كتاب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يساوي درهمين، فإن تراضيا على أن يأخذ المغصوب منه صاعاً منه.. جاز؛ لأنه يأخذ منه صاعاً دون حقه برضاه.
فإن بذل الغاصب صاعاً منه، وطلب المغصوب منه مثل زيته.. يجبر على دفع صاع من مثل زيته من غيره.
وإن طلب المغصوب منه صاعاً منه، وامتنع الغاصب.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: قال عامة أصحابنا: يجبر الغاصب على ذلك؛ لأنه رضي بأخذ حقه ناقصاً.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: لا يجبر الغاصب؛ لأن حقه قد تعلق بذمته حين صار زيته كالمستهلك.
وإن بذل الغاصب صاعاً منه، وطلب المغصوب منه صاعاً من مثله زيته من غيره..
فالمنصوص: (أن الغاصب يجبر على دفع صاع من مثل زيته الذي غصب منه من غير هذا؛ لأن زيته صار كالمستهلك).
ومن أصحابنا من قال: يباع الزيتان، ويقسم ثمنه بينهما على قدر قيمة زيتيهما، كما قال إذا خلطه بأجود منه.
وليس بشيء.
فرع: خلط زيت بشيرج
وإن غصب منه زيتاً، وخلطه بغير جنسه مما لا يمكن تمييزه منه، بأن خلطه بالبان أو بالشيرج.. فإن تراضيا على أن يأخذ المغصوب منه مثل مكيلة زيته منه.. جاز؛ لأن الحق لهما، وإن امتنع أحدهما.. لم يجبر؛ لأن الغاصب لا يجبر على دفع غير ما وجب عليه، والمغصوب منه لا يجبر على أخذ غير ما وجب له.
فعلى هذا: يجبر الغاصب على دفع زيت مثل الذي غصبه؛ لأن هذا صار كالمستهلك.
ومن أصحابنا من قال: يباعان هاهنا، ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما، كما قال في المسألتين قبلها.
وإن خلط الزيت بالماء، فإن أمكن تخليصه منه من غير أن يفسده في الحال ولا في الثاني.. كلف الغاصب تخليصه، وعليه مؤنة التخليص؛ لأنه يمكنه الرجوع إلى عين ماله، وإن كان إذا خلصه ينقصه نقصاناً مستقراً.. لزمه تخليصه، ورده، ورد ما نقص من قيمته، وإن كان نقصانه غير مستقر.. فالمنصوص: (أن الغاصب يلزمه أن يدفع مثله من جنسه؛ لأن هذا صار كالمستهلك).
وقال الربيع: فيه قول آخر: (أنه يلزمه تخليصه، ويرده وأرش ما نقص في الحال وفيما بعد، كما لو غصب عبداً، فقطع يده).
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: في المسألة قولان:
أحدهما: يلزم المغصوب منه أن يأخذه وأرش ما نقص؛ لأن عين ماله موجودة متميزة، فلا يملك الرجوع ببدلها.
والثاني: لا يلزمه؛ لأن نقصانه غير مستقر، بل يتزايد، فصار كالمستهلك.
ومنهم من قال: هي على قول واحد، وأنه يأخذ مثله من غيره؛ لما ذكرناه، وما ذكره الربيع من تخريجه.
فرع: خلط الدقيق بالدقيق
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن خلط دقيقاً بدقيق.. فكالزيت).
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: للدقيق مثل.
قال الشيخ أبو إسحاق: وهو ظاهر النص؛ لأن تفاوته في النعومة والخشونة ليس بأكثر من تفاوت الحنطة بصغر الحب وكبره.
فعلى هذا: حكمه حكم الزيت إذا خلط بالزيت، على ما مضى.
وقال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وأكثر أصحابنا: لا مثل له؛ لأنه يتفاوت تفاوتاً كبيراً، وقول الشافعي: (إنه كالزيت) أراد: في أنه يرجع إلى بدله، كما يرجع إلى بدل الزيت إذا تلف، لا أنه يرجع إلى مثله.
فعلى هذا: إذا أراد قسمته بينهما.. نظرت:
فإن اختلفت قيمتهما.. لم تجز قسمته؛ لأن قيمتهما مختلفة، فلو جوزناها.. كان فيه تفاضل وربا.
وإن استوت قيمتهما، فإن قلنا: إن القسمة فرز النصيبين.. جازت قسمته، كما يجوز قسمة الرطب على هذا القول.
وإن قلنا: إن القسمة بيع.. لم يجز قسمته، كما لا يجوز بيع بعضه ببعض.
وحكى الكرابيسي عنه: (أنه يجوز).
ولا يعرف ذلك للشافعي في شيء من كتبه.
ومن أصحابنا من قال: يباع الدقيقان، ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتيهما بكل حال، كما قال في المسائل قبلها.
فرع: خلط حنطة بحنطة
وإن غصب منه حنطة، فخلطها بحنطة له.. ففي ذلك مسائل كالتي ذكرناها في الزيت.
فإذا خلطها بحنطة أجود منها، أو مثلها، أو دونها.. فالحكم فيها كالحكم في الزيت، وإن خلطها بما يمكن تمييزها منه، مثل: أن يخلط حنطة بيضاء بحنطة
سمراء، أو حمراء، أو شعير، أو ذرة.. فعلى الغاصب تمييزها وتخليصها وإن لحقه بذلك مؤنة ومشقة، كما لو غصب ساجاً، وبنى عليه.
قال ابن الصباغ: وإن لم يتميز جميعه.. وجب عليه تمييز ما أمكن، وكان الباقي بمنزلة اختلاط الزيت بما لا يتميز عنه.
مسألة: يلزم الغاصب تفريغ ملك غيره
وإن غصب أرضاً، فغرس فيها، أو بنى، فدعا مالك الأرض إلى قلع الغراس أو البناء.. لزم الغاصب قلعه؛ لما روي: «أن رجلاً غصب أرضاً، فغرس فيها نخيلاً، فرفع ذلك إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقلع النخيل).
قال الراوي: (فلقد رأيتها والفؤوس تعمل في أصولها، وإنها لنخيل عم»، يعني: طوالاً، ولهذا يقال للمرأة الطويلة: عميمة.
وروى سعيد بن زيد: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس لعرق ظالم حق»، بكسر العين، وسكون الراء.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وكل ما وضع في الأرض للتأبيد.. فإنه يسمى: عرقا.
والعروق أربعة: عرقان ظاهران، وهما: الغراس والبناء، وعرقان باطنان، وهما: (البئر والنهر).
ولأنه شغل ملك غيره بغير إذنه، فلزمه تفريغها، كما لو جعل فيها قماشاً.
إذا ثبت هذا: وقلع الغراس، أو البناء.. فقال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وغيرهما: عليه تسوية الأرض، وأرش نقص إن دخل على الأرض بالقلع، وأجرة مثلها؛ لأن ذلك حصل بعدوانه.
وذكر في (المهذب): أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال في (الغصب): (يلزمه ما تنقص الأرض)، وقال في (البيع): (إذا قلع الأحجار المستودعة في الأرض.. عليه تسوية الأرض).
فمن أصحابنا من قال: هي على قولين:
أحدهما: يلزمه أرش النقص؛ لأنها نقصت بفعله.
والثاني: يلزمه تسوية الأرض؛ لأن جبران النقص بالمثل أولى من جبرانه بالقيمة.
ومنهم من قال: يلزمه في الغصب أرش ما نقصت، وفي البيع يلزمه التسوية؛ لأن الغاصب متعد، فغلظ عليه بالقيمة؛ لأنها أوفى، والبائع غير متعد، فلم يلزمه أكثر من التسوية.
فرع: للمالك طلب قلع الغراس إن كان له غرض آخر
]: وإن غصب من رجل أرضاً، وغراساً، فغرسه في الأرض، فطالب مالك الأرض الغاصب بقلع الغراس عن الأرض، فإن كان له غرض في القلع، بأن كان لا يريد غرس تلك الأرض.. أخذ الغاصب بقلع الغراس؛ لأنه لا يجوز تفويت غرض المالك، وإن لم يكن لمالك الأرض غرض في القلع، بأن كان يريد غرس تلك الأرض.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يؤخذ الغاصب بقلع الغراس، لأن ذلك عبث وسفه.
والثاني: يؤخذ بذلك؛ لأن الإنسان محكم في ملكه.
فرع: يلزم الغاصب أجرة الأرض وقلع زرعها وبدل نقصها
]: وإن غصب أرضاً، وزرع فيها.. لزمه قلع الزرع، وأجرة الأرض، وأرش ما نقص إن حصل بها.
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ليس لصاحب الأرض قلع الزرع، بل هو بالخيار: بين أن يدفع البذر والنفقة، ويملك الزرع، وبين أن يقره في الأرض إلى أوان الحصاد، ويطالب بأجرة أرضه).
دليلنا: أنه شغل ملك غيره بغير إذنه، فلزمه قلعه، كالغراس.
[مسألة: غصب أرضاً وحفر فيها بئراً]
ً]: وإن غصب من رجل أرضاً، وحفر فيها بئراً، أو نهراً، فإن طالبه المغصوب منه برد التراب إلى البئر وطمها.. لزم الغاصب ذلك؛ لأنه نقل التراب من ملكه، فكان له مطالبته بإعادته، وإن طلب الغاصب أن يعيد التراب، فامتنع المغصوب منه.. أجبر المغصوب منه على إعادته.
وقال المزني [في (المختصر) 3/40-41]: لا يجبر، كما لو غصب منه غزلاً، ونسجه ثوباً.
وهذا غلط؛ لأن الغاصب إن كان قد نقل التراب إلى ملك نفسه.. فله غرض برده، وهو تفريغ ملك نفسه، فإن كان قد نقله إلى ملك غيره، أو إلى طريق المسلمين.. فله غرض في رده، وهو تفريغ ملك الغير، وإزالة الضرر عن طريق المسلمين، وإن كان قد نقله إلى ملك المغصوب منه.. فله غرض في ذلك، وهو أن يسقط عنه ضمان من يقع في البئر، فإذا طم البئر.. نظرت:
فإن نقصت قيمة الأرض بعد الطم عن قيمتها قبل الحفر.. لزمه ما بين القيمتين؛ لأنها نقصت بفعله.
