كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدهما: يجب؛ لأن العادة جرت به.
والثاني: لا يجب، كما لا يجب الطيب في حق المفلس.
فإذا فرغ من ذلك... أدرج في ثوب.
قال الشافعي في موضع: (يثني صنفة الثوب من جانبه الأيمن، ويمده إلى جانبه الأيسر، ثم يأخذ صنفة الثوب من جانبه الأيسر، ويمده إلى جانبه الأيمن).
وقال في موضع آخر: (بل يأخذ حاشية الثوب من جانبه الأيسر، ويمده إلى جانبه الأيمن، ثم يأخذ حاشية الثوب من جانبه الأيمن، ويمده إلى جانبه الأيسر، ويكون العالي ما على كتفه الأيسر).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
ومنهم من قال: هي على قول واحد، وأنه يبتدأ بالأيسر على الأيمن، ثم بالأيمن على الأيسر، وهو الأصح؛ لأن هذا عادة الحي في الرداء أو الطيلسان.
ثم يفعل ببقية الأكفان كذلك، ويجعل ما يلي الرأس من زيادة الأكفان أكثر مما يلي الرجلين، كالحي ما على رأسه أكثر، ويرد ما بقي عند رأسه على وجهه، وما بقي عند رجليه على ظهر قدميه، فإن خافوا أن تنتشر الأكفان... عقدوها عليه، فإذا أدخلوه القبر
حلوها؛ لأنه يكره أن يكون معه في القبر شيء معقود، ولهذا استحب ألا يكون معه شيء مخيط، ولأن الانتشار قد أمن منه.
وإن كان الكفن قصيرًا لا يعم بدنه... ستر به عورته، وما بقي من ستر عورته
غطي به صدره ورأسه؛ لما ذكرناه في حديث مصعب بن عمير.
مسألة: تكفين المرأة
وأما المرأة: فإنه يستحب أن تكفن في خمسة أثواب.
قال القاضي أبو الفتوح: وكذلك الخنثى يستحب أن يكفن في خمسة أثواب، كالمرأة، وهل يستحب أن يكون أحدها درعا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يستحب؛ لأنها ميتة، فلم يستحب في كفنها المخيط، كالرجل، ولأن الدرع إنما تحتاج إليه المرأة؛ لتستتر به في تصرفها، والميت لا يتصرف.
فعلى هذا: تؤزر بإزار، وتخمر بخمار، وتدرج في ثلاثة أثواب.
والثاني: يستحب أن يكون أحدها درعًا.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح؛ لما روي عن أم عطية: أنها قالت: «لما غسلنا ابنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان جالسًا على الباب يناولنا الأكفان واحدًا واحدًا، فناولنا إزارًا، ودرعًا، وخمارًا، وثوبين»
ولأن أفضل حال الإنسان، إذا كان محرمًا، فلما كان للمرأة المحرمة لبس المخيط، فكذلك بعد الموت.
فعلى هذا: تؤزر بإزار، وتلبس الدرع، وتخمر بخمار، وتدرج بثوبين.
قال الشافعي: (ثم يشد على صدرها ثوب؛ ليجمع أثوابها).
فقال الشيخ أبو إسحاق: هذا ثوب سادس ليس من جملة الأكفان، فيحل عنها في القبر.
وقال أبو العباس: هو من جملة الأكفان، ولكن يكون فوق اللفافة؛ لأن الشافعي لم يذكر أنه يحل.
والأول أشبه بقول الشافعي؛ لأنه قال: (يجمع عليها الثياب).
وهذا يقتضي أن يكون أعلاها.
فرع: كراهة المعصفر للمرأة
ويكره أن تكفن المرأة في المعصفر والمزعفر.
وقال أبو حنيفة: (لا يكره).
وبه قال بعض أصحابنا.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الثياب البيض: «وكفنوا فيها موتاكم».
وهذا يعم الرجال والنساء.
قال الصيمري: ولا يستحب أن يعد الرجل كفنه في حياته، لئلا يحاسب عليه.
مسألة: تكفين المحرم
إذا مات محرم... لم ينقطع إحرامه بموته، فلا يلبس المخيط، ولا يخمر رأسه، ولا يقرب طيبًا في بدنه، ولا في ثيابه، ولا يجعل الكافور في الماء الذي يغسل به.
هذا مذهبنا، وبه قال من الصحابة: عثمان، وعلي، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ومن التابعين: عطاء، ومن الفقهاء: الثوري، وأحمد، وإسحاق.
وذهبت طائفة إلى: أن بموته ينقطع حكم إحرامه، فيلبس المخيط، ويخمر رأسه، ويطيب.
ذهب إليه من الصحابة: ابن عمر، وعائشة، ومن الفقهاء: الأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة وأصحابه.
دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن رجلاً محرمًا خر من بعيره، فوقص، فمات، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما، ولا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبًا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا».
وروي: "ملبدًا".
فإن طيبه إنسان... لم تجب الفدية على الذي طيبه؛ لأن الطيب في الإحرام يتعلق به حقان: حق لله، وحق للآدمي، فحق الآدمي: هو الانتفاع بالطيب، وحق الله: التحريم، والفدية تجب في مقابلة الانتفاع به، وإذا مات
زال انتفاعه بالطيب، فسقطت الفدية، وحق الله لم يزل بموت المحرم، فلم يسقط التحريم.
وهذا كما نقول في الجناية على الآدمي: يتعلق بها حقان: حق الله تعالى، وهو التحريم، وحق الآدمي، وهو القصاص، أو الأرش.
فإذا مات إنسان، ثم جنى عليه إنسان... لم يلزمه القصاص ولا الأرش؛ لزوال حقه بموته، وكان عليه الإثم، لحق الله تعالى.
فرع: تطييب المعتدة
وإن ماتت معتدة عن الوفاة... فهل يسقط تحريم الطيب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يسقط، كالمحرمة.
