البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 170-209

كتاب الزكاة

صفحات 170-209
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فإن ملك تسعا من الإبل، فتلف منها أربع، فإن تلفت قبل الحول.. وجبت عليه شاة؛ لتمام الحول، وإن تلفت بعد الحول وبعد إمكان الأداء.. لم يسقط عنه من الشاة شيء.
وإن تلفت بعد الحول، وقبل إمكان الأداء.. فإن الشيخ أبا حامد، وأكثر أصحابنا قالوا: إن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الوجوب.. وجب عليه شاة بإمكان الأداء؛ لأنه جاء وقت الوجوب وعنده نصاب.
وإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الضمان: فإن قلنا: إن الشاة مأخوذة من النصاب والوقص.. وجب عليه خمسة أتساع شاة، وهذا هو المشهور.
وحكى القاضي أبو الطيب، عن أبي إسحاق المروزي: أنه يجب عليه شاة على هذا.
ولم يذكر وجهه.
قال ابن الصباغ: ووجهه عندي: أن الزيادة لما لم تكن شرطا في وجوب الشاة.. لم يسقط منها شيء بتلفها، وإن كانت الزكاة متعلقة بها.. فهو كما لو شهد ثمانية بالزنا، فرجم المشهود عليه، ثم رجع أربعة منهم، فإنه لا يجب عليهم شيء.
وإن قلنا: إن الشاة مأخوذة من النصاب، والوقص عفو.. وجبت عليه شاة.
وأما الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": فلم يذكر هاهنا البناء على إمكان الأداء، ولعله أراد التفريع على القول الصحيح، فحصل في هذه المسألة وجهان:

أحدهما: تجب عليه شاة.
والثاني: لا يجب عليه إلا خمسة أتساع الشاة.
وإن هلك منها خمس بعد الحول، وقبل إمكان الأداء: فإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الوجوب.. لم يجب عليه شيء؛ لأن وقت الوجوب جاء وعنده أقل من نصاب.
وإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الضمان.. بنيت على القولين الآخرين: فإن قلنا: إن الشاة مأخوذة من النصاب، والوقص عفو.. وجب عليه أربعة أخماس شاة.
وإن قلنا: إن الشاة مأخوذة من النصاب والوقص.. وجبت عليه أربعة أتساع الشاة، فيحصل في هذه المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجب فيها شيء.
والثاني: يجب فيها أربعة أخماس شاة.
والثالث: أربعة أتساع الشاة.

فرع: تلف بعض الماشية قبل إمكان الأداء

فإن كان معه خمس وعشرون من الإبل، فتلف منها خمس من الإبل، بعد الحول، وقبل إمكان الأداء: فإن قلنا: إن إمكانية الأداء من شرائط الوجوب.. لم تجب عليه ابنة مخاض، بل يجب عليه أربع شياه.

وإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الضمان.. وجب عليه أربعة أخماس ابنة مخاض.

فرع: تلف شطر الماشية

وإن كان معه ثمانون شاة، فتلف منها أربعون: فإن كان قبل الحول، أو بعد الحول وبعد إمكان الأداء وجب عليه شاة.
وإن كان تلفها بعد الحول، وقبل إمكان الأداء: فإن قلنا: إن إمكان الأداء من شرائط الوجوب.. فعليه شاة أيضا.
وإن قلنا: إنه من شرائط الضمان: فإن قلنا: تجب الشاة في النصاب والوقص.. وجب عليه نصف شاة.
وإن قلنا: تجب عليه في النصاب، والوقص عفو.. فعليه شاة.
قال ابن الصباغ: ويجيء على الوجه المحكي عن أبي إسحاق: أنه تجب عليه شاة بكل حال.

مسألة: وجوب الغنم في دون خمس وعشرين من الإبل

]: الواجب فيما دون خمس وعشرين من الإبل: إخراج الغنم، ولا يطالب إلا بالغنم؛ لأنه هو الفرض المنصوص عليه، فإن اختار أن يعطي بعيرا منها.. جاز، بشرط أن يكون مما يجزئ في خمس وعشرين، هذا قول عامة أهل العلم.

وقال مالك وداود: (لا يجزئه).
دليلنا: أن البعير يجزئ عن خمسة وعشرين، فلأن يجزئ عما دونها أولى.
وإن كانت الإبل من أصناف، أعطى بعيرا متوسطا منها.. قال الشافعي: - رَحِمَهُ اللَّهُ - (كان له ذلك وإن كان أردأها)؛ لأنه أفضل من الشاة، وهل الجميع فرضه؟ فيه وجهان: أحدهما: أن الجميع ليس بفرض، بل الفرض يقسط على خمس وعشرين، فإن أخرجه عن خمس.. كان خمسه فرضا لا غير، وإن أخرجه عن عشرة.. كان فرضه خمساه لا غير، والباقي تطوع؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين، فدل على أن لكل خمس من الإبل خمس بعير.
والثاني: أن الجميع فرضه؛ لأنه خير بين الشاة والبعير، فأيهما اختار إخراجه.. كان ذلك فرضه، كمن خير بين غسل الرجلين والمسح على الخفين.
قال ابن الصباغ: ولو كان ما قاله الأول صحيحا.. لأجزأه خمس بعير.
وهكذا: إذا أخرج المتمتع بدنة.. فهل الجميع فرضه أو سبعها؟ على هذين الوجهين.
وإن اختار إخراج الغنم.. أخرج جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز؛ لما «روى سويد بن غفلة، قال: أتانا مصدق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقال: (نهينا عن أخذ الراضع، وأمرنا أن نأخذ جذعة من الضأن، وثنية من المعز» وهل يجزئ فيه الذكر؟ فيه وجهان: [الأول]: من أصحابنا من قال: لا يجزئه؛ لحديث سويد بن غفلة.
والثاني: يجزئه، وهو المنصوص؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في كل خمس شاة».
ولم يفرق.
وأما جنسها: فقال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وأكثر أصحابنا: إنه يجب عليه من غالب غنم البلد، إن كان بمكة.. فالشاة مكية، وإن كانت غنمه غير ذلك، فإن كان ببغداد.. فتجب عليه شاة بغدادية.
وإن كانت غنمه غير ذلك.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا أنظر إلى الغالب من غنم البلد).
قال الشيخ أبو حامد: أراد به في الصنفين، يعني: الضأن والمعز.
وقال مالك رحمة الله عليه: (إن كان غالب غنم البلد الضأن.. فعليه أن يخرج الضأن، وإن كان غالب غنم البلد المعز.. فعليه أن يخرج المعز).
وكذلك طريقة الشيخ أبي إسحاق في " المهذب " في الأغلب، كقول مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قال الشيخ أبو حامد: وهذا ليس بصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في كل خمس من الإبل شاة».
ولم يفرق بين الضأن والمعز.
فإن عدل عن نوع بلده إلى نوع بلد آخر: فإن كان خيرا من نوع بلده أو مثله.. أجزأه، وإن كان دونه.. لم يجزئه.

وإن كانت الخمس من الإبل مراضا.. ففي شاتها وجهان: أحدهما: يجب عليه أن يخرج شاة تجزئ في الأضحية، وهو المذهب؛ لأنه لا يعتبر فيه صفة المال، فلم يختلف بصحة المال ومرضه، كالأضحية، وفيه احتراز منه إذا كانت الزكاة من جنس المال المزكى.
و [الثاني]: قال أبو علي بن خيران: لا يجب عليه إلا شاة بالقسط؛ لأنه لا يجب في المال المريض صحيحة إذا كان الفرض من جنسه، فكذلك إذا كان الفرض من غير جنسه.
وكيفية التقسيط هاهنا: أن يقال: لو كانت هذه الخمس من الإبل صحاحا.. كم قيمتها؟ فإن قيل: قيمتها ألف.. قيل: فكم قيمة الشاة الواجبة فيها؟ فإن قيل: عشرة.. قيل: فكم قيمة هذه الإبل المراض؟ فإن قيل: خمسمائة.. قيل له: أخرج شاة قيمتها خمسة.
قال ابن الصباغ: فإن أمكن أن يشتري بها شاة، وإلا فرقت دراهم على المساكين.

