البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 126-165

كتاب الحج

صفحات 126-165
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وأما الخنثى المشكل: فقال القاضي أبو الفتوح في كتاب (الخناثى): لا يسن له الخضاب للإحرام، كالرجل.
ويستحب للمرأة أن تختضب بالحناء في كل وقت إذا كانت ذات زوج؛ لأن هذا زينة وجمال، وقد استحب لها التجمل للزوج.
وروي: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ مدت إليه امرأة يدها لتبايعه، فقال ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: «يد رجل أم يد امرأة؟ " فقالت: بل يد امرأة، فقال ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ: " ما أدري، فأين الخضاب؟!».
وإن كانت غير ذات زوج، ولم ترد الإحرام.. لم يستحب لها الخضاب، بل يكره لها ذلك؛ لأنه لا زوج لها تتزين له، وربما غرت الناس، فافتتنوا بها.
ويستحب للمرأة إذا أرادت الإحرام أن تتطيب، كما يستحب ذلك للرجل؛ لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إلى مكة، فلما كان عند الإحرام.. ضمدنا جباهنا بالسك، فكنا إذا عرقنا، سال على وجوهنا.. فيراه رسول الله ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ ولا ينكره».
إذا ثبت هذا: فيستحب ذلك للشابة والعجوز.
والفرق بينه وبين الجمعة، حيث قلنا: لا يستحب ذلك في حقها إذا أرادت حضور الجمعة؛ لأن موضع حضور الجمعة أضيق؛ لأنها تقعد بالقرب من الرجال، ولهذا لم

يسن للشابة حضور الجمعة، وليس كذلك الإحرام؛ لأن موضعه واسع لا يؤدي إلى اختلاطهن بالرجال، ولهذا لم يفرق في حضوره بين العجوز والشابة.

مسألة ركعتا الإحرام وأفضلية وقته

إذا فرغ المريد للنسك مما ذكرناه.. فالمستحب له: أن يصلي ركعتين، ثم يحرم؛ لما روى ابن عباس، وجابر بن عبد الله: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ صلى بذي الحليفة ركعتين، ثم أحرم».
قال الشيخ أبو حامد: فإن أراد أن يحرم في وقت لا يجوز فيه الصلاة، وهو بعد صلاة الصبح، وقبل طلوع الشمس، أو عند غروبها، وما أشبه ذلك من الأوقات المنهي عنها.. نظرت: فإن أمكنه أن يقف حتى تطلع الشمس، وتحل الصلاة، ثم يصلي ويحرم.. فعل ذلك؛ لأن الركعتين زيادة قربة وطاعة.
وإن لم يمكنه ذلك.. فإنه يحرم بغير صلاة؛ لأن ابتداء النافلة في ذلك الوقت لا يجوز.
قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 78]: ولأن سبب الصلاة متأخر عنها.
فإذا فرغ من الركعتين.. فهل الأفضل أن يحرم عقيبهما، أو حتى تنبعث به راحلته، أو يبتدئ بالسير إن كان ماشيا؟ فيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (الأفضل أن يحرم عقيب الركعتين).
وبه قال أبو حنيفة.

و [الثاني]: قال في الجديد: (الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته إن كان راكبا، أو إذا ابتدأ بالسير إن كان ماشيا).
وقال مالك: (يحرم إذا أشرف على البيداء).
فإذا قلنا بالقديم.. فوجهه: ما روي «عن سعيد بن جبير: أنه قال: قلت لابن عباس: عجبت من اختلاف أصحاب النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ في إحرامه حين أوجب! فقال بعضهم: أهل حين فرغ من الصلاة، وقال بعضهم: أهل حين انبعثت به راحلته، وقال بعضهم: أهل حين أشرف على البيداء.
فقال ابن عباس: (أنا أعلم الناس بذلك: إن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لما أتى مسجده بذي الحليفة.. صلى ركعتين، ثم أوجب في مجلسه، فحفظه قوم، وقالوا: أهل حين فرغ من الصلاة، فلما ركب وانبعثت به راحلته.. أهل، فأدركه قوم، وقالوا: أهل حين انبعثت به راحلته، فلما أشرف على البيداء.. أهل، فأدركه قوم، فقالوا: أهل حين أشرف على البيداء».
وإذا قلنا بقوله الجديد.. فوجهه: ما روى ابن عمر: «أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ لم يكن يهل حتى تنبعث به راحلته»، وهذا نفي وإثبات.
وروى جابر: أن النبي ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ قال: «إذا رحتم إلى منى متوجهين.. فأهلوا بالحج».

