الثاني، فكان أنقص.. يجوز أن يكون هذا لأجل التصرية، ويجوز أن يكون لاختلاف الأيدي والمكان والعلف، فإن اللبن يختلف لأجل ذلك، فإذا حلبها في اليوم الثالث.. زالت الريبة؛ لأنه إن كان لبنها مثل اللبن في اليوم الأول.. علم أن نقصانه في اليوم الثاني إنما كان لاختلاف اليد أو المكان أو العلف، وأنه لم يكن لعيب التصرية، وإن كان لبنها مثل لبن اليوم الثاني.. علم أن النقصان في الثاني والثالث لأجل التصرية، فإذا مضت الثلاث.. استبانت التصرية، وثبت له الخيار على الفور.
فأبو إسحاق يحيل معرفة التصرية والاطلاع عليها من جهة التجربة قبل الثلاث.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: الثلاث المذكورة في الخبر إنما يثبت له الخيار فيها بالشرط، فمتى شرط خيار الثلاث في البيع، فوجدها مصراة.. ثبت له الخيار في الثلاث، أي وقت شاء منها؛ للخبر.
وأما إذا لم يشترط خيار الثلاث، وعلم أنها مصراة.. ثبت له الخيار على الفور؛ لأنه خيار ثبت لنقص، فكان على الفور، كسائر العيوب.
فهذا القائل لا يحيل اطلاعه على عيب التصرية قبل الثلاث.
وقال القاضي أبو حامدٍ: إذا علم أنها مصراة قبل الثلاث.. فله الخيار إلى تمام الثلاث؛ لظاهر الخبر.
وقد نص الشافعي على هذا في " اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ".

وإن اشترى مصرَّاة مع العلم أنها مصراة، بأن أعلمه البائع.. فهل للمشتري الخيار؟ فيه وجهان: أحدهما: لا خيار له؛ لأن البائع أطلعه على العيب، فلم يثبت له الخيار، كما لو باعه سلعة معيبة وأعلمه بعيبها.
والثاني: يثبت له الخيار؛ لأن العيب لا يتحققه؛ لأنه يجوز أن يكون انتفاخ الضرع وازدياد اللبن لأجل التصرية، ويجوز أن يكون لا لأجل التصرية، وإنما الزيادة من قبل العلف، ولعله يدوم ولا يتبين له ذلك إلا فيما بعد، فيثبت له الخيار.
قال الشيخ أبو حامد: وهذان الوجهان مأخوذان من رجل تزوج امرأةً، فوجدته عِنِّينًا، ففسخت النكاح، ثم تزوج بها ثانيًا فوجدته عنِّينًا، فهل يجوز لها فسخ النكاح لأجل العنة؟ فيه قولان: [أحدهما]: قال في القديم: (لا خيار لها؛ لأنها قد تزوجته مع العلم بعنته).
و [الثاني]: قال في الجديد: (لها الخيار؛ لأنه قد يكون عنينا في نكاح دون نكاح).
فكان لها الخيار؛ لأنها لم تتحقق عنته في النكاح الثاني.
وإن وجدها مصراة، فدام ذلك اللبن، ولم ينقص.. فهل له الخيار؟ فيه وجهان: أحدهما: يثبت له الخيار؛ لأن التدليس كان موجودًا حال العقد، فثبت له الخيار، ولم يسقط بعد ذلك بغير رضاه.
والثاني: لا خيار له؛ لأن الخيار إنما يثبت للنقصان، ولا نقص عليه مع دوام اللبن.
قال الشيخ أبو حامد: وهذان الوجهان مأخوذان من القولين في الأمة، إذا أعتقت وهي تحت عبد، فقبل أن يفسخ النكاح أعتق العبد: أحدهما: يثبت لها الخيار اعتبارًا بالابتداء.
والثاني: لا خيار لها؛ لأنه لا نقص عليها في الانتهاء.

