كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يعرف الناس حاله.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن كان من قبيلة.. ففي قبيلته - والقبيلة هم الجماعة من آباء متفرقين - وإن كان من أهل العلم والحديث.. شهره بين أهل العلم والحديث.
وإن كان من أهل المساجد.. شهره في المساجد.
وتشهيره: أن يأمر معه الحاكم رجلا ثقة إلى الجماعة الذين يراد تشهيره فيهم، فيقول: السلام عليكم؛ إن القاضي فلانا يقرأ عليكم السلام ويقول لكم: إن هذا شاهد زور، فاعرفوه).
وقال أبو علي بن أبي هريرة: إن كان من أهل الصيانة.. لم يناد عليه؛ لما روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود».
وليس بشيء.
وقال أبو حنيفة: (لا يعزر ولا يشهر من أمره).
دليلنا: ما روى بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اذكروا الفاسق بما فيه تعرفه الناس».
ولأنه إذا اشتهر أمره.. تجنبه الناس في الإشهاد، وإذا لم يشهره.. اغتر الناس به وأشهدوه.
وما ذكره أبو علي غير صحيح؛ لأنه قد خرج بشهادة الزور عن أن يكون من أهل الصيانة.
هذا مذهبنا.
وقال شريح: يركب على حمار وينادي على نفسه: هذا جزاء من شهد بالزور.
وحكي عن عبد الملك بن يعلى - قاضي البصرة -: أنه أمر بحلق نصف رؤوسهم، وتسخيم وجوههم، ويطاف بهم في الأسواق.
وقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (يجلد أربعين سوطا، ويسخم وجهه، وتحلق رأسه، ويطاف به، ويطال حبسه).
دليلنا: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن المثلة»، وهذا مثلة.
ولأنها معصية، فلا توجب المثلة، كسائر المعاصي.
مسألة شهادة من يجر بشهادته لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضررا
مسألة: [لا تقبل شهادة من يجر بشهادته لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضررا]: ولا تقبل شهادة من يجر إلى نفسه نفعا بشهادته، ولا شهادة من يدفع عن نفسه ضررا بشهادته؛ لما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تقبل شهادة خصم، ولا ظنين، ولا ذي غمر على أخيه»، و (الظنين): المتهم، ومن جر إلى نفسه نفعا
بشهادته أو درأ عنها ضررا متهم، فلم تقبل شهادته.
إذا ثبت هذا: فالجار إلى نفسه نفعا هو: أن يشهد السيد لعبده المأذون له في التجارة بماله، فلا يقبل؛ لأن المال إذا ثبت.. يستحقه السيد، وكذلك إذا شهد السيد لمكاتبه بمال.. لم تقبل؛ لأنه قد يعجز فيرجع ذلك المال إلى السيد.
وإن شهد الموكل لوكيله فيما وكله فيه.. لم تقبل؛ لأنه شهادة لنفسه.
وإن شهد الوكيل لموكله بما وكله فيه، أو شهد الوصي لليتيم بشيء.. لم تقبل شهادته؛ لأنه يجر بذلك إلى نفسه نفعا؛ لأنه إذا ثبت ما شهد به.. استحق التصرف فيه.
وإن وكله في شيء ثم عزله، ثم شهد به الوكيل لموكله؛ فإن كان الوكيل قد خاصم فيه قبل العزل.. لم تقبل شهادته، وإن كان لم يخاصم فيه.. ففيه وجهان:
أحدهما: تقبل؛ لأنه لا تلحقه تهمة.
والثاني: لا تقبل؛ لأنه بعقد الوكالة ملك الخصومة فيه.
وإن حجر على رجل للفلس، فشهد بعض غرمائه له بدين على رجل.. لم تقبل شهادته.
وكذلك إذا مات وعليه ديون تحيط بتركته، فشهد بعض غرمائه له بدين.. لم تقبل شهادته؛ لأن الدين إذا ثبت.. تعلق به حق الشاهد.
وإن شهد لمن له عليه دين قبل أن يحجر عليه، وكان من عليه الدين موسرا.. قبلت شهادته له؛ لأن دين الشاهد لا يتعلق به.
وإن كان من عليه الدين معسرا.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا تقبل؛ لأنه قد ثبت له حق المطالبة.
والثاني: تقبل؛ لأنه لا يتعلق بما شهد به حقه.
فرع شهادة قريب الجريح والضامن
ونحوه]: وإن ادعى على رجل أنه جرحه فأنكره، فشهد له بذلك رجلان من ورثته من غير الوالدين والمولودين، فإن كانت الجراحة قد اندملت.. قبلت شهادتهما؛ لأنهما
لا يجران إلى أنفسهما نفعا بشهادتهما.
وإن كانت لم تندمل.. لم تقبل شهادتهما؛ لجواز أن تسري الجراحة إلى نفسه، فتجب الدية لهما.
وإن ادعى المريض مالا على رجل فأنكره، فشهد له بذلك رجلان من ورثته من غير الوالدين والمولودين.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا تقبل شهادتهما، كما قلنا في الجراحة.
والثاني: تقبل؛ لأن المال يثبت للمريض، بخلاف الدية؛ فإنها تثبت للورثة.
وإن شهد رجلان لأخيهما بجراحة لم تندمل، وللمجروح وارث يحجبهما.. قبلت شهادتهما.
فإن مات من يحجبهما قبل موت المشهود له.. نظرت: فإن مات من يحجبهما قبل الحكم بشهادتهما.. لم يجز الحكم بشهادتهما؛ لأنهما صارا مستحقين للميراث، فلم يجز الحكم بشهادتهما، كما لو فسقا قبل الحكم بشهادتهما.
وإن مات من يحجبهما بعد الحكم بشهادتهما.. لم يؤثر موته في شهادتهما، كما لو فسقا بعد الحكم بشهادتهما.
وأما شهادة الدافع عن نفسه ضررا بشهادته؛ فمثل أن يشهد الضامن على المضمون له أنه اقتضى الدين الذي ضمن به عن المضمون عنه أو أبرأه منه.. فإنها لا تقبل؛ لأنه يدفع بهذه الشهادة ضررا عن نفسه؛ وهو مطالبة المضمون له.
وكذلك إذا شهد شاهدان على رجل لرجل باستحقاق عين في يده، فشهد وكيل المشهود عليه بجرح الشاهدين عليه، أو شهد الوصي بجرح الشهود على الصبي باستحقاق عين في يده.. فلا تقبل شهادتهما؛ لأن العين إذا استحقت.. انقطع تصرف الوكيل والوصي بها.
وكذلك إذا شهدا بإبراء الغريم.. لم تقبل شهادتهما؛ لما ذكرناه.
فرع جرح عاقلة المدعى عليه لشهود المدعي بجراحته
]: وإن ادعى على رجل أنه جرحه فأنكر، وأقام عليه شاهدين، وأقام المدعى عليه من عاقلته شاهدين بجرح شاهدي الجراحة عليه، فإن كانت الدعوى عليه في جناية العمد.. قبلت شهادتهما؛ لأنهما لا يجران بهذه الشهادة إلى أنفسهما نفعا ولا يدرآن بها ضررا.
وإن كانت في الخطأ أو عمد الخطأ، فإن كان الشاهدان بالجرح موسرين.. لم تقبل
شهادتهما؛ لأنهما يدفعان بشهادتهما عن أنفسهما ضررا؛ وهو تحمل الدية، وإن كانا فقيرين.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في موضع: (لا تقبل شهادتهما)، وقال في موضع آخر: (إن كان في عاقلته من هو أقرب منهما بحيث لا يحملان إلا بعد عدم من هو أقرب منهما.. قبلت شهادتهما).
واختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى وخرجها على قولين:
أحدهما: تقبل شهادتهما؛ لأنهما لا يحملان العقل في هذه الحال، فلم تلحقهما تهمة في الشهادة.
والثاني: لا تقبل شهادتهما؛ لأنه يجوز أن يكونا عند الحول ممن يحمل الدية، فالتهمة تلحقهما في الشهادة، فلم يقبلا.
ومنهم من حملهما على ظاهرهما فقال: تقبل شهادتهما إذا كان هناك من العاقلة من هو أقرب منهما؛ لأنهما غير معدودين في العاقلة، ولا تقبل شهادتهما إذا لم يكن هناك أقرب منهما؛ لأنهما معدودان في العاقلة، ولا اعتبار بفقرهما؛ لأن المال غاد ورائح، ويجوز أن يكونا غنيين عند الحول.
مسألة شهادة الخصم والعدو
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا خصم؛ لأن الخصومة موضع عداوة).
وقال أصحابنا: العداوة على ضربين؛ عداوة دينية، وعداوة دنيوية.
فأما (العداوة الدينية): فمثل عداوة المسلمين للكفار، وعداوة أهل الحق لأهل الباطل، فهذه لا تمنع قبول الشهادة.
وأما (العداوة الدنيوية): فإنها تمنع قبول الشهادة؛ وذلك مثل أن يقذف رجل رجلا، فيشهد المقذوف على القاذف، فلا تقبل شهادته.
وكذلك إذا قطع رجل على رجل الطريق، فشهد المقطوع عليه على القاطع.. فلا تقبل شهادته.
وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (العداوة لا تمنع قبول الشهادة بحال).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تقبل شهادة خصم، ولا ظنين، ولا ذي غمر على أخيه، ولا القانع لأهل البيت».
والعدو خصم.
وقوله: (ولا ظنين) والظنين: المتهم، والعدو متهم.
وقوله: (ذي غمر) أي: ذي حقد، والعدو ذو حقد.
وأما قوله: (ولا القانع لأهل البيت) فقيل: هو السائل، وقيل: هو الوكيل للموكل.