وإن لم تنقص قيمتها.. لم يلزمه أرش النقص.
فإن قال المغصوب منه للغاصب: قد أبرأتك من ضمان من يقع فيها.. فهل يبرأ من ضمان من يقع فيها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يبرأ؛ لأن الضمان بالحفر حق للغير.. فلا يصح إبراء المغصوب منه، ولأن هذا أبرأه مما لا يجب، فلم يصح.
فعلى هذا: للغاصب طم البئر بكل حال.
والثاني: أنه يبرأ، وهو قول أبي حنيفة، قال الشيخ أبو حامد: وهو الأصح؛ لأن الضمان يلزمه بوجود التعدي، فزال عنه برضا المالك، كما لو حفر بإذنه.
قال ابن الصباغ: وهكذا: ينبغي إذا لم يتلفظ بالإبراء، وإنما منعه من طمها؛ لأنه يتضمن رضاه بذلك.
فعلى هذا: ليس له أن يطم التراب إن كان قد وضعه في ملك المغصوب منه، وإن كان قد وضعه في ملك نفسه، أو في ملك غيره.. رده.
وإن غصب أرضاً، ثم كشط ترابها.. جاز للمغصوب منه أن يطالبه برده، وإعادة الأرض كما كانت، فإذا رده، فإن نقصت قيمة الأرض بعد ذلك عن قيمتها قبل الكشط.. لزمه ما بين القيمتين، وإن أراد الغاصب رده، وامتنع المغصوب منه، فإن كان الغاصب قد نقل التراب إلى ملك نفسه، أو إلى ملك غيره، أو إلى طريق المسلمين، أو إلى ملك المغصوب منه، ونقصت قيمة الأرض بنقل التراب إلى ملك المغصوب منه، ويرجو بإعادته زوال النقص.. فللغاصب رده؛ لأن له غرضاً في رده، وهو تفريغ ما نقل إليه التراب، أو زوال النقص، وإن كان نقل التراب إلى ملك المغصوب منه، ولم تنقص قيمة الأرض.. لم يكن له ذلك؛ لأنه لا فائدة له في ذلك.
وإن خرق ثوباً، وطلب الغاصب أن يرفأه.. قال المسعودي [في (الإبانة) ق\ 314]: لم يجبر المالك على تمكينه من ذلك؛ لأنه لا يعود إلى حالته الأولى.
[مسألة: غصبه ثوباً وصبغا]
]: وإن غصب من رجل ثوباً وصبغاً، فصبغه به.. لزم الغاصب أن يرد الثوب مصبوغاً؛ لأنهما عين ماله، فإن لم تنقص قيمة الثوب والصبغ، بأن كانت قيمة الثوب قبل الصبغ عشرة، وقيمة الصبغ خمسة، فصارت قيمتهما بعد الصبغ خمسة عشر.. فلا شيء على الغاصب؛ لأنه لم يتلف شيئاً من مال المغصوب منه، وإن زادت قيمتهما، فصارت عشرين.. فلا شيء للغاصب؛ لأن الزيادة حصلت بأثر من الغاصب لا بعين ماله، وإن نقصت قيمتهما، فصارت عشرة.. لزم الغاصب مع ردهما خمسة؛ لأنهما نقصا بفعله، إلا أن يعلم أن ذلك النقصان لنقصان سعر الثياب، أو الصبغ، فلا يلزمه شيء؛ لأن نقصان السعر لا يضمنه الغاصب مع رد العين.
[مسألة: غصب ثوباً ثم صبغه من ماله]
]: وإن غصب من رجل ثوباً، فصبغه بصبغ من عنده.. قال الشيخ أبو حامد: فإن الغاصب يكون شريكاً لصاحب الثوب؛ لأن الصبغ عين مال الغاصب، فإذا خلطه بمال المغصوب منه.. صار شريكاً له، كما لو غصب منه طعاماً، فخلطه بطعام له.
إذا ثبت هذا: فلا يخلو حالهما من ثلاثة أحوال: إما أن لا تزيد قيمتهما ولا تنقص، وإما أن تزيد قيمتهما، وإما أن تنقص قيمتهما.
فالحالة الأولى: إن لم تزد قيمتهما ولم تنقص، بأن كانت قيمة الثوب قبل الصبغ عشرة، وقيمة الصبغ عشرة، وقيمتهما بعد الصبغ عشرين.. فإن الغاصب هاهنا يكون شريكاً له في النصف، فيكون فيه سبع مسائل:
إحداهن: أن يتفقا على بيعهما، فإذا بيعا.. قسم الثمن بينهما نصفين.
الثانية: إذا تراضيا على ترك الثوب بحاله، ويكونان شريكين.. جاز.
الثالثة: أن يطلب الغاصب قلع صبغه.. فله ذلك، ويجبر المغصوب منه على تمكينه من ذلك؛ لأن الصبغ عين مال الغاصب، فكان له أخذه كما لو غصب
أرضاً، وغرس فيها، فله قلعه، إلا أن الثوب إن نقصت قيمته بقلع الصبغ.. لزم الغاصب ما نقصت قيمته؛ لأنه نقص بسبب من جهته.
الرابعة: إذا طلب المغصوب منه أن يقلع الغاصب صبغه من ثوبه، فإن رضي الغاصب بذلك.. فلا كلام، وإن امتنع الغاصب.. فهل يجبر؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول ابن خيران، وأبي إسحاق ـ: أنه يجبر، كما لو غصب أرضاً، وغرس فيها.
والثاني ـ وهو قول أبي العباس، وعامة أصحابنا ـ: أنه لا يجبر الغاصب، لأن الصبغ يهلك بالاستخراج، بخلاف النخل، مع أن الثوب لا يعود كما كان قبل الصباغ، بخلاف الأرض، ولأن الغراس لم يستقر ضرره؛ لأن عروقه وأغصانه تزيد، بخلاف الصبغ.
الخامسة: إذا بذل المغصوب منه قيمة الصبغ، ليتملكه مع الثوب، فإن رضي الغاصب بذلك.. جاز، وإن امتنع الغاصب، بل أراد القلع.. لم يجبر الغاصب على قبول القيمة.
وقال أبو حنيفة: (صاحب الثوب بالخيار: بين أن يعطيه قيمة الصبغ، ويأخذه مع الثوب، ويجبر الغاصب على قبوله، وبين أن يسلم الثوب إلى الغاصب، ويطالبه بقيمته)، بناء على أصله: إذا جنى الغاصب على العين المغصوبة جناية أذهب بها منفعتها المقصودة، وقد مضى ذلك.
السادسة: إذا أراد الغاصب البيع، وامتنع صاحب الثوب.. فهل يجبر على البيع؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: يجبر؛ ليصل الغاصب إلى ثمن صبغه، كما يجبر الغاصب على البيع ليصل رب الثوب إلى ثمن ثوبه.
والثاني: لا يجبر؛ لأنه متعد، فلم يستحق بتعديه إزالة ملك رب الثوب عن ثوبه.
السابعة: إذا وهب الغاصب الصبغ من مالك الثوب.. فهل يجبر على قبوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر؛ لأن الصبغ متصل بماله، فأجبر على قبوله، كالسمن في الجارية.
والثاني: لا يجبر؛ لأنه عين يمكن إفرادها، فلم يجبر على قبوله، كالأعيان المنفردة.
الحالة الثانية: أن تزيد القيمة، بأن صار الثوب يساوي بعد الصبغ ثلاثين:
قال ابن الصباغ: فإن كانت تلك الزيادة لزيادة سعر السوق في الثياب.. كانت الزيادة لصاحب الثوب، وإن كانت الزيادة بسعر السوق في الصبغ.. كانت للغاصب، وإن كانت بالعمل.. كانت بينهما؛ لأن مالهما زاد بعمل الغاصب، وكل زيادة حصلت في المغصوب بأثر من الغاصب.. فإنها تكون ملكاً للمغصوب منه.
وذكر الشيخ أبو حامد: أن الزيادة بينهما نصفين، من غير تفصيل.
فعلى هذا: يكون فيه المسائل السبعة التي ذكرناها، إلا أن هاهنا إن اختار الغاصب قلع صبغه.. فله قلعه بشرط أن يضمن لصاحب الثوب ما نقص عن قيمة الثوب في هذه الحالة، وهو خمسة عشر؛ لأن الثوب زاد في ملك صاحبه، فصار مالكاً له ولزيادته، فيلزم الغاصب ما نقص من قيمته في هذه الحالة.
الحالة الثالثة: أن تنقص القيمة، قال ابن الصباغ: فينظر:
فإن كان لنقصان سعر الثياب.. كان ذلك من قيمة الثوب، وإن كان لنقصان قيمة الصبغ، أو كان لأجل الصبغ.. كان على صاحب الصبغ أرش ما نقص من قيمة الثوب؛ لأنه تعدى بالصبغ؛ لأن الصبغ يتبدد في الثوب.
وإن كان الصبغ لم يتبدد في الثوب، وكان النقصان منه، فإن كان النقص ببعض قيمة الصبغ، بأن صار الثوب وهو مصبوغ يساوي خمسة عشر.. فإن الغاصب يصير شريكاً بالثلث، وفيه المسائل التي ذكرناها.
وإن نقص جميع قيمة الصبغ حتى صار الثوب وهو مصبوغ يساوي عشرة.. فإن الشافعي قال: (يقال للغاصب هاهنا: عين مالك قد استهلك، فإن شئت تركته، ولا شيء عليك ولا لك، فلا شيء عليه؛ لأن قيمة الثوب لم تنقص، ولا شيء له؛ لأن عين ماله قد استهلك، وإن اخترت أن تقلعه على أن عليك ما نقص الثوب عن العشرة.. كان لك ذلك).