مسألة: ما يلزم مع الردّ

إذا اختار المشتري ردّ المصراة.. لزمه رد بدل اللبن؛ لأن العقد وقع عليه؛ لأنه كان موجودًا حال العقد، ولأنه لا يمكن رد اللبن؛ لأن بعضه كان موجودًا حال العقد وبعضه حدث، ولا يمكن تمييز أحدهما من الآخر، فقدر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدله؛ لقطع المنازعة والخصومة في ذلك.
وقد اختلفت الرواية في ذلك: فروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك.. فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ثلاثًا، فإن رضيها.. أمسكها، وإن سخطها.. ردَّها وصاعًا من تمر لا سمراء ". وفي رواية عن أبي هريرة: " ردَّها وصاعًا من طعام لا سمراء ". وفي رواية عن أبي هريرة: " ردّها وصاعًا من طعام».

وفي رواية ابن عمر: «ردَّها ورد معها مثل أو مثلي لبنها قمحًا».
واختلف أصحابنا في ترتيب هذه الأخبار.
فقال أبو إسحاق: الأصل هو التمر؛ لأنه غالب قوت الحجاز، فإن أعطى دونه من دخن أو ذرة.. لم يقبل منه.
فحيث روى أبو هريرة: " صاعًا من تمر " هو الأصل.
وقوله: " لا سمراء " أي: لا يكلف تسليم السمراء، وهي الحنطة.
وحيث روي: " صاعًا من طعام سمراء " أي: إذا سمحت نفسه به.
وحيث روى: " صاعًا من طعام " أراد به: التمر؛ لأنه غالب قوت الحجاز.
وحيث روى ابن عمر: " مثل لبنها " إذا كان كيله صاعًا.
وحيث روى: "مثلي" إذا كان لبنها نصف صاع.
وقوله: "قمحًا" إذا كان قيمة ذلك من القمح أكثر من قيمة صاع تمر، فتطوع به.
وقال أبو العباس: إنما أراد صاعًا من غالب قوت البلد، فنص على التمر؛ لأنه غالب قوت الحجاز، ونص على البر؛ لأنه غالب قوت بلاد أخرى، فيجب أن يرد في كل بلد من غالب قوتها، كما قلنا في زكاة الفطر.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\241]: هل يتقدر ذلك بالصاع، أو يختلف بقلة اللبن وكثرته؟ فيه وجهان: أحدهما: يتقدر بالصاع؛ للخبر.
والثاني: يتوزع التمر على اللبن بالقيمة.
وقال ابن أبي ليلى: يجب رد قيمة اللبن.
دليلنا عليه: الأخبار التي تقدم ذكرها.

فرع: في تساوي قيمة الصاع والشاة

]: إذا قلنا: يجب رد التمر، وكان في بلد قيمة صاع تمر مثل قيمة الشاة أو أكثر.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: لا أوجب عليه صاعًا من تمر إلا إذا كانت قيمة

الصاع من التمر أقل من نصف قيمة الشاة، فأما إذا كانت قيمة صاع تمر مثل نصف قيمة الشاة أو أكثر.. فلا أُوجب عليه صاعًا من تمر، ولكن أوجب عليه قيمة صاع تمر بالحجاز؛ لأنه هو الأصل، كما لو كان لرجل على آخر صاع تمر بالحجاز، ثم طالبه به ببلد آخر يعز فيه التمر.. فإنه لا يلزمه دفع صاع تمر، ولكن يلزمه قيمته بالحجاز، ولأنا لو أوجبنا له صاع تمر.. أدى إلى أن تجتمع له الشاة وقيمتها، وذلك جمع بين البدل والمبدل.
والثاني: يجب عليه صاع تمر؛ لأن ذلك ليس ببدل عن الشاة، وإنما هو بدل عن اللبن، كما لو غصب عبدًا وخصاه.. فإنه يلزمه رد العبد ورد قيمته.
وإن كان ما حلب من اللبن باقيًا، وأراد المشتري رده دون بدله.. ففيه وجهان: [الأول]: قال أبو إسحاق في " الشرح ": ليس له ذلك؛ لأنه صار بالحلب ناقصًا؛ لأنه تسرع إليه الحموضة.
والثاني: له ردُّه؛ لأن هذا النقص كان لاستعلام العيب، فلا يمنع الرد.