فأما إذا كان بينهما خصومة على مال أو ميراث، فشهد أحدهما على الآخر بحق.. قبلت شهادته عليه؛ لأنا لو قلنا: لا تقبل شهادته عليه.. لكان من عليه حق بشهادة شهود يذهب فيدعي على الشهود مالا لئلا تقبل شهادتهم عليه، فيؤدي ذلك إلى إبطال فائدة الشهود.
فرع فسق الشاهدين أو حصول عداوة بعد شهادتهما وقبل الحكم
]: وإن شهد شاهدان على رجل بحق فسمعهما الحاكم، فقذف المشهود عليه الشاهدين قبل الحكم بشهادتهما.. فإن الحاكم يحكم بشهادتهما.
ولو فسق الشاهدان بعد الشهادة وقبل الحكم بها.. لم يجز الحكم بشهادتهما.
والفرق بينهما: أن الفسق بعد الشهادة يورث التهمة في الشهادة، والعداوة بعد الشهادة لا تورث التهمة في الشهادة.
مسألة شهادة الآباء للأبناء وبالعكس
]: ولا تقبل شهادة الوالدين - وإن علوا - للمولودين، ولا شهادة المولودين - وإن سفلوا - للوالدين.
وبه قال: شريح، والحسن، والشعبي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعمر بن عبد العزيز: (تقبل شهادة بعضهم لبعض).
وبه قال داود، وأبو ثور، والمزني، وابن المنذر، وحكاه ابن القاص
عن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في القديم، وعن أحمد ثلاث روايات:
إحداهن: (لا تقبل)، كمذهبنا.
والثانية: (تقبل شهادة الولد للوالد، ولا تقبل شهادة الوالد للولد).
والثالثة: (تقبل شهادة بعضهم لبعض إذا لم يكن فيها تهمة، كشهادته له بالنكاح، والطلاق، والمال إذا كان الشاهد مستغنيا عنه، ولا تقبل شهادته له بالمال إذا كان فقيرا).
دليلنا: ما روى الساجي بإسناده عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تقبل شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده».
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا ظنين في قرابة ولا ولاء»، و (الظنين): المتهم، وكل واحد منهم متهم في الشهادة للآخر، فلم تقبل.
وتقبل شهادة الوالد على ولده في كل شيء؛ لأنه لا يتهم في ذلك.
وتقبل شهادة الولد على الوالد في غير الحدود والقصاص، وهل تقبل شهادته عليه في الحدود والقصاص؟ فيه وجهان، ومن أصحابنا من حكاهما قولين:
أحدهما: لا تقبل؛ لأن الأب لا يلزمه الحد بقذف الولد، ولا القصاص بجنايته عليه، فلم يلزمه ذلك بقوله.
والثاني: يلزمه، وهو الأصح؛ لأن التهمة لا تلحقه بذلك، ولا يمتنع أن لا يلزمه
ذلك بفعله به، ويلزمه بقوله.
ألا ترى أن الإنسان لو قذف نفسه أو قطع عضوا من نفسه.. لم يلزمه بذلك حد ولا قصاص، ولو أقر على نفسه بما يوجب الحد أو القصاص.. لزمه؟.
فإن شهد رجلان على زوج أمهما أنه قذف ضرة لأمهما.. ففيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (لا تقبل شهادتهما)؛ لأنهما يجران بذلك إلى أمهما نفعا؛ لأنه يلزمه بذلك حد القذف، فيحتاج أن يلاعن لإسقاط الحد عنه، فتقع الفرقة بينه وبين ضرة أمهما.
و [الثاني]: قال في الجديد: (تقبل شهادتهما)؛ لأن حق أمهما لا يزداد بمفارقة ضرتها.
وإن شهدا عليه أنه طلق ضرة أمهما.. فهل تقبل شهادتهما؟ على القولين ووجههما ما ذكرناه.
فرع شهادة غير الوالدين والمولودين
]: ومن عدا الوالدين والمولودين من الأقارب؛ كالأخ، وابن الأخ، والعم، وابن العم، ومن أشبههم.. تقبل شهادة بعضهما لبعض.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال الثوري: لا تقبل شهادة كل ذي رحم محرم من النسب.
وقال مالك: (لا تقبل شهادة الأخ لأخيه في النسب، وتقبل في غير النسب).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] الآية [البقرة: 282]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] ولم يفرق.
وروي عن عمر وابن عمر: أنهما قالا: (تقبل شهادة الأخ لأخيه في النسب) ولا مخالف لهما.
ولأنه لو ملكه لم يعتق عليه.. فقبلت شهادته له، كابن العم.
فرع شهادة المولى
]: وتقبل شهادة المولى من أعلى للمولى من أسفل؛ وشهادة المولى من أسفل للمولى من أعلى.
وقال شريح: لا تقبل شهادة المولى من أعلى للمولى من أسفل.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] الآية [البقرة: 282]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] ولم يفرق.
وروي عن علي كرم الله وجهه: أنه قال لشريح: (في أي كتاب الله وجدت أن شهادة المعتق لا تقبل لمعتقه؟!)، ولا مخالف له في الصحابة.
فرع شهادة الزوج لزوجه
وتقبل شهادة أحد الزوجين للآخر.
وبه قال الحسن وأبو ثور.
وقال مالك وأبو حنيفة: (لا تقبل شهادة أحدهما للآخر)، وحكاه المسعودي [في " الإبانة "] قولا للشافعي، وليس بمشهور.
وقال النخعي وابن أبي ليلى والثوري: تقبل شهادة الزوج للزوجة، ولا تقبل شهادة الزوجة للزوج.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] ولم يفرق.
وروى سويد بن غفلة: (أن يهوديا كان يسوق بامرأة على حمارة، فنخسها فرمت بها، فوقعت عليها، فشهد عليه أخوها وزوجها بقتلها، فقتله عمر وصلبه.
قال سويد: وهو أول مصلوب صلب بالشام).
ولأن كل واحد منهما لو ملك الآخر.. لم يعتق عليه، فقبلت شهادته له، كابني العم.
فرع شهادة الصديق لصديقه
]: وتقبل شهادة الصديق لصديقه، سواء كان بينهما مهاداة وملاطفة، أو لا مهاداة بينهما ولا ملاطفة.
وبه قال أبو حنيفة وأكثر أهل العلم.
وقال مالك: (إذا كان بينهما مهاداة وملاطفة.. لم تقبل شهادته له).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] الآية [البقرة: 282]، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] [الطلاق: 2] ولم يفرق.
ولأنه لا يعتق أحدهما على الآخر إذا ملكه، فقلت شهادته له، كما لو لم يكن بينهما مهاداة ولا ملاطفة.
فرع مودة المؤمنين وتهاديهم وحب الرجل لقومه
]: وإذا كان الرجل يحب عشيرته وقومه وأهل مذهبه وأهل بلده.. فليس بمكروه، بل هو مندوب إليه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تهادوا تحابوا».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمنون كالبنيان، يشد بعضهم بعضا»، و: «آخى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة».
وإنما العصبية المذمومة: أن يبغض الرجل قوما لأنهم من بني فلان من غير إساءة منهم إليه.
فإن أبغضهم بقلبه دون أن يظهر ذلك على لسانه.. لم يؤثر في شهادته عليهم؛ لأن ما في القلب لا يمكن الاحتراز منه، فإن ظهر ذلك على لسانه؛ بأن يؤلب عليهم ويدعو إلى عداوتهم من غير أن يظهر منه فيهم فحش ولا شتم.. قال ابن الصباغ: فإن كان ذلك في أمر الدين.. لم ترد شهادته بذلك، وإن كان ذلك في أمر الدنيا.. فهو عدو لهم، ولا تقبل شهادته عليهم خاصة لأجل العداوة.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا تكرر ذلك منه.. فسق وردت شهادته.
وإن كان يشتمهم ويفحش عليهم بالقول.. فهو فاسق ولا تقبل شهادته على أحد.
فرع رد بعض الشهادة
]: وإذا جمع في الشهادة بين أمرين، فردت شهادته في أحدهما.. فهل ترد في الآخر؟ ينظر فيه: فإن ردت للعداوة؛ مثل أن يشهد على رجل أنه قذفه وأجنبيا، أو قطع عليه الطريق وعلى غيره.. ردت شهادته؛ لأن هذه الشهادة تتضمن الإخبار عن عداوة.
وإن ردت لغير العداوة؛ بأن يشهد على رجل أنه غصب من أبيه ومن أجنبي عينا.. فإن شهادته ترد في حق أبيه، وهل ترد في حق الأجنبي؟ فيه قولان:
أحدهما: ترد، كما لو شهد أنه قذفه وأجنبيا.
والثاني: لا ترد؛ لأنها ردت في حق أبيه للتهمة، ولا تهمة عليه في شهادته للأجنبي.
مسألة توبة القاذف وقضية قبول شهادته
]: إذا قذف الرجل محصنة أو محصنا، فوجب عليه الحد ولم يسقط ذلك عن نفسه ببينة ولا لعان.. فقد ذكرنا: أنه يفسق بذلك وترد به شهادته.
وإذا تاب.. فإنه لا يسقط عن نفسه الحد ويزول عنه التفسيق بلا خلاف، وتقبل شهادته عندنا.
وبه قال عمر من الصحابة.
ومن التابعين: عطاء وطاووس والشعبي.
ومن الفقهاء: ربيعة ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وقال شريح والنخعي والثوري وأبو حنيفة: (لا تقبل شهادته أبدا) إلا أن أبا حنيفة يقول: (لا ترد شهادة القاذف حتى يجلد ثمانين، فإن جلد ثمانين إلا جلدة.. كانت شهادته مقبولة).