والثاني: يسقط؛ لأن المعتدة إنما حرم عليها الطيب؛ لئلا يدعوها ذلك إلى النكاح، وذلك لا يوجد بعد الموت، فسقط التحريم.
وبالله التوفيق
باب الصلاة على الميت
الصلاة على الميت فرض على الكفاية، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله».
وفرض الكفاية كفرض الأعيان في ابتداء الوجوب؛ لأن فرض الأعيان يجب على كل واحد بعينه، وفرض الكفاية أيضًا يجب على كل أحد علم بالميت إلا أنهما يختلفان في الفعل، ففرض الكفاية إذا قام به بعض الناس... سقط الفرض عنهم وعن غيرهم، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره.
إذا ثبت هذا: ففي أدنى ما يسقط به فرض الصلاة على الميت قولان، حكاهما أصحابنا البغداديون.
أحدهما: ثلاثة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله».
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "صلوا" خطاب للجمع، وأقل الجمع ثلاثة.
والثاني: يسقط الفرض بواحد؛ لأنها صلاة لا تفتقر إلى الجماعة، فلم تفتقر إلى العدد، كسائر الصلوات.
وقولنا: (لا تفتقر إلى الجماعة) احتراز من الجمعة، فإنها لا تصح فرادى، فلذلك اشترط العدد فيها.
وأصحابنا الخراسانيون يحكون فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: ثلاثة.
والثاني: واحد.
والثالث أربعة.
وهل يسقط الفرض بصلاة النساء؟ فيه وجهان، قال صاحب " الإبانة " [ق \ 108]: لا يسقط الفرض بفعلهن، واختار القاضي أبو الفتوح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا على من قال: لا إله إلا الله».
وهذا خطاب للذكور.
فعلى هذا: إذا صلى عليه الخنثى المشكل... لم يسقط الفرض.
وقال صاحب " المجموع ": يسقط الفرض بفعلهن، كالغسل.
وذكر الشيخ أبو حامد: أن الرجال إذا كانوا موجودين، فالفرض لا يتوجه على النساء، وهذا يدل من قوله: إذا عدم الرجال... توجه الفرض عليهن.
والسنة: أن تصلى في جماعة؛ لنقل الخلف عن السلف.
ويستحب أن يكونوا ثلاثة صفوف؛ لما روي «عن مالك بن هبيرة: أنه كان إذا صلى على ميت، فتقال الناس، جزأهم ثلاثة صفوف، ثم قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "من صلى عليه ثلاثة صفوف... فقد أوجب».
وروت عائشة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يموت من المسلمين ميت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة، فيشفعون له، إلا شفعوا له».
قال الشيخ أبو إسحاق: وإن اجتمع نسوة، ولا رجل معهن... صلين على الميت فرادى؛ لأن النساء لا يسن لهن الجماعة في الصلاة على الميت، فإن صلين جماعة
فلا بأس.
مسألة: نعي الموتى
ويكره نعي الميت، وهو: أن ينادى في الناس: إن فلانًا قد مات؛ ليشهدوا جنازته، وحكى الصيدلاني وجهًا آخر: أنه لا يكره؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نعى النجاشي للناس».
وقال النخعي: لا بأس أن تعرف قرابة الميت.
دليلنا: ما روى عبد الله بن مسعود: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إياكم والنعي، فإنه من عمل الجاهلية».
قال عبد الله: والنعي: أذان بالميت.
وقال حذيفة: (إذا مت، فلا تؤذنوا بي أحدًا، فإني أخاف أن يكون نعيًا).
مسألة: الأولى بالصلاة على الميت
]: وأولى الناس بالصلاة على الميت: الأب، ثم الجد وإن علا، ثم الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأخ ثم بنوه، ثم العم، ثم بنوه، ثم يقدم الأقرب فالأقرب.
وقال مالك رحمة الله عليه: (يقدم الابن على الأب)؛ لأنه أقوى تعصيبًا منه في الميراث.
دليلنا: أن المقصود من الصلاة على الميت الدعاء له، والأب يساوي الابن في الإدلاء إلى الميت، ويزيد على الابن بأنه أحنى على الميت، وأكثر شفقة منه، فقدم؛ لأن دعاءه أرجى إجابة.
فرع: لا ولاية للزوج في التقدم
ولا ولاية للزوج في التقدم بالصلاة على زوجته.
وقال الشعبي، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وإسحاق رحمة الله عليهم: هو أولى من القريب.
وروي ذلك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
وقال أبو حنيفة: (لا ولاية له، إلا أنه يكره لابنه أن يتقدم عليه، فيقدم الزوج هاهنا).
دليلنا: أنه لا ولاية له، فلم يقدم على العصبات، كتزويج الزوج جارية زوجته.
وما قاله أبو حنيفة يبطل بتقديم الأب مع الجد.
وإن اجتمع أخ لأب وأم، وأخ لأب... فمن أصحابنا من قال: فيهما قولان:
أحدهما: أنهما سواء.
والثاني: يقدم الأخ للأب والأم، كما قلنا فيهما إذا اجتمعا في ولاية النكاح، وتحمل العقل.
ومنهم من قال: يقدم هاهنا الأخ للأب والأم، قولاً واحدًا، لأن للأم مدخلاً في الصلاة على الميت؛ لأنها تصلي عليه مأمومة ومنفردة، فقدم من يدلي بها، كما يقدم من يدلي بها في الميراث، حين كان لها مدخل في الميراث.
وإن لم يكن من العصبة، ولا مدخل لها في ولاية النكاح، ولا في تحمل العقل، فإن قلنا: إنهما سواء... فأولادهما سواء، وإن قلنا: يقدم ذو القرابتين
قدم ابنه على ابن الآخر.
وإن اجتمع عمان، أحدهما: يدلي بالأب والأم، والآخر: يدلي بالأب.
فعلى الطريقين.
وكذلك: إذا كان هناك ابنا عم، أحدهما: أخ لأم، فعلى الطريقين.