قال الشيخ أبو حامد: ويجيء إذا طالب المغصوب منه الغاصب بقلع الصبغ.. لزمه على أحد الوجهين، ولا يجيء هاهنا دفع قيمة الصبغ، ولا هبة الصبغ؛ لأنه لا قيمة له، ولا يستحق الغاصب شيئاً من الثوب؛ لأن صبغه قد تلف، فإن صارت قيمة الثوب ثمانية دراهم.. قال الشيخ أبو حامد: قيل للغاصب: قد استهلك عين مالك، ونقص قيمة الثوب بفعلك، فأنت بالخيار: بين أن تترك الثوب مصبوغاً، وعليك ما نقص من قيمته، وهو درهمان، أو تقلع الصبغ، وعليك ضمان ما ينقص من قيمة الثوب؛ لأن الصبغ عين ماله.
[فرع: غصب ثوباً وصبغه بصبغ مغصوب]
]: وإن غصب من رجل ثوباً، ومن آخر صبغاً، وصبغ به الثوب.. نظرت:
فإن كانت القيمتان بحالهما.. كان شريكين في ذلك.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون إذا قلنا: إن الصبغ إذا كان للغاصب، أجبرناه على قلعه.. أن يكون هاهنا لصاحب الثوب قلعه، وما ينقص يكون على الغاصب.
وإن كانت القيمة قد زادت.. كانت الزيادة بينهما، وإن نقصت، فإن كان لنقصان سعر الثياب.. كانت على صاحب الثوب، وإن كان للعمل.. كانت من صاحب الصبغ، ويرجع على الغاصب بها؛ لأن الصبغ يتبدد، والثوب بحاله.
مسألة: غصب خشبة وبنى عليها
]: إذا غصب ساجة، أو خشبة، فبنى عليها، فإن عفنت الساجة، أو الخشبة.. لم يلزمه ردها؛ لأنها صارت كالمستهلكة، ويرد قيمتها؛ لأنه لما تعذر ردها.. وجبت عليه قيمتها، كما لو أتلفها، وإن كانت باقية.. لزم الغاصب قلعها وردها على مالكها، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: (لا يلزمه ردها إذا كانت مغيبة في البناء).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه»، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يأخذ أحدكم مال أخيه جاداً، ولا لاعباً، ومن أخذ عصا أخيه.. فليردها».
فنص على العصا؛ لينبه بها على ما سواها.
ولأنها عين مغصوبة يمكن ردها، فوجب ردها، كما لو لم يبن عليها.
[فرع: غصب خيطاً وخاط به]
]: وإن غصب منه خيطاً، فخاط به.. نظرت:
فإن بلي الخيط.. لم يلزمه رده؛ لأنه صار كالمستهلك، وتجب قيمته.
وإن كان باقياً.. نظرت:
فإن كان قد خاط به الثوب.. فتقت الخياطة، ورد عليه الخيط؛ لأنه عين مال المغصوب منه، فإن كان قد نقص.. لزمه أرش النقص.
وإن خاط به جرح حيوان، فإن كان لا حرمة له، كالكلب العقور والخنزير والمرتد.. نزع الخيط وإن خيف على الحيوان الهلاك؛ لأن أكثر ما في نزعه تلف الحيوان، وقد ورد الشرع بإتلافه، وإن كان الحيوان له حرمة.. نظرت:
فإن كان لا يؤكل لحمه، كالعبيد، والبغال، والحمير، فإن كان يخاف عليه التلف بقلع الخيط.. لم يقلع؛ لأن للحيوان حرمتين: حرمة لمالكه، وحرمة لله تعالى، ولهذا لو احتاج إلى أخذ هذا الخيط ليخيط به جرحه، أو جرح حيوان له من بغل أو حمار، ولم يكن في ملكه.. كان له أخذه بغير إذن مالكه، فإذا خاط به.. لم يلزمه نزعه، ويجب عليه قيمته.
وإن كان يخاف من نزع الخيط الزيادة في العلة، وإبطاء البرء، وحدوث الشين.. فهل هو كخوف التلف؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الجريح إذا خاف ذلك من استعمال الماء.
وإن كان لا يخاف من نزع الخيط التلف، ولا إبطاء البرء.. وجب نزع الخيط؛ لأنه مقدور على رده من غير ضرر.
وإن كان قد خاط به جرح حيوان يؤكل لحمه، فإن لم يخف التلف من نزعه.. وجب نزعه، وإن كان يخاف التلف من نزعه.. ففيه قولان:
أحدهما: يجب نزعه؛ لأنه يجوز ذبحه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن له حرمة بنفسه، وقد: «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذبح الحيوان لغير مأكلة».
فإن مات الحيوان الذي خيف من نزع الخيط منه التلف.. فهل يقلع؟
قال المسعودي [في (الإبانة) ق\313]: إن كان غير الآدمي.. قلع، وإن كان آدمياً.. ففيه وجهان.
[مسألة: غصب لوحاً وأدخله سفينة]
]: وإن غصب لوحاً، وأدخله في سفينة، فإن كانت السفينة في الجفاف، أو في موضع من البحر بقرب الشط.. قدمت إلى الشط، وقلع اللوح، ورد على صاحبه؛ لأنه يمكن رده على مالكه بغير ضرورة.
وإن كانت السفينة في لجة البحر.. نظرت:
فإن كان اللوح في أعلى السفينة بحيث لا يخاف الغرق في قلعه.. وجب قلعه.
وإن كان في أسفلها بحيث إذا قلع خيف الغرق.. نظرت:
فإن كان في السفينة حيوان له حرمة: آدمي، أو غير آدمي.. لم يجز قلعه، سواء كان للغاصب أو لغيره؛ لأن الحيوان إن كان لغير الغاصب.. فله حرمتان: حرمة لمالكه، وحرمة لله تعالى، وإن كان الحيوان للغاصب.. فله حرمة لله تعالى، فلا يجوز هتكها.
وإن كان فيها مال غير الحيوان، فإن كان لغير الغاصب.. لم يجز قلعه لحرمة مالكه، وإن لم يكن فيها إلا مال الغاصب، أو لم يكن فيها مال، إلا أنه يخاف على السفينة أن تغرق إذا قلع اللوح.. فهل يقلع؟ فيه وجهان:
أحدهما: يقلع، كما يقلع البناء لرد الساجة، والخشبة.
والثاني: لا يقلع، وهو الأصح؛ لأنه يمكن رده مع سلامة مال الغاصب، وهو إذا دخلت الشط، بخلاف الساجة والبناء.
وكل موضع قلنا: لا يجب قلعه.. فللمالك أن يطالب بقيمة اللوح إلى أن يأخذ لوحه، كما قلنا فيمن غصب عبداً، وأبق منه فإذا قلع اللوح، وسلم إلى مالكه.. رد ما أخذه من قيمته.
وإن اختلطت السفينة التي فيها اللوح بسفن للغاصب، ولم تتميز.. ففيه وجهان، حكاهما في (المهذب):
أحدهما: يقلع جميع السفن، كما يقلع جميع السفينة.
والثاني: لا يقلع؛ لأنه إتلاف ما لم يتعين فيه التعدي.
مسألة: غصب جوهرة فابتلعتها بهيمته
]: إذا غصب جوهرة، فابتلعتها بهيمة له، فإن كانت بهيمة لا تؤكل.. لم يجز شق بطنها لإخراج الجوهرة؛ لأن قتلها لا يجوز، ويلزم الغاصب قيمة الجوهرة، فإن خرجت الجوهرة من البهيمة.. وجب ردها إلى مالكها، وأرش نقصها إن نقصت بالابتلاع، ووجب على المغصوب منه رد ما أخذ من القيمة، وإن كانت لمثلها أجرة.. فهل تجب أجرتها له من حين أخذ القيمة إلى أن رجعت إليه الجوهرة؟ فيه وجهان، كما قلنا فيمن غصب عبداً، فأبق منه.
وإن كانت البهيمة مأكولة.. فهل يجب ذبحها، ورد الجوهرة؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الخيط إذا خيط به جرح حيوان مأكول اللحم وخيف من نزعه تلف الحيوان.
فرع: إتلاف بهيمته مال غيره
]: وإن كانت له بهيمة، فأتلفت مالاً لغيره، فإن لم تكن يد صاحبها عليها.. لم يجب على مالكها الضمان؛ لأن مالك البهيمة لا يلزمه حفظها نهاراً، فلا يلزمه ضمان ما أتلفته، وإن أتلفت شيئاً وهي تحت يد إما سائقها، أو قائدها، أو راكبها.. لزمه ضمان ما أتلفت؛ لأنها إذا كانت تحت يده.. كانت جنايتها كجنايته، فإن أتلفته بيدها، أو رجلها، أو نابها.. ضمنه بمثله إن كان له مثل، أو بقيمته إن لم يكن له
مثل، وإن ابتلعته، فإن كان مما يتلف بالابتلاع، كالطعام.. كان كما لو أتلفته بيدها، أو رجلها، وإن كان مما لا يتلف بالابتلاع، كالجواهر، واللؤلؤ.. فهو كما لو غصب جوهرة، وابتلعتها بهيمة على ما مضى.
فرع: ابتاع شاة فأكلت ثمنها
]: فأما إذا ابتاع شاة بثمن، فأكلت الشاة ثمنها.. لم يخل: إما أن يكون الثمن معيناً، أو غير معين.