والدليل على أن شهادته ترد بنفس القذف قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4] فذكر الله القذف وعلق عليه حكمين: الجلد ورد الشهادة، والظاهر أنهما متعلقان به وحده، كما لو قال قائل: من دخل الدار.. فأعطه دينارا وأكرمه، فالظاهر أنه يلزمه أن يعطيه الدينار ويكرمه بنفس الدخول، فمن علق رد الشهادة بمعنى غير القذف.. فقد خالف ظاهر الآية.
ولأن الحد كفارة وتطهير؛ بدليل: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الحدود كفارات لأهلها».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أمر برجم الغامدية فرجمت.. فسبها رجل، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا تسبها، فلقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس.. لقبلت منه».
فإذا كان الحد كفارة.. لم يكن سببا لرد الشهادة، كاستيفاء الديون منه.
والدليل على أن شهادة القاذف تقبل إذا تاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 5] [النور: 4 - 5]
، فذكر الله تعالى الاستثناء عقيب رد الشهادة والتفسيق، فاقتضى الظاهر رجوعه إلى كل واحد منهما؛ لأنه يصلح لكل واحد منهما، كما لو قال رجل لامرأته: هي طالق وعبده حر إن شاء الله.. فإن الاستثناء يرجع إليهما، وعود الاستثناء إلى رد الشهادة أحرى؛ لأنه حكم، والتفسيق خرج مخرج الخبر، والاستثناء إنما يرجع إلى الحكم دون الخبر، كما لو قال لرجل: أعط زيدا درهما - وقد قدم عمرو - إلا أن يدخل الدار.. فإن الاستثناء يرجع إلى الحكم دون الخبر.
وروى عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «توبة القاذف إكذابه نفسه، فإذا تاب.. قبلت شهادته» وهذا نص.
مسألة التوبة عقب المعصية وشروطها
]: وكل من فعل معصية.. فإنه يلزمه التوبة منها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو على المنبر: «يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم من قبل أن تموتوا» وإذا تاب.. قبل الله توبته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135] الآية [آل عمران: 135]. وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «التوبة تجب ما قبلها».
إذا ثبت هذا: فالتوبة توبتان: توبة في الظاهر، وتوبة في الباطن.
فأما التوبة في الباطن - وهي: التوبة فيما بينه وبين الله تعالى - فينظر في المعصية التي فعلها:
فإن لم يجب بها حق لآدمي ولا لله تعالى؛ بأن قبل امرأة أجنبية أو مسها بشهوة وما أشبه ذلك.. فالتوبة من ذلك أن يندم على ما فعل، ويعزم على أن لا يعود إلى مثل ذلك في المستقبل، فإذا أتى بذلك.. فقد أتى بما يجب عليه، ثم القبول إلى الله تعالى.
والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135] الآية [آل عمران: 135] فجعل التوبة من ذلك الاستغفار وأن لا يصروا على ما فعلوا.
وإن وجب بها حق.. فلا يخلو: إما أن يكون لآدمي أو لله تعالى.
فإن كان لآدمي: فالتوبة من ذلك: أن يندم على ما فعل، ويعزم على أن لا يعود إلى مثل ذلك في المستقبل، ويؤدي حق الآدمي، فإن كان مالا باقيا.. رده، وإن كان تالفا.. وجب عليه ضمانه، وإن لم يقدر عليه سأل صاحبه أن يبرئه منه، فإن لم يبرئه منه أو وجد المال ولم يقدر على صاحبه.. نوى أنه إذا لقيه.. وفاه إياه.
وإن كان الحق على البدن؛ كحد القذف والقصاص.. اشترط مع الندم والعزم على أن لا يعود إلى مثله أن يمكن صاحب الحق من استيفاء الحق منه ويعرض ذلك عليه؛ لما روى النخعي: (أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رأى رجلا يصلي مع النساء، فضربه بالدرة، فقال له الرجل: والله إن كنت أحسنت.. فقد ظلمتني، وإن كنت أسأت.. فما علمتني، فقال له عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اقتص، قال: لا أقتص، قال: فاعف، قال: لا، فافترقا على ذلك، ثم لقيه عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من الغد، فتغير لون عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، أرى ما كان مني قد أسرع فيك؟ قال: أجل، قال: فاشهد أني قد عفوت عنك).
فإن لم يقدر على صاحب الحق.. نوى أنه إذا قدر عليه.. سلمه نفسه لحقه.
فإن وجب بالمعصية حق لله تعالى؛ كحد الزنا واللواط والشرب والسرقة، فإن لم يظهر ذلك.. فالأولى أن يسره في نفسه ولا يظهره؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أتى من هذه القاذورات شيئا.. فليستتر بستر الله؛ فإن من أبدى لنا صفحته.. أقمنا عليه حد الله» ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هلا سترته بثوبك يا هزال؟».
فإن لم يستر ذلك، بل أظهره على نفسه.. لم يكن محرما؛ لأن ماعزا والغامدية أقرا عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالزنا ولم ينكر عليهما.
فإذا ظهر ذلك عليه.. احتاج أن يطهر نفسه ويحضر إلى الإمام ويعترف به حتى يستوفي منه الحد؛ لأنه لا معنى لستره مع ظهوره عليه.
وأما التوبة الظاهرة التي يتعلق بها قبول الشهادة وعود الولاية.. قال الشيخ أبو حامد: فلا تخلو المعصية إما أن تكون قولا أو فعلا: فإن كانت فعلا، كالزنا واللواط وشرب الخمر والغصب.. فالتوبة من ذلك بالفعل؛ لأن فسقه لما كان بالفعل.. كانت التوبة منه بالفعل، فتمضي عليه مدة يصلح فيها عمله فيأتي بضد تلك المعصية من العمل الصالح، وقدر أصحابنا هذه المدة بسنة، ومن الناس من قدرها بستة اشهر وما ذكرناه أولى؛ لأن السنة قد تعلق بها أحكام في الشرع: وهي الزكاة، والدية، والجزية، ومدة العنة.
وإن كانت المعصية قولا.. نظرت: فإن كانت كفرا.. فالتوبة منها أن يأتي بالشهادتين، فإذا فعل ذلك.. حكم بتوبته، وعاد إلى حالة عدالته؛ لأنه إنما حكم بفسقه بالقول، فإذا أتى بما يضاد ذلك.. فقد أتى بالتوبة.
وإن كانت المعصية قذفا صريحا.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فالتوبة منه إكذابه لنفسه)، واختلف أصحابنا فيما يحصل به تكذيب نفسه: فقال أبو سعيد الإصطخري: يحتاج أن يقول كذبت فيما قلت، ولا أعود إلى مثله، وبه قال أحمد بن حنبل؛ لما روى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «توبة القاذف إكذابه نفسه» ولأنه قد تقدم منه القذف، فيحتاج أن يرجع عنه بأن يكذب نفسه فيه.
وقال أبو إسحاق وأبو علي ابن أبي هريرة: يقول: القذف محرم ولا أعود إليه؛ لأنه قد تقدم منه القذف، فإذا قال: هو محرم.. كان مضادا له.
ولا يقول: كذبت فيما قلت؛ لأنه قد يكون صادقا، فلا يؤمر بالكذب.
والخبر محمول على الإقرار بالبطلان؛ فإنه نوع إكذاب أيضا.
وهل يحتاج إلى إصلاح العمل مع ذلك سنة؟ فيه قولان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: لا يفتقر إلى ذلك - وبه قال أحمد - لحديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولأن المعصية قول فكفرت بالتوبة منها بالقول، كالردة.
والثاني: يفتقر مع ذلك إلى إصلاح العمل سنة - ولم يذكر الشيخان: أبو حامد وأبو إسحاق غيره - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 5] [النور: 4 - 5] وهذا نص.
وأما إذا شهد على غيره بالزنى ولم يتم العدد: فإن قلنا: لا يجب عليه الحد.. فهو على عدالته.
وإن قلنا: يجب عليه الحد.. فالتوبة منه بالقول، وهو أن يقول: ندمت على ما كان مني، ولا أعود إلى ما أتهم فيه.
فإذا قال ذلك.. قبلت شهادته، ولا يشترط فيه إصلاح العمل؛ لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال لأبي بكرة حين شهد على المغيرة بالزنى ولم يتم العدد: (تب أقبل شهادتك)، ولم يشترط عليه إصلاح العمل، ولم ينكر عليه أحد.
والفرق بينه وبين القذف الصريح: أن الفسق بالقذف الصريح علم نصا، والفسق هاهنا بالشهادة علم بالاجتهاد.
وتقبل أخباره قبل التوبة؛ لأن أبا بكرة كانت أخباره مقبولة، ولأن الخبر أوسع من الشهادة؛ بدليل: أن الخبر يقبل من الرقيق ولا تقبل منه الشهادة.
فإن كانت المعصية بشهادة الزور.. فالتوبة منه أن يقول: كذبت فيما قلت، ولا أعود إلى مثله.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويشترط إصلاح العمل على ما ذكرناه.
ولم يذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ إصلاح العمل.
مسألة: شهادة العبد والذمي ونحوهما إذا أعادوا الشهادة بعد كمالهم
مسألة: [شهادة العبد والذمي والصبي والفاسق بعد التوبة إذا أعادوا الشهادة بعد كمالهم]: وإن شهد صبي أو عبد أو ذمي بشهادة.. لم يسمعها الحاكم، فإن سمعها ثم بان
حالهم.. ردها، فإن بلغ الصبي أو أعتق العبد أو أسلم الكافر، ثم أعادوا تلك الشهادة.. قبلت.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (لا تقبل).