وإن اجتمع أخوان، أحدهما: حر، والآخر: مملوك... فالحر أولى.
وإن كان هناك أخ هو عبد، وعم حر... ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\107]:
أحدهما: العبد أولى؛ لأنه أقرب.
والثاني - وهو المنصوص، ولم يذكر أصحابنا البغداديون غيره -: (أن العم أولى)؛ لأنه أكمل.
قال أصحابنا: وقد سها المزني في نقله، حيث قال: (والولي الحر أولى من الولي المملوك)، وقالوا: لا يسمى المملوك وليًا، بل قد قال الشافعي في " الأم " [1/244]: (والولي الحر أولى من المملوك).
قال صاحب " الإبانة " [ق\107]: والقريب المملوك أولى من الأجنبي الحر؛ لأنه أرجى إجابة.
فرع: اجتماع وليين في رتبة
فإن اجتمع وليان في درجة واحدة... ففيه وجهان:
أحدهما: يقدم الأفقه، كما قلنا في الصلاة المفروضة.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنه يقدم الأسن)، والفرق بينهما: أن الحق في الصلاة المفروضة لله، فقدم الأفقه؛ لأنه أعرف بحق الله، والحق - هاهنا - للميت، فقدم الأسن؛ لأنه أرجى إجابة، ولهذا قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله يستحيي أن يرد للشيخ دعوة».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن من إجلال الله وكرمه إكرام ذي الشيبة المسلم».
فإن لم يكن الأسن محمود الطريقة... قدم الأفقه، وكذلك إذا استويا في
السن... قدم الأفقه؛ لأن له مزية بالفقه، فإن استويا في ذلك
أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
وإن اجتمع الولي والوالي... ففيه قولان:
[الأول]: قال في القديم: (يقدم الوالي).
وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يؤم الرجل في سلطانه».
وروي: أن الحسن بن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما مات... دفع الحسين بن علي في قفا سعيد بن العاص، وهو وال يومئذ بالمدينة، وقال: (تقدم، فلولا السنة ما قدمتك).
و [الثاني]: قال في الجديد: (الولي أولى).
وهو الصحيح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 6] [الأحزاب: 6]، وهذا عام في الصلاة وغيرها، ولأنها ولاية مستحقة بالنسب، فقدم الولي فيها على الوالي، كولاية النكاح.
وأما الخبر: فمحمول على صلاة الفرض.
وأما تقديم الحسين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فخاف إن منعه ذلك أن تكون فتنة، والسنة: إطفاء الشر، ويحتمل أن يكون الحسين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قد صلى عليه قبل ذلك.
فرع: وصى أن يصلي عليه رجل
إذا أوصى الميت أن يصلي عليه رجل... لم يقدم على الأولياء.
وقال أنس بن مالك، وزيد بن أرقم: (الوصي أولى)، وهو قول أحمد، وإسحاق.
وقال مالك: (إن كان الوصي ممن يرجى دعاؤه... قدم على الولي).
دليلنا: أنها ولاية ترتبت فيها العصبات، فلم يقدم الوصي على العصبات، كولاية النكاح.
فإن غاب الولي الأقرب، واستناب من يصلي... فالذي استنابه أولى من القريب البعيد الحاضر.
وقال أبو حنيفة: (القريب الحاضر أولى).
دليلنا: أن الغائب على ولايته، فكان من استنابه أولى من الولي البعيد الحاضر، كما لو كان الولي القريب حاضرًا، واستناب غيره.
فرع: يقدم المملوك والصبي على النساء
وإن كان ميت في فلاة، ومعه نساء ومملوك وصبي يعقل... فالمملوك والصبي أولى منهن، والمملوك أولى من الصبي؛ لأن المملوك مكلف، فإن لم يكن إلا النساء
صلين عليه فرادى، فإن صلين عليه جماعة... قامت إمامتهن في وسطهن.
وقال أبو حنيفة: (يصلين عليه جماعة).
دليلنا: أن النساء لم يسن لهن الصلاة على الجنازة... فلم يشرع لهن الجماعة.
هكذا ذكر ابن الصباغ، وهذا يدل عليه من قوله: إن الفرض لا يسقط بصلاتهن.
وقد مضى ذكر ذلك.
مسألة: شروط صلاة الجنازة
ومن شروط صحة صلاة الجنازة: الطهارة بالماء عند وجوده، أو التيمم عند عدمه، أو الخوف من استعماله، وهو قول كافة أهل العلم.
وقال الشعبي، وابن جرير: الطهارة ليست من شرط صحة صلاة الجنازة، وبه قال الشيعة؛ لأن المقصود منها الدعاء.
وقال أبو حنيفة: (إن خاف فوتها بالاشتغال بالطهارة بالماء... تيمم لها مع وجود الماء).
وقد مضى الخلاف فيها لأبي حنيفة في التيمم.
ودليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6] الآية.
[المائدة:6].
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة إلا بطهور».
ولم يفرق بين صلاة الجنازة وغيرها.
ولأن صلاة الجنازة تفتقر إلى ستر العورة، والطهارة من النجاسة، واستقبال القبلة، فافتقرت إلى الطهارة عن الحدث، كسائر الصلوات.
مسألة: صلاة الجنازة في المسجد
لا تكره الصلاة على الجنازة في المسجد.
وقال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (تكره).
دليلنا: ما روي: «أن عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أمرت بجنازة سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه أن تدخل المسجد، ليصلى عليها، فأنكر عليها ذلك، فقالت: (ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على سهيل ابن بيضاء وأخيه إلا في المسجد»
ولا تكره الصلاة على الميت في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
وقال الأوزاعي: (تكره).
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا تجوز في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها؛ لأجل الوقت، وتجوز في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها؛ لأجل الفعل).
وقد مضى ذكر ذلك.