فرع: ظهور عيب مع التصرية

إذا اشترى ناقة أو شاةً أبو بقرة مصراة، فرضيها بعيب التصرية، ثم وجد بها عيبًا غير التصرية.. فله ردُّها؛ لأجله، ويلزمه أن يرد معها صاعًا بدل لبن التصرية؛

لأنه كان موجودًا في الضرع يوم البيع.
وإن اشتراها وهي غير مصراةٍ، ثم وجد بها عيبًا، فإن كانت حين الشراء محلوبة لا لبن فيها.. كان له ردُّها؛ لأن ما حدث من اللبن في ملكه، لم يدخل في البيع، فلا يمنعه إتلافه من ردها.
وإن كان فيها لبن حين الشراء، وقد أتلفه.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو المنصوص للشافعي في القديم ـ: (أنه يردها؛ لأجل العيب، ولا يرد بدل اللبن).
وفرق الشافعي بين هذه وبين المصراة: أن لبن المصراة قد تحقق وجوده حال العقد، فيتناوله العقد، ويقسط عليه الثمن، وغير المصراة لا يتحقق وجوده حال العقد.
ومن أصحابنا من فرق بينهما بفرق آخر: وهو أن لبن المصراة مقصود بالابتياع، وقابله قسط من الثمن، فوجب رد بدله، ولبن غير المصراة يسير غير مقصود، فلم يتقسط عليه الثمن، ولم يجب عليه رد بدله.
والوجه الثاني: أنه لا يرد بالعيب، وهو اختيار عامة أصحابنا؛ لأنه قد أتلف بعض المبيع، فلم يثبت له الرد، وتأولوا النص عليه إذا باعها وهي محلوبة لا لبن فيها وقت العقد.
فإذا قلنا بهذا: وكان ما حلب من اللبن باقيا.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: يردها، ويرد اللبن؛ لأن المبيعين موجودان.
والثاني: لا يثبت له الرد، إلا أن يرضى البائع؛ لأن اللبن قد نقص بالحلب، ونقص المبيع في يد المشتري يمنع من الرد، ويثبت له الأرش.

مسألة: شراء جارية مصراة

وإن اشترى جارية، فوجدها مصراة.. ففيه وجهان: أحدهما: أن التصرية فيها ليس بعيب.. فلا ترد الجارية لأجله؛ لأن لبن الآدميات غير مقصود.
فإذا قلنا بهذا: فهل يرجع على البائع بالأرش؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يرجع؛ لأنا قد قلنا: إن التصرية في الآدميات ليس بعيب.
والثاني: يرجع بالأرش؛ لأنه لا يمكن رد الجارية من غير رد بدل لبنها؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط حق البائع من لبنها، ولا يمكن ردها مع بدل لبنها؛ لأنه ليس للبنها عوض مقصود، ولا يمكن إجبار المشتري على إمساكها بجميع الثمن؛ لأنه لم يبذل الثمن إلا في مقابلهما، فثبت له الرجوع بالأرش.
والوجه الثاني: أن التصرية في الجواري عيب، وهو الصحيح؛ لأنه قد يرغب في لبنها لتكون داية، ولأن الجارية إذا كان في ضرعها لبن.. كان ثديها قائمًا، فيكون أحسن منه إذا كان لا لبن فيه؛ لأنه يكون مسترسلا، وذلك قبيح.
فإذا قلنا بهذا: فإنه يردها: وهل يرد بدل اللبن؟ فيه وجهان: أحدهما: يرد معها صاعًا، كما قلنا في الشاة والبقرة.
والثاني: لا يرد معها شيئًا؛ لأن لبن الجواري غير مقصود في الأعواض.

مسألة: شراء أتان مصراة

وإن اشترى أتانًا، فوجدها مصرَّاة.. ثبت له الرد لأجله؛ لأن لبنها يقصد لتربية الجحش؛ لأنه إذا كان لبنها غزيرًا.. كان جحشها سمينًا، وإذا كان غير غزير.. كان