فرع: أخر الزكاة أحوالا

وإن أقامت في يده خمس من الإبل ثلاثة الأحوال لم يزك عنها.. فإن بالحول الأول تجب فيه الشاة.

فإذا جاء الحول الثاني: فإن قلنا: تجب الزكاة في الذمة، وكان له مال من غير الإبل بقدر قيمة الشاة في جميع الحول الثاني، أو لم يكن له مال، ولكن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. فإنه تجب عليه شاة أخرى.
فإذا حال الحول الثالث، وكان يملك من غير الإبل في جميع الحول الثالث بقدر قيمة الشاتين، أو لم يكن له مال غير الإبل، ولكن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. وجبت عليه شاة ثالثة.
وإن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة.. وجبت عليه شاة في الحول الأول، ولا يجب في الثاني ولا في الثالث شيء.
وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين.. ففيه قولان: أحدهما: تجب في السنة الأولى شاة، ولا يجب في السنة الثانية والثالثة شيء؛ لأن المساكين قد استحقوا في الحول الأول بقدر شاة، وبقي معه دون النصاب، فهو كما لو كان معه أربعون من الغنم، فحال عليها ثلاثة أحوال.. لم يزك عنها.. فإنه لا تجب عليه زكاة الثانية والثالثة على هذا القول.
والقول الثاني: يجب فيه ثلاث شياه لثلاث سنين؛ لأن الشاة التي تجب في الأولى لا تؤخذ من عين المال، وإنما يؤخذ بدلها، فتكون من الإبل بقدر شاة رهنا بتلك الشاة، والرهن لا يمنع وجوب الزكاة.
هكذا ذكر أصحابنا.
والذي تبين لي: أن على هذا القول يجب أن يكون الحكم كالحكم فيها إذا قلنا: الزكاة تجب في الذمة، وهو أن ينظر فيه: فإن كان يملك قدر قيمة الشاة في الحول الثاني، وقدر قيمة الشاتين في الحول الثالث.. وجب عليه ثلاث شياه، وإن كان لا يملك شيئا غير هذه الإبل.. كان على القولين في الدين، هل يمنع وجوب الزكاة؟ وإن ملك ستا من الإبل، فحال عليها ثلاثة أحوال، ولم يؤد زكاتها فيها.. فإن الشيخ أبا حامد قال: يجب فيها ثلاث شياه بكل حال؛ لأن معه أكثر من نصاب؛ لأنه إذا أخرج لكل سنة شاة، يكون الباقي نصابا.

وهذا الذي قاله الشيخ أبو حامد صحيح إذا كانت قيمة واحدة من هذه الست في جميع الحول الثاني تساوي قيمة شاة، وكانت هي أو غيرها تساوي في الحول الثالث قيمة شاتين.

فرع: تأجيل الزكاة أحوالا

إذا كان معه خمس وعشرون من الإبل، وأقامت في يده ثلاثة أحوال لم يؤد زكاتها.. فإن بحؤول الحول الأول يجب عليه ابنة مخاض.
فإذا حال الحول الثاني: فإن قلنا: الزكاة تجب في الذمة، والعين مرتهنة بها، فإن كان له مال من غير الإبل يفي بقيمة ابنة مخاض في جميع الحول الثاني، أو لم يكن له مال، ولكن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. وجبت عليه بحؤول الحول الثاني ابنة مخاض ثانية.
فإن كان يملك في جميع الثالث مالا من غير الإبل، بقدر قيمة ابنتي مخاض، أو لم يكن له مال، ولكن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. فعليه ابنة مخاض ثالثة بحؤول الحول الثالث.
وإن قلنا: الزكاة تجب في العين أو في الذمة، ولا مال له غيرها، والدين يمنع وجوب الزكاة.. فعليه ابنة مخاض بحؤول الحول الأول، ويجب عليه في الحول الثاني أربع شياه، وكذلك في الثالث أربع شياه.

فرع: مرور أحوال بلا زكاة

إذا كان معه أحد وتسعون من الإبل، فحال عليها ثلاثة أحوال لم يزك عنها.. فإن بحؤول الحول الأول يجب عليه حقتان.
فإذا حال الحول الثاني: فإن قلنا: الزكاة تجب في الذمة، والعين مرتهنة بها،

فإن كان له فيه مال من غير الإبل بقدر قيمة الحقتين في جميع الحول الثاني، أو لم يكن له مال، وقلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. فإنه يجب عليه حقتان بحؤول الحول الثاني.
فإذا حال الحول الثالث: فإن كان له في الحول الثالث مال غير الإبل يفي بقيمة أربع حقاق، أو لم يكن له مال، ولكن قلنا: الدين لا يمنع وجوب الزكاة.. وجب عليه حقتان أيضا بحؤول الحول الثالث.
وإن قلنا: الزكاة استحقاق جزء من العين.. وجب عليه بحؤول الأول حقتان؛ لأن نصابه تام، ويجب عليه بحؤول الحول الثاني ابنتا لبون، وكذلك بحؤول الثالث أيضا.
وهكذا إذا قلنا: تجب الزكاة في الذمة، ولا مال له غيره، وقلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة.. فالحكم فيه كالحكم إذا قلنا: الزكاة استحقاق جزء من العين.

مسألة: وجوب بنت مخاض

إذا ملك خمسا وعشرين من الإبل، فقد ذكرنا أن عليه ابنة مخاض، وفيها ست مسائل: الأولى: إذا كان واجدا لها في إبله.. فيلزمه إخراج ابنة مخاض على صفة إبله، ولا يجوز له إخراج ابن لبون؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن لم يكن فيها ابنة مخاض.. فابن لبون ذكر».
وهذا في إبله ابنة مخاض، فدل على: أنه لا يجزئه إخراج ابن لبون.
الثانية: إذا لم يكن في إبله ابنة مخاض، ولا يقدر على شرائها، وكان فيها ابن لبون ذكر.. جاز له إخراجه من غير جبران؛ للخبر، ولأن فيها فضيلة بالأنوثية،

ولكنها لا تصل حيث يصل ابن لبون من الرعي، ولا تمتنع من صغار السبع كامتناعه، ففيه فضيلة بهذا، وينقص عنها لكونه ذكرا، فاستويا.
الثالثة: إذا لم يكن في إبله ابنة مخاض، وكان هو يقدر على شرائها، وعنده ابن لبون.. فيجوز له إخراج ابن لبون، ولا يلزمه شراء ابنة مخاض.
والفرق بين هذه، وبين من وجبت عليه في الكفارة رقبة لا يملكها، ويقدر على ثمنها: أنه يلزمه شراؤها؛ لأن الله تعالى قال في الكفارة: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4] [المجادلة: 4].
ومن وجد الثمن.. فهو قادر على الرقبة، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الزكاة: «فإن لم يكن في إبله ابنة مخاض، فابن لبون».
وهذا ليس في إبله ابنة مخاض.
الرابعة: إذا لم يكن في إبله ابنة مخاض، ولا ابن لبون، وكان قادرا على شرائهما.. فقال الشافعي: (هو بالخيار بين أن يشتري أيهما شاء).
وقال مالك: (لا يجزئه أن يشتري ابن لبون، بل يشتري ابنة مخاض).
وحكاه صاحب " الإبانة " [ق \ 111] وجها لصاحب " التقريب ".

دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن لم يكن في إبله ابنة مخاض.. فابن لبون ذكر».
فأجاز له إخراج ابن لبون، إذا لم يكن في إبله ابنة مخاض، ولم يفرق بين أن يقدر على شرائها، أو لا يقدر.
الخامسة: إذا لم يكن في إبله ابنة مخاض، فأخرج مكانها حقا.. أجزأه؛ لأنه أفضل من ابنة مخاض وابن لبون.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد، وأطلق.
والذي يقتضي المذهب: أنه لو طلب معه الجبران.. لم يعط؛ لأن الجبران إنما يكون بين الإناث، وهاهنا: لا يعلم الفضل بينهما.
وإن أراد أن يخرج الحق مكان ابنة لبون.. لم يقبل منه؛ لأنهما يتساويان في ورود الماء والشجر، وتفضل عليه بالأنوثة.
السادسة: إذا كانت إبله مهازيل، وفيها ابنة مخاض سمينة.. لم يلزمه إخراجها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إياك وكرائم أموالهم»، فإن أخرجها.. أجزأه، وقد تطوع بأكثر مما عليه.
وإن اشترى ابنة مخاض بصفة ماله، وأخرجها.. جاز.
وإن أراد إخراج ابن لبون.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه يجزئه)؛ لأن التي عنده لا يلزمه إخراجها، فكان وجودها كعدمها.

والثاني - ولم يذكر في " التعليق " غيره -: أنه لا يجزئه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن لم يكن في إبله ابنة مخاض.. فابن لبون».
وهذا في إبله ابنة مخاض تجزيء.

مسألة: جبران السنين

]: ومن وجبت عليه سن من هذه الأسنان المذكورة، وليس عنده إلا ما هو أسفل منها بسنة.. فإنها تقبل منه، ويدفع معها شاتين أو عشرين درهما، وإن وجبت عليه سن وليس عنده إلا ما هو أعلى منها بسنة، واختار دفعها.. قبلت منه، ويعطيه الساعي شاتين أو عشرين درهما، وقال الثوري، وأبو عبيد، وإحدى الروايتين عن إسحاق بن راهويه: الجبران شاتان، أو عشرة دراهم.
وروي ذلك عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. دليلنا: ما روى أنس في (كتاب الصدقة).
فإن وجبت عليه جذعة، ولم يكن فيها جذعة، وفيها حقة.. فإنها تقبل منه، ومعها شاتان أو عشرون درهما، ومن بلغت صدقته الحقة، وليس عنده إلا ابنة لبون.. فإنها تقبل منه، ويعطي معها شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته ابنة لبون، وليست عنده، وعنده ابنة مخاض.. فإنها تقبل منه، ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته ابنة مخاض، وليست عنده، وعنده ابنة لبون.. فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهما، أو شاتين، فإن وجبت عليه جذعة، وليست عنده، وعنده ثنية، فإن دفعها، ولم يطلب الجبران.. قبلت منه؛ لأنها أعلى من الفرض بسنة، وإن طلب الجبران.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه يعطى)؛ لأنها أعلى من الفرض بسنة.
والثاني: لا يعطى؛ لأن الجذعة تساوي الثنية؛ لورود الماء والشجر.

وإن وجبت عليه ابنة مخاض، ولم تكن عنده، وأراد أن يعطي ما لها دون السنة، ويدفع الجبران.. لم يجز؛ لأن ما دونها ليس بفرض مقدر.
وإن كانت إبله مراضا، ولم يكن الفرض فيها، فأراد أن يصعد إلى فرض مريض، ويأخذ الجبران.. لم يجز؛ لأن الجبران بين المريضين أقل مما بين الصحيحين.
وإن أراد أن ينزل إلى فرض مريض، ويدفع الجبران.. جاز؛ لأنه متطوع بالزيادة.
وإن لم يكن عنده الفرض المنصوص عليه، وعنده أعلى منه بسنة وأنزل منه بسنة، فإن اتفق رب المال والساعي على الصعود أو النزول مع الجبران.. جاز.
وإن اختلفا، فدعا أحدهما إلى الصعود، والآخر إلى النزول.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه يقدم اختيار الساعي؛ ليأخذ للمساكين الأنفع لهم).
الثاني: يقدم اختيار رب المال؛ لأنه هو المعطي.
وهذا ليس بشيء.
وإن لم يوجد في المال الفرض المنصوص عليه، ووجد ما هو أعلى منه بسنتين.. قبل منه، وأعطاه الساعي أربع شياه، أو أربعين درهما.
وهكذا: إذا لم يوجد في المال إلا ما هو أنزل من الفرض بسنتين.. قبل منه مع أربع شياه، أو أربعين درهما، قياسا على الجبران بسنة.
وحكى ابن الصباغ: أن من الناس من قال: لا يجوز، واختاره ابن المنذر.

دليلنا: أن كل سن جاز العدول عنه إلى ما يليه بسنة مع الجبران.. جاز العدول عنه إلى ما يليه بسنتين مع الجبران، كما لو دفع أعلى مما يجب عليه بسنتين من غير جبران.
وإن وجبت عليه ابنة لبون، وليست عنده، وعنده حقة وجذعة، فأراد رب المال أن يدفع الجذعة، ويأخذ أربع شياه، أو أربعين درهما.. فهل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه قد عرف ما بينهما.
والثاني: لا يجوز، وهو الصحيح؛ لأنه قد كان يمكنه أن يدفع ما هو أعلى بسنة وجبرانا واحدا، فلم يجز له العدول عنه إلى جبرانين، كما لو وجد الفرض، وأراد أن يعدل إلى غيره مع الجبران.
ومن وجبت عليه شاتان، أو عشرون درهما.. فالخيار إليه، فإن كان الذي يدفع الجبران هو رب المال.. فالأولى أن يدفع الأكثر من الشاتين أو عشرين درهما؛ لأنه أكثر ثوابا، وإن أراد أن يدفع أدونهما.. جاز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خيره بينهما، وإن كان الذي يدفع الجبران هو الساعي.. فلا يجوز أن يعطي إلا أقلهما؛ لأنه ناظر لغيره، فإن كان في بيت المال شيء.. دفع الإمام منه ذلك؛ لأنه مصلحة لأهل السهمان، وإن لم يكن في بيت المال شيء، باع الساعي مما في يده للمساكين، وسلمه جبرانا؛ لأنه ناظر للمساكين، فهو كولي اليتيم.
فإن أراد الدافع منهما أن يدفع شاة وعشرة دراهم.. لم يجز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خيره بين شيئين، فلا يجوز أن يخيره بين ثلاثة أشياء، وإن أراد من وجب عليه في الجبران أربع شياه، أو أربعون درهما، فأراد أن يعطي شاتين وعشرين درهما.. كان له ذلك؛ لأنهما جبرانان.

مسألة: فيما يجب بالمائتين من الإبل

وإن كان معه مائتان من الإبل: فقال الشافعي في الجديد: (يحب فيها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون).

وقال في القديم: (يجب فيها أربع حقاق).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: يجب فيها أربع حقاق لا غير؛ لأن تغير الفرض بالسن في الإبل أكثر من تغيره بالعدد، ألا ترى أنه يجب في مائة وستين أربع بنات لبون، ثم كلما زادت الإبل عشرا.. تغير الفرض فيها بالسن؟ فإذا بلغت مائة وتسعين.. ففيها ثلاث حقاق، وبنت لبون، فإذا بلغت مائتين.. وجب التغيير بالسن أيضا، فيجب أربع حقاق.
والقول الثاني: يجب فيها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، وهو الصحيح؛ لما روى سالم بن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، يرفعه في نسخة كتاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإذا بلغت مائتين.. ففيها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون».
ومنهم من قال: يجب أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، قولا واحدا، وما قاله في القديم، فإنما قال ذلك؛ لأن الخيار إلى الساعي عند الشافعي، وعليه أن يأخذ الحقاق؛ لأنها أفضل.
إذا ثبت هذا: فإن قلنا: إن الواجب أربع حقاق، فإن كانت موجودة في المال.. لم يجز العدول عنها إلى غيرها.
وإن كانت معدومة في المال.. فرب المال بالخيار بين أن يشتري الحقاق، وبين أن يصعد إلى الجذاع، ويأخذ الجبران، أو ينزل إلى بنات لبون، ويدفع الجبران.
وإن قلنا: إن الواجب أحد الفرضين، فإن وجد أحدهما في المال.. تعين إخراجه، ولا يطالبه الساعي بإحضار الثاني، وإن عدما جميعا.. كان رب المال بالخيار: بين أن يشتري أحدهما، أو ينزل عن أحدهما، ويدفع الجبران، أو يصعد إلى ما فوقه، ويأخذ الجبران، وإن وجد الفرضان معا.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص -: (أن الخيار إلى الساعي، فيأخذ الأفضل منهما)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] [البقرة: 267].