فرع: موقف الإمام في الجنازة
]: وفي مسنون موقف الإمام من الرجل وجهان: أحدهما - وهو قول الشيخ أبي حامد -: أن يقف عند رأسه.
والثاني - وهو قول أبي علي الطبري -: أنه عند صدره.
وأما المرأة: فلا يختلف أصحابنا فيها، بل يقف الإمام عند عجيزتها، وكذلك الخنثى يقف عند عجيزته، كالمرأة.
وقال أبو حنيفة: (يقف عند صدر الرجل والمرأة).
وقال مالك رحمة الله عليه: (يقف من الرجل عند وسطه، ومن المرأة عند منكبيها).
دليلنا: ما روى سمرة بن جندب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها».
«وروى أبو غالب: قال: (كنت في سكة المدينة، يعني: البصرة، فمرت جنازة معها ناس كثير، فقيل: هذه جنازة عبد الله بن عمير، فتبعتها، فإذا برجل عليه كساء رقيق، وعلى رأسه خرقة تقيه من الشمس، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فلما وضعت الجنازة... قام أنس، فصلى عليها، وأنا خلفه، لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه، فكبر أربعًا، ثم ذهب، فقعد، فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية، فأتي بها، وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، وصلى عليها صلاته على الرجل، فقال له العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كانت صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكبر أربعًا، ويقوم عند رأس الرجل، وعند عجيزة المرأة؟ قال: نعم، فلما فرغ
قال: احفظوا».
وذكر الترمذي: أن المرأة كانت من قريش.
مسألة: اجتماع جنائز
وإن اجتمع جنائز... فالأولى أن يفرد كل جنازة بصلاة، فإن أراد الإمام أن يصلي على جميعها صلاة واحدة
جاز؛ لأن القصد من ذلك الدعاء، وذلك يحصل بصلاة واحدة.
فإن كانت الجنائز جنسًا: إما رجالاً، أو نساء... ففي كيفية وضعها وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\107]:
أحدهما: يوضع رأس كل واحد عند رجل الآخر.
والثاني: يوضع كل واحد بجنب الآخر، كالصف، ويقدم إلى الإمام أفضلهم، وهذه طريقة أصحابنا البغداديين، وهو الصحيح.
وإن اجتمع جنازة رجل، وصبي، وخنثى، وامرأة: فإن الرجل يكون مما يلي الإمام، ثم الصبي بعده، ثم الخنثى، ثم المرأة مما يلي القبلة.
وقال القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب: يكون الرجل مما يلي القبلة، والمرأة مما يلي الإمام؛ لأن أشرف المواضع ما يلي القبلة، فخص الرجل بها، كما إذا دفنا معًا في اللحد.
دليلنا: ما روي عن عمار بن أبي عمار: أنه قال: (لما ماتت أم كثلوم بنت علي بن أبي طالب، وابنها زيد بن عمر بن الخطاب، فصلى عليهما سعيد بن زيد، فجعل زيدًا مما يليه، وأمه مما يلي القبلة، وفي القوم الحسن، والحسين، وابن عباس، وأبو هريرة، حتى عد ثمانين من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هكذا السنة).
وروي: (أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما صلى على تسع جنائز، رجالاً ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة).
ولأن الرجال يلون الإمام في جميع الصلوات، فكذلك هاهنا، ويخالف اللحد؛ لأنه ليس ثم إمام، فاعتبرت القبلة، وهاهنا إمام، فاعتبر القرب منه.
فرع: اختلاف أولياء الموتى
وإن اختلف أولياؤهم فيمن يوضع للصلاة أولاً؟ فإن كان الأموات رجالاً أو نساء... قدم السابق؛ لأن له مزية السبق.
وإن كان رجلاً وامرأة... قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (قدم الرجل، سواء كانت المرأة سابقة أو مسبوقة؛ لأن سنة موقف المرأة أن تكون خلف الرجل).
وإن كان رجلا وصبيًا: فإن كان الرجل هو السابق... قدم إلى الإمام، وإن كانت جنازة الصبي سابقة، قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لم أؤخره؛ لأن له حق السبق، وقد يقف مع الرجل في الموقف، بخلاف المرأة مع الرجل).
[مسألة: صلاة الجنازة قائمًا]
إذا أراد الصلاة على الميت... قام، فإن صلى عليه قاعدًا مع القدرة على القيام
لم تصح.
وقال أبو حنيفة: (يصح).
دليلنا: أنها صلاة مفروضة، فوجب فيها القيام مع القدرة عليه، كسائر الصلوات المفروضة.
ويجب أن ينوي الصلاة المفروضة، ويجب أن ينوي الصلاة على الميت؛ لأنها صلاة، فوجبت لها النية، كسائر الصلوات، ولا يفتقر أن ينوي أن الميت رجل أو امرأة.
فإن نوى أن يصلي على هذا الرجل الميت، فبان الميت امرأة، أو نوى أن يصلي على المرأة، فبان رجلاً... قال المسعودي [في " الإبانة " ق\108]: لم يجزه.
ولا يجوز أن ينوي بها سنة؛ لأنها لا يتنفل بمثلها؛ ولأنها تتعين بالدخول فيها.
وهل يلزمه أن ينوي أنها فريضة؟ قال الصيدلاني: فيه وجهان، كما قلنا في سائر الصلوات المفروضة.
[فرع: التكبير على الجنازة أربعًا]
ويكبر أربعًا، وبه قال عمر، وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وعقبة بن عامر، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وداود رحمة الله عليهم.
وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (يكبر ثلاث تكبيرات).
وبه قال ابن سيرين، وجابر بن زيد رحمة الله عليهما.
و: (كان علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه يكبر على من كان بدريًا ست تكبيرات، وعلى غيره من الصحابة خمس تكبيرات، وعلى غير الصحابة أربع تكبيرات).
وقال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «كبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الجنائز، تسعًا، وسبعًا، وخمسًا، وأربعًا، فكبروا ما كبر الإمام».