فإن كان معيناً.. نظرت:
فإن أكلته قبل أن يقبضه البائع.. بطل البيع؛ لأن الثمن المعين إذا تلف قبل القبض.. بطل البيع، فإن كانت يد المبتاع على الشاة حين أكلت ذلك، أو لا يد لأحد عليها.. لم يرجع المبتاع ببدل ثمنه على أحد، وإن كانت يد البائع على البهيمة.. لزمه ضمان ذلك للمبتاع، فإن كان مما يتلف بالابتلاع.. ضمنه بمثله إن كان له مثل، أو بقيمته إن لم يكن له مثل، وإن كان مما لا يتلف بالابتلاع، كالدراهم، والدنانير، فإن كانت البهيمة غير مأكولة اللحم.. لم يجز شق بطنها، بل يجب عليه ضمانه، وإن كانت مأكولة اللحم.. فهل يجب ذبحها لإخراجه؟ على القولين.
وإن كان ذلك بعد قبض الثمن.. لم يبطل البيع، بل يكون الثمن على ملك البائع، والبهيمة على ملك المشتري، فإن كانت يد البائع على البهيمة حين أكلت ذلك، أو لا يد لأحد عليها.. فلا شيء له، وإن كانت يد المشتري عليها حين الأكل.. وجب عليه ضمان الثمن، والكلام في الضمان على ما مضى.
وإن كان الثمن غير معين، بأن اشتراها بثمن في ذمته، ثم عزل المشتري مثل الثمن من ماله ليسلمه إلى البائع، فأكلته البهيمة.. فإن البيع لا يبطل بذلك، ويكون الثمن تالفاً على ملك المشتري، فإن كانت البهيمة في يد المشتري، حين الأكل، أو لا يد لأحد عليها.. فلا يرجع على أحد، وإن كانت يد البائع على البهيمة.. وجب عليه ضمانه؛ لأن من يده على بهيمة.. يجب عليه ضمان ما أتلفته وإن لم تكن ملكاً له، كمن استعار بهيمة، أو غصبها، أو استأجرها.
فرع: إدخال البهيمة رأسها في قدر وتعسر إخراجه
]: وإن أدخلت بهيمة رأسها في قدر باقلائي، ولم يمكن إخراج رأسها إلا بكسر القدر، أو بذبح البهيمة، فإن كانت يد صاحب البهيمة عليها حين أدخلت رأسها.. لزمه الضمان؛ لأنه كان يلزمه حفظها.
فعلى هذا: إن كانت البهيمة غير مأكولة اللحم.. كسر القدر، ولزمه ما نقص من قيمته؛ لأنه كسر لتخليص ملكه، وإن كانت مأكولة اللحم.. فهل يكسر القدر، أو تذبح البهيمة؟ فيه وجهان، بناء على القولين في البهيمة المأكولة إذا خيط جرحها بخيط مغصوب.
وإن لم تكن يد صاحبها عليها.. نظرت:
فإن فرط صاحب القدر، بأن ترك قدره على الطريق، فجاءت البهيمة، ولا يد لأحد عليها، فأدخلت رأسها فيه.. لم يكن على مالك البهيمة الضمان؛ لأن مالك القدر فرط.
فعلى هذا: يكسر القدر، ويخرج رأس البهيمة، ولا شيء على مالك البهيمة.
وإن لم يفرط صاحب القدر، بأن كان القدر محرزاً في دكانه، أو داره، فجاءت البهيمة، فأدخلت رأسها فيه.. كسر القدر لإخراج رأس البهيمة، ووجب على مالك البهيمة ما نقص من قيمته؛ لأن ذلك فعل لتخليص ملكه.
[فرع: أدخل فصيلاً غصبه إلى داره فكبر]
]: إذا غصب من رجل فصيلاً، وأدخله الغاصب إلى داره، فكبر، ولم يمكن إخراجه إلا بهدم الباب.. هدم الباب، وأخرج الفصيل، ولا شيء على مالك الفصيل؛ لأن التفريط حصل من الغاصب.
وإن أدخله صاحب الفصيل إلى دار غيره، أو انفلت الفصيل بنفسه، ودخل الدار.. نقض الباب، وأخرج الفصيل، ووجب على مالك الفصيل ما يلزم على إصلاحه من المؤنة؛ لأن ذلك حصل لتخليص ملكه، وكذلك لو اشترى من رجل داراً، وله فيها مال لا يمكن إخراجه إلا بنقض الباب، كالصندوق الكبير، والحب الكبير.. هدم الباب لإخراج ذلك، ووجب على البائع إصلاح الباب كما كان؛ لأن الهدم حصل لتخليص ملكه.
[فرع: طرح ديناراً غصبه في محبرته]
]: وإن غصب من رجل ديناراً، وطرحه الغاصب في محبرته، ولم يمكن إخراجه إلا بكسر المحبرة.. كسرت المحبرة، ورد الدينار، ولا يجب ضمان المحبرة؛ لأن التفريط جاء من مالكها.
إن طرح مالك الدينار ديناره في محبرة غيره، أو وقع الدينار فيها من طاق، أو غيره بغير تفريط من أحدهما.. كسرت المحبرة، وأخرج الدينار، ووجب على مالك الدينار ما نقصت بالكسر؛ لأنها كسرت لتخليص ملكه.
وإن رضي مالك الدينار بترك ديناره فيها.. فلا كلام.
قال ابن الصباغ: وينبغي إذا ضمن صاحب المحبرة بدل
الدينار إذا لم يغصب الدينار.. أن لا يجب كسر محبرته؛ لأنه قد زال الضرر عن مالك الدينار، وصاحب المحبرة غير مفرط في ذلك.
فرع: أسند خشبه على جدار فسقط
]: قال ابن القاص: لو أن رجلاً كان يحمل خشباً، فاستراح إلى جدار، فأسنده، فوقع على إنسان، أو شيء، فأتلفه، فإن كان الجدار لغيره، فأسنده إليه بغير إذنه.. ضمن الجدار وما يسقط عليه، وإن كان الجدار له، فإن سقط في حال وضعه.. ضمن ما يسقط عليه، وإن لم يسقط في الحال، وإنما سقط بعد ساعة.. فلا ضمان عليه.
قال أصحابنا: هذا صحيح، إذا كان الجدار لغيره فأسند إليه بغير إذنه.. فيجب عليه ضمان ما وقع عليه، سواء وقع في الحال أو بعد ساعة؛ لأنه متعد بذلك، وإن كان الجدار له، وسقط في الحال.. ضمن ما وقع عليه، كما لو رمى حجراً، فأتلف بها إنساناً، أو مالاً لغيره، وإن وقف، ثم سقط.. فلا يضمن ما سقط عليه؛ لأنه غير متعد، كما لو حفر في ملكه بئراً، فوقع فيها إنسان.
قال أبو علي السنجي: إلا إن مال الجدار إلى هواء الشارع بوضع الخشب، فوقف مائلاً، ثم سقط على إنسان، أو مال.. فيجب عليه ضمانه؛ لأنه إذا مال إلى هواء الشارع.. لزمه إزالته عن هواء الشارع، فإذا لم يفعل.. صار متعدياً، فضمن ما وقع عليه.
فرع: احتكت راحلته بجدار فسقط
، وحفر بئر في الحرم]: قال الطبري: فإن كان رجل يحمل حطباً على حمار، فاحتك الحمار بجدار رجل، فأسقطه.. كان على سائق الحمار الضمان؛ لأن عليه أن يحفظه من إتلاف مال الغير.
وهكذا: لو تعلقت خشبة منه بثوب رجل على الطريق، فخرقته، فإن كان صاحب
الثوب لما تعلقت به الخشبة وقف، ولم يجذب ثوبه.. وجب الضمان على سائق الحمار؛ لأن التلف حصل منه، وإن لم يقف صاحب الثوب، بل مشى، وجبذ ثوبه، فانخرق الثوب بمشيه، وبمشي الحمار.. وجب على سائق الحمار ضمان نصف الأرش، وسقط النصف؛ لأنه انخرق بفعلهما.
قال ابن القاص: إذا حفر في ملكه بئراً في الحرم، فهلك بها إنسان.. لم يضمنه، وإن هلك بها صيد.. فحكى الربيع عن الشافعي: (أنه يضمنه).
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من سلم له ذلك؛ لأن حرمة الحرم باقية في ملكه، فجاز له التصرف فيه بشرط السلامة، كما لو نصب شبكة، أو رمى سهماً في ملكه في الحرم، فقتل به صيداً.. فإنه يجب عليه ضمانه.
ومنهم من قال: لا يضمن الصيد؛ لأن كل ما لا يضمن به الآدمي ومال الغير.. لم يضمن به الصيد، كما لو حفر بئراً في ملكه في غير الحرم.
وأولوا نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على: أنه اضطر الصيد إلى الوقوع في البئر.
قال الشيخ أبو زيد: ولعله أجاب على قول من يقول: الحرم لا يملك، فكأنه حفر في أرض غيره.
[فرع: دخل داراً بغير إذن مالكها فإنه يضمن ما فيها]
]: قال ابن الصباغ: إذا دخل دار غيره بغير إذنه، فإن كان صاحبها فيها.. لم يضمنها؛ لأن يد صاحبها عليها، فلم تثبت يد الدخل عليها، وإن كان صاحبها ليس هو فيها.. ضمنها، وكذلك: إذا دخل داراً يظنها داره، وهي لغيره، ولم يكن صاحبها فيها.. ضمنها؛ لأن يده تثبت عليها.
وإن غصب داراً، وفيها أمتعة.. فهل يكون غاصباً للأمتعة قبل نقلها؟ فيه وجهان، حكاهما أبو المحاسن:
أحدهما: أنه لا يكون غاصباً لها؛ لأن ما ينقل لا يضمن إلا بالنقل.
والثاني: يكون غاصباً لها تبعاً للدار.
وإن رأى دابة واقفة، وليس معها صاحبها، فركبها، ولم تمش به.. قال القاضي أبو الطيب في (المجرد): لا أعرف فيها شيئاً لأصحابنا، وعندي: أنه لا يضمنها؛ لأنا نعتبر الغصب بالقبض في العقود، ولا يصير قابضاً للدابة حتى ينقلها، فإذا نقلها من موضعها.. ضمنها.