دليلنا: أن هؤلاء لا عار عليهم في رد شهادتهم، فإذا زال نقصهم وأعادوا تلك الشهادة.. لم تلحقهم التهمة في إعادتها، فقبلت.
وإن شهد فاسق بشهادة، فردت شهادته، ثم تاب وأعاد تلك الشهادة، فإن كان فسقه غير ظاهر.. لم تقبل الشهادة التي أعادها، وإن كان فسقه الذي تاب منه كان يظهره ولا يستره.. فهل تقبل شهادته إذا أعادها بعد التوبة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تقبل؛ كما لو كان غير ظاهر.
والثاني: تقبل؛ لأنه كان يظهره، فقبلت شهادته بعد زواله، كالعبد إذا أعاد شهادته بعد العتق.
وقال داود: (تقبل شهادته بعد التوبة بكل حال).
دليلنا: أن الفاسق يلحقه العار والنقص برد شهادته، فإذا تاب وأعاد تلك الشهادة.. كان متهما أنه إنما تاب لتقبل شهادته ليزول عنه العار الذي لحقه، وكل شهادة فيها تهمة.. لم تقبل، كشهادة الوالد للولد.
فرع شهادة المولى لمكاتبه بعد أدائه لمال الكتابة
]: وإن شهد المولى لمكاتبه، فردت شهادته، ثم أدى المكاتب مال الكتابة فعتق، ثم أعاد تلك الشهادة.. فهل تقبل؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تقبل؛ لأنها إنما ردت للتهمة، فإذا أعادها.. لم تقبل، كالفاسق إذا أعاد شهادته بعد التوبة.
والثاني: تقبل؛ لأنها إنما ردت؛ لأنه يجر بها إلى نفسه نفعا وقد زال هذا المعنى، فإذا أعادها.. قبلت.
والأول أصح.
فرع إعادة الشهادة التي ردت للتهمة أو للعداوة بعد زوالهما
]: قال الشيخ أبو إسحاق: وإن شهد رجل على رجل بأنه قذفه وزوجته، فردت شهادته، ثم عفا عن قذفه وحسنت الحال بينهما، ثم أعاد تلك الشهادة للزوجة.. لم تقبل؛ لأنها شهادة ردت للتهمة فلم تقبل وإن زالت التهمة، كالفاسق إذا ردت شهادته ثم تاب وأعاد الشهادة.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا ردت شهادته لعداوة ظاهرة، فزالت تلك العداوة وأعاد تلك الشهادة.. فهل تقبل؟ فيه وجهان، كالفسق الظاهر.
وإن شهد لرجل أخوان له بجراحة لم تندمل وهما وارثاه، فردت شهادتهما فاندملت الجراحة وأعادا تلك الشهادة: ففيه وجهان:
أحدهما: تقبل؛ لأنها ردت للتهمة، وقد زالت التهمة.
والثاني: لا تقبل، وهو ظاهر المذهب؛ لأنها ردت للتهمة فلم تقبل، كالفاسق إذا أعاد شهادته بعد التوبة.
والله أعلم
باب عدد الشهود
الحقوق على ضربين: حقوق لله تعالى، وحقوق للآدميين.
فأما (حقوق الله تعالى): فعلى ثلاثة أضرب:
ضرب: لا يثبت إلا بأربعة شهود؛ وهو حد الزنى؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4] فأخبر أنه: لا يسقط حد القذف عن القاذف إلا بأن يأتي بأربعة شهداء على الزنى، فدل على: أن الزنى لا يثبت بأقل من أربعة شهداء، ولقوله تعالى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] الآية [النساء: 15] فذكر الله: أنه لا يثبت الزنى إلا بأربعة شهداء، وأوجب فيه حكما، ثم نسخ ذلك الحكم ولم ينسخ الشهادة فيه، فبقي عدد الشهادة على مقتضى الآية.
وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن سعدا قال: يا رسول الله، أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا، أفأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: " نعم» فثبت أنه: لا يثبت إلا بأربعة شهداء.
ولأن الزنى لا يتم إلا من نفسين فيصير كالشهادة على فعلين، فاعتبر فيه أربعة أنفس، ولا مدخل للنساء في الشهادة بذلك.
وحكي عن عطاء وحماد بن أبي سليمان أنهما قالا: يجوز ثلاثة رجال وامرأتان.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] [النور: 4]، والهاء بعد الثلاثة إلى العشرة إنما تدخل في عدد المذكر دون المؤنث.
وروي «عن الزهري: أنه قال: (مضت سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخليفتين من بعده ألا تقبل شهادة النساء في الحدود».
وأما اللواط: فلا يثبت إلا بأربعة شهداء.
وقال أبو حنيفة: (يثبت بشاهدين) فبنى ذلك على أصله: أن اللواط لا يوجب الحد.
دليلنا: أن الله تعالى سماه فاحشة؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: 80] [الأعراف: 80] وأخبر: أن الفاحشة لا تثبت إلا بأربعة شهداء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 15] الآية [النساء: 15].
ولأنا نبني على أصلنا وأنه يوجب حد الزنى وأغلظ منه، فلم يثبت إلا بأربعة شهداء كالزنى.
وأما إتيان البهيمة: فإن قلنا: أن الواجب فيه القتل أو حد الزنى.. لم يثبت إلا بأربعة شهود، كحد الزنى.
وإن قلنا: إن الواجب فيه التعزير.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يثبت إلا بأربعة؛ لأنه فرج حيوان تجب بالإيلاج فيه العقوبة، فاعتبر في الشهادة عليه أربعة، كالزنى.
والثاني: أنه يثبت بشاهدين؛ لأنه لا يلحق بالزنى في الحد، فلم يلحق به في الشهادة.
والأول أصح.
والقسم الثاني من حقوق الله تعالى وهو: حد الخمر والقتل في المحاربة والردة.. فلا يثبت إلا بشاهدين؛ لأنه يتم من فرد، فجاز إثباته بشهادة رجلين، بخلاف الزنى.
القسم الثالث: هو الإقرار بالزنى، وفيه قولان:
أحدهما: يثبت بشاهدين؛ لأنه إثبات إقرار، فقبل من اثنين، كالإقرار بسائر الحقوق.
والثاني: لا يثبت إلا بأربعة شهداء؛ لأنه سبب يثبت به حد الزنى، فاعتبر فيه أربعة شهود، كالشهادة على الفعل.
وإن كان المقر أعجميا.. ففي عدد المترجمين عنه وجهان، بناء على القولين في الإقرار بالزنى.
ولا مدخل لشهادة النساء في هذين القسمين؛ لما ذكرناه من حديث الزهري.
مسألة قبول الشهادة لحقوق الله من غير دعوى
وماذا لو تطاول الزمان على شهادة الزنى؟]: تقبل الشهادة على حقوق الله عز وجل؛ مثل الزنى، وشرب الخمر، والقتل في المحاربة، والردة، من غير دعوى؛ لأن الحق لله تعالى وليس هناك مدع.
وإذا شهد أربعة على الزنى بعد تطاول الزمان من وقت الزنى إلى وقت الشهادة.. قبلت شهادتهم.
وقال أبو حنيفة: (لا تقبل).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4] ولم يفرق.
ولأنه حد يثبت بالشهادة على الفور، فوجب أن يثبت مع تطاول الزمان، كسائر الحقوق.
فرع شهادة أربعة على زان وحكم تعدد المجلس أو موتهم قبل الحكم
فرع: [شهادة أربعة على زان وحكم تعدد المجلس أو غيبتهم أو موتهم قبل الحكم]: وإذا شهد أربعة على الزنى.. وجب الحد على المشهود عليه، سواء شهدوا في مجلس واحد أو في مجالس.
وقال أبو حنيفة: (إذا شهدوا في مجالس.. لم يثبت الزنى وكانوا قذفة).
وحد المجلس عنده ما دام الحاكم جالسا وإن طال جلوسه.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4] ولم يفرق.
ولأن كل حق يثبت بالشهود إذا شهدوا به في مجلس.. ثبت وإن شهدوا به في مجالس كسائر الحقوق.
وإن شهد أربعة بالزنى ثم غابوا أو ماتوا قبل الحكم بشهادتهم.. جاز للحاكم أن يحكم بشهادتهم.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز أن يحكم بشهادتهم).
دليلنا: أن كل شهادة جاز للحاكم أن يحكم بها مع حضور الشهود وحياتهم.. جاز مع موتهم وغيبتهم، كسائر الشهادات.
مسألة نقصان نصاب الشهادة في الزنى
]: وإذا شهدوا على الزنى ولم يتم العدد؛ بأن شهد على زنى ثلاثة أو أقل.. لم يجب حد الزنى على المشهود عليه، وفي الشهود قولان: أحدهما: أنهم ليسوا بقذفة، ولا يفسقون، ولا ترد به شهادتهم، ولا يحدون؛
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] الآية [النور: 4] فذكر الله القاذف وبين حكمه، وأنه إذا لم يأت بأربعة شهداء.. جلد ثمانين جلدة، وكان فاسقا، وردت شهادته.
وهذه الآية لا تتناول الشاهد في الزنى؛ لأنه قد لا يحد ولا يفسق ولا ترد شهادته وإن لم يأت بأربعة شهداء؛ وهو: إذا أتى بثلاثة شهداء معه، فدل على: أنه ليس بقاذف إذ لو كان قاذفا.. لما خالف سائر القذفة.
ولأنه أضاف الزنا إليه بلفظ الشهادة عند الحاكم فلم يكن قاذفا، كما لو تم عدد الأربعة.