فلو قلنا: الخيار إلى رب المال.. لكان يخرج الأدون، فيكون قد أنفق خبيث المال.
الثاني - وهو قول أبي العباس -: أن الخيار إلى رب المال، فيعطي أي الفرضين شاء، إلا أن يكون ناظرا ليتيم، فلا يجوز أن يعطي إلا أدونهما، وحمل النص عليه إذا خير رب المال الساعي.
ووجهه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إياك وكرائم أموالهم».
فلو جعلنا الخيار إلى الساعي، لأخذ الكريمة.
فإذا قلنا بالمنصوص: فإن كان الفرضان متساويين في القيمة.. أخذ الساعي أيهما شاء، وإن كان أحدهما أكثر قيمة.. كان على الساعي أن يأخذ أفضل الفرضين.
فإن أخذ الأدون: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (كان على رب المال أن يخرج الفضل، ويعطيه أهل السهمان).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: أراد بذلك: إذا أخذ الساعي الأدنى بغير عمد منه، أو من رب المال، مثل: أن يكون رب المال قد أظهرهما، وأدى الساعي اجتهاده إلى أن الذي يأخذه هو الأفضل، ثم بان أنه الأدنى.. فإنه يخرج الفضل.
فأما إذا أخذ الأدنى بتفريط منهما، أو من أحدهما، بأن لم يظهر رب المال له الفرض الآخر، أو أخذه بغير نظر، أو مع العلم بأنه الأدنى.. فلا يجزئه إخراج الفضل، بل يجب رد المأخوذ إن كان باقيا، أو قيمته إن كان تالفا، ويجب على رب المال أن يخرج الفرض الأجود.
ومنهم من قال: إن كان الساعي قد أخذ الأدون، وفرقه على المساكين.. لم يمكن رده؛ لأنه تالف، فيخرج الفضل هاهنا.
فأما إذا لم يكن الساعي فرقه: فإنه يرد إلى رب المال، ويؤخذ الأجود.
ومنهم من قال: يجزئه المأخوذ بكل حال، ويخرج الفضل؛ لأن كل واحد منهما

فرض بحال، وهل يكون إخراج الفاضل واجبا، أو مستحبا؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه مستحب؛ لأن الفرض الذي أخرجه قد أجزأ، إذ لو لم يكن مجزئا.. لوجب رده، وإخراج الأجود.
والثاني - وهو المذهب -: أن إخراج الأفضل واجب؛ لأن الواجب على الساعي أن يأخذ الأجود، فإن تركه، وأخذ الأدون.. فقد أخذ بعض ما وجب له، فصار بمنزلة ما لو وجب له خمسة دراهم، فأخذ أربعة.
فإذا قلنا: إن إخراج الفضل مستحب.. أخرجه كيف شاء.
وإن قلنا: إنه واجب، فإن كان الفضل يسيرا لا يمكنه أن يشتري به جزءا من حيوان.. فرقه دراهم، وإن كان يمكنه أن يشتري به جزءا من حيوان.. فهل يلزمه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأن ذلك يشق.
والثاني: يلزمه لأن إخراج القيمة في الزكاة لا يجوز.
فإذا قلنا بهذا: فهل يجب عليه أن يشتري من جنس الأجود منهما، أو يجوز له أن يشتري من جنس الأدون منهما؟ فيه وجهان.

وإن وجد أحد الفرضين، وبعض الآخر.
أخذ الموجود، ولا يجوز أن يأخذ بعض الموجود ويضم إليه غيره مع الجبران.
وإن وجد في المال ثلاث حقاق وأربع بنات لبون، فإن أخذ الثلاث الحقاق وبنت لبون وجبرانا واحدا، أو أخذ أربع بنات لبون وحقة ودفع الجبران.. جاز، وإن أخذ ثلاث بنات لبون مع كل واحدة جبران، وحقة.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه قد عرف ما بينهما.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه عدل إلى الجبرانات مع إمكانه أن يأخذ جبرانا واحدا، فلم يصح.
وإن كان الفرضان معيبين.
لم يجز أخذهما؛ لأن المعيب لا يجزئ أخذه عن الصحاح، ويقال له: إما أن تشتري صحيحا، أو تصعد وتأخذ الجبران، أو تنزل وتدفع الجبران.

فرع: جواز دفع بنات اللبون أو الحقاق

فإن ملك أربعمائة من الإبل.. فعلى الطريقين في الأولى: فإن قلنا: يجب أحد الفرضين.. فله أن يأخذ عشر بنات لبون، أو ثماني حقاق، فإن أراد أن يأخذ أربع حقاق وخمس بنات لبون.. فعامة أصحابنا قالوا: يجوز.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا يجوز، كما لا يجوز مثل ذلك في المائتين.
وهذا ليس بشيء؛ لأن كل مائتين فريضة منفردة بنفسها، فأشبه إذا انفردت.
وبالله التوفيق

باب صدقة البقر

الأصل في وجوب الزكاة فيها: قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] [التوبة: 103]. والبقر من الأموال.
وروى أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البر صدقته».
إذا ثبت هذا: فأول نصاب البقر ثلاثون، ولا شيء فيها قبل ذلك، وهو قول كافة الفقهاء، إلا ما حكى عن الزهري، وسعيد بن المسيب: أنهما قالا: (في كل خمس من البقر شاة)، كالإبل.
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر معاذا أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة».
وروي: أنه أتي بما دون ذلك، فقال: «لم أومر فيها بشيء، وسآتي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأسأله عن ذلك)، فرجع معاذ، فلم يلق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».

وفي رواية: أنه سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: «ليس فيها شيء».
إذا ثبت هذا: فيجب في الثلاثين تبيع، وهو الذي دخل في السنة الثانية، هذا هو المشهور.
وقال صاحب " الإبانة "] ق \ 114]: هو اسم للعجل الذي يتبع أمه، وإن لم يستكمل سنة، وسمي: تبيعا؛ لأنه يتبع أمه.
وقيل: سمي بذلك؛ لأن قرنيه تبعا أذنيه.
ثم لا شيء في زيادتها، حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين.. وجب فيها مسنة، وهي التي دخلت في السنة الثالثة، ثم تستقر الفريضة، فلا يجب فيها شيء حتى تبلغ ستين، فيجب فيها تبيعان، ثم يجب في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة.
فإذا بلغت مائة وعشرين.. فقد اجتمع فيها فريضتان، وهي ثلاث أربعينات، أو أربع ثلاثينات، فيكون على الطريقين في الإبل إذا بلغت مائتين.
وقال أبو حنيفة: (إذا بلغت أربعين.. فيها مسنة)، كقولنا: فإذا زادت.. ففيها ثلاث روايات: إحداهن: مثل قولنا، وبه قال مالك.
والثانية: (لا شيء فيه، حتى تبلغ خمسين، فيجب فيها مسنة وربع مسنة).
والثالثة - وعليها يناظرون -: (أنها إذا زادت على الأربعين شيئا.. وجب فيها بالقسط من المسنة).
دليلنا: قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذ: «خذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة».
فظاهر هذا: أن زكاة البقر لا تتعلق إلى بهذين العددين.

مسألة: جواز الإعطاء فوق الواجب

]: فإن وجب عليه تبيع، فأعطى مسنة.. جاز؛ لأنها أعلى مما وجب عليه، وإن وجب عليه مسنة، فأعطى تبيعين.. جاز؛ لأنهما يجزئان عن الستين، فلأن يجزيان عما دونها أولى.
ولا مدخل للجبران في صدقة البقر؛ لأن الزكاة لا يعدل فيها عن المنصوص عليه إلى غيره بالقياس.
والله أعلم.