وقال زيد بن أرقم، وحذيفة بن اليمان: (يكبر خمسًا)، وإليه ذهبت الشيعة.
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نعى النجاشي لأصحابه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعًا».
وروى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أن آخر ما كان كبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الجنازة أربعًا» وكذلك حديث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الذي مضى ذكره.
وروى أبي بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الملائكة صلت على آدم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكبرت عليه أربعًا، وقالت: هذه سنتكم يا بني آدم».
فإن كبر خمسًا عامدًا... فقد ذكر في " الإبانة " [ق\108] وجهين:
أحدهما: تبطل صلاته، كما قلنا: لو زاد في الصلاة ركعة عامدًا.
والثاني: لا تبطل؛ لأنه زاد ذكرًا، وهذا هو الصحيح.
ويستحب أن يرفع يديه حذو منكبيه في كل تكبيرة.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يرفع يديه، إلا في الأولى).
دليلنا: ما روي عن ابن عمر، وأنس: (أنهما كانا يفعلان ذلك في التكبيرات كلها).
ولأنها تكبيرة في صلاة الجنازة... فسن فيها رفع اليدين كالأولى.
مسألة: قراءة الفاتحة
]: ثم يقرأ بعد التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب، وهي واجبة، وبه قال أحمد رحمة الله عليه، وإسحاق، وداود.
وروي ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري: (لا يقرأ فيها شيئًا من القرآن).
وقال مالك: (أكره القراءة، وإنما يأتي بعد الأولى بالتحميد).
دليلنا: ما روي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كبر على الميت أربعًا، وقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن».
ولأنها صلاة يجب فيها القيام فوجب فيها القراءة، كسائر الصلوات.
وهل يسن دعاء التوجه والتعوذ قبلها والسورة بعدها؟ فيه وجهان:
[الأول]: قال عامة أصحابنا: لا يسن شيء من ذلك؛ لأنها مبنية على الحذف والإيجاز.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: يسن ذلك كله، كما يسن في غيرها من الصلوات.
وهل يسن الجهر بالقراءة فيها؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال عامة أصحابنا: لا يسن ذلك، سواء صلاها ليلاً أو نهارًا؛ لما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه جهر بالقراءة فيها، وقال: (إني لم أجهر فيها؛ لأن الجهر مسنون فيها، ولكن أحببت أن تعلموا أن لها قراءة واجبة).
و [الثاني]: قال الداركي: يجهر فيها، إن صلى بالليل، كالمغرب والعشاء.
وليس بشيء.
مسألة: ما يقال عقب التكبيرة الثانية
فإذا كبر الثانية... صلى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو واجب؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صلاة لمن لم يصل على نبيه»
قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع.
قال الشافعي: (ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ولا يجب، وإنما يستحب)؛ لأن في سائر الصلوات يدعو للمؤمنين والمؤمنات بعد الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ونقل المزني: (أنه إذا كبر الثانية... حمد الله، وصلى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).
قال أصحابنا: وهذا لا يعرف للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ولأن هذا ليس بموضع حمد.
مسألة: الدعاء للميت بعد الثالثة
ثم يكبر الثالثة، ويدعو للميت، وذلك واجب؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا صليتم على موتاكم... فأخلصوا لهم بالدعاء».
ولأن القصد من الصلاة عليه الدعاء له، فلا ينبغي الإخلال به.
وأما صفة الدعاء: فقد روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أدعية مختلفة، إلا أن أكثر ما نقل عنه: أنه كان يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا... فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا
فتوفه على الإسلام ". وزاد ابن الصباغ في أوله، وهو: اللهم اغفر لأولنا وآخرنا، وفي آخره: فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده» قال: وعليه أكثر أهل خراسان.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا وقف فيه، فأي دعاء دعا فيه... أجزأه).
واختار - رَحِمَهُ اللَّهُ - دعاء ذكره في " الأم " [1/240]: (اللهم هذا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم، إن كان محسنًا
فزد في إحسانه، وارفع درجته، وقه عذاب القبر، وهول يوم القيامة، وابعثه من الآمنين، وإن كان مسيئًا... فتجاوز عن سيئاته، وبلغه بمغفرتك وطولك درجات المحسنين، اللهم إنه قد فارق ما كان يحب من سعة الدنيا وأهلها وغيره، وصار إلى ظلمة القبر وضيقه، وجئناك شفعاء له، نرجو له مغفرتك، اللهم إنه فقير إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه).
ونقل المزني عنه [في " المختصر " (1/183) دعاء أطول منه، وهو: (اللهم هذا عبدك، وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحباؤه فيها، إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدًا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم نزل بك، وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرًا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسنًا... فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا
فتجاوز عنه، ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وافسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك، يا أرحم الراحمين).
ومعنى قولنا: (كان يشهد أن لا إله إلا أنت)، أي: إنما دعوناك له؛ لأنه كان يشهد.
وإن كان الميت صغيرًا... قال في موضع الدعاء له: اللهم اجعله فرطًا وذخرًا وأجرًا، ويدعو لأبويه، فيقول: اللهم اجعله لهما سلفًا وذخرًا، وفرطًا وغبطة واعتبارًا.
مسألة: الدعاء بعد الرابعة
فإذا كبر الرابعة... فروى المزني: (إنه يسلم).
وذكر الشافعي في موضع آخر: (أنه إذا كبر الرابعة، قال: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده).
قال أصحابنا: وليست على قولين، ولا اختلاف حالين، وإنما ذكره في موضع، وأغفله في آخر، وليس بواجب.
ثم يسلم، وذلك واجب؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم».
وهل يسن تسليمتان، أو تسليمة واحدة؟ فيه قولان، كسائر الصلوات.
مسألة: من سبق ببعض التكبيرات في صلاة الجنازة
مسألة: [من سبق ببعض التكبيرات]: فإن فاته الإمام ببعض التكبيرات... فإنه يكبر، ولا ينتظر تكبيرة الإمام.