ولأنا لو قلنا: يجب عليهم الحد إذا لم يتم العدد.. لأدى ذلك إلى أن لا تقام الشهادة على الزنى أصلا؛ لأن الشهود لا يمكنهم التلفظ بالشهادة على الزنى دفعة واحدة، وإنما يشهد واحد بعد واحد، وكذلك كل واحد منهم يتوقف عن الشهادة خوفا من أن لا يتم العدد فيجب عليهم الحد، وإذا كان ذلك يفضي إلى هذا.. لم يصح.
والقول الثاني: أنهم قذفة، ويجب عليهم حد القذف، ويفسقون، وترد به شهادتهم - وهو المشهور من المذهب وبه قال مالك وأبو حنيفة - لما روي: (أن أربعة حضروا عند علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ليشهدوا على رجل بالزنى، فصرح ثلاثة منهم بالشهادة بالزنى عليه ولم يصرح الرابع، بل قال: رأيتهما في ثوب واحد، فإن كان هذا زنى.. فهو زان، فجلد علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الثلاثة الذين صرحوا بالشهادة بالزنى، وعزر الرجل والمرأة).
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - استخلف المغيرة بن شعبة على البصرة، فكان نازلا في سفل دار، وكان أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد وزياد في علو الدار، فهبت ريح ففتحت الباب ورفع الستر، فرأوا المغيرة بين رجلي امرأة فلما كان من الغد.. تقدم المغيرة ليصلي بهم، فأخره أبو بكرة، وقال: تنح عن مصلانا، فكتب بذلك إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فاستحضر عمر المغيرة بن شعبة إليه والشهود، فلما قدموا على عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.. شهد أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بالزنى وصرحوا عليه به، فلما أراد زياد أن يشهد.. قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هذا رجل شاب ولا يشهد إلا بحق إن شاء الله، فقال زياد: أما زنى.. فلا أشهد به، ولكني رأيت أمرا منكرا قبيحا؛ رأيت استا تنبو، ونفسا يعلو، ورجلين كأنهما أذنا حمار، ولا أدري ما وراء ذلك، فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الله أكبر، وجلد الثلاثة الذين صرحوا بالزنى).
وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ولم ينكر عليه أحد.
ولأنهم أدخلوا المعرة عليه بإضافة الزنى إليه بسبب لم يسقطوا به إحصانه، فجاز أن يجب عليهم الحد، كما لو قذفوه صريحا.
فقولنا: (بسبب لم يسقطوا به إحصانه) احتراز من العدد إذا تم، ولأنا لو لم نوجب عليهم الحد.. لجعلت الشهادة على الزنى طريقا إلى القذف؛ لأنه يؤدي إلى أن الإنسان يقذف إنسانا بالزنى ولا يجب عليه الحد حتى ولو شهد عليه عند الحاكم، ولا سبيل إلى ذلك شرعا.
فإن قيل: فالصحابة كلهم عدول لا فاسق فيهم ولا بد هاهنا من تفسيق المغيرة أو الشهود عليه؟ فالجواب: أنا لا نقطع بتفسيق أحدهم؛ لأنه يجوز أن يكون المغيرة تزوج تلك المرأة سرا، وكان من مذهب عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جلد من نكح سرا، فلما رأوه.. قالوا: هذه زوجتك؟ قال: لا؛ خوفا من أن يجلده عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لأنه أراد ما تزوجتها ظاهرا، وحمل الشهود الأمر على الظاهر: أن هذا الفعل بامرأة ليست بزوجة له زنى.
فرع رد شهادة أحد الأربعة الشهود بالزنا بسبب الزوجية
أو غيره]: وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا وأحدهم الزوج.. فإن شهادة الزوج لا تقبل عليها
ولا يجب عليها الحد، وهل يجب حد القذف على الشهود الثلاثة غير الزوج؟ على القولين.. وأما الزوج: فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان؛ لأنه أضاف الزنا إليها بلفظ الشهادة، فهو كالثلاثة.
ومنهم من قال: يجب عليه الحد قولا واحدا؛ لأنه ممن لا تقبل شهادته عليها، فهو كما لو قذفها صريحا.
وإن شهد أربعة على رجل بالزنا، فرد الحاكم شهادة أحدهم.. فإن الحد لا يجب على المشهود عليه بالزنى؛ لأن عدم العدالة كعدم تمام العدد.
وهل يجب الحد على الثلاثة العدول؟ ينظر في الرابع الذي ردت شهادته:
فإن ردت شهادته لسبب ظاهر، كالصغر والرق والكفر والأنوثية.. ففي وجوب الحد عليهم قولان؛ لأنهم مفرطون في الشهادة معه.
قال الشيخ أبو حامد: وينبغي أن يجب الحد على الرابع مع هذه الأسباب قولا واحدا؛ لأنه لما شهد مع علمه أنه لا يقبل.. فكأنه قصد قذفه صريحا.
وإن ردت شهادته بأمر خفي؛ بأن كان عدلا في الظاهر، فلما بحث الحاكم عن حاله وجده فاسقا في الباطن.. ففي وجوب الحد على الثلاثة طريقان، ومن أصحابنا من قال: فيهم قولان؛ لأن العدالة الباطنة معتبرة كالعدالة الظاهرة.
ومنهم من قال: لا يجب عليهم الحد قولا واحدا؛ لأنهم غير مفرطين في الشهادة؛ لأن العدالة الباطنة لا يعلمها إلا الحاكم عند البحث عنه.
فرع شهد أربعة بالزنا ثم رجع أحدهم أو كلهم
]: وإن شهد أربعة على رجل بالزنا، فرجع واحد منهم قبل أن يحكم بشهادتهم.. لم يلزم المشهود عليه حد الزنا؛ لأن البينة عليه بالزنا لم تتم، وهل يجب حد القذف على الراجع؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال القاضي أبو الطيب: فيه قولان؛ لأنه أضاف الزنا إليه بلفظ الشهادة عند الحاكم.
وقال أكثر أصحابنا: يجب عليه الحد قولا واحدا، وهو الأصح؛ لأنه إن قال: عمدت إلى الشهادة.. فقد اعترف بالقذف، وإن قال: أخطأت.. فهو مفرط كاذب.
وأما الثلاثة الذين لم يرجعوا.. فالمنصوص: (أنهم لا يحدون).
ومن أصحابنا من قال: في وجوب الحد عليهم قولان.
قال الشيخ أبو حامد: وينبغي أن لا يحكى هذا؛ لأنه لا شيء.
وإن رجعوا كلهم.. وجب عليهم الحد قولا واحدا.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان.
والأول أصح.
وإن شهد أربعة على امرأة بالزنا، وشهد أربع نسوة أنها بكر.. لم يجب الحد على المرأة.
وقال مالك: (يجب عليها الحد).
دليلنا: أنه يحتمل أن البكارة أصلية، وذلك شبهة في سقوط الحد عنها، ولا يجب الحد على الشهود؛ لجواز أن تكون البكارة عائدة، وذلك شبهة في درء الحد عنهم.
مسألة أنواع البينة في حقوق الآدميين المالية وغيرها مما يطلع عليه الرجال
]: وأما حقوق الآدميين: فتنقسم على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما هو مال أو المقصود منه المال؛ مثل: البيع، والرهن، والضمان، والغصب، والشفعة، والعارية، والإجارة، والوصية له، وما أشبهه.. فهذا يثبت بشاهدين أو بشاهد وامرأتين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: 282] الآية [البقرة: 282]، والدين المؤجل لا يكون إلا الثمن في البيع أو المسلم فيه أو الأجرة أو الصداق أو عوض الخلع، فإذا ثبت ذلك في الدين.. ثبت في غيره من المال مثله.
القسم الثاني: ما ليس بمال ولا المقصود منه المال ويطلع عليه الرجال؛ كالنكاح، والرجعة، والطلاق، والعتاق، والوكالة، والوصية إليه، وقتل العمد، والحدود وما أشبهه.. فلا تثبت إلا بشاهدين، ولا تثبت بشاهد وامرأتين، وبه قال الزهري والنخعي ومالك.
وقال أبو حنيفة: (النكاح يثبت بشاهد وامرأتين).
وقد مضى الدليل عليه.
وقال الحسن البصري: لا يثبت القصاص في النفس إلا بأربعة.
ودليلنا: أنه أحد نوعي القصاص فيثبت بالشاهدين، كالقصاص في الطرف.
فرع ثبوت مقدار المهر بشاهد وامرأتين
وماذا عن الخلع]: وإن اتفق الزوجان على النكاح واختلفا في الصداق.. فإنه يثبت بالشاهد والمرأتين، لأنه مال.
وإن ادعت المرأة الخلع وأنكر الزوج.. لم يثبت إلا بشاهدين؛ لأنه ليس بمال وإن ادعى الزوج الخلع وأنكرت المرأة.. ثبت ما ادعاه الزوج عليها بشاهدين وامرأتين؛ لأنه يدعي المال.
فرع ادعاء العبد المكاتبة
]: وإن ادعى العبد على سيده أنه كاتبه وأنكر السيد.. لم يحكم عليه بشاهد وامرأتين؛ لأنه يتضمن العتق.
فإن اتفقا على الكتابة واختلفا في قدر المال، أو ادعى المكاتب أنه قد أدى إليه النجم الأول، أو أنه أبرأه منه، وأنكر السيد.. ثبت ذلك بالشاهد والمرأتين؛ لأنه شهادة على المال.
وإن ادعى المكاتب أنه أدى إليه النجم الأخير أو أبرأه منه وأنكر السيد، فأقام المكاتب على ذلك شاهدا وامرأتين.. ففيه وجهان: أحدهما: يحكم بذلك؛ لأنها شهادة على المال.
والثاني: لا يحكم بذلك؛ لأنه في الحقيقة شهادة على العتق.