جحشها غير سمين، وهل يرد بدل اللبن؟ إن قلنا بقول أبي سعيد الإصطخري، وأن لبنها طاهر.. لزمه أن يرد معها صاعًا، كما قلنا في الشاة والبقرة.
وإن قلنا بقول الشافعي، وعامّة أصحابنا.. ففيه وجهان: أحدهما ـ وهو المشهور ـ: أنه لا يرد شيئًا، ولا يأخذ شيئًا؛ لأنه لا قيمة للبنها، فلم يلزمه رد بدله، كما لو عرقت الأتان في يده، ثم وجد بها عيبًا.. فإنه يردها، ولا يرد بدل العرق.
والثاني ـ حكاه في " المهذب " ـ: أنه لا يردها، ويرجع بالأرش؛ لأنه لا يمكن ردُّها مع بدل اللبن؛ لأنه لا قيمة له، ولا يمكن ردُّها من غير بدل اللبن؛ لأن فيه إسقاط حق البائع من اللبن، ولا يمكن أن يمسكها المشتري بجميع الثمن؛ لأنه لم يبذل الثمن إلا لتسلم له الأتان واللبن، فلم يبق إلا الرجوع بالأرش.
وهذا ليس بشيء؛ لأنه لمَّا لم يجز أن يقوم هذا اللبن للبائع.. لم يجز أن يقوم عليه.

مسألة: رؤية شعر الجارية لصحة البيع

]: وإذا اشترى جارية.. فإن الشراء لا يصح حتى يرى شعرها؛ لأن الشعر مقصود، ويختلف الثمن باختلافه، فإذا اشتراها، ونظر إلى شعرها، فوجده شعرًا جَعْدًا أسود، ثم بان بعد ذلك أنها سبطة، أو بان أنّ شعرها أبيض أو أحمر، وأن شعرها قد كان جعدًا واسْودّ.. ثبت للمشتري الخيار.
وقال أبو حنيفة: (لا خيار له في ذلك).
دليلنا: أن هذا تدليس من جهة البائع يختلف به الثمن، ألا ترى أن النساء يسودن شعورهن ويجعدنه ليكتسبن به الجمال والزينة؟ وكذلك إذا اشتراها ووجهها أحمر أو

أبيض، ثم بان سواد وجهها أو صفرته، وأن البياض أو الحمرة التي كانت فيه، إنما كان فيها بعلاج من البائع.. ثبت له الرد؛ لأن ذلك تدليس بما يختلف به الثمن، فهو كالتصرية.
وإن اشترى جارية سبطة الشعر، ثم بان أنها كانت جعدة، وإنما سبط بعلاج، إن أمكن.. فهل للمشتري الخيار؟ فيه وجهان: أحدهما: لا خيار له؛ لأن الجعدة أكمل وأكثر ثمنًا.
والثاني: له الخيار؛ لأنه قد يكون له غرض في السبطة.
وليس بشيء.

فرع: ظن بهيمة منتفخة البطن حاملاً

لو أرسل على بهيمة الزنابير، فلسعتها حتى انتفخ بطنها، فظن المشتري أنها حامل، ولا حمل بها.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق\241]: ثبت له الخيار؛ لأن ذلك تدليس يختلف به الثمن، فهو كالتصرية.
فإن علف بهيمته حتى انتفخ بطنها، فظن المشتري أنها حامل، ولا حمل بها.. ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\241]. أحدهما: يثبت للمشتري الخيار؛ لأن ذلك تدليس يختلف به الثمن، فهو كما لو أرسل عليها الزنابير.
والثاني: لا خيار له؛ لأن امتلاء البطن إلى الله تعالى، ولأن علف البهيمة واجبٌ عليه.
وإن باعه غلامًا، وعلى الغلام ثوب في أثر حبر أو مدادٍ، فظنه المشتري كاتبًا، وكان غير كاتب.. ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\241]: أحدهما: للمشتري الخيار؛ لأن ذلك تدليس بما يختلف به الثمن، فهو كالتصرية.

والثاني: لا خيار له.
ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره؛ لأنه يحتمل أن يكون استعاره له، ولا يتعين عليه أن يلبسه ثوبًا لا أثر عليه.

فرع: اختلاف باطن الصبرة عن ظاهرها

وإن اشترى صبرة، فبان أنها على صخرة، أو بان أن باطنها دون ظاهرها في الجودة.. ثبت له الخيار؛ لأن ذلك تدليس بما يختلف به الثمن.

مسألة: وجوب إعلام المشتري بالعيب

ومن ملك عينا، وعلم بها عيبًا، وأراد بيعها.. وجب عليه أن يعلمه بعيبها، فإن لم يفعل.. أثم بذلك؛ لما روى عقبة بن عامر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا، يعلم به عيبًا، إلا بيَّنه له».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من غشّنا.. فليس منَّا».