فرع انعقاد الإحرام بغير تلبية ولا بد من النية

وينوي الإحرام، ويستحب له أن يلبي، فإن نوى الإحرام، ولم يلب.... انعقد إحرامه.
وقال أبو عبد الله الزبيري: لا ينعقد إحرامه إلا بالنية والتلبية.
قال في " الإفصاح ": وبه قال ابن خيران.
وقال مالك وأبو حنيفة: (لا ينعقد إحرامه إلا بالنية والتلبية، أو بالنية وسوق الهدي).
دليلنا: أنها عبادة لا يجب النطق في آخرها، فلم يجب في أولها، كالصوم والطهارة، وعكسه الصلاة.
فإن لبى ولم ينو.. لم ينعقد إحرامه.
وقال داود: (ينعقد إحرامه بالتلبية دون النية)، وحكي أن أبا العباس ابن سريج قال لداود: صف لنا تلبية رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرها، فقال له: صرت محرما، فقال: لقد تزببت حصرما.
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى»، ولأنها عبادة محضة طريقها الأفعال، فلم تصح من غير نية، كالصلاة والصوم.

فرع تعيين النسك بالنية

]: وله أن يعين ما يحرم به من إفراد أو تمتع أو قران.
فإن لبى بحج ونوى عمرة، أو لبى بعمرة ونوى حجا.. انعقد إحرامه بما نواه، لا بما لبى به؛ لأن النسك ينعقد بالنية دون التلبية.
وإن أحرم إحراما مطلقا، ولم ينو حجا ولا عمرة ولا قرانا.. صح إحرامه، وكان له أن يصرفه إلى أي وجوه الإحرام شاء.

والدليل عليه: ما روى طاووس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسم حجا ولا عمرة حتى وقف بين الصفا والمروة، ينتظر القضاء.. فأمر أن يهل بالحج»، وروي: «أن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قدم من اليمن، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " بم أهللت؟ " قال: قلت: أهللت إهلالا كإهلال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: " فأقم على إحرامك "، وفي رواية أخرى: أنه قال: " أما إني سقت الهدي.. فلا أحل حتى أنحر»، وكذلك روي: أن أبا موسى الأشعري فعل كذلك.
وهي الأفضل أن يطلق إحرامه، أو يعين ما أحرم به؟ فيه قولان: أحدهما: أن الإطلاق أفضل؛ لما ذكرناه من حديث طاووس، ولأنه أقل غررا؛ لأنه يصرفه إلى الأسهل.
والثاني: أن التعيين أفضل؛ لأن جابرًا روى: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه أحرموا بالحج» وهذا أولى؛ لأن حديث طاووس مرسل، ولأنه يكون عالما بما يدخل به من العبادة.

وهل الأفضل أن يذكر ما أحرم به في تلبيته، أو يقتصر على النية فقط؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص للشافعي -: أن الأفضل أن لا ينطق بما أحرم به.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: الأفضل أن ينطق بما أحرم به - وبه قال أحمد - لما روى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال - وهو بالعقيق -: " أتاني الليلة آت من عند ربي عز وجل، فقال لي: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: حجة في عمرة» ولأن ذلك أبعد عن النسيان.
ووجه الأول: حديث طاووس، وما حكي: أن ابن عمر سمع رجلا يقول: لبيك بحجة، فدفع في صدره، وقال: (هو يعلم ما في نفسك)، ولأن التلبية ذكر لله تعالى، وتسمية النسك ليست بذكر لله عز وجل، فلم يستحب أن يشوب ذكر الله عز وجل بما ليس بذكر له.