فرع ادعى على رجل سرقة نصاب أو اغتصاب مال منه
]: وإن ادعى على رجل أنه سرق منه نصابا من حرز مثله ممن يقطع بسرقة ماله، وأنكر السارق، فأقام عليه شاهدا وامرأتين.. لم يجب على السارق قطع؛ لأنه ليس بمال، ويحكم على السارق بالمال المشهود به.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] قولا آخر: أنه لا يحكم عليه بالمال، كما لا يحكم عليه بالقطع.
والمشهور هو الأول؛ لأن هذه البينة تعلق بها حكمان: القطع والغرم، وقد ينفرد الغرم عن القطع؛ وهو: إذا سرق من مال أبيه.
فإذا ادعى رجل على رجل أنه غصب منه مالا فأنكر، وحلف المدعى عليه بطلاق امرأته أنه ما غصب منه، ثم أقام المدعي شاهدا وامرأتين.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإنه يحكم للمدعي بالمال الذي شهد به الرجل والمرأتان، ولا يحكم على المدعى عليه بالطلاق؛ لأنه ليس بمال).
قال أبو العباس: هذا إذا حلف بطلاق امرأته قبل ثبوت الغصب، فأما إذا أقام المدعي شاهدا وامرأتين أنه غصب منه، ثم حلف المدعى عليه بطلاق امرأته: أنه ما غصب منه.. فإنه يحكم عليه بالطلاق؛ لأنا قد حكمنا عليه بالغصب قبل الطلاق، فإذا حلف.. حكمنا عليه بالحنث.
فرع ادعى على رجل قتلا أو جناية
فإن ادعى على رجل قتلا يقتضي القود فأنكر، فأقام عليه شاهدا وامرأتين.. لم يثبت القصاص ولا الدية.
فإن قيل: فهلا أوجبتم الدية كما قلتم فيمن أقام شاهدا وامرأتين أنه سرق منه نصابا: أنه لا يجب عليه القطع ويجب عليه الغرم؟
قلنا: الفرق بينهما: أن الشهادة بالسرقة توجب القطع والغرم على سبيل الجمع، فإذا كانت البينة مما لا يثبت بها القطع.. بقي الغرم والجناية التي يجب بها القود - في أحد القولين - والأرش بدلا عنه.
والثاني: يجب أحدهما لا بعينه، وإنما يجب أحدهما بالاختيار، فلو أوجبنا الدية.. أوجبنا في العمد حقا معينا، وهذا خلاف مقتضى الجناية التي يجب بها القود.
وإن ادعى عليه جناية لا يجب بها القصاص، وإنما يجب بها المال، كقتل الخطأ وعمد الخطأ وقتل المسلم للكافر وما أشبه ذلك.. فإن ذلك يثبت بالشاهد والمرأتين؛ لأنه مال.
وهل تثبت الهاشمة والمنقلة بالشاهد والمرأتين؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يثبتان؛ لأنها شهادة تتضمن إثبات الموضحة، والموضحة يثبت فيها القصاص، وكل جناية يثبت فيها القصاص: فإنها لا تثبت بالشاهد والمرأتين.
والثاني: يثبتان؛ لأنه لا قصاص فيهما وإنما القصاص في ضمنهما.
فرع ادعى رجل على آخر جراحة أو قتلا ثم عفا ثم أقام شاهدا وامرأتين
]: وإن ادعى على رجل أنه جرحه جراحة يثبت فيها القصاص، أو قتل وليه قتلا يثبت به القصاص، فأنكر المدعى عليه، وقال المدعي: قد عفوت عن القصاص، وأقام على الجناية شاهدا وامرأتين.. قال في " الأم ": (فإنه لا يحكم له بهذه الشهادة؛ لأن عفوه عن القصاص كلا عفو؛ لأنه عفا عنه قبل ثبوته، فإذا لم يصح عفوه.. فهو مدع جناية تقتضي القصاص، فلم تثبت بالشاهد والمرأتين).
فرع رمى رجلا بسهم فقتله ثم نفذ فيه فأصاب رجلا فقتله
]: إذا رمى رجل رجلا بسهم فأصابه، ونفذ فيه السهم فأصاب رجلا فقتله، فادعى
ولي الرجلين على الرامي أنه قتلهما، وأقام عليه شاهدا وامرأتين، فإن كانت الدعوى عليه على الأول جناية لا تقتضي القود.. فإن الجنايتين على المقتولين خطأ فيثبتان بالشاهد والمرأتين.
وإن كانت الدعوى عليه على الأول جناية تقتضي القود.. لم تثبت بالشاهد والمرأتين، ولكن إذا شهد له الرجل والمرأتان.. كان ذلك لوثا تثبت به الأيمان في جنبة الولي.
وأما الجناية على الثاني: فالمنصوص في " الأم ": (أنها جناية خطأ)، فيقضى فيها بالشاهد والمرأتين.
وحكى ابن الصباغ قولا آخر: أنها لا تثبت إلا بعد ثبوت جنايته على الأول؛ لأنها جناية واحدة فلا يثبت بعضها دون بعض.
والأول أصح؛ لأن الجناية على الثاني خطأ محض فقضي فيها بالشاهد والمرأتين.
فرع ادعى ولدا وجارية أو عبدا في يد آخر
]: إذا كان في يد رجل جارية ولها ولد، فادعى رجل أنها مملوكته استولدها في ملكه هذا الولد، فأنكر المدعى عليه، وأقام المدعي شاهدا وامرأتين.. فإنه يحكم له بالجارية؛ لأن أم الولد في حكم المملوكة؛ بدليل: أنه يجوز له وطؤها واستخدامها وإجارتها.
وترد إليه، ويحكم بأنها أم ولد له، فتعتق بموته.
وأما الولد: فإنه لا يدعي ملكه، وإنما يدعي حريته وثبوت نسبه منه، وهل يحكم له بذلك بالشاهد والمرأتين؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يحكم بذلك؛ لأن الحرية والنسب لا يثبتان بالشاهد والمرأتين.
فعلى هذا: يكون باقيا على ملك المدعى عليه.
والثاني: يحكم بذلك - وهو اختيار المزني - لأنه قد حكم بملك الجارية، والولد من نمائها، ومن ثبت له ملك عين.. حكم له بملك نمائها.
وإن ادعى رجل أن العبد الذي في يد فلان كان له وأنه كان قد أعتقه، وأنكر من هو بيده فأقام المدعي بذلك شاهدا وامرأتين.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يحكم له بهذه الشهادة؛ لأنها شهادة بملك متقدم فلم تقبل، كما لو ادعى ملك عين وأقام بينة أنها كانت له.
والثاني: يحكم له بها؛ لأن البينة شهدت موافقة لدعواه، فحكم بها.
ويفارق إذا ادعى ملك العين في الحال، وشهدت له البينة أنها كانت له ملكا؛ فإن البينة لم تشهد موافقة لدعواه.
ومنهم من قال: يحكم بها هاهنا قولا واحدا، وهو المنصوص في " المختصر "، واحتج بها المزني على ما اختاره في الأولى.
والفرق بينها وبين الأولى: أنه هاهنا ادعى أن العبد كان ملكا له، وإنما قد أعتقه، فحكم فيه بالشاهد والمرأتين، وفي التي قبلها: لم يدع ملك الولد، وإنما ادعى حريته ونسبه، فلم يحكم بذلك بالشاهد والمرأتين.
مسألة الشهادة على ما ليس بمال ولا يطلع عليه الرجال
]: قد ذكرنا: أن حقوق الآدميين على ثلاثة أقسام، ومضى الكلام على قسمين، وبقي الكلام على القسم الثالث؛ وهو: ما ليس بمال ولا المقصود منه المال ولا يطلع عليه الرجال، وهو مثل: الرضاع، والولادة، واستهلال الولد، وعيوب النساء تحت الثياب كالرتق والقرن.. فهذا كله وما أشبهه يثبت بالشاهدين، أو بالشاهد وامرأتين، أو بأربع نسوة منفردات، وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلي: (لا يثبت الرضاع بشهادة النساء منفردات).
دليلنا: أن الرجال لا يطلعون على ذلك في العادة، فلو لم تقبل فيه شهادة النساء منفردات.. لبطل.
والدليل على أن شهادة النساء منفردات تقبل في الرضاع: أنها شهادة على عورة يثبت فيها تحريم أو حرمة، فقبل فيها شهادة النساء منفردات، كالولادة.
وفيه احتراز من الشهادة على الزنا.
وكل موضع تقبل فيه شهادة النساء منفردات.. فاختلف أهل العلم في عددهن:
فمذهبنا: أنه لا يقبل إلا من أربع نسوة عدول، وبه قال عطاء.
وقال عثمان البتي: تقبل من ثلاث.
وقال مالك والأوزاعي: (تقبل من اثنتين).
وقال أبو حنيفة: (تقبل شهادة القابلة وحدها في الولادة).
وقال ابن عباس والزهري: (تقبل شهادة الواحدة في الرضاع)؛ لما «روى عقبة بن الحارث: أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء فذكرت: أنها قد أرضعتهما، فذكر ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " كيف وقد شهدت السوداء أنها قد أرضعتكما؟».
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] [البقرة: 282].
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن " فقالت امرأة: يا رسول الله، ما ناقصات العقل والدين؟ قال: " أما نقصان العقل: فشهادة امرأتين بشهادة رجل، وأما نقصان الدين: فإنها تمكث شطر دهرها لا تصلي».
فأخبر الله ورسوله: أن شهادة امرأتين شهادة رجل، وقد ثبت أن هذه الحقوق لا يقبل فيها من الرجال إلا رجلان، فثبت أنه لا تقبل فيها من النساء إلا أربع.