قال الصيمري: وله ثلاث تأويلات: قيل: ليس بتبع لنا.
وقيل: ليس على عادتنا.
وقيل: ليس على أخلاقنا.
وإن علم بالعيب غير البائع.. وجب عليه أن يبين ذلك للمشتري؛ لما «روى أبو سباع، قال: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع، فأدركني، فقال: أبينوا لك ما بها؟ فقلت: إنها لسمينة ظاهرة الصحة.
قال: أردت بها لحمًا، أم أردت بها سَفَرًا؟ فقلت: أردت عليها الحج، فقال: إن برجلها نقبًا، أو قال: بخفِّها ثقبًا، فقال صاحبها: أصلحك الله، لم أفسدت عليّ؟ فقال له واثلة: سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: "لا يحل لمسلم أن يبيع شيئًا إلا بين ما فيه، ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا بينه».
فإن باع ولم يبين العيب.. صح البيع.
وقال داود: (لا يصح).
دليلنا: ما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك.. فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ثلاثًا، فإن رضيها.. أمسكها، وإن سخطها.. ردّها وصاعًا من تمر».
ففي هذا الخبر خمسة أدلة: أحدها: أن التدليس محرم؛ لأنه نهى عن التصرية، وهي تدليس.
والثاني: أن التصرية عيب.
والثالث: أن بيع المعيب جائز.
والرابع: أن الرد بالعيب جائز.
والخامس: أنه يجب رد بدل لبن المصراة.

مسألة: خيار العيب

]: إذا اشترى معيبًا، ولم يعلم بعيبه، ثم علم.. فهو بالخيار: بين أن يرضى به معيبًا، ويقر البيع، وبين أن يرده لأجل العيب؛ لما ذكرناه في خبر المصراة.
وإن اشترى شيئًا ولا عيب فيه، ثم حدث به عيبٌ بعد الشراء.. نظرت: فإن كان قبل أن يقبضه المشتري.. ثبت له الرد؛ لأجل ذلك العيب، ولأن المبيع مضمون في يد البائع عليه بالثمن، فكان العيب الحادث فيه في هذا الحال كالعيب الموجود حال العقد.
وإن حدث العيب في يد المشتري.. نظرت: فإن لم يستند حدوثه إلى سبب قبل القبض.. لم يكن له الرد، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (عهدة الرقيق ثلاثة أيام إلا في الجذام والبرص والجنون، فإن ذلك إذا ظهر إلى سنة.. ثبت له الخيار).
وقال قتادة: إذا قبض المشتري المبيع، ثم ظهر به عيب في يده في مدة الثلاث.. ثبت له الرد في جميع المبيعات.

دليلنا: أن هذا عيب ظهر في يد المشتري يجوز أن يكون حادثا بعد القبض، فلم يثبت لأجله الخيار، كما لو ظهر ذلك بعد الثلاث والسنة.
وإن استند حدوثه إلى سبب قبل القبض، بأن كان عبدًا، فسرق في يد البائع، أو قطع يدًا، فقطعت يده في يد المشتري.. ففيه وجهان: قال أبو إسحاق: يثبت للمشتري الرد؛ لأنه قطع في يده بسبب كان في يد البائع، فصار كما لو قطع في يد البائع.
وقال ابن أبي هريرة: لا يثبت له الرد؛ لأن القطع وجد في يد المشتري، فهو كما لو لم يستند إلى سبب قبل القبض.

مسألة: نوع العيب الذي يرد المبيع لأجله

]: والعيوب التي يرد المبيع لأجلها: كل صفة نقصت بها العين وإن زادت بها القيمة، فإنها عيب، كالخصاء في العبد؛ لأن العقد يقتضي السلامة في الأعضاء.
وكل صفة نقصت بها القيمة وإن لم تنقص العين، كالإباق والسرقة في العبد، فإنها عيب.
وكذلك كل صفة نقَّصت العين والقيمة، كالعمى والعرج، فإنها عيب.
فإن خفي شيء من ذلك.. رُجع إلى أهل الخبرة بذلك الشيء.
فإن اشترى عبدًا، فوجده أعرج أو أصم أو أخرس أو مجذومًا أو أبرص أو مجنونًا أو مريضًا أو مقطوع اليد أو الرجل.. ثبت له الرد؛ لأن هذه عاهات يقتضي العقد السلامة منها.