باب صدقة الغنم السائمة

والأصل في وجوب الصدقة فيها: قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] الآية [التوبة: 103] والغنم مال.
ومن السنة: ما روى أبو ذر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي الغنم صدقتها».
وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «من كانت له إبل أو بقر أو غنم، فلم يؤد زكاتها.. بطح بها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، كلما نفذت أخراها.. عادت عليه أولاها».
وهو بإجماع المسلمين، لا خلاف في وجوب الزكاة فيها.
إذا ثبت هذا: فما دون الأربعين من الغنم لا زكاة فيها، فإذا بلغت أربعين.. ففيها شاة، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، فإذا بلغتها.. فيجب فيها شاتان، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائتين وواحدة، فإذا بلغتها.. ففيها ثلاث شياه، ثم لا شيء في زيادتها، حتى تبلغ أربعمائة، فإذا بلغتها.. ففيها أربع شياه، ثم تستقر الفريضة في كل مائة شاة.

هذا مذهبنا، وبه قال كافة أهل العلم، إلا ما حكي عن النخعي، والحسن بن صالح، فإنهما قالا: إذا زادت على ثلاثمائة واحدة.. وجب فيها أربع شياه إلى أربعمائة، فإذا زادت واحدة.. وجب فيها خمس شياه.
دليلنا: ما روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في (كتاب الصدقة): «في الغنم إذا كانت سائمة، فبلغت أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت عليها واحدة.. ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة.. ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت على ذلك.. ففي كل مائة شاة».
والشاة الواجبة: هي الجذعة من الضأن، أو الثنية من المعز.
قال ابن الأعرابي: والجذعة من الضأن: إذا كانت من شابين.. مالها ستة أشهر إلى سبعة، وإن كانت من هرمين.. فما لها ثمانية أشهر إلى عشرة.
وحكي عن الأصمعي: أن الجذعة من الضأن: ما لها سبعة أشهر.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": أن الجذعة: مالها سنة.
وقيل: مالها ستة أشهر.
وأما الثنية: فما لها سنتان، وطعنت في الثالثة.
هكذا ذكره ابن الصباغ، هذا مذهبنا، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يجزئ إلا الثنية منهما).
وهذه رواية (الأصول) عنه.
وروى الحسن بن زياد عنه مثل مذهبنا.
وقال مالك: (تجزئ الجذعة منهما).
دليلنا: ما روى سويد بن غفلة: أن مصدق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتانا، وقال: «أمرنا أن نأخذ الجذعة والثنية».
ولأن الجذعة تجزئ في الأضحية، فأجزأت في الزكاة، كالثنية.

مسألة: لا تؤخذ المريضة من الصحاح

إذا كانت الماشية كلها صحاحا.. لم يؤخذ في فرضها مريضة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] [البقرة: 267]. وفي أخذ المريضة من الصحاح تيمم الخبيث.
وإن كانت الماشية كلها مراضا.. جاز أن يؤخذ منها مريضة.
وقال مالك: (لا يجوز، بل يكلف أن يشترى صحيحة).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «إياك وكرائم أموالهم».
وفي أخذ الصحيحة من المراض أخذ الكرائم.
وروى عبد الله بن معاوية الغاضري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثلاث من فعلهن.. طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وأن لا إله غيره، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، ولم يعط الهرمة ولا اللئيمة - يعني: الدون - ولكن يعطي وسطا، فإن الله لم يسألكم خيرها، ولم يأمركم بشرها».
فمن قال: يجب إخراج الصحيحة عن المراض.. فقد خالف الخبر.
إذا ثبت هذا: فإن المزني نقل عن الشافعي: (ويأخذ خير المعيب)، ولا خلاف بين أصحابنا: أنه لا يجوز للساعي أن يأخذ خير معيب في المال.
واختلف أصحابنا في تأويله: فقال ابن خيران: أراد بهذا: يأخذ خير المعيبين من الفرضين في ما بين من الإبل إذا كانت معيبة.

ومنهم من قال: يأخذ خير المعيبين، إذا خيره رب المال.
ومنهم من قال: أراد به: يأخذ الوسط، وقد يسمى الوسط خيرا، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] [البقرة: 143]. وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: 110] [آل عمران: 110]، يعني: أوسطها وأعدلها.
ومن قال بهذا اختلفوا على وجهين: فمنهم من قال: يأخذ أوسطها قيمة، وهو أن يقال: كم قيمة فرض أجود هذه المراض؟ فإذا قيل: عشرون.. فيقال: كم قيمة أوسطها؟ فيقال: خمسة عشر.
فيقال: كم قيمة أقلها؟ فيقال: عشرة، فإنه يأخذ ما قيمته خمسة عشر، فأما الوسط في العيب: فلا يعتبر.
ومنهم من قال: يعتبر وسطا في العيب والقيمة جميعا.
والصحيح: قول ابن خيران، وقد نص الشافعي عليه في " الأم " [2/9].

مسألة: إذا كان النصاب صحيحا فلا تؤخذ المراض

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يأخذ مريضا، وفي الإبل عدد صحيح).
وقال في موضع آخر: (ولا يأخذ مريضا، وفي الإبل عدده صحيح).
قال أصحابنا: وكلاهما صحيح.
أما قوله: (وفي الإبل عدد صحيح)، يعني: لا يأخذ الفرض مريضا، وفي الإبل عدد صحيح، يعني: بعض المال صحيحا.

وأما قوله: (عدده صحيح)، يعني: لا يأخذ الفرض مريضا إذا كان في الإبل عدد الفرض صحيح.
إذا ثبت هذا - وكان بعض الماشية صحيحا، وبعضها مريضا -: لم يجب عليه إخراج الصحيحة من غير تقسيط، كما لو كانت كلها مراضا، ولا يجزئه إخراج المريضة؛ لأن في ذلك تيمم الخبيث، ولكن يخرج صحيحة بالقسط.
وكيفية ذلك: إذا كان معه أربعون من الغنم عشر منها مراض لا غير.. فإنه يقال له: كم قيمة فرض مريض منها؟ فإن قيل: عشرة دراهم.. قيل: وكم قيمة فرض صحيح منها؟ فإن قيل: عشرون درهما.. قيل له: خذ ربع قيمة الفرض المريض؛ ليكون المراض ربع النصاب، وثلاثة أرباع قيمة الفرض الصحيح؛ لكون الصحاح ثلاثة أرباع النصاب، وذلك سبعة عشر ونصف، ويشتري به فرضا صحيحا.
وإن كان نصفها مراضا.. فإنه يأخذ نصف قيمة شاة صحيحة، ونصف قيمة شاة مريضة، ويشتري بذلك شاة صحيحة.
وإن كان معه مائتان من الإبل، وفيها أربع حقاق صحاح، والباقي منها مراض.. فإنه لا يؤخذ منها إلا أربع حقاق صحاح بالقسط.
وكيفية ذلك: أن الأربع من المائتين جزء من خمسين جزءا، فيقوم حقة صحيحة فإن قيل: قيمتها خمسون درهما.. قيل: خذ منها جزءا من خمسين جزءا، وذلك درهم، ثم يقوم حقة مريضة منها، فإن قيل: قيمتها خمسة وعشرون درهما.. قيل: خذ منها تسعة وأربعين جزءا من خمسين جزءا، وذلك أربعة وعشرون درهما ونصف درهم، فيضاف ذلك إلى الدرهم، فيقال له: اشتر أربع حقاق صحاح، كل حقة بخمسة وعشرين درهما ونصف درهم.
فإن كان في المال ثلاث حقاق صحاح لا غير.. فإنه يؤخذ منها مريضة وثلاث حقاق بالقسط، على ما مضى.

وإن كان فيه حقتان صحيحتان لا غير.. أخذ منه حقتان مريضتان، وحقتان صحيحتان بالقسط، على ما مضى بيانه.
وإن كان فيه حقة صحيحة لا غير.. أخذ منه ثلاث حقاق مراض، وحقة صحيحة بالقسط، على الإجزاء في القيمة، على ما مضى.
وكذلك: إذا كان فيها صحاح من غير الحقاق.. فالكلام في التقسيط على ما مضى، وعلى هذا جميع الأنعام.