وقال أبو حنيفة، وأحمد: (لا يكبر، بل ينتظر تكبيرة الإمام، فيكبر معه).
دليلنا: أنه مدرك للإمام، فدخل معه، كسائر الصلوات.
إذا ثبت هذا: وأدرك المأموم الإمام في القراءة... فإنه يكبر، ويقرأ، فإذا كبر الإمام الثانية، فإن كان المأموم قد فرغ من القراءة
كبر الثانية، وإن لم يفرغ من القراءة... فهل يقطع القراءة ويكبر، أو يتم القراءة؟ فيه وجهان: كالمسبوق إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة.
فإذا قلنا: يقطع القراءة ويكبر... فهل يتم القراءة بعد التكبيرة الثانية؟ فيها وجهان، خرجهما ابن الصباغ:
أحدهما: يتم القراءة؛ لأن محلها القيام، وهو باق.
والثاني: لا يتمها؛ لأن محلها ما قبل التكبيرة الثانية.
فإن أدركه بعد التكبيرة الثانية... فإنه يكبر، ويقرأ ما يقتضيه ترتيب صلاته، لا ما يقتضيه ترتيب صلاة الإمام.
فإذا سلم الإمام، وقد بقي عليه شيء من التكبيرات... أتى بهن.
وقال الأوزاعي: (لا يأتي بهن).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وما فاتكم فاقضوا».
وهل يجب عليه أن يأتي بالذكر بين التكبيرات؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب عليه أن يأتي به؛ لأن الميت يرفع.
والثاني: يجب عليه أن يأتي به، كما لو كان الميت غائبًا.
مسألة: تعجيل الدفن
]: إذا صلي على الميت... بودر إلى دفنه، ولا يوضع لمن أراد أن يصلي عليه ثانيًا، إلا أن يكون وليه لم يصل عليه، فجاء ليصلي، فإن لم يخش تغير الميت
فلا بأس أن يوضع ليصلي عليه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن صلى عليه بعض الأولياء والناس، ثم جاء ولي آخر كان غائبًا، فأراد الصلاة عليه... لم توضع له الجنازة، فإن وضعت له
رجوت أن لا يكون به بأس، ومن فاتته الصلاة... صلى على القبر).
وإليه ذهب ابن سيرين، وأحمد رحمة الله عليهما.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا تجوز الصلاة على القبر، إلا أن يكون الميت قد دفن بغير صلاة، فيجوز أن يصلى على القبر إلى ثلاثة أيام، وبعد الثلاث: لا يجوز، وإن صلي عليه... لم يصل على القبر إلا الولي، أو الوالي، أو إمام الحي).
دليلنا: ما روي: «أن امرأة مسكينة مرضت، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا ماتت... فآذنوني"، فماتت ليلاً، فدفنوها، ولم يوقظوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما أصبح
أخبر بذلك، فقال: "آلا آذنتموني؟ "، فقالوا: كرهنا أن نوقظك، فخرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى قبرها، ووقف بالناس، وصلى عليها، وكبر أربعًا».
فإن قالوا: فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو الإمام.
قلنا: قد أجاز النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاتهم عليها.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدم المدينة، وقد مات البراء بن معرور وكان قد أوصى له، فقبل وصيته، وصلى على قبره بعد شهر».
إذا ثبت هذا: فإلى أي وقت تجوز الصلاة على القبر؟ فيه أربعة أوجه:
أحدها: إلى شهر، وبه قال أحمد رحمة الله عليه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على قبر البراء بن معرور، وعلى أم سعد بن عبادة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بعدما دفنا بشهر، ولم ينقل أكثر منه.
والثاني: ما لم يبل جسده ويذهب؛ لأنه إذا كان باقيًا... فهو بمنزلة حال الموت.
والثالث: يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه؛ لأنه من أهل الخطاب بالصلاة عليه، فأما من ولد أو بلغ بعد موته: فلا يصلي عليه؛ لأنه لم يكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه.
والرابع: أن يصلى عليه أبدًا؛ لأن القصد منها الدعاء له، وذلك يوجد بعد طول المدة.
فأما الصلاة على قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فلا تجوز على الأوجه الثلاثة الأولى؛ لأنه قد مضى أكثر من شهر، ولأنا لا نعلم بقاءه في القبر؛ لأن الأنبياء يرفعون من قبورهم، ولأنا لم نكن من أهل الخطاب بالصلاة عليه عند موته.
وأما على الوجه الرابع: فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: تجوز الصلاة عليه.
ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره، قال: وكذلك لو صلى على قبر آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -... جاز ذلك، كما يجوز ذلك في حق سائر الموتى.
ومنهم من قال: لا يجوز.
حكاه ابن الصباغ وغيره؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تتخذوا قبري مسجدًا».
وروي: «لا تتخذوا قبري وثنًا، فإنما هلك بنو إسرائيل؛ لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
وهل يستحب لمن صلى على الميت أن يعيد الصلاة عليه مع من لم يصل عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يستحب، كما قلنا في سائر الصلوات.
والثاني: لا يستحب؛ لأن صلاته الثانية نفل، وصلاة الجنازة لا يتنفل بمثلها.
مسألة: الصلاة على الغائب
وتجوز الصلاة على الميت الغائب عن البلد، فيتوجه المصلي إلى القبلة، ويصلي عليه بالنية، سواء كان الميت في جهة القبلة أو لم يكن، وبه قال أحمد بن حنبل رحمة الله عليه.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا تجوز الصلاة على الغائب).
دليلنا ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نعى النجاشي لأصحابه يوم مات، وخرج بهم إلى المصلى، وصف بهم، وكبر أربعًا».
هذا إذا كان الميت في بلد أخرى، أو قرية أخرى، وبينهما مسافة، سواء كان ما بينهما قريبًا أو بعيدًا.