[فرع: غصب فحلاً وأنزاه على بهائمه]
]: وإن غصب من رجل فحلاً، فأنزاه على بهائمه، فنتجت.. فإن الأولاد تكون ملكاً للغاصب؛ لأن الولد يتبع الأم في الملك، كما نقول فيمن زوج أمته، فأولدت، ويلزمه أن يرد الفحل، فإن نقص منه شيء بالإنزاء.. لزمه ضمانه؛ لأنه نقص بعدوانه، وأما الأجرة: فإن قلنا: يجوز استئجار الفحل للضراب.. لزمه أجرته، وإن قلنا: لا يجوز، وهو الصحيح.. لم يلزمه.
وإن غصب غنماً إناثاً، فأنزى عليها فحله، فنتجت.. فإن الولد يكون ملكاً للمغصوب منه؛ لأن الولد تابع للأم في الملك، فإن نقصت قيمتها بالولادة.. لزمه ضمان ذلك، فإن أخذ منها لبناً، أو صوفاً.. قال الشافعي: (ضمن اللبن بمثله، والصوف بمثله إن كان له مثل، وإن لم يكن له مثل.. رد قيمته).
فقال ابن الصباغ: الصوف له مثل.
وقال الشيخ أبو حامد: إن كان للصوف نوع معلوم.. ضمنه بمثله إن كان له مثل، وإن لم يكن له نوع، ولا مثل له.. فيضمنه بقيمته.
قال: والصحيح: أنه لا مثل له.
مسألة: غصب جارية فوطئها
]: وإن غصب من رجل جارية، فوطئها، فلا يخلو: إما أن يكون الغاصب والجارية جاهلين بالتحريم، أو عالمين بالتحريم، أو أحدهما عالم والآخر جاهل.
فإن كانا جاهلين بتحريم الوطء، بأن يكونا قريبي العهد بالإسلام، أو متربيين ببادية بعيدة من المسلمين.. لم يجب عليهما الحد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادرءوا الحدود بالشبهات».
ويجب على الغاصب مهر المثل؛ لأنه وطء سقط فيه الحد عن الموطوءة، فوجب به المهر، كوطء الشبهة، فإن كانت بكراً.. وجب عليه مع المهر أرش الافتضاض؛ لأنه بدل جزء منها، فلزمه ضمانه، وإن حبلت من هذا الوطء.. كان الولد حراً؛ لأنه ولد عن وطء شبهة، ويجب على الغاصب قيمته يوم الولادة؛ لأنه حالت الحيلولة بينه، وبين سيد الأمة، ولأنه لا يمكن تقويمه قبل ذلك، فإن خرج هذا الولد ميتاً.. لم يجب على الغاصب قيمته؛ لأنه لم يعلم حياته قبل ذلك، ولأن القيمة إنما وجبت؛ لأنه حال بين الولد وسيد الأمة، ولا حيلولة هاهنا، فإن ضرب أجنبي بطن هذه الجارية، فألقت ولداً ميتاً.. وجب عليه غرة عبد أو أمة؛ لأنه جنين حر؛ لأن الظاهر أنه مات من الضرب، وتكون هذه الغرة مقدرة بنصف عشر دية أبيه.
قال الشيخ أبو حامد: يجب لولي الأمة عشر قيمة الأمة؛ لأن هذا الجنين لو كان مملوكاً.. كان مضموناً بعشر قيمة أمه.
فعلى هذا: ينظر في الغرة التي أخذت من الجاني، فإن كانت مثل عشر قيمة الأمة.. أخذها مالك الأمة، وقد استوفى حقه، وإن كان عشر قيمة الأم أقل من الغرة.. أخذ السيد منها عشر قيمة الأمة، والباقي منها للأب، وهو الغاصب، وإن كان عشر قيمة الأمة أكثر من الغرة.. كان على الغاصب تمام عشر قيمة الأمة؛ لأنه هو الذي أتلفه على السيد باعتقاده.
وقال المسعودي [في (الإبانة) ق\ 312]، والطبري في (العدة): يجب للسيد على
الغاصب أكثر الأمرين من الغرة أو عشر قيمة الأمة؛ لأنه بدل الجنين.
وإن ضربها الغاصب، فألقت الجنين من ضربه.. فعلى ما قال الشيخ أبو حامد: يجب عليه لمالك الجارية عشر قيمة الأمة، وعلى قياس ما قاله المسعودي: يجب عليه أكثر الأمرين من عشر قيمة الأمة أو نصف عشر ديته.
وأما إذا كانا عالمين بالتحريم، ولم يكرهها على الوطء.
فهما زانيان، فيجب عليهما الحد، والمنصوص: (أنه لا مهر لها)، ومن أصحابنا من قال: يجب المهر؛ لأنه حق للسيد، فلا يسقط ببذل الأمة.
والأول أصح؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن مهر البغي»، وهي الزانية.
وإن كانت بكراً.. وجب عليه أرش البكارة ونقصان الولادة، لأنها نقصت بسبب منه، فإن حبلت.. كان الولد مملوكاً، ولا يلحقه نسبه، فإن خرج حياً.. أخذه السيد، وإن خرج ميتاً.. فنقل المزني: (أنه يجب عليه قيمته).
وقال أبو إسحاق: لا يجب عليه شيء، كما لو كان حراً، وانفصل ميتاً.
وتأول ما نقله المزني على: أنه خرج حياً، ثم مات.
ومن أصحابنا من قال: يجب عليه قيمته؛ لأنه مملوك، وقد ثبتت يد الغاصب عليه بثبوتها على الأم، ويفارق إذا كان حراً؛ لأن الحر لا تثبت عليه اليد.
وإن ضرب ضارب بطنها، فألقته ميتاً.. وجب عليه عشر قيمة أمه، وللسيد أن يرجع بها على من شاء من الضارب، أو الغاصب، فإن رجع بها على الغاصب... رجع بها الغاصب على الضارب؛ لأن الضمان استقر عليه، وإن رجع بها على الضارب.. لم يرجع بها الضارب على الغاصب.
وإن كان الغاصب جاهلاً، والأمة عالمة بتحريم الوطء.. وجب الحد عليها دونه، وكان الولد حراً، ولحقه نسبه، وهل يجب المهر؟ إن أكرهها.. وجب، وإن لم يكرهها.. فعلى الوجهين، الصحيح: لا يجب.
وإن كان الغاصب عالماً بالتحريم، وهي جاهلة.. وجب عليه الحد دونها، ووجب عليه المهر، وكان الولد مملوكاً.
وإن ردها الغاصب وهي حامل، فماتت في يد سيدها من الحمل.. ففيه وجهان، حكاهما الطبري:
أحدهما: يجب عليه قيمتها؛ لأنها ماتت بسبب منه.
والثاني: لا يجب؛ لأنها ماتت بمرض حادث، وهو الطلق، فهو كما لو غصبها حبلى، وردها حبلى.
وإن كانت في يد رجل جارية، فأولدها، فجاء آخر، وادعاها، وأقام عليها بينة.
قضي له بها، وكان عليه ردها، وأجرة مثلها، وأرش نقصانها بالولادة، ولا يلزمه الحد.
قال الطبري: ولا يكون الولد رقيقاً، ولكن يلزم الواطئ المهر وقيمة الولد؛ لأن البينة توجب أن تكون اليد عليها للمدعي، ولا يمنع أن يكون الملك عليها للمدعى عليه في الباطن، فلم يحكم برق الولد بالشك.
فرع: غصب جارية وباعها فوطئها المشتري
]: وإن غصب رجل جارية، ثم باعها من آخر، وقبضها، ووطئها المشتري.. فالبيع باطل.
قال ابن الصباغ: وحكى القاضي أبو حامد: أن الشافعي قال في موضع: (يكون البيع موقوفاً على إذن المغصوب منه).
ورجع عنه.
إذا ثبت هذا: فإن المشتري إذا وطئها، وحبلت عنده، وولدت من وطئه، ثم ماتت.. فالحكم في وطئه حكم وطء الغاصب، على ما مضى، إلا أن الغاصب إذا وطئ، وادعى أنه جاهل بالتحريم.. فإنه لا يقبل منه إلا بالشروط التي ذكرناها، وهاهنا المشتري إذا ادعى الجهل بالتحريم.. قبل منه؛ لأنه يعتقد أن الغاصب باع ملكه، وأنه يطأ ملك نفسه، إلا إن علم أنها مغصوبة، وأن وطأها حرام فلا شبهة له مع ذلك.
وكل ما وجب على الغاصب قبل تسليمه الجارية إلى المشتري من مهر، وأجرة، وأرش نقص.. يطالب به المالك الغاصب، ولا يطالب به المشتري؛ لأن ذلك وجب
على الغاصب دون المشتري، وكل ما وجب على المشتري من مهر، وأجرة، وأرش نقص، وقيمة ولد، وقيمة العين إن تلفت.. فالمغصوب منه بالخيار: بين أن يطالب المشتري بذلك؛ لأن يده ثبتت عليه، وبين أن يطالب به الغاصب؛ لأنه هو السبب لثبوت يد المشتري عليها، فإن كان المشتري عالماً بأن الجارية مغصوبة.. لم يرجع بما ضمنه للمغصوب منه على الغاصب، ويرجع الغاصب بما ضمنه للمغصوب منه من ذلك على المشتري؛ لأن المشتري غاصب في الحقيقة، إلا أنه يرجع بالثمن الذي دفعه بكل حال؛ لأن الشراء لم يصح، وإن لم يعلم المشتري بالغصب، واختار المالك تضمين المشتري.. فهل يرجع المشتري بما ضمنه على الغاصب؟ ينظر فيما ضمنه:
فإن التزم ضمانه بالثمن، كقيمة الجارية، وبدل أجزائها إن تلفت، وأرش بكارتها.. فإنه لا يرجع بها المشتري على الغاصب، قولاً واحداً؛ لأنه دخل مع الغاصب على أن تكون مضمونة عليه بالثمن، فإذا ضمنها.. لم يرجع بها على غيره.