فرع: في الماشية الجياد والأسن

وإن كانت الماشية أعلى من الفرض، كالثنايا وما فوقها من الإبل.. لم يطالب رب المال إلا بالفرض المنصوص عليه؛ لئلا يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير.
وإن كانت الماشية صغارا، وحال عليها الحول، وهذا يتصور في موضع واحد، وهو أن يكون عنده نصاب من الماشية ثمانية أشهر، فتوالدت، ثم تماوتت الأمهات قبل الحول، وبقيت أولادها، فتم حول أمهاتها عليها، وأسنانها دون الفرض المنصوص عليه.. ينظر:

فإن كان ذلك في الغنم.. أخذ الساعي صغيرة منها.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يأخذ منه الساعي إلا كبيرة).
وحكى صاحب " الإبانة " [ق \ 115]: أن ذلك قول للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديم، وليس بمشهور.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إياك وكرائم أموالهم».
فلو أخذنا الكبيرة من الغنم عن الصغار.. لأخذنا الكريمة عن مال لا كريم فيه، فلم يجزه.
وإن كان ذلك في الإبل والبقر.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها - وهو قول أبي العباس، وأبي إسحاق -: أنه لا يجزئ في زكاتها إلا الكبيرة بالقسط؛ لأنا لو أخذنا فصيلا عن خمس وعشرين من الإبل، وعن إحدى وستين فصيلا.. سوينا بين القليل والكثير.
فعلى هذا: يقال: لو كانت هذه الخمس والعشرون كبارا.. كم كانت قيمتها؟ فإن قيل: ألف.. قيل: فكم قيمة ابنة مخاض تجب فيها؟ فإن قيل: عشرة.. قيل فكم قيمة هذه الخمس والعشرين الصغار؟ فإن قيل: خمسمائة.. قيل له: اشتر ابنة مخاض بخمسة دراهم.
والوجه الثاني: أنا نفعل ذلك ما دام الفرض يتعين بالسن، كخمس وعشرين في الإبل، وست وثلاثين، وست وأربعين، وإحدى وستين؛ لئلا يؤخذ من القليل ما يؤخذ من الكثير.
فإذا بلغت ستا وسبعين.. تغير الفرض فيها بالعدد، فيؤخذ منها صغيرتان؛ لأنه لا يؤدي إلى التسوية بين ما يؤخذ من القليل والكثير.

والوجه الثالث - حكاه ابن الصباغ -: أنه يؤخذ منها صغيرة بكل حال، كما قلنا في الغنم.
والأول أصح؛ لأن على الوجه الثاني: يؤخذ من ست وسبعين فصيلان، ومن إحدى وتسعين فصيلان، وعلى الوجه الثالث: يؤخذ من خمس وعشرين فصيل، ومن إحدى وستين فصيل، وهذا خلاف الأصول.

فرع: الثلاثون من البقر

إذا ملك ثلاثين من البقر.. جاز إخراج الذكر في فرضها، سواء كانت البقر إناثا أو ذكورا، أو بعضها إناثا وبعضها ذكورا؛ لما روى «عن معاذ: أنه قال: بعثني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل أربعين من البقر مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة» ولم يفرق بين الذكور والإناث.
وإن ملك أربعين من البقر: فإن كانت كلها إناثا، أو بعضها إناثا.. لم يجزئه إلا الأنثى؛ لحديث معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وإن كانت كلها ذكورا.. ففيه وجهان: [الأول]: قال أبو إسحاق، وأبو الطيب بن سلمة: يجب فيها مسنة بالقسط، وهو أن تقوم هذه الأربعون لو كانت إناثا، ويقوم فرضها، وتقوم هذه الأربعون الذكور، وينظر قدر قيمتها من قيمة الأربعين الإناث، فما نقصت عنها.. نقص بقدر ذلك من قيمة فرضها، واشترى به مسنة.
والدليل على ذلك: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في كل أربعين بقرة مسنة»، ولم يفرق.
والوجه الثاني - وهو قول أبي علي بن خيران - أنه يجزئ فيه مسن ذكر، وهو

المنصوص في " الأم " [2/10]؛ لأنا لو كلفنا رب المال إخراج المسنة عن الذكور.. أضررنا به، والزكاة مبنية على الرفق.
وأما إخراج الذكر في زكاة الإبل: فإن ملك خمسا وعشرين من الإبل، ولم يكن في إبله ابنة مخاض.. فإنه يجوز إخراج ابن لبون ذكر، سواء كانت إبله ذكورا أو إناثا، أو إناثا وذكورا؛ للخبر، وقد مضى ذكر ذلك.
وإن كانت في غير الخمس والعشرين.. نظرت: فإن كانت إبله إناثا، أو ذكورا وإناثا.. لم يجزئه إخراج الذكر؛ لحديث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وإن كانت إبله كلها ذكورا.. ففيه وجهان: [الأول]: قال أبو إسحاق، وأبو الطيب بن سلمة: لا يجزئه إلا الأنثى بالقسط؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في خمس وعشرين ابنة مخاض» إلى قوله: «وفي إحدى وستين جذعة».
ولم يفرق بين أن تكون الإبل إناثا أو ذكورا، ولأنا لو أخذنا منها الذكر..لأدى إلى أن يؤخذ ابن لبون في خمس وعشرين، ويؤخذ في ست وثلاثين، وفي ذلك تسوية بين القليل والكثير.
فعلى هذا: تؤخذ أنثى بالقسط، بأن تقوم هذه الإبل لو كانت إناثا كلها، ويقوم فرضها، وتقوم هذه الذكور، فما نقصت قيمتها من قيمة الإناث.. نقص من قيمة القرض قدر ذلك، واشترى به أنثى.
و [الثاني]: قال أبو علي بن خيران: يجزئه الذكر، وهو المنصوص؛ لئلا يؤدي إلى الإضرار برب المال.
قال ابن الصباغ: قال ابن خيران: فعلى هذا: يؤخذ ابن لبون في خمس وعشرين، وتكون قيمته دون قيمة ابن لبون يؤخذ في ست وثلاثين، ويكن بينهما في القيمة مثل ما بينهما في العدد، حتى لا يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير.
وحكى في " الفروع " وجها آخر: أنه يجوز أن يكونوا سواء.
وما حكاه ابن الصباغ أولى.

وعلى قول ابن خيران: إذا ملك خمسًا وعشرين ذكرًا.. فهل يجزئ إخراج ابن مخاضٍ؟ فيه وجهان: قال الشيخُ أبو حامدٍ في " التعليق ": يجوزُ، كما يجوزُ إخراجُ ابن لبون في ست وثلاثين، وإخراجُ الحِقِّ في ستة وأربعين.
وقال ابن الصباغ: لا يجوزُ؛ لأنَّ ابن مخاضٍ دون ما افتُتح به الفرضُ.
وأما إخراج ذَكَرَ الغنمِ في زكاتها: فإن كانت الغنمُ كلها إناثًا، أو ذكورًا وإناثًا.. لم يُجزئه إخراجُ الذكر.
وقال أبو حنيفةَ: (يُجزئهُ).
دليلنا: أنه حيوانٌ تجبُ الزكاةُ في عينه، فكانت الأنوثيةُ معتبرةً في فرضِها، كالإبلِ.
وإنْ كانت الغنمُ كلُّها ذكورًا.. فالمشهورُ: أنه يجزئه إخراجُ الذكر، أما جذعٌ من الضأنِ أو ثنيٌّ من المعزِ؛ لأنَّ ذلك لا يؤدي إلى أن يؤخذ من القليل ما يُؤخذُ من الكثيرِ.
وحكى في " الإبانةِ " [ق\115] وجهًا آخر: أنه لا يجزئه إلا الأنثى بالتقسيط، كما قلنا في الإبل والبقر، وليس بشيء.
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي قال: (إلا أن يكون تيسًا، فلا يقبل بحال؛ لأنه ليس في فرض الغنم ذكر).
واختلفَ أصحابنا ـ الذين قالوا: يجزئ إخراج الذكر من الغنم، إذا كانت كلها ذكورًا ـ في تأويل هذا: فمنهم من قال: أرادَ به: التيس الذي لا ينزو، فلا يؤخذ لنقصانه، فأما الفحل

الذي ينزو، ويضربُ الغنم: فذلك من كرائم المال، فلا يُطالب به رب المال، وإن كانت غنمه كلها ذكورًا، فإن تطوع ربُ المال بتسليمه.. قُبل منه.
وقال الشيخ أبو حامد: بل تأويله: إذا كانت الغنمُ إناثًا.. فإنه لا يؤخذ التيس؛ لأنه قال: (لأنه ليس في فرض الغنم ذكر)، أي: ليس في فرض الغنم الإناث ذكر، بل يجب أنثى، وقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم " [2/8]: ولا تؤخذُ الربى، ولا المَاخض ولا تيس الغنم)، فأخبر: أن التيس الذي ينزو فلا يطالب به لفضيلته.