وأما الخبر الذي احتج به لابن عباس: فإنما أمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ترك المرأة استحبابا لا وجوبا، بدليل قوله: " كيف وقد شهدت السوداء؟ " أي: اترك ذلك، كيف وقد انضاف إلى ما قلت لك من الترك بشهادة السوداء، ولو أمره بتركها موجبا.. لقال له: اتركها؛ لأن السوداء قد شهدت بأنها قد أرضعتكما.
فرع شهادة المرضعة
]: وإن شهدت المرضعة بأنها أرضعت طفلا مع ثلاث نسوة معها وهن عدول.. حكم بكونه ابنا لها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " كيف وقد شهدت السوداء؟ " فسماها شهادة.
ولأنها لا تجر بهذه الشهادة إلى نفسها نفعا ولا تدفع بها عنها ضررا، فقبلت هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: إن شهدت المرضعة على أنها أرضعت طفلين، فإن ادعت أجرة.. لم تقبل.
وإن لم تدع أجرة.. نظرت: فإن شهدت على فعل نفسها؛ بأن قالت: أشهد أني أرضعتهما.. لم تقبل؛ لأنها تشهد على فعل نفسها.
وإن قالت: أشهد أنهما ارتضعا مني.. قبلت شهادتها.
فرع تزوجا واتفقا على رضاع بينهما أو أنكر أحدهما
]: إذا تزوج رجل امرأة، واتفقا على أن بينهما رضاعا يحرم.. انفسخ النكاح، فإن كان قبل الدخول.. فلا شيء لها، وإن كان بعد الدخول.. وجب لها مهر مثلها.
وإن ادعى الزوج أن بينهما رضاعا يحرم، وأنكرت المرأة.. انفسخ النكاح؛ لأنه قد أقر بتحريمها عليه، ولا يقبل قوله فيما يسقط حقها، فإن كان قبل الدخول.. وجب لها نصف المسمى، وإن كان بعد الدخول.. وجب لها المسمى.
وإن أقام عليها بينة بالرضاع، فإن كان قبل الدخول.. فلا شيء لها عليه، وإن كان بعد الدخول.. قال أصحابنا: حكم لها بمهر مثلها.
ويحتمل وجها آخر: أنه يحكم لها بأقل الأمرين: من المسمى أو مهر المثل؛ لأن مهر المثل إن كان أقل.. لم يحكم لها بأكثر منه؛ لأنا قد حكمنا ببطلان النكاح، وإن كان المسمى أقل.. لم يحكم لها بأكثر منه؛ لأنها لا تدعيه.
وإذا أقام الزوج عليها ابنتها أو أمها.. قبلتا؛ لأنهما يشهدان عليها.
وإن ادعت الزوجة رضاعا يحرم، وأنكر الزوج ولا بينة.. فالقول قوله مع يمينه، فإذا حلف.. لم يحكم بانفساخ النكاح عليه.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: ويحلف الزوج: أنه لا يعلم أن بينهما رضاعا، فإن نكل.. ردت اليمين عليها، وتحلف على البت والقطع.
مسألة ما ثبت بشاهد وامرأتين يثبت بشاهد ويمين
]: كل حق يثبت بالشاهد والمرأتين على ما مضى.. فإنه يثبت بالشاهد ويمين المدعي.
وبه قال أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وعمر بن عبد العزيز، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، وشريح، وفقهاء المدينة، وربيعة، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال الزهري، والنخعي، وابن شبرمة، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: (لا يقضى بالشاهد واليمين بحال).
دليلنا: ما روى عمرو بن دينار، عن ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى بالشاهد مع اليمين».
قال عمرو بن دينار: وكان ذلك في الأموال.
وروى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى بشهادة الشاهد الواحد مع يمين صاحب الحق».
وروى
جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " أتاني جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فأمرني: أن أقضي باليمين مع الشاهد».
ولأنه أحد المتداعيين، فجاز أن يثبت اليمين في جنبته ابتداء كالمدعى عليه.
فرع لا تكفي أربع نسوة ولا امرأتان مع اليمين
وبيان كيفية اليمين مع الشاهد في شهادة الأموال]: وإن ادعى رجل مالا أو ما المقصود منه المال، وأقام على ذلك أربع نسوة منفردات.. لم يحكم له بذلك بلا خلاف.
وإن أقام امرأتين وأراد أن يحلف معهما.. لم يكن له ذلك.
وقال مالك: (يكون له ذلك).
دليلنا: أنها بينة لا تقبل في النكاح، فلم تقبل مع اليمين، كالنساء منفردات.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وكيفية اليمين مع الشاهد: أن يحلف المدعي أن شاهده لصادق، وأنه لمحق.
فرع ادعى قطع يده من الساعد فأقام شاهدا وطلب الحلف
]: وإن ادعى عليه أنه قطع يده من الساعد عمدا فأنكره، فأقام عليه شاهدا وأراد أن يحلف معه.. فحكى ابن الصباغ فيها وجهين:
أحدهما - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أن له أن يحلف ويحكم له بما ادعاه؛ لأنها جناية لا قصاص فيها، فهي كالجائفة.
والثاني: - وهو قول القاضي أبي الطيب -: ليس له أن يحلف؛ لأن من قطعت يده من الساعد.. له أن يقتص من الكوع، وكل جناية وجب فيها القصاص.. فإنها
لا تثبت بالشاهد واليمين.
ويشبه أن يكون هذان الوجهان مأخوذين من القولين في الهاشمة والمنقلة، وهل يثبتان بالشاهد والمرأتين؟
مسألة ادعوا لأبيهم دينا فأقاموا شاهدا وكان بعضهم صغيرا أو غائبا
مسألة: [ادعوا لأبيهم دينا فأقاموا شاهدا أو ادعى جماعة حقا وأقام بعضهم شاهدا وكان بعضهم صغيرا أو غائبا]: إذا مات رجل وخلف جماعة ورثة، فادعوا أن لأبيهم على رجل دينا فأنكر، فأقاموا شاهدا، فإن حلفوا معه.. استحقوا الدين، فإن كان على الميت دين.. قضي منه دينه، وإن وصى بوصية.. نفذت منه وصيته.
وإن حلف بعضهم دون بعض.. استحق الحالف قدر نصيبه من الدين، ولا يشاركه من لم يحلف من الورثة.
وحكى ابن الصباغ: أن ابن القاص قال: وفيها قول آخر: أنهم يشاركونه؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (إذا ادعى رجلان دارا ورثاها من أبيهما في يد رجل، فأقر لأحدهما بنصفها.. شاركه الآخر فيه).
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الذي لم يقر له بالدار.. لم يسقط حقه؛ ولذلك شارك أخاه، وهاهنا الذي امتنع من اليمين.. أسقط حقه، فلم يستحق بيمين غيره.
فإن امتنع جميع الورثة من اليمين، فإن كان على الميت دين، فإن كان للميت مال غير هذا المال المدعى به يفي بالدين.. لم يكن لصاحب الدين أن يحلف مع الشاهد؛ لأنه يمكنه استيفاء دينه من المال.
وإن لم يكن له مال غير هذا الدين الذي يشهد به الشاهد.. فهل له أن يحلف مع الشاهد؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (له أن يحلف معه)؛ لأن حقه متعلق به؛ لأنه إذا ثبت.. استوفى منه دينه.
و [الثاني]: قال في الجديد: (ليس له أن يحلف مع الشاهد)؛ لأن المال إذا
ثبت.. استحقه الورثة، ولا يجوز أن يحلف لإثبات المال لغيره.
قال ابن الصباغ: فإذا قلنا: له أن يحلف فحلف، ثم أبرأ الميت من دينه.. فإن المال الذي حلف عليه يرد على المدعى عليه، ولا يرد إلى ورثة الميت.
وإن لم يكن على الميت دين، ولكنه قد أوصى بوصايا تتعلق بالمال المشهود به.. فهل للموصى له أن يحلف مع الشاهد عند امتناع الورثة من اليمين؟ فيه قولان، كما قلنا في الغريم.
فإن حلف بعض الورثة، وعلى الميت دين.. فهل يقضى جميع الدين مما يستحقه الحالف؟ قال ابن الصباغ: عندي أنه ينبني على يمين الغريم، فإن قلنا: إنه يحلف إذا امتنع الورثة.. لم يلزم الحالف من الورثة إلا قدر نصيبه من الدين.
وإن قلنا: إن الغريم لا يحلف، فإن قلنا بالقول الذي حكاه ابن القاص: أن الورثة يشاركونه.. قضي جميع الدين منه؛ لأنه تركة.
وإن قلنا: الورثة لا يشاركونه.. بني على أن بعض الورثة إذا أقر بدين على مورثهم وجحد الباقون.. فهل يلزمه جميع الدين؟ فيه قولان، يأتي بيانهما في موضعهما.
وإن كان في الورثة صغير أو معتوه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وقف حقه).
قال أبو إسحاق: أراد: وقفت يمينه حتى يبلغ الصغير ويعقل المعتوه؛ لأن يمينه لا تصح ووليه لا ينوب عنه في اليمين.
وقال أبو علي في " الإفصاح ": يجب أن يوقف حقه من المال، كما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أحد القولين، إذا ادعى مالا وأقام شاهدا، وطلب أن يحبس له الخصم أو الكفيل إلى أن يقيم الآخر.
فإن مات الصغير أو المعتوه.. قام وارثه مقامه، فإذا حلف.. استحق نصيبه.
وإن كان لجماعة حق على رجل، فأقام بعضهم شاهدا، وكان بعضهم صغيرا أو غائبا.. فهل يحتاج الصغير إذا بلغ، أو الغائب إذا حضر إلى إعادة الشاهد؟
قال المسعودي [في " الإبانة "]: إن كان الحق من جهة واحدة كالإرث عن شخص واحد.. لم يفتقر إلى إعادة الشاهد، وإلا.. فتعاد.