وإن لم يلتزم ضمانه بالثمن، نظرت:
فإن لم يحصل له في مقابلته منفعة، بأن ولدت ولداً منه، فلزمه قيمته، أو ولدت ولداً مملوكاً، فمات في يده، أو سمنت في يده، ثم هزلت، أو تعلمت صنعة معه، ثم نسيتها، فغرمه المالك ذلك.. فللمشتري أن يرجع بذلك على الغاصب، قولاً واحداً؛ لأنه لم يلتزم ضمان ذلك في البيع، ولا حصل له في مقابلته منفعة.
وإن حصل له في مقابلته منفعة، كالمهر، والأجرة.. ففيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (يرجع به عليه؛ لأنه غره، ودخل معه في العقد على أن يتلفه بغير عوض).
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يرجع به عليه؛ لأنه حصل له في مقابلته منفعة).
وإن اختار السيد أن يرجع على الغاصب بذلك.. فهل للغاصب أن يرجع به على المشتري؟ فكل ما لا يرجع به المشتري على الغاصب.. فللغاصب أن يرجع به على
المشتري إذا ضمنه، وكل ما يرجع به المشتري على الغاصب.. لا يرجع به الغاصب على المشتري.
فعلى هذا: للغاصب أن يرجع على المشتري بقيمة الجارية، وبدل أجزائها، وأرش بكارتها، قولاً واحداً، وليس له أن يرجع عليه بقيمة الولد ونقصان ما حدث في يد المشتري من السمن والصنعة، قولاً واحداً، وهل له أن يرجع عليه بالمهر وبأجرة المنفعة؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قوله في القديم: (لا يرجع عليه).
و [الثاني]: قوله في الجديد: (يرجع عليه).
فرع: حدوث عيب بمغصوب عند مشتريه
]: قال الشيخ أبو حامد: فإن غصب ثوباً، وباعه من آخر، وحدث به عيب عند المشتري.. فإن المالك يأخذ ثوبه، ويرجع بأرش العيب على من شاء منهما، فإن رجع على المشتري.. لم يرجع به المشتري على البائع؛ لأنه دخل على أنه مضمون عليه بأجزائه، وإذا ضمن أجزاءه.. لم يرجع به على أحد، وإن رجع به على الغاصب.. رجع به الغاصب على المشتري؛ لما ذكرناه.
فرع: باع جارية مغصوبة فوطئها المشتري مراراً
ً]: وإن غصب جارية، وباعها من رجل، ووطئها المشتري مراراً، وهي مكرهة، أو جاهلة.. قال المسعودي [في (الإبانة) ق\311]: فإن علم بعدما وطئها أنها مغصوبة، ثم عاد إلى وطئها.. لزمه بكل وطء مهر، وإن لم يعلم.. ففيه وجهان:
الأصح: أنه يجب مهر واحد؛ لأن الشبهة واحدة.
والثاني: يجب لكل وطء مهر.
[فرع: باع داراً مغصوبة فهدمها المشتري وبناها]
]: وإن غصب داراً، فباعها الغاصب من آخر فنقضها المشتري، وبناها بآلة أخرى.. فللمالك أن يطالب المشتري بنقض بنائه؛ لأن العرصة ملك له، ويجب على المشتري للمالك أرش ما نقصت قيمتها بالنقض، وهو أن تقوم الدار قبل النقض، ثم تقوم العرصة والآلة إن كانت باقية، ويرجع عليه بما بينهما من القيمة.
وأما الأجرة: فإنه يطالبه بأجرة مثل داره من حين حصلت في يده إلى أن نقضت، ويطالبه بأجرة العرصة بعد النقض؛ لأن البناء الثاني للمشتري، ولا يطالبه بأجرته، وأما ما يرجع المشتري به على الغاصب إذا لم يعلم بالغصب.. فإنه لا يرجع عليه بأرش النقض؛ لأنه حصل بفعله، وهل يرجع عليه بالأجرة؟ على القولين.
قال الشافعي: (ويرجع بأرش ما نقض من بنيانه الجديد؛ لأنه لم يحصل له في مقابلته عوض، فيرجع به كقيمة الولد).
[فرع: غصب عيناً وأجرها أو أودعها أو وكل ببيعها فتلفت]
]: وإن غصب عيناً، وأجرها من غيره، وتلفت عنده، ولم يعلم المستأجر أنها مغصوبة.. فللمالك أن يرجع بقيمتها، وأجرتها من حين حصلت في يد المستأجر على أيهما شاء، كما قلنا في التي قبلها، فإن رجع على المستأجر بالأجرة.. لم يرجع بها المستأجر على الغاصب؛ لأنه دخل في العقد على أن يضمن المنفعة بالعوض، وإن رجع عليه المالك بقيمتها.. كان للمستأجر أن يرجع بها على الغاصب، قولاً واحداً؛ لأنه دخل معه في العقد على أن لا يضمن العين، ولا حصل له في مقابلة ما غرم منفعة.
وإن أودع الغاصب العين المغصوبة، أو دفعها إلى آخر ليبيعها له، فأقامها في يده مدة، وتلفت عنده، ولم يعلم أنها مغصوبة.. فللمغصوب منه أن يرجع على المودع
والوكيل بأجرتها وقيمتها.
هكذا ذكره ابن الصباغ.
ويحتمل وجها آخر: أنه لا يرجع عليهما، ولا على المستأجر؛ لأنهم دخلوا على الأمانة، فإذا رجع على المودع، والوكيل.. فلهما أن يرجعا على الغاصب بذلك؛ لأنهما دخلا على أن [لا] يضمنا ذلك، ولا حصل لهما منفعة عما ضمنا.
فرع: غصب شاة فذبحها
وإن غصب شاة، فاستدعى قصابا، فذبحها بأجرة، أو بغير أجرة.. فإن المالك يأخذ شاته مذبوحة وما بين قيمتيها مذبوحة وحية، وله أن يطالب بذلك من شاء من الذابح، أو الغاصب، فإن ضمن الغاصب.. لم يرجع الغاصب على الذابح؛ لأن الذابح لم يذبح لنفسه، وإنما ذبحها للغاصب، وإن ضمن المالك الذابح.. رجع الذابح على الغاصب؛ لأن الذبح كان له.
هكذا قال عامة أصحابنا.
والذي يقتضي المذهب: أنها مفروضة في الذابح إذا لم يعلم أنها مغصوبة، فأما إذا علم أنها مغصوبة ثم ذبحها.. فإنه لا يرجع بما غرم على الغاصب، وللغاصب أن يرجع عليه بما غرم؛ لأنه غاصب في الحقيقة.
مسألة: الاستكراه على الوطء
]: قال الشافعي: (وإن استكره رجل حرة أو أمة، فوطئها.. وجب عليه الحد والمهر).
وقال أبو حنيفة: (يجب عليه الحد دون المهر).
دليلنا: أن كل ما كان مضمونا بالبدل في العقد.. جاز أن يكون مضمونا بالبدل في الاستكراه والغصب، كالعين.
قال الطبري: فإن زنا بصبية لا يشتهى مثلها، أو أزال بكارتها بالإصبع.
وجب عليه أرش البكارة دون المهر.
وقال أبو حنيفة: (يجب المهر فيهما).
ومن أصحابنا من قال - فيمن زنا بصغيرة لا تشتهى -: يجب المهر.
دليلنا: أنه لم يوجد الإيلاج في الفرج، ولا العقد، فأشبه إذا ضرب على ظاهر فرجها، فأزال البكارة.
فرع: ادعاء غصب العبد المباع
]: وإن اشترى رجل من رجل عبداً، ثم ادعى آخر أن البائع غصب منه العبد:
فإن صدقه البائع والمشتري.. حكم ببطلان البيع، وسلم العبد إليه.
وإن صدقه البائع، وكذبه المشتري.. لم يقبل إقرار البائع في حق المشتري؛ لأن العبد قد صار ملكا له في الظاهر، وللمدعي إحلاف المشتري، فإن كان البائع قد قبض الثمن.. فليس للمشتري المطالبة به؛ لأنه لا يدعيه، وإن كان لم يقبضه.. لم يكن له قبضه؛ لأنه يقر أنه لا يستحقه، وهل يلزم البائع أن يغرم للمدعي قيمة العبد؟
من أصحابنا من قال: فيه قولان، بناء على القولين فيمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو.
ومنهم من قال: يلزمه أن يغرم، قولا واحداً؛ لأنه قد حصل للبائع عوضه، وهو الثمن.
فإن صدقه المشتري، وكذبه البائع.. لزم المشتري تسليم العبد إلى المقر له؛ لأنه أقر بما في يده، فقبل إقراره، ولا يلزم البائع رد الثمن على المشتري إن كان قد قبضه، وإن لم يقبضه.. فله أن يطالبه به؛ لأن الظاهر أنه باع ملكه.
وإن كذباه.. فالقول قول المشتري مع يمينه، قولاً واحد؛ لأنه لو أقر به قبل
إقراره، وأما البائع: فإن قلنا: لو أقر به لزمه أن يغرم قيمته.. لزمه أن يحلف؛ لجواز أن ينكل عن اليمين، فيقر.
وإن قلنا: لا يلزمه الغرم.. لم تلزمه اليمين.
وإن كان المشتري قد أعتقه، فإن صدقه البائع والمدعي.. لم يقبل إقرارهما في رق العبد؛ لأنه قد صار حرا في الظاهر، وهكذا: لو صدقه.. العبد أيضاً.. لم يحكم برقه؛ لأن حق الحرية فيه يتعلق بها حق الله تعالى، ولهذا لو شهد شاهدان للعبد بالعتق.. سمعت شهادتهما وإن اتفق السيد والعبد على الرق.