فرع إطلاق النية في الإحرام

فإن أحرم إحراما مطلقا.. فله أن يصرفه إلى الحج، أو العمرة، أو إليهما.
فإن طاف، أو وقف بعرفة قبل أن يصرف إحرامه إلى شيء... لم ينصرف إحرامه بنفس الطواف أو الوقوف، بل لو صرف إحرامه بعد الطواف إلى الحج.. وقع الطواف عن طواف القدوم.

وقال أبو حنيفة: (إذا طاف.. انصرف إحرامه إلى العمرة، وإن وقف بعرفة.. انصرف إلى الحج).
دليلنا: أن نية التعيين شرط، ولم يوجد منه ذلك، فلم يتعين عليه بفعل النسك، كما لو طاف أو وقف قبل الإحرام.

فرع تعليق الإحرام بإحرام الغير

وإن أحرم كإحرام زيد.. صح؛ لما ذكرناه من حديث علي: أنه قال: «أهللت إهلالا كإهلال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» -)، ثم ينظر فيه: فإن كان زيد قد أحرم بنسك معين.. انصرف إحرام هذا الذي علق إحرامه عليه إلى النسك الذي أحرم به زيد.
وإن أحرم زيد إحراما موقوفا.. كان إحرام هذا الرجل موقوفا أيضا، ولكل واحد منهما أن يصرف إحرامه إلى ما شاء، ولا يتعين على هذا أن يصرف إحرامه إلى ما صرف زيد إحرامه إليه.
وإن أحرم زيد إحراما موقوفا، ثم صرف إحرامه إلى نسك معين، ثم علق رجل إحرامه بإحرام زيد بعد ذلك، فإن قال: أحرمت بإحرام كابتداء إحرام زيد.. انعقد إحرامه موقوفا، وله أن يصرف إحرامه إلى ما شاء، ولا يتعين عليه بما صرف زيد إليه إحرامه.
وإن قال: كإحرام زيد الآن.. انعقد إحرامه بما صرف زيد إحرامه إليه.
وإن بان أن زيدا لم يحرم.. انعقد إحرام هذا موقوفا؛ لأنه قد عقد الإحرام،

وإنما علق التعيين على إحرام زيد، فإذا بان أن زيدا لم يحرم.. انعقد إحرام هذا موقوفا.
وإن لم يعلم ما أحرم به زيد، بأن مات أو جن أو عاد وتعذر العلم بإحرامه.. فقال البغداديون من أصحابنا: لزمه أن يقرن؛ لأنه اليقين، والفرق بينه وبين من أحرم بنسك معين، ثم نسيه، حيث جوزنا له التحري في أحد القولين؛ لأنه يمكنه أن يتحرى في فعل نفسه، ولا يمكنه ذلك في فعل غيره.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\183]: هي على قولين، كمن شك في تعيين ما أحرم به، على ما يأتي ذكرهما.

مسألة الإحرام بنسكين متفقين

إذا أحرم بحجتين، أو عمرتين، أو أحرم بحجة ثم أدخل عليها حجا، أو أحرم بعمرة ثم أدخل عليها عمرة.. لم ينعقد إحرامه إلا بواحد من النسكين.
وقال أبو حنيفة: (ينعقد إحرامه بهما، [ولا يمكنه] المضي فيهما، فترتفض إحداهما)، واختلفوا متى ترتفض؟.
فقال أبو يوسف: تنتقض في الحال.
وقال أبو حنيفة ومحمد: (ترتفض إذا أخذ في السير، فلو أحصر مكانه.. تحلل منهما).
دليلنا: أنه لا يمكنه المضي فيهما، فلم يصح الدخول فيهما، قياسا على صوم النذر وصوم رمضان.

فرع الإحرام عن رجلين

فإن استأجره رجلان ليحج عنهما، فأحرم عنهما جميعا.. انعقد الإحرام للأجير؛ لأن الإحرام الواحد لا ينعقد عن اثنين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فانعقد الإحرام لنفسه دونهما.