فإن كان الميت في طرف البلد... لم يجز أن يصلي عليه حتى يحضر عنده؛ لأنه يمكنه ذلك.
وإن كان بحضرة الجنازة، فتقدم عليها، وصلى، وهي خلفه ظهره... ففيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\107]:
أحدهما: يجوز، كما لو كان الميت غائبًا.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الأصول فرقت بين حال الضرورة والإمكان، وهاهنا: أمكنه أن تكون الجنازة أمامه.
مسألة: وجود جزء من الميت
إذا وجد بعض الميت... فإنه يجب غسله والصلاة عليه، سواء وجد أكثر البدن أو أقله، حتى لو وجد منه أصبع بعد أن علم أنه انفصل من ميت، وبه قال أحمد
رحمة الله عليه، وإن وجد منه الظفر أو الشعر... ففيه وجهان:
أحدهما: يغسل، ويصلى عليه، كسائر أعضائه.
والثاني: لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ لأن ذلك يوجد منه في حال الحياة.
وقال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما: (إن وجد أكثر البدن... صلي عليه، وإن وجد الأقل
لا يغسل، ولا يصلى عليه).
دليلنا: ما روي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه صلى على عظام بالشام).
و: (صلى أبو عبيدة بن الجراح - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه على رؤوس من المسلمين).
و: (صلت الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - على يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ألقاها طائر بمكة من وقعة الجمل، فعرفوها بخاتم).
ولأنه بعض من البدن لا يزال منه في حال السلامة، انفصل من البدن بعد وجوب الصلاة على الجملة، فصلي عليها، كما لو كان أكثر البدن.
وفيه: احتراز من الظفر والشعر، ومن العضو المقطوع في حال الحياة.
مسألة: الصلاة على السقط
إذا استهل السقط صارخًا، أو تحرك ثم مات... فإنه يغسل، ويصلى عليه.
وقال سعيد بن جبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يصلى عليه حتى يبلغ.
وقال بعض الناس: إن كان قد صلى... صُلي عليه، وإلا فلا.
دليلنا: ما روى جابر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا استهل السقط... صلي عليه».
وروى المغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي على المولود، ويدعو لوالديه بالمغفرة والرحمة».
وإن لم يستهل... نظرت:
فإن كان قد نفخ فيه الروح بأن يولد لأربعة أشهر فما زاد... فهل تجب الصلاة عليه؟
فيه قولان:
أحدهما: تجب الصلاة عليه؛ لأنه قد نفخ فيه الروح، بدليل: ما روى ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يمكث أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، ثم ينفخ فيه الروح، ويأتيه ملكان، فيقال لهما: اكتبا رزقه، وعمله، وأجله شقيًا أو سعيد».
وإذا ثبت: أنه نفخ فيه الروح... صلي عليه.
فعلى هذا: يجب غسله.
والثاني: لا تجب الصلاة عليه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة رحمة الله عليهما، وهو الصحيح، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا استهل السقط... صلي عليه»، فدليل خطابه: أنه إذا لم يستهل
لا يصلى عليه.
فعلى هذا: هل يجب غسله؟ ذكر الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ، والمحاملي فيه قولين:
أحدهما: لا يغسل؛ لأن من لا يصلى عليه لا يغسل، كالشهيد.
والثاني: يغسل؛ لأن الغسل آكد من الصلاة، بدليل: أن الكافر يغسل، ولا يصلى عليه.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، وسلم في " الفروع ": أنه يجب غسله، قولاً واحدًا، وقالا: وإنما القولان في وجوب غسله، إذا وضعته لدون أربعة أشهر، وقد بان فيه شيء من خلق الآدمي... فإنه يجب كفنه، قولاً واحدًا، وفي وجوب غسله قولان.
والطريقة الأولى أشهر.
مسألة: لا يصلى على الكافر
إذا مات كافر... لم تجز الصلاة عليه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84] [التوبة: 84].
ولأن الصلاة للرحمة، والكافر لا يرحم.
ويجوز غسله وكفنه ودفنه؛ لما ذكرناه من حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه في موت أبيه، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى قميصه؛ ليكفن فيه عبد الله بن أبي، ابن سلول، وكان منافقًا، وقال: " إنه لا يعذب ما بقي عليه منه سلكة "، يعني: خيطًا.
فإن اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، ولم يتميزوا... فإنه يصلي على واحد واحد، وينوي الصلاة عليه إن كان مسلمًا، سواء كان المسلمون أكثر أو أقل، وبه قال
مالك، وأحمد رحمة الله عليهما، وكذلك إذا صلى صلاة واحدة، ونوى بها الصلاة على المسلمين منهم... صح.
وقال أبو حنيفة: (إن كان المسلمون أكثر... صلى عليهم - كما قلنا - وإن كانوا أقل من المشركين
لم يصل عليهم).
دليلنا: أنه اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه، ولم يتميزوا، فوجبت الصلاة بالقصد، كما لو كان المسلمون أكثر.
مسألة: لا يصلى على الشهيد
المقتول من المسلمين في معركة الكفار لا يغسل، ولا يصلى عليه، وكذلك من مات من المسلمين هناك بسبب من أسباب القتال، بأن وقع من دابته، أو من جبل، أو رجع عليه سلاحه، أو رفسته دابة، فمات... فهو شهيد، وحكمه حكمه، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم.
وقال الثوري، وأبو حنيفة: (لا يغسل الشهيد، وإنما يصلى عليه).
واختاره المزني.
وقال الحسن وسعيد بن المسيب: يغسل، ويصلى عليه.
دليلنا: ما روى جابر، وأنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه «قتل من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - يوم أحد اثنان وسبعون قتيلاً، فـ: (أمر بهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تنزع عنهم الجلود والفرى، وأن يدفنوا بثيابهم ودمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم»
إذا ثبت هذا: فإنه ينزع عنه ما لم يكن من عامة لباس الناس، مثل: الجلود، والفرى، والخفاف، ووليه بالخيار: بين أن ينزع ثيابه التي قتل فيها، ويكفنه بغيرها، وبين أن يدفنه بثيابه التي قتل فيها.