إذا ثبت هذا: فإن للسيد أن يرجع بقيمة عبده على من شاء من البائع أو المشتري، غير أنه إن رجع على البائع.. رجع عليه بأكثر ما كانت قيمة عبده من حين غصبه إلى حين العتق، وإن رجع على المشتري.. رجع عليه بأكثر ما كانت قيمته من حين قبضه إلى أن أعتقه، ولا يرجع المشتري على البائع بما غرم؛ لأنه أتلفه، ويرجع البائع على المشتري بما غرم من قيمته من حين قبضه المشتري إلى أن أعتقه.
وإن مات العبد وفي يده مال، ولا وارث له.. كان المال للذي أقر له برقه؛ لأن قولهما لم يثبت في العتق؛ لثبوت حق الله تعالى، وأما المال: فلا حق لسواهما فيه، فقبل إقرارهما فيه، فإن أقام المدعي بينة.. حكم له برق العبد، وحكم ببطلان العتق.
فرع: الإقرار بغصب المبيع في مدة الخيار
]: قال ابن الصباغ: إذا باع عبدا بشرط الخيار، ثم أقر البائع في حال الخيار أنه غصبه من رجل، وصدقه المقر له، وكذبه المشتري.. حكم بصحة إقرار البائع؛ لأنه يملك الفسخ، فقبل إقراره بما يفسخ البيع.
فرع: ادعى بيع ما لا يملك وأنه ملكه بعد
]: إذا باع رجل من رجل عينا، ثم ادعى البائع أنه باع ما لا يملكه، وأنه الآن ملكه، فأقام بينة بما ادعاه.. نظرت:
فإن قال البائع حين البيع: بعتك هذه العين وهي ملكي، أو أقر أنه يملك الثمن.. لم تسمع دعواه، ولا بينته؛ لأنه كذبه بإقراره السابق.
وإن قال: بعتك، وأطلق.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (سمعت دعواه وبينته؛ لأنه قد يبيع ملكه وغير ملكه).
مسألة: غصب طعاما وأطعمه آخر
]: وإن غصب من رجل طعاماً، وأطعمه آخر.. فللمالك أن يضمن الآكل؛ لأنه أتلفه، وله أن يضمن الغاصب؛ لأنه غصبه، ولأنه هو السبب لإتلاف الآكل له.
فإن ضمن المالك الآكل.. فإنه يضمنه بقيمته أكثر ما كانت من حين قبضه إلى حين أتلفه، وهل للآكل أن يرجع على الغاصب بما ضمنه؟
إن علم الآكل أنه مغصوب بقول الغاصب أو غيره.. لم يرجع عليه بما غرم؛ لأن إتلافه له رضا بوجوب الضمان عليه، وإن لم يعلم الآكل أنه مغصوب.. فهل يرجع الآكل بما غرمه عليه؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (يرجع عليه؛ لأنه غره، وأطعمه إياه على أن لا يضمن).
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يرجع عليه).
وهو الأصح؛ لأن التلف حصل بيده، فلم يرجع بما ضمنه على غيره.
فإن اختار المالك تضمين الغاصب.. فإنه يضمنه قيمة الطعام أكثر ما كانت من حين الغصب إلى حين التلف، وهل للغاصب أن يرجع على الآكل بقيمة الطعام من حين قبضه إلى أن أتلفه؟
إن علم الآكل أنه مغصوب.. رجع عليه الغاصب، قولا واحداً؛ لأنه رضي بوجوب الضمان عليه، وإن لم يعلم الآكل أنه مغصوب، فإن قال الغاصب: كله، فهو لي، أو ملكي.. لم يرجع على الآكل، قولاً واحداً؛ لأنه أقر بأن المدعي ظلمه، فلا يرجع على غير من ظلمه، وإن قدمه إليه وهو ساكت.. فهل يرجع عليه؟ على القولين:
قال في القديم: (لا يرجع عليه).
وفي الجديد: (يرجع عليه).
وإن قال ـ لما قدمه إليه ـ: وهبت لك هذا الطعام.. قال الشيخ أبو حامد: لم يرجع عليه، قولاً واحدا؛ لأن تحت قوله: وهبت لك هذا الطعام، أنه ملكه، وأنه يملكه إياه بلا عوض، وأن المدعي له ظلمه، فلا يرجع على غير من ظلمه.
وقال ابن الصباغ: هي على قولين، كما لو قدمه إليه، ولم يقل شيئاً.
[فرع: غصب طعاماً وأطعمه مالكه]
]: وإن غصب طعاماً، وأطعمه الغاصب المغصوب منه، فإن علم المغصوب منه أنه طعامه، ثم أكله.. برئ الغاصب من ضمانه؛ لأنه أتلف ماله، وإن لم يعلم أنه طعامه.. ففيه قولان، وحكاهما الشيخ أبو حامد وجهين:
أحدهما: يبرأ الغاصب من ضمانه، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه أتلف مال نفسه، فهو كما لو علم أنه طعامه.
والثاني: لا يبرأ؛ لأنه لم يرده إليه ردا تاماً؛ لأنه يأكله على أنه لغيره.
مسألة: غصب عينا ورهنها المالك فتلفت
]: وإن غصب من رجل عيناً، ثم رهنها الغاصب عند المالك، أو أودعه إياها، أو أجرها منه، وتلفت عنده، فإن علم المالك أنها له قبل التلف.. برئ الغاصب من الضمان؛ لأن المالك قد رجع إليه ماله، وإن لم يعلم المالك.. ففيه قولان:
أحدهما: يبرأ الغاصب؛ لأن العين قد رجعت إلى يد مالكها.
والثاني: لا يبرأ؛ لأنها لم ترجع إليه على أنها ملكه.
وإن باعها الغاصب من المالك.. برئ الغاصب من ضمانها، سواء علم المالك أنها له أو لم يعلم؛ لأنه قد رضي بوجوب ضمانها عليه.
وإن وهبها الغاصب من المالك، وسلمها إليه، وأتلفها، ولم يعلم أنها له، فإن قلنا: إن الغاصب يبرأ إذا قدم إليه الطعام، فأكله، ولم يعلم أنه له.. فهاهنا أولى أن يبرأ، وإن قلنا في الطعام: لا يبرأ.. فهاهنا وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: لا يبرأ الغاصب؛ لأنه لا يعلم أنها له، فهو كما لو أباحها له.
والثاني: يبرأ الغاصب؛ لأنه قد سلمها إليه تسليما تاماً، بخلاف الإباحة.
فرع: غصب عينا فرهنها المالك عنده
]: وإن غصب عيناً، فرهنها المالك عند الغاصب، وأذن له بقبضها، فقبضها.. صارت رهناً، ولا يبرأ الغاصب من ضمانها إلا بتسليمها إلى المالك أو وكيله، وبه قال الثوري.
وقال مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والمزني: (يزول عنه الغصب؛ لأنه أذن له في إمساكها، فزال عنه الضمان، كما لو أودعها إياه).
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على اليد ما أخذت حتى ترده».
وهذا ليس بردٍّ.
ولأن الرهن لا ينافي الضمان، كما لو رهنه عينا، وتعدى بها المرتهن.
وأما الوديعة، ففيها وجهان، وإن سلمنا.. فلأنها تنافي ضمان الغصب؛ لأنه متى تعدى فيها.. خرجت عن أن تكون وديعة، بخلاف الرهن.
فرع: غصب عبدا فقتله سيده أو وقفه
]: ولو قتل السيد عبده في يد الغاصب.. برئ الغاصب من ضمانه.
ولو قال الغاصب للمغصوب منه: اقتله، فقتله، ولم يعلم أنه عبده.. فهل يبرأ الغاصب من ضمانه؟ فيه وجهان، وهذان الوجهان كما لو قال: اعتقه، فعتقه، ولم يعلم أنه له.
ولو أبرأ الغاصب من الضمان.. فهل يبرأ؟ فيه وجهان.
وإن وقفه السيد على أمر عام، كالقناطر، والمساجد.. قال الصيمري: سقط الضمان على الغاصب للسيد، وصار الضمان للقيم.
مسألة: حبس حرا فمات
وإن حبس رجل حراً، ومات عنده من غير أن يمنعه الطعام والشراب.. فلا يجب عليه ضمانه، كبيراً كان أو صغيراً؛ لأن الحر لا تثبت عليه اليد.
وإن أقام في يده مدة لمثلها أجرة، فإن استوفى الغاصب منافعه.. وجب عليه أجرته؛ لأنه أتلف عليه منافعه، فهو كما لو أتلف عليه ماله، وإن لم يستوفها الغاصب.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه أجرته؛ لأن ما ضمن بالبدل في العقد الصحيح.. ضمن بالبدل في الغصب، كالمال.
والثاني: لا يجب عليه شيء؛ لأن منافعه تلفت تحت يده.
[فرع: غصب كلباً منتفعاً به]
]: وإن غصب كلباً فيه منفعة.. وجب عليه رده إلى مالكه؛ لأنه يجوز الانتفاع به، فإن مات.. لم يجب عليه قيمته؛ لأنه لا قيمة له.
وإن أقام في يده مدة لمثلها أجرة.. فذكر الشيخ أبو إسحاق في (الغصب): هل تجب أجرته على الغاصب؟ فيه
وجهان، بناء على جواز استئجاره.
وذكر في (الإجارة): أن منفعته لا تضمن بالغصب.
ولم يذكر الشيخ أبو حامد إلا وجهاً واحداً: أنه لا تضمن منفعته بالغصب.
[مسألة: غصب خمراً أو خنزيرا]
]: إذا غصب من ذمي خمراً.. قال الشيخ أبو إسحاق: لزمه ردها عليه.
وعلى قياس قوله: إذا غصب منه خنزيراً.. لزمه رده عليه؛ لأنه مقر على شرب الخمر، وأكل الخنزير.
وإن غصب الخمر من مسلم.. فهل يلزمه ردها عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه ردها إليه؛ لأنه ربما أطفأ بها ناراً أو بل بها تراباً.
والثاني: لا يجب ردها إليه، بل يجب إراقتها؛ لما روى: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أبا طلحة بإراقة خمر اليتامى».