وإن أحرم عن أحدهما لا بعينه.. قال ابن الصباغ: انعقد إحرامه، وكان له أن يصرفه إلى أيهما شاء قبل أن يتلبس بشيء من أفعال النسك.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: يقع عن نفسه.
دليلنا: أن ما ملك تعيينه في الابتداء.. ملك الإحرام به مطلقا، ثم يعينه، كالإحرام عن نفسه.
وإن استأجره رجل ليحج عنه، فأحرم عن المستأجر، وعن نفسه بحج.. انعقد الإحرام بالحج عن نفسه؛ لأن الإحرام انعقد، ولم يصح عن غيره، فوقع عن نفسه، كالصرورة.
وإن استأجره رجل ليحج عنه، فأحرم بالعمرة عن نفسه وبالحج عن المستأجر، وقرن بينهما.. فقد قال الشافعي في " المنسك الكبير ": (كان الحج والعمرة عن الأجير؛ لأن الإحرام واحد، فلا يجوز أن يقع عن اثنين، ولا يجوز أن يقع عن غيره مع نيته له عن نفسه).
قال الشيخ أبو حامد في " التعليق ": وقد أومأ الشافعي في القديم إلى: أنهما يقعان على ما نوى، العمرة عن نفسه، والحج عن المستأجر.
ومن أصحابنا من قال: يقعان معا عي المستأجر؛ لأن العمرة تتبع الحج، والحج لا يتبعها.
والأول أصح.

مسألة الشك في النسك

إذا أحرم بنسك معين، ثم شك بماذا أحرم؟ ففيه قولان: [أحدهما]: قال في القديم: (إنه يتحرى، ويبني على ما يغلب على ظنه أنه أحرم به)؛ لأن هذا اشتباه في شرط من شرائط العبادة، فكان له الاجتهاد فيه، كالإناءين والقبلة.

فعلى هذا: يعمل على ما يغلب على ظنه، والمستحب له: أن يقرن.
و [الثاني]: قال في الجديد: (إنه يلزمه أن يقرن)، وهو الصحيح؛ لأنه شك لحقه في فعله بعد التلبس بالعبادة، فلم يكن له الاجتهاد، وإنما يلزمه اليقين، كمن شك في عدد الركعات، ويخالف الإناءين والقبلة؛ لأن له على ذلك هناك أمارات يرجع إليها عند الاشتباه، وهاهنا لا أمارة له على نفسه يرجع إليها.
فعلى هذا: يلزمه أن ينوي القران.
ونقل المزني: (أنه يصير قارنا)، وليس هذا على ظاهره، بل أراد: أنه يلزمه نية القران.
وهل يجزئه ما يأتي به عن فرض الحج والعمرة؟ ينظر فيه: فإن طرأ عليه هذا الشك قبل أن يفعل شيئا من المناسك بعد الإحرام، ونوى القران.. أجزأه الحج، بلا خلاف على المذهب؛ لأنه إن كان قد أحرم به.. فقد انعقد، وإن كان قد أحرم بعمرة.. فقد أدخل عليها الحج قبل الطواف، وذلك جائز.
وأما العمرة: فإن قلنا: يجوز إدخالها على الحج.. سقط عنه فرض العمرة أيضا ووجب عليه دم القران.
وإن قلنا: لا يجوز إدخال العمرة على الحج.. فهل تجزئه: العمرة هاهنا؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق في " الشرح ": تجزئه العمرة أيضا؛ لأن إدخال