مسألة ادعى وقف عين وأقام شاهدا وطلب اليمين
إذا ادعى رجل وقف عين عليه، وأقام شاهدا وأراد أن يحلف معه.. فهل له ذلك؟ اختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق وأكثر أصحابنا: يبنى على القولين في الوقف، هل ينتقل إلى الله سبحانه أو إلى الموقوف عليه؟ فإن قلنا: ينتقل إلى الله تعالى.. لم يكن له أن يحلف مع الشاهد، كما قلنا في العتق.
وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الموقوف عليه.. كان له أن يحلف مع الشاهد، كالبيع.
وقال أبو العباس: له أن يحلف مع الشاهد قولا واحدا؛ لأنا وإن قلنا: إنه ينتقل إلى الله تعالى، إلا أن القصد بالوقف تمليك الموقوف عليه منفعة الوقف، فهو كالإجارة، بخلاف العتق؛ فإن المقصود منه تكميل أحكام العبد دون المال.
مسألة أقام شاهدا على أن أباه أوقف عليه وعلى أخويه دارا
ثم على أولادهم من بعدهم ثم على الفقراء والمساكين]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: [ولو أقام شاهدا أن أباه تصدق عليه بهذه الدار صدقة محرمة موقوفة وعلى أخوين له، فإذا انقرضوا فعلى أولادهم، ثم على الفقراء والمساكين، فمن حلف منهم.. ثبت حقه وصار ما بقي ميراثا، فإن حلفوا معا.. خرجت الدار من ملك صاحبها).
واختلف أصحابنا في صورتها: فقال أبو إسحاق وغيره من أصحابنا: صورتها: أن يموت رجل ويخلف دارا وثلاثة أولاد ومعهم وارث غيرهم، فادعى أحد الأولاد أن أباه وقف الدار عليه وعلى أخويه ثم على أولادهم
بعدهم، ثم على الفقراء والمساكين، وصدقه أخواه على ذلك وأنكر الوارث الذي معهم، فأقام المدعي شاهدا.. فهل للمدعي أن يحلف مع الشاهد؟
إن قلنا: لا يقضى بالشاهد مع اليمين في الوقف.. لم يحلف.
وإن قلنا: يقضى بالشاهد مع اليمين في الوقف.. نظرت: فإن حلف الأولاد الثلاثة.. صار جميع الدار وقفا عليهم.
وإن لم يحلف واحد منهم.. لم يحكم بالوقف قبل القسمة، بل تكون الدار موروثة، فإن كان على الميت دين.. قضي منها دينه، وإن كان له وصية.. نفذت منها وصيته، فإن لم يكن عليه دين ولا وصية.. قسمت الدار بين الورثة، فما أصاب سائر الورثة الذين ينكرون الوقف.. يكون مطلقا يتصرفون فيه بما شاؤوا، وما أصاب الأولاد الذين ادعوا الوقف.. حكم بوقفه عليهم بإقرارهم.
فأما إذا حلف واحد من الأولاد ولم يحلف الآخران.. حكم بثلث الدار وقفا على الحالف، والثلثان الباقيان من الدار يكون موروثا يقضى منه دين الميت وتنفذ منه وصاياه، وما بقي بعد ذلك.. يقسم بين الأولاد الثلاثة والوارث معهم المنكر للوقف.
فما أصاب المنكر للوقف من الدار.. يكون مطلقا يتصرف فيه بما شاء، وما أصاب الأولاد الثلاثة من الدار.. يكون وقفا على الولدين اللذين لم يحلفا؛ لأن الحالف يعترف لهما بذلك؛ لأنه لا يدعي إلا ثلث الدار وقد حصل له ذلك بيمينه.
قال أبو إسحاق: فأما إذا خلف الميت ثلاثة أولاد، وادعوا أن أباهم وقف عليهم دارا يملكها وقد صارت في يد رجل، فادعوا أنه غصبها وأقاموا شاهدا.. فإن لهم أن يحلفوا مع الشاهد قولا واحدا؛ لأنهم ادعوا الغصب، والغصب يحكم فيه بالشاهد واليمين.
فإذا حلفوا مع شاهدهم.. نزعت الدار ممن هي في يده وصارت وقفا عليهم قولا واحدا بإقرارهم، وهذا كما لو أقر رجل أن أباه أعتق عبدا، وأن فلانا غصبه، وأقام عليه شاهدا وحلف معه.. فإنه يحكم على الغاصب بالعبد ويحكم بعتق العبد.
ومن أصحابنا من قال: صورتها: أن يموت رجل ويخلف ثلاثة أولاد، فادعى أحد الأولاد الثلاثة على رجل أجنبي في يده دار أن أباه وقف عليه الدار وعلى أخويه ثم على أولادهم ثم على الفقراء، وأنكر من بيده الدار، وأقام المدعي شاهدا، فإن قلنا: لا يحكم بالشاهد واليمين في الوقف.. فلا كلام.
وإن قلنا: يحكم بالشاهد واليمين في الوقف.. نظرت: فإن حلف الأولاد الثلاثة.. حكم بجميع الدار وقفا عليهم.
وإن لم يحلف واحد منهم.. كانت الدار ميراثا لمن هي في يده.
وإن حلف أحد الأولاد وامتنع الآخران من اليمين.. حكم بثلث الدار وقفا على الحالف، وكان ثلثاها ميراثا لمن هي في يده.
قال: والدليل على أن هذه صورتها: قوله: (فمن حلف منهم.. ثبت نصيبه وقفا، وصار ما بقي ميراثا).
وهذا إنما يتصور على هذه الطريقة، وأما على الطريقة الأولى: فمن لم يحلف من الأولاد.. صار نصيبه وقفا بإقراره.
وقال الشيخ أبو حامد وأكثر أصحابنا: الصحيح: أن صورتها ما ذكره أبو إسحاق، والدليل عليه قوله: (وأقام عليه شاهدا أن أباه تصدق عليه)، وهذا كناية ترجع على المذكور، وليس هاهنا مذكور إلا المدعي، وأما ما احتج به الأول وهو قوله: (صار ما بقي ميراثا) فله تأويلان:
أحدهما: أنه أراد أن نصيب من حلف نحكم بأنه وقف من الواقف، ونصيب من لم يحلف لا يحكم بأنه وقف منه وإنما يصير وقفا بإقراره.
والثاني: أنه أراد أن نصيب من أنكر الوقف من الورثة، فأما نصيب الأولاد.. فلم يتعرض له.
إذا ثبت هذا، وحلف الأولاد الثلاثة مع الشاهد ثم ماتوا دفعة واحدة وخلفوا أولادا وقد كان الواقف شرط انتقال الوقف إلى أولادهم بعدهم.. فهل يحتاج أولاد الأولاد أن يحلفوا؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي إسحاق، وأكثر أصحابنا -: أنهم لا يحتاجون أن يحلفوا، وهو ظاهر المذهب؛ لأن الوقف إذا ثبت للأصل بيمينه مع الشاهد.. لم يحتج في
انتقاله إلى من هو دونه إلى اليمين، كما لو ادعى رجل حقا وأقام عليه شاهدا وحلف معه، ثم مات وخلف ولدا.. فإن ولده لا يحتاج إلى اليمين بعده.
والثاني - وهو قول أبي العباس -: أنه لا بد أن يحلف ولد الولد؛ لأنه يأخذ الوقف عن الواقف، فلما لم يستحق الولد إلا باليمين.. فكذلك ولد الولد، كما لو شرك بين الولد وولد الولد في الوقف.
وهذان الوجهان مأخوذان من القولين في البطن الثاني، هل يتلقون الوقف من الواقف أو من البطن الأول؟ وفيه قولان حكاهما المسعودي [في " الإبانة "].
فإن مات الأولاد متفرقين بعيد أن حلفوا.. فإن الأول لما مات.. لا ينتقل نصيبه إلى ولده؛ لأن الواقف شرط أن لا ينتقل الوقف إلى أولاد الأولاد إلا بعد انقراض الأولاد، فيصرف نصيبه إلى أخويه الباقيين، وهل يحتاجان إلى أن يحلفا ثانيا على نصيب الميت؟ إن قلنا: إن الأولاد إذا ماتوا كلهم انتقل الوقف إلى أولادهم ولا يحتاجون أن يحلفوا.. لم يحتج الأخوان أن يحلفا على نصيب أخيهما الذي مات قبلهما.
وإن قلنا: إن أولاد الأولاد يحتاجون أن يحلفوا.. فهل يحلف الولدان الباقيان هاهنا؟ فيه وجهان:
أحدهما: يحلفان؛ لأن نصيب أخيهما ينتقل إليهما بموته، كما ينتقل الوقف إلى أولاد الأولاد بعد موت الأولاد.
والثاني: لا يحتاجان أن يحلفا؛ لأنهما قد حلفا وحكم بأنهما من أهل الوقف بأيمانهما، بخلاف أولاد الأولاد؛ فإنه لم يحكم بأنهم من أهل الوقف.
وإن حلف الأولاد الثلاثة وماتوا وأمضي الوقف إلى الفقراء والمساكين؛ بأن مات أولاد الأولاد بعدهم، أو لم يخلف الأولاد أولادا، فإن قلنا يظاهر المذهب، وأن أولاد الأولاد لا يحتاجون أن يحلفوا بعد موت الأولاد.. حكم بالوقف هاهنا على الفقراء والمساكين.
وإن قلنا بقول أبي العباس، وأن أولاد الأولاد لا بد أن يحلفوا.. فلا يمكن إيجاب اليمين هاهنا على الفقراء والمساكين؛ لأنهم لا يتعينون ولا