وإن تلفت الخمر عنده، أو الخنزير، أو أتلفهما.. لم يجب عليه ضمانهما، سواء كانا لمسلم أو ذمي.
وقال أبو حنيفة: (إن كانا لذمي.. وجب عليه ضمانهما، فإن أتلفهما مسلم.. وجبت عليه قيمتهما، وإن أتلفهما ذمي.. وجب عليه مثل الخمر، وقيمة الخنزير).
دليلنا: أن كل ما لم يكن مضمونا بحق المسلم.. لم يكن مضمونا بحق الذمي، كالميتة، والدم.
وعكسه: أن كل ما كان مضموناً في حق الذمي.. كان مضموناً في حق المسلم، كالثياب.
فإن صارت الخمر عند الغاصب خلا.. لزمه رده إلى من غصبه منه؛ لأنه عاد مالاً.
فرع: ألقى شاة ميتة فأخذ رجل جلدها
]: وذكر الشيخ أبو حامد: إذا ماتت لرجل شاة، فطرحها على المزبلة، فأخذ رجل جلدها، ودبغه.. ملكه، وإن غصبه منه غاصب.. لزمه رده عليه، فإن دبغه.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن الملك للمغصوب منه، فلا يزول بالتعدي، كما لو غصب منه جرو كلب يريد تعليمه، فعلمه الغاصب.. فإن الملك فيه للمغصوب منه، وهو كما لو غصب منه خمراً، فاستحالت خلا في يد الغاصب.
والثاني: يكون ملكا للغاصب؛ لأن الملك فيه عاد بفعل الغاصب، بخلاف الخمر.
مسألة: فصل مزماراً أو صليباً من غير كسر
]: وإن فصل رجل مزماراً، أو صليب نصراني من غير كسر.. لم يجب عليه ضمان؛ لأن تالفه لا قيمة له، فإن كسره، فإن كان يصلح لمنفعة مباحة بعد التفصيل.. وجب عليه ما نقص من قيمته بالكسر؛ لأنه أتلف ما له قيمة، وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة بعد التفصيل.. لم يجب عليه الضمان؛ لأنه أتلف ما لا منفعة فيه.
مسألة: فتح قفص طائر فهرب
]: إذا فتح قفصا عن طائر، أو حل رباط دابة، فخرجا.. نظرت:
فإن هيجهما عقيب الفتح والحل حتى خرجا.. ضمنهما؛ لأنه ألجأهما إلى الخروج، وإن لم يهيجهما إلى الخروج، بل وقفا ساعة لم يخرجا، ثم خرجا.. لم يجب عليه الضمان، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (يجب عليه الضمان).
دليلنا: أن الطائر والدابة لهما اختيار، بدليل: أنهما يتوقيان المكاره، وقد وجد منهما مباشرة، ومن الفاتح سبب، فتعلق الضمان بالمباشرة، كما لو حفر رجل بئراً، فطرح رجل نفسه فيها.
وإن لم يهيجهما إلى الخروج، ولا وقفا، بل خرجا عقيب الفتح.. فقد حكى القاضي أبو الطيب عن بعض أصحابنا: إن كان أهاجهما الدنو منهما، أو فتح القفص، أو حل الشكال.
وجب عليه الضمان، إذ لا فرق بين أن يهيجهما بنفسه، أو يحصل ذلك بفعله، وإن لم يوجد شيء من ذلك.. فلا ضمان عليه.
وأكثر أصحابنا قالوا: هي على قولين:
أحدهما: لا يجب عليه الضمان، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه وجد منه سبب لا يلجئ، فهو كما لو وقفا، ثم خرجا.
والثاني: يجب عليه الضمان، وبه قال مالك؛ لأن خروجه عقيب حله، فالظاهر أن الحل هو الذي ألجأه إلى الخروج، كما لو هيجه.
وإن فتح رجل باب آخر، أو هدم حائطه، فدخل آخر، فأخذ المال.. وجب الضمان على الآخذ دون الفاتح؛ لأن الفاتح صاحب سبب، والآخذ مباشر، فتعلق الضمان بالمباشر، كما لو حفر رجل بئراً وطرح فيها آخر رجلاً.
وإن فتح رجل باب رجل، فخرجت بهائمه، وأكلت زرع رجل.. لم يجب الضمان على الفاتح؛ لما ذكرناه، وإن كان الفاتح هو المالك للبهائم.. وجب عليه الضمان؛ لأنه يجب عليه حفظ بهائمه عن زرع غيره.
[مسألة: هيج طائراً لغيره وقع على جداره]
]: وإن وقع طائر لغيره على جداره، فهيجه، فطار.. لم يضمنه؛ لأنه كان ممتنعاً قبل ذلك.
وإن مر في هواء داره، فرماه، فأتلفه.. وجب عليه الضمان؛ لأنه لا يملك منعه من المرور فيه.
مسألة: حل زقا فيه مائع فخرج
]: فإن حل زقاً لغيره فيه مائع، أو راوية فيها ماء، فخرج المائع.. ففيه ثلاث مسائل:
إحداهن: أن يخرج عقيب الحل، فيجب عليه الضمان؛ لأن خروجه كان بفعله.
الثانية: أن لا يخرج عقيب الحل، بل وقف، إلا أنه خرج منه شيء، فابتل الموضع الذي كان مشدوداً فخرج، أو ثقل أحد جانبيه ومال، فسقط وخرج ما فيه، ضمنه؛ لأنه خرج بسراية فعله، فهو كما لو جرح حيواناً، فسرت الجراحة إلى نفسه ومات.
الثالثة: أن يكون الزق منصوباً، ولا يميل بالحل، ووقف ساعة، ثم سقط بريح، أو بتحرك إنسان أو دابة، أو بزلزلة الأرض، قال ابن الصباغ: أو لم يعلم كيف سقط وذهب ما فيه، فلا يجب على الفاتح الضمان؛ لأنه لم يوجد الخروج بفعله، ولا بسبب فعله، فهو كما لو حفر بئراً، ووقع فيها إنسان.
وإن كان الذي في الزق جامداً، فذاب بالشمس وخرج، فإن كان الزق على صفة لو كان فيه مائع لم يخرج، بأن كان منصوباً.. فلا ضمان عليه؛ لأن الخروج لم يكن بفعله؛ وإنما كان بإذابة الشمس له، وإن كان الزق على صفة لو كان ما فيه مائعاً لخرج عقيب الحل.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن؛ لأن خروجه كان بإذابة الشمس لا بحله.
والثاني: يضمن، وهو الصحيح؛ لأن خروجه إنما كان بفعله؛ لأن الشمس إنما أذابته، وذلك لا يوجب الخروج لولا الفتح، فهو كما لو جرح رجلاً، فأصابه الحر أو البرد، وسرت الجراحة إلى نفسه، فمات.. فإن الضمان عليه.
فرع: حل زقا فيه جامد فذوبه آخر
]: وإن حل زقا فيه جامد، وقرب إليه آخر ناراً، فذاب وخرج.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجب على واحد منهما ضمان؛ لأن الخروج لم يحصل بالحل، ولا باشر صاحب النار الإتلاف، فهو كما لو نقب رجل حرزاً، وسرق منه آخر.. فإنه لا قطع على واحد منهما.
والثاني ـ وهو قول الشيخ أبي إسحاق ـ: أن الضمان يجب على من أدنى النار؛ لأن التلف حصل به.
فرع: فتح زقا فنكسه آخر فخرج ما فيه
]: وإن فتح رجل زقا مستعلي الرأس فيه مائع، فخرج منه شيء، ثم جاء آخر، فنكسه حتى خرج جميع ما فيه.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: أن ما خرج قبل التنكيس.. يجب ضمانه على الذي حل، وما خرج بعد التنكيس.. يجب ضمانه عليهما نصفين؛ لأنه خرج بفعلهما.
والثاني: أن ما خرج قبل التنكيس.. على الذي حل، وما خرج بعد التنكيس.. يجب على الذي نكسه، كما لو جرح رجل رجلاً، وذبحه آخر.
مسألة: حل رباط سفينة فغرقت
]: وإن حل رباط سفينة، فغرقت، فإن غرقت في الحال.. ضمنها؛ لأن غرقها حصل بفعله.
فإن وقفت، ثم غرقت، فإن كان غرقها بسبب حادث، كهبوب ريح، أو ما أشبهه.. لم يضمن؛ لأنها غرقت بغير فعله، وإن غرقت من غير سبب.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يضمن، كالزق إذا ثبت بعد حله، ثم سقط.
والثاني: يضمن؛ لأن الماء أحد المتلفات.
[مسألة: أوقد ناراً في ملكه فأحرقت دار جاره]
]: إذا أوقد في ملكه ناراً، فطارت منها شرارة إلى دار جاره، فأحرقته.. نظرت:
فإن كان بتفريط من الموقد، بأن أوقد ناراً عظيمة لا تحتملها داره في العادة، أو أوقد في يوم ريح شديد.. وجب عليه الضمان؛ لأن الظاهر من اليوم ذي الريح أن النار تطير إلى دار جاره، والظاهر ممن أوقد في ملكه شيئاً لا يحتمله ملكه أن النار تطير إلى ملك غيره.
وإن أوقد ناراً يحتملها ملكه مع سكون الريح.. لم يجب عليه الضمان؛ لأنه غير مفرط فيما صنع، فهو كما لو حفر بئراً في ملكه، فوقع فيها إنسان.
قال الطبري: وإن أوقد ناراً في ملكه في وقت سكون الريح، فهبت ريح، فأطارت شرارة منها إلى دار جاره، فأحرقتها.. لم يجب عليه الضمان؛ لأنه غير مفرط.
قال ابن الصباغ: وإن كان لجاره شجرة، فأوقد في ملك نفسه ناراً، فجفت تلك الشجرة.. ضمنها؛ لأنه مفرط في ذلك؛ لأن ذلك لا يحصل بما جرت العادة فيه من النار المستعملة.