فرع: هل الزنى عيب في العبد

وإن اشترى عبدًا أو أمة، فوجد أحدهما قد كان زنى في يد البائع.. ثبت له الرد.
وقال أبو حنيفة: (هو عيب في الجارية؛ لأنها تفسد عليه فراشه، وليس بعيب في العبد).
دليلنا: أن الزنا في العبد ينقص قيمته؛ لأنه ربما زنى في يد المشتري، فأُقيم عليه الحد، وربما أدى ذلك إلى تعطيل منافعه، أو إلى تلفه، فكان عيبًا فيه، كالسرقة.

وإن اشترى عبدًا، فوجده مخنثًا.. ثبت له الرد؛ لأن ذلك ينقص قيمته؛ لأنه يقام عليه الحد، وربما كان تلفه بذلك.
قال الصيمري: فإن وجده عنينا.. ثبت له الرد؛ لأن ذلك ينقص قيمته.

فرع: ثبوت الرد ببعض العيوب في العبد

وإن اشترى عبدًا أو أمة، فوجد أحدهما أبخر.. ثبت له الرد.
وقال أبو حنيفة: (هو عيب في الجارية؛ لأنها تؤذيه في الفراش، وليس بعيب في العبد).
دليلنا: أنه قد يحتاج إلى مسارة العبد أو إلى خدمته لصب الماء على يده، وذلك يؤذيه، كما تؤذيه الجارية في الفراش، فكان عيبًا فيه، إن اشترى عبدًا، فوجده غير مختون؛ فإن كان صغيرًا.. لم يثبت له الرد؛ لأنه لا يخاف عليه منه، وإن كان كبيرًا.. ثبت له الرد؛ لأن ذلك ينقص من قيمته؛ لأنه يخاف عليه منه.
وإن اشترى جارية، فوجدها غير مختونة.. لم يثبت له الرد، صغيرة كانت أو كبيرة؛ لأن ختانها سليم، لا يخاف عليها منه.
وإن اشترى عبدًا أو أمة، فوجده يبول في الفراش، فإن كان صغيرًا.. لم يثبت له الرد؛ لأن بول الصغير معتاد، وإن كان كبيرًا.. ثبت له الرد.
وقال أبو حنيفة: (ترد الجارية دون الغلام؛ لأنها تفسد عليه فراشه).
دليلنا: أن الغلام يفسد ثيابه أيضًا، ولأن ذلك لعلة في المثانة.

وإن اشترى جارية، فوجد رائحة فرجها كريهة.. ثبت له الرد؛ لأن ذلك ينقص قيمتها.

فرع: تباعد حيض الجارية يثبت الخيار

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " البويطي ": (وإن اشترى جارية، فتباعد حيضها.. ثبت له الخيار).
قال ابن الصبّاغ: أراد: إذا كان ذلك لعلو السن، فيكون غالب الظن الإياس فيه.
وقدره القاضي حسين، فقال: إن كانت دون عشرين سنة.. فعدم الحيض ليس بعيب.
وإن كان بعد ذلك.. فهو عيب بها.

فرع: ترك الصلاة عيب

وإن اشترى عبدًا، أو أمةً، فبان أنه يترك الصلاة.. فذكر الصيمري، وصاحب " الحاوي ": أن ذلك عيبٌ؛ لأن ذلك ينقص القيمة؛ لأن ترك الصلاة يوجب القتل.
قال الشاشي: وكذلك شرب الخمر، وقذف المحصنات، والكذب، والنميمة.. عيبٌ؛ لأنه ينقص من القيمة.

فرع: عيب الخنثى يرد به

ذكر القاضي في (الخناثى): إذا اشترى عبدًا، فبان أنه خنثى قد زال إشكاله، وأنه رجل، فإن كان يبول بالفرجين.. فهو عيب؛ لأن ذلك لاسترخاء في المثانة، وهو عيب.
وإن كان يبول من فرج الرجال لا غير.. فلا خيار للمشتري؛ لأن هذه خلقة زائدة لا تنقص العين ولا المنفعة ولا القيمة.
ولو اشترى جارية، فبان أنها خنثى قد زال إشكالها، وأنها امرأة.. ثبت للمشتري

الخيار، سواء بالت من الفرجين أو من فرج النساء؛ لأن ذلك ينقص من قيمتها؛ لأن النفس تعاف من مباشرتها.
وإن اشترى عبدًا، أو أمة، فبان أنه خنثى لم يزل إشكاله.. ثبت له الخيار؛ لأنه ربما بان بخلاف ما عقد عليه البيع.