العمرة على الحج إنما لا يجوز من غير حاجة، وهاهنا به حاجة إلى إدخالها.
فعلى هذا: يجب عليه دم القران أيضا.
والثاني - وهو قول عامة أصحابنا، وهو الصحيح -: أنه لا تجزئه العمرة؛ لجواز أن يكون قد أحرم بالحج، والفرض لا يسقط بالشك.
فعلى هذا: هل يجب عليه دم القران؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو الصحيح -: أنه لا يجب عليه؛ لأنا لم نحكم له بالقران، والأصل براءة ذمته منه.
والثاني: يجب عليه: لجواز أن يكون قارنا.
وإن طرأ عليه هذا الشك قبل طواف القدوم، وبعد أن وقف بعرفة، وكان وقت الوقوف باقيا.. فإنه ينوي القران، ويقف بعرفة، ويجزئه الحج، وهذا مراد الشيخ أبي إسحاق في " المهذب " بقوله: إذا نسي بعد الوقوف، وقبل طواف القدوم.
وأما العمرة.. فهل يسقط عنه فرضها؟ إن قلنا: يجوز إدخالها على الحج بعد الوقوف.. سقط عنه فرضها، وكان عليه دم القران.
وإن قلنا: لا يجوز إدخالها على الحج بعد الوقوف، أو لا يجوز إدخالها عليه أصلا.. لم يسقط عنه فرضها، وفي دم القران وجهان، مضى توجيههما.
وإن طرأ عليه هذا الشك بعد الوقوف بعرفة وبعد فوات وقته، وقبل طواف القدوم، ونوى القران.. لم يجزه عن الحج؛ لجواز أنه لم يحرم به إلا وقد فات الوقوف.
وأما العمرة: فإن قلنا: لا يجوز إدخالها على الحج أصلا، أو قلنا: يجوز إدخالها عليه قبل الوقوف لا غير، ولا يجوز بعده.. لم تجزه العمرة أيضا.
وإن قلنا: يجوز إدخالها على الحج بعد الوقوف.. أجزأته العمرة.

وإن طرأ عليه هذا الشك بعد طواف القدوم، وبعد الوقوف بعرفة.. لم يجزه الحج؛ لجواز أنه لم يحرم به إلا وقد طاف للعمرة.
وأما العمرة: فإن قلنا: لا يجوز إدخالها على الحج أصلا، أو قلنا: يجوز إدخالها قبل الوقوف لا غير.. لم تجزه العمرة أيضا.
وإن قلنا: يجوز إدخالها على الحج بعد الوقوف.. أجزأته العمرة.
وإن طرأ عليه هذا الشك بعد طواف القدوم، وقبل الوقوف بعرفة.
فإن قلنا: يجوز إدخال العمرة على الحج، أو نوى القران.. صحت له العمرة، ولا يصح له الحج؛ لأنه لا يجوز له إدخال الحج على العمرة بعد الطواف.
وإن قلنا: لا يجوز إدخال العمرة على الحج.. لم يصح له الحج ولا العمرة؛ لأنه يحتمل أنه كان معتمرا، فلا يصح إدخال الحج عليها بعد الطواف، ويحتمل أنه كان حاجا، وإدخال العمرة على الحج لا يجوز.
قال ابن الحداد: فإن أراد أن يجزئه الحج.. فإنه لا ينوي القران، ولكن يسعى، بين الصفا والمروة، ويحلق رأسه، ثم يحرم بالحج؛ لأنه إن كان معتمرا.. فهذا وقت الحلاق والتحلل، وإن كان حاجا أو قارنا.. فلا يضره تجديد إحرام آخر.
وذكر في " المهذب ": أنه يعيد الطواف.
ولا معنى له؛ لأنه قد طاف.
وقال أبو زيد المروزي: إن كان الرجل فقيها، وفعل ما قال ابن الحداد باجتهاده.. فلا كلام، وأما إذا استفتى.. فإنا لا نفتي بجواز الحلاق؛ لأنه يحتمل أن يكون محرما بالحج، فلا يجوز له الحلق قبل وقته.
قال القاضي أبو الطيب: ويمكن ابن الحداد أن يجيب، فيقول: الحلق يستباح للحاجة إليه، وبه هاهنا حاجة إليه لئلا يلغو عمله، فلا يحتسب له بحجة ولا عمرة.
فإذا قلنا بقول ابن الحداد.. وجب عليه دم؛ لأنه إن كان معتمرا.. فعليه دم التمتع، وإن كان حاجا أو قارنا.. فقد حلق في غير وقته.

ومن أصحابنا من قال: يجب عليه دمان؛ لجواز أن يكون قارنا، فيجب عليه: دم القران، ودم الحلاق.
وهذا ليس بشيء؛ لأن الأصل براءة ذمته مما زاد على دم واحد.