مسألة: الماشية إذا تمحضت من نوع

]: وإن كانت الماشية نوعًا واحدًا، بسن الفرض، فإن كانت متفقة الصفة.. فإن الساعي يختار الواجب منها، ولا يفرق المال.
وروي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (تفرق الغنم ثلاث فرق، فيختار رب المال فرقة، ويختار الساعي الفريضة من الفرقتين الأخريين)، وبه قال الزهري، وقال عطاء والثوري: (تفرق الغنم فرقتين، فيختار رب المال فِرقة، ويختارُ الساعي الفريضة من الفرقة الأخرى).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] [البقرة: 267]. فلو جعلنا الخيارَ لرب المال.. لأعطى الخبيث.
وإن كانت الماشيةُ متفقةً بالسن مختلفةً في الصفةِ.. ففيه وجهانِ: قال أكثرُ أصحابنا: يختارُ الساعي خيرَها، كما يختارُ أربعَ حِقاقٍ، أو خمسَ بناتِ لبونٍ في المائتين.
وقال أبو إسحاق: يأخذُ وسط ذلك؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ».
فلو جعلنا الخيارَ إلى الساعي.. لأخذ الكرائم هاهنا.
وإنْ كانت الماشيةُ أنواعًا من جنسٍ، كالضأنِ والمعزِ في الغنم، وكالمَهريةِ والأرحبية والمجيدية في الإبل، فـ: (المهرية): منسوبةُ إلى مَهْرَةَ، وهي قبيلةٌ من العربِ أهل اليمن، وكذلك (المجيديةُ والأرحبيَّةُ): من إبل اليمنِ، وكالجواميسِ والعِرابِ في البقرِ، و (العِرابُ): جُرْدٌ مُلْسٌ حِسانُ الألوانِ، فإنَّ أنواعَ الجنسِ يُضمُّ بعضُها إلى بعضٍ في إكمالِ النصابِ.
وفي كيفية أخذ الفرضِ منها، ثلاثةُ أقوال: أحدُها: أنه يؤخذُ الفرضُ من النوعِ الغالبِ؛ لأن للغلبةِ تأثيرًا في الأصولِ، كما نقولُ في الماءِ إذا اختلطَ بالمائع الطاهرِ، وكما تُقبلُ شهادةُ من اجتنبَ الكبائرَ، وارتكبَ الصغائِرَ.
فعلى هذا: إذا ملكَ ثلاثينَ من الضأنِ وعشرًا من المعزِ.. أُخِذَ منهُ جذعةٌ من

الضأن، وإن استوى النوعان على هذا القول.. ففيه وجهانِ: قال أكثرُ أصحابنا: يختارُ الساعي أنفعَ النوعين للمساكين.
وقال القاضي أبو الطيِّبِ في " المجرد ": ينبغي أن يُسقطَ هذا القولَ هاهنا.
والقول الثاني: حكاه ابنُ الصبَّاغِ عن " الأمِّ ": أنه يأخذُ من أوسطِ الأنواعِ؛ لأنَّهُ أعدلُ، وهذا ليس بمشهورٍ.
والقول الثالث ـ وهو الأصحُّ ـ: أنه يأخذُ من كلِّ نوع بقسطِهِ؛ لأنه مالٌ تجبُ الزكاةُ في عينهِ، فلمْ يُعتبرِ الغالبُ في أخذِ الزكاةِ منهُ، كالثمارِ إذا كانتْ نوعينِ أو ثلاثةً، ولا يدخلُ عليه إذا كانت أنواعًا كثيرةً؛ لأن ذلك يشقُّ.
فعلى هذا: إذا كان معه عشرون من الضأن، وعشرون من المعز.. فإن الشيخ أبا حامدٍ، وابنَ الصباغِ، وأكثرَ أصحابِنا قالوا: يقومُ جذعةً من الضأن، فإن قيلَ: عشرةُ دراهمَ.. قيل له: خُذْ نصفَ قيمتِها، فذلكَ خمسةٌ؛ لأن الضأنَ نصفُ المالِ، ويقالُ: كمْ قيمةُ ثنيَّةٍ من المعز؟ فإن قيل: ثمانيةُ دراهمَ.. قيلَ له: خُذْ نصفَ قيمتها، وهو أربعةٌ، وضُمَّ ذلك إلى خمسةٍ، فذلك تسعةٌ، فيشتري به شاةً، ولم يذكروا تقويم النصابِ من الضأن، ولا من المعز.
وذكر في " المهذب ": أنه يقوِّمُ النِّصابَ ويقومُ فرضَهُ، ولا معنى لتقويم النصاب، وقد صوَّرها الشافعيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الإبل، إذا ملك خمسًا وعشرينَ: عشرًا مَهريةً، وعشرًا أرحبيَّة، وخمسًا مجيديةً.. أن يقال: كم قيمةُ ابنة مخاضٍ مَهريةٍ؟ فإن قيلَ: ثلاثونَ.. قيل: خذْ خُمسي قيمتها، وهو اثنا عشر؛ لكونِ المَهريَّةِ خُمسي الإبل.
ويقالُ: كم قيمةُ ابنةِ مخاضٍ أرحبيِّةٍ؟ فإن قيلَ: عشرون.. قيلَ: خُذْ خمسي قيمتها أيضًا، وهي ثمانيةٌ، ويقال: كم قيمةُ ابنة مخاضٍ مجيدية؟ فإن قيل: عشرةٌ.. قيل: خذ خمس قيمتها، وهو درهمان، وضُم جميع هذا المأخوذ، وهو اثنان وعشرونَ، وماذا يشتري بذلك؟ فيه وجهان: [الأول]: قالَ عامة أصحابنا: يشتري به من أي أنواع المالِ شاءَ.

فعلى هذا: يشتري في مسألتنا بتسعةِ دراهم في الغنم: إما جذعةً من الضأن، أو ثنيةً من المعزِ، وفي الإبل: يشتري باثنين وعشرينَ درهمًا ابنةَ مخاضٍ من أي الأنواعِ الثلاثةِ شاءَ.
و [الثاني]: قال ابنُ الصبَّاغ: يشتري من أعلى أنواع المالِ، كما إذا كان بعضُ مالِهِ صحيحًا وبعضه مريضًا.. فإن الزكاة تؤخذ بالقسط، ولا يشتري إلا صحيحة.