فرع: عيوب يأباها العقد

قال الصميري: ولو اشترى عبدًا، فوجده أبله ـ لأنه من حيائه كالأبله أو الغافل، فشبه به مجازًا ـ أو به بهقٌ، أو قروح، أو ثآليل كثيرة، أو حمى كبد، أو نفور الطحال.. فكل ذلك عيوب؛ لأن ذلك عاهات يقتضي العقد السلامة منها.

فرع: كون العبد ولد زنا

]: وإن اشترى عبدًا، أو جارية، فوجده ولد زنا.. لم يثبت له الرد.
وقال أبو حنيفة: (إن كان جارية.. ثبت له الرد، وإن كان عبدًا.. فلا رد له).
دليلنا: أن ما لم يكن عيبًا في العبد.. لم يكن عيبًا في الجارية، كالسن؛ ولأن الأنساب غير معتبرة في المماليك، فلم يكن عيبًا.
وإن اشترى جارية، فوجدها مغنية.. لم يكن ذلك عيبًا.

وقال مالك: (يكون ذلك عيبًا).
دليلنا: أن ذلك لا ينقص من عينها، ولا من قيمتها، بل يزيد في قيمتها، فلم يكن ذلك عيبًا.
وإن اشترى جارية، فوجدها مسنة، أو ثيِّبًا.. فليس له الرد؛ لأن ذلك ليس بنقص، وإنما هو عدم فضيلة.
وإن اشترى مملوكًا، فوجده وثنيًّا، أو مرتدًّا.. ثبت له الرّد؛ لأنه لا يقر على دينه، ويجب قتله لذلك.
وإن وجده يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا.. لم يثبت له الرد.
وقال أبو حنيفة: (يثبت له الرد).
دليلنا: أنه مقر على دينه، والإسلام عدم فضيلة، فلم يوجب عدمه الرد، كما لو وجد الجارية ثيِّبًا، أو مسنة.

فرع: زواج الأمة والعبد

وإن اشترى أمة، فوجدها مزوَّجة، أو عبدًا، فوجد له زوجة.. ففيه وجهان: قال ابن الصباغ: يثبت له الرد، وهو قول مالك؛ لأن ذلك ينقص منفعتها، فإنه لا يملك وطء الأمة المزوجة، ولأن كسب العبد مستحق لنفقة زوجته وصداقها، والعقد يقتضي السلامة من ذلك.
وقال الشيخ أبو نصر في " المعتمد ": لا يثبت له الرد؛ لأن عدم الاستمتاع لا يثبت له الرد، كما لو وجد الجارية صائمة، أو محرمة.

فرع: حرمة الجارية لرحم أو رضاع

قال ابن الحدّاد: إذا اشترى جارية، فوجدها أخته من الرضاع أو النسب، أو عمته، أو خالته، أو بنت امرأة دخل بها، أو غير ذلك من المحرمات عليه.. لم يثبت له الرد؛ لأن هذا التحريم يخصه، ولا ينقص من عينها، ولا من قيمتها.
وإن اشترى أمة، فوجدها معتدة من طلاق أو وفاة، أو محرمة بالحج أو العمرة.. ثبت له الرد؛