وقال مالك رحمة الله عليه: (لا ينزع عنهم الخفاف والجلود والفرى).
وقال أبو حنيفة: (ليس لوليه نزع تلك الثياب، بل يدفن بها).
دليلنا على مالك: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمر أن ينزع عن قتلى أحد الحديد والجلود».
وعلى أبي حنيفة: ما روي: «أن صفية أرسلت إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بثوبين؛ ليكفن بهما حمزة بن عبد المطلب، فكفنه بأحدهما، وكفن بالآخر رجلا آخر».
فدل على جواز ذلك.
فرع: جرح في الحرب ثم مات بعد انقضائها
فإن جرح في الحرب، فمات بعد انقضاء الحرب... فالمشهور من المذهب: أن حكمه حكم الموتى يغسل ويصلى عليه.
وحكى في " الإبانة " [ق\109] قولاً آخر: أن حكمه حكم الشهيد.
وقال أبو حنيفة: (إن أكل، أو شرب، أو أوصى... لم يثبت له حكم الشهادة، وإن مات قبل ذلك
ثبت له حكم الشهادة).
وقال مالك: (إن أكل، أو شرب، أو بقي يومين أو ثلاثة... فحكمه حكم الموتى، وإن لم يأكل، ولم يشرب، ولم يبق
فحكمه حكم الشهيد).
دليلنا: أنه مات بعد انقضاء الحرب، فهو كما لو أكل، أو شرب، أو بقي ثلاثًا.
فرع: المقتول خارج الصف
إذا انكشف الصف عن مقتول من المسلمين... فإنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، سواء كان به أثر أو لم يكن.
وقال أبو حنيفة، وأحمد رحمة الله عليهما: (إن لم يكن به أثر... غسل، وصلي عليه).
وقال أبو حنيفة: (إن كان به دم يخرج من عينه أو أذنه... لم يغسل، وإن كان يخرج من أنفه أو ذكره أو دبره
غسل).
دليلنا: أن الظاهر أنه مقتول بسبب الحرب، فلم يغسل، ولم يصل عليه، كما لو كان به أثر.
فرع: الصغير يقتل في المعركة
وإن كان المقتول صغيرًا... ثبت له حكم الشهداء.
وقال أبو حنيفة: (لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ).
دليلنا: أنه مسلم قتل في معركة الكفار، بقتالهم، فهو كالبالغ.
فرع: الشهيد الجنب
وإن كان الشهيد جنبًا... فاختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: لا يغسل.
وقال أبو العباس، وأبو علي بن أبي هريرة: يغسل.
وهو قول أحمد رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة: (يغسل، ويصلى عليه).
والدليل على وجوب غسله: ما روي: «أن حنظلة بن الراهب قتل، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأهله: "ما شأن حنظلة؟ فإني رأيت الملائكة تغسله"، فقالوا: إنه كان جنبًا، فسمع هيعة، فخرج إلى القتال، فقتل».
والأول أصح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قتلى أحد: «زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنه ليس أحد يكلم في الله، إلا وهو يأتي يوم القيامة بدم، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك».
وهذا عام في الجنب وغيره.
وأما حديث حنظلة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فلا حجة فيه؛ لأن غسله لو كان واجبًا... لما سقط الفرض بغسل الملائكة.
وإن كان على الشهيد نجاسة قبل القتال... فهل يجب غسلها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب غسلها؛ لأنه غسل واجب، فسقط بالشهادة، كغسل الموت.
والثاني: يجب غسلها؛ لأن هذا غسل وجب بغير الموت، فلم يسقط بالشهادة، بخلاف غسل الموت.
مسألة: قتل أهل البغي عدلاً
ً]: إذا قتل أهل البغي رجلاً من أهل العدل... فهل يجب غسله والصلاة عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يجب؛ لما روي: (أن عليًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه لم يغسل أحدًا ممن قتل معه)، و: (أوصى عمار بن ياسر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ألا يغسل)؛ لأنه يذب عن الدين، فهو كالمقتول في معترك الكفار.
والثاني: يجب غسله، والصلاة عليه، لما روي: (أن أسماء بنت أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه غسلت عبد الله بن الزبير).
ولم ينكر ذلك منكر.
ولأنه مقتول في غير معركة الكفار، فهو كمن قتل غيلة في المصر.
ومن قتله قطاع الطريق من أهل المصر أو القافلة... فهل يجب غسله والصلاة عليه؟ فيه وجهان، بناءً على القولين فيمن قتله أهل البغي من أهل العدل؟
وأما من قتله اللصوص من أهل القافلة: فاختلف أصحابنا فيه:
فقال ابن الصباغ: فيه وجهان، كمن قتله قطاع الطريق.
وقال الشيخ أبو إسحاق: يجب غسله، والصلاة عليه، وجهًا واحدًا، هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (من قتل ظلمًا بحديدة... فإنه لا يغسل، وإن قتل بمثقل
غسل).
دليلنا: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه قتل بحديدة ظلمًا، فغسل، وصلي عليه) فدل على: إنه إجماع بين الصحابة.
ومن قتل قصاصًا، أو رجم بالزنا... فوجب غسله، والصلاة عليه.
وقال الزهري: (المرجوم لا يصلى عليه).
وقال مالك رحمة الله عليه: (لا يصلي عليه الإمام الأعظم، ويصلي عليه غيره).
دليلنا: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجم الغامدية، وصلى عليها».
وإن قتل أهل العدل رجلاً من أهل البغي... وجب غسله، والصلاة عليه.
وقال أبو حنيفة: (لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ عقوبة له).
دليلنا: أنه مسلم قتل في غير معركة الكفار، فهو كما لو قتل غيلة.