مسألة: ما يقبل في الزكاة

قال الشافعي: (وروي: «أنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعثَ معاذًا إلى اليمن مصدقًا، فقال: " إياك وكرائم أموالهم».
وروي: أنَّ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - استعمل أبا سفيان بن عبد الله على الطائف ومخاليفها، فقال: (اعتدَّ عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها، ولا تأخذ الأكولة، ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية).
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعبد الله بن زيد: " إذا خرجت مصدقا.. فلا تأخذ الشافع ولا حزرة الرجل».
قال الشافعي: (فالأكولة: هي السمينة التي تعد للذبح، والربى: هي التي يتبعها ولدها).
وتقول العرب: هي في ربابها.
كما يقال: المرأة في نفاسها، قال

الساجي: التي يتبعها ولدها، وهي حديثة العهد بالولادة، فهي في أوان كثرة لبنها، فلا تؤخذ لفضيلتها.
قال الشيخ أبو حامد: وغلط بعض أصحابنا، فقال لا تؤخذ لنقصانها؛ لأن ولدها قد هزلها.
وليس بشيءٍ.
وأما (الماخض): فهي الحاملُ فلا يطالبُ بها؛ لفضيلها، وكذلك ما طرقها الفحلُ، وإن لم يبن حملها؛ لأن البهيمة لا يطرقها الفحل إلا وتحمل في الغالب، وأما (فحل الغنم): فهو الذي ينزو عليها.
وأما (الشافع): فقيل: إنها السمينةُ، وقد روي ما يدلُ على هذا، وهو: «أنَّ رجلين أتيا رجلًا يطلبان منه الصدقة، وقالا: إنَّا رسولا رسولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: فدفعتُ إليهما شاةً ممتلئة شحمًا ولحمًا، فقالا: إنها شافعٌ، وقد نُهينا عن أخذ الشافع» فدل على أنَّ الشافع هي السمينة، وقيل: إنَّ الشافع هي التي في بطنها ولدٌ ويتبعُها ولدٌ، وسميت: شافعًا؛ لأن ولدها شفعها، أو لأنها شفعت ولدها الأول بالآخر.
وأما (حزرة الرجل): فهو المال الذي يحزره الإنسان في نفسه ويقصده بقلبه، قال الشاعر: الحَزَراتُ حَزراتُ القلبِ

قال أبو عبيد الهروي: وقد روي: " ولا حرزات المال " ـ بتقديم الراء ـ فإن رضي رب المال بدفع الربى، والحامل.. أجزأه.
وكذلك: لو وجبت عليه ابنة مخاض، فدفع عنها ابنة لبون، أو حقة.. جاز؛ لأنها أعلى منها.
وقال داودُ: (لا تجزئه الحاملُ؛ لأن الحملَ عيبٌ في الحيوان) بدليل: أنه لو باعه جارية حائلًا في الظاهر، فبانت حاملًا.. كان له ردها، ولا تجزئ الحاملُ في الأضحية، وكذلك عنده: لو دفع ابنة لبونٍ عن ابنةِ مخاض.. لم يُجْزِهِ.
دليلُنا: أنَّ الحمل زيادة في الحيوان، بدليل: أنه يجب دفع الحامل في دية العمد تغليظًا على القاتل، وإنما الحمل نقص في الآدميات، لما ينقص من جمالها واستمتاعها، ويخاف عليها منه الموت عند الولادة، وإنما لم تجزئ الحاملُ في الأضحية؛ لأنه ينقص من لحمها.
وأما الدليل على جواز أخذ سن عما دونها: ما «روى أبي بن كعب: قال: بعثني رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مصدقًا، فمررت برجل، فجمع لي ماله، فرأيت قد وجب فيها ابنةُ مخاضٍ، فقلت له: قد وجبت عليك ابنة مخاض، فقال: إنه لا در لها، ولا ظهر، ولا نسل، وهذه ناقة فتية سمينة عظيمة، فخذها، فقلت لا آخذها؛ لأني لم أومر بأخذ ذلك، وهذا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منك قريبٌ، فاعرض عليه ما عرضت علي، فإن أخذها.. أخذتها، وإن ردها.. رددتها، فأتينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتلك الناقة، فأخبرناه بذلك، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ذلك الذي وجب عليك، فإن تطوعت بخيرٍ.. آجرك الله فيه، وقبلناه منك ". وأمرنا بقبضها».

ولأنها تجزئ عن ست وثلاثين، فلأن تجزئ عما دونها أولى.

مسألة: إخراج القيمة بدل الماشيةِ

ولا يجوزُ إخراجُ القيمةِ في الزكاةِ.
وقال أبو حنيفةَ: (يجوزُ).
دليلنا: أنَّ الحق لله، وقد علقه على ما نص عليه، فلا يجوز نقله إلى غيره، كالأضحية، ولا يجوزُ إخراجها من غير الأنعام.
وإن أخرج ناقةً عن أربعينَ شاةً.. لم يجزه؛ لأن ذلك من غير جنس الحيوان الذي وجبت فيه الزكاة، فهو كالدراهم والدنانير.
والله أعلم.

باب صدقة الخلطة

والخلطة خلطتان: خلطة أوصاف، وخلطة أعيان وأوصاف.
فأما (خلطة الأوصاف): فهو أن يكون ملك كل واحدٍ من الرجلين متميزًا عن ملك الآخر، وإنما خلطا المالين في المرعى والمراح وغيرهما، على ما نذكره.
وأما (خلطةُ الأعيان): وهو أن يكون المال مُشتركًا بينهما مُشاعًا، قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من يسمي هذه: خلطة الاشتراك، والأول: خُلطة الأعيان.
إذا ثبت هذا: فإن الخليطين في الماشية يزكيان زكاة الرجل الواحد، فإن كان لكل واحدِ عشرون من الغنم، وخلطاها حولًا.. وجبت عليهما شاةٌ، وكذلك: لو كانَ لكل واحدٍ منهما أربعونَ من الغنم، ولم ينفرد أحدُهما عن الآخر بالحول، وخلطاها حولًا.. وجبت عليهما شاةٌ واحدةٌ، وبه قال عطاءٌ، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاقُ.
وقال أبو حنيفة: (لا تأثير للخلطةِ في الزكاةِ، وزكاتُهما كما لو كانا منفردين).
وقال مالكٌ: (إن كان لكل واحدٍ نصابٌ، وخلطا المالين.. زكيا زكاةَ الواحدِ ـ كقولنا ـ وإن كان لكل واحدٍ أقل من نصابٍ، فخلطا المالين.. لم تجب عليهما زكاةٌ)، كقول أبي حنيفة.
دليلنا: ما «روى أنسٌ: أنَّ أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما ولاه البحرين.. كتب له كتاب الصدقات: (هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التي أمر الله بها، إلى أن قال: ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» فمعنى قوله: «لا يُجمعُ بين مفترقٍ»، أي: لا يجمعُ الساعي بين ملكين في مكانين؛ ليأخذ منهما زكاة الواحد، مثل: أن يكون لأحدهما مائة شاة وشاة، وللآخر مائة شاة، فليس للساعي أن يجمع بينهما؛ ليأخذ منها ثلاث شياه، بل يأخذ من كل واحدٍ منهما شاة، ووافقنا أبو حنيفة: أنَّ هذا مراده بقوله: «ولا يجمع بين مفترقٍ».
وأما قوله: «ولا يفرق بين مجتمع» وهو موضع الدليل من الخبر: فيتصور ذلك في ثلاث مسائل: إحداهنَّ: إذا كان بين ثلاثةِ أنفس مائة وعشرون شاةً، لكلّ واحدٍ أربعون، وهم مختلطون.. فليس للساعي أن يفرق بينهم؛ ليأخذ من كل واحدٍ شاةً، بل يأخذ منهم شاةً واحدةً.
الثانية: إذا اختلط الرجلان بأربعين شاةً.. فيجب عليهما شاةٌ، وليس لهما أن يفرقا حكميهما بعد تمام الحول، خشية وجوب الزكاة.
الثالثة: إذا كان لأحدهما مائة شاةٍ وشاةٌ، ولأحدهما مائة شاةٍ، فاختلطا حولًا.. وجبَ عليهما ثلاثُ شياه، ولا يفرقُ حكمهما، خشية وجوب الزكاة الثالثة عليهما.
وأما قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خشية الصدقة»: فالخشية خشيتان: خشية من الساعي أن يغل الصدقة، وذلك في مسألتين: إحداهما: إذا كان المال في مكانين.. فليس له أن يجمع بينهما، كما مضى.
الثانية: ليس له أن يفرق بين الشركاء الثلاثة في مائة وعشرين من الغنم.
وخشية أرباب الأموال أن تكثر الصدقة، وذلك في مسألتين: وهما الأخريان من الثلاثة المسائل.

جارٍ التحميل