لأن ذلك ينقص من قيمتها؛ لأنها محرمة الوطء على كل أحد.
وإن وجدها صائمة.. ففيه وجهان، حكاهما الشاشي.
ولو اشترى رجل من رجل جارية لها دون الحولين، فأرضعها المشتري من أم البائع، أو ابنته خمس رضعات متفرقات، ثم وجد بها عيبًا.. كان له ردُّها بالعيب، ولا يكون تحريمها على البائع مانعًا من ردِّها عليه، كما أن تحريمها على المشتري ليس بعيب؛ لأن ذلك يخصه.
وكذلك: لو باعها من أخته، أو أمه أو ابنته، فأرضعتها، ثم وجدت بها عيبًا، فردتها، أو باعها من ابنه أو أبيه، فوطئها، ثم وجد بها عيبًا.. كان لهم الرد عليه، ولا يكون تحريمها عليه مانعًا من الرد عليه؛ لما ذكرناه.
وكذلك: لو كان له أمةٌ صغيرة، فأرضعتها أمه أو ابنته خمس رضعات متفرقات.. حرم عليه وطؤها، ولا يجب على المرضعة قيمتها له؛ لأن ذلك لا ينقص من عينها، ولا من قيمتها في السوق، بخلاف ما لو أرضعت زوجته الصغيرة؛ لأن ذلك يبطل النكاح، وهاهنا لا يبطل ملكه عليها.

فرع: خيار الغبن

إذا تبايع رجلان، فغبن أحدهما صاحبه.. فليس للمغبون خيار، سواء غبن بقليل أو بكثير، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك، وأبو يوسف: (إن كان الغبن بثلث قيمة المبيع، أو دون ذلك.. فلا خيار له، وإن كان الغبن بأكثر من ذلك.. ثبت له الخيار).
وقال أحمد: (إن كان المغبون مسترسلاً غير عارف بالمبيع، ولا هو ممن لو توقف لعرفه، فغبن.. ثبت له الخيار).

وقال أبو ثور: (إذا غبنه بما لا يتغابن الناس بمثله.. فالبيع باطل).
دليلنا: ما روي: أن «حبان بن منقذ أصابته آمَّةٌ في رأسه، فثقل لسانه، فكان لا يزال يُخْدَعُ في البيع، فأتى أهلُهُ إلى النبيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالوا: إنه يبتاع ويُغبَن، فاحجُر عليه، فدعاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فنهاه عن البيع، فقال: لا أصبر عنه.
فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إن كنت غير تاركه، فمن بايعته.. فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا».
فلو كان الغبن يُثبِتُ الخيارَ.. لأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالفسخ من غير خيار، بل أمره بشرط الثلاث.
ولأن نقصان قيمة السلعة مع سلامة عينها ومنفعتها، لا يمنع لزوم العقد، كما لو غُبِن بالثلث، وكما لو لم يكن مسترسلاً.

فرع: الرقيق المأذون له بالتجارة

]: وإن اشترى عبدًا، فوجده مأذونًا له في التجارة، وقد ركبته الديون.. لم يثبت له الخيار.
وقال مالك: (يثبت له الخيار).
وقال أبو حنيفة: (يبطل البيع).
دليلنا: أن ثبوت الدين في ذمة العبد لا ينقص على المشتري فيه، فلم يثبت له الخيار، ولم يبطل البيع لأجله.

مسألة: رد المبيع المعيب

إذا وجد المشتري بالمبيع عيبًا كان موجودًا به في يد البائع، فإن كان المبيعُ باقيًّا على جهته.. فله أن يرده.
هذا مذهبنا، وبه قال عامة أهل العلم.
وقال أحمد: (له أن يمسكه ويطالب بالأرش).
دليلنا: حديث المصراة، ولما روي عن عائشة: «أن رجلاً اشترى من رجل غلامًا، فاستغله، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقضى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برده، فقال: إنه قد استغل غلامي، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: "الخراج بالضمان».
ولأن المبتاع دخل في العقد على أن يكون المبيع سليمًا، فإذا كان معيبًا.. لم يسلم له ما أراد، فكان له فسخ العقد.
فإن علم بالعيب، فصرح بالرضا به، أو تصرف فيه بالبيع، أو بالهبة، أو ما أشبه ذلك، أعرضه لذلك، أو ركب الدابة لغير الرد، أو استخدم العبد، أو ترك الرد مع إمكانه.. سقط حقه من الرد؛ لأن التصرف بالمبيع، أو تعريضه لذلك يدل على الرضا به؛ ولأن الرد على الفور، وقد أمكنه ذلك، فسقط حقه.
قال أبو العباس ابن سريج: فإن ركب الدابة ليردها، أو علفها، أو سقاها في الطريق.. لم يسقط حقه من الرد؛ لأن ذلك لا يدل على الرضا بالمبيع.

جارٍ التحميل