مسألة أحوال التلبية

قال الشافعي: (ويلبي المحرم قائما وقاعدا، وراكبا ونازلا، وجنبا ومتطهرا).
وهذا صحيح؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما أهل مهل قط... إلا بشر، ولا كبر مكبر قط إلا بشر " قيل: يا رسول الله، بالجنة؟ قال: " نعم»، وروي عن ابن عباس: أنه قال: (التلبية زينة الحج).
وسئل محمد ابن الحنفية عن الجنب يلبي؟ فقال: نعم.
ويستحب ذلك للحائض؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعائشة - وقد حاضت وهي محرمة -: " اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت»، والحاج يلبي، فكذلك الحائض.
ويستحب أن يلبي عند اصطدام الرفاق، وعند الإشراف، والهبوط؛ لما روي:

«أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يلبي إذا رأى ركبا، أو علا أكمة، أو هبط واديا».
ويستحب أن يلبي في أدبار المكتوبة، وفي إقبال الليل والنهار؛ لأنه روي ذلك عن بعض السلف، ولأنه وقت صعود ملائكة النهار، ونزول ملائكة الليل.
ويستحب أن يلبي في مسجد مكة، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بعرفات، وفيما عدا هذا من المساجد قولان: [الأول]: قال في القديم: (لا يلبي).
و [الثاني]: قال في الجديد: (يلبي)، وهو الأصح؛ لعموم الأمر بالتلبية ولأنه مسجد بني للجماعة، فاستحب فيه التلبية، كالمساجد الثلاثة.
وأما التلبية في حال الطواف: فقال في القديم: (لا يلبي، وإن لبى.. لم يجهر به) لما روي عن ابن عمر: (أنه كان لا يلبي في الطواف)، وروي عن

سفيان: أنه قال: ما علمت أن أحدا كان يلبي في الطواف إلا عطاء بن السائب، فأخبر: أن هذا إجماع، ولأن للطواف ذكرا يختص به.
وقال في " الإملاء ": (وأحب ترك التلبية في الطواف للأثر، فإن لبى.. فلا بأس).
والأثر هو: ما ذكرناه عن ابن عمر وسفيان.
وأما التلبية في السعي: فقال الشافعي في " الإملاء ": (فلا بأس أن يلبي المحرم على الصفا والمروة، وبينهما، غير أني أحب له تركها؛ لأن الذي روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الوقوف عليهما والتكبير والدعاء، فكذلك بينهما، فأحب له من ذلك ما فعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غير أن أكره التلبية).
وهاتان المسألتان إنما تتصوران في المحرم بالحج، إذا طاف طواف القدوم، وسعى بعده للحج.
فأما في طواف الفرض في الحج، أو في طواف العمرة وسعيها.. فلا يتصور له ذلك.
ويستحب له رفع الصوت بالتلبية؛ لما روى زيد بن خالد الجهني: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " أتاني جبريل، فقال: يا محمد، مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعائر الحج»، وروى أبو بكر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل: أي الحج أفضل؟ فقال: " العج والثج»، ومعنى (العج): رفع الصوت بالتلبية، و (الثج): إسالة دم الهدي، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: 14] [النبأ: 14]، وروي: «أن أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا لا يبلغون الروحاء.. حتى تبح حلوقهم» يعني: من رفع الصوت في التلبية.
وإن كانت امرأة... لا ترفع صوتها؛ لأنه يخاف الافتتان بها.
وإن كان خنثى.. لم يرفع الصوت: لجواز أن يكون امرأة.

مسألة صفة التلبية وما يقول إذا فرغ منها

]: والتلبية أن يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)؛ لما روى ابن عمر: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يلبي هكذا).

وهل تكره الزيادة على ذلك؟ قال المسعودي [في " الإبانة " ق\ 182]: يكره؛ لما روي: «أن سعد بن أبي وقاص سمع ابنه يلبي ويقول: (لبيك يا ذا المعارج)، فقال: (يا بني، أما إنه ذو المعارج، ولكنا لم نقل هكذا على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وقال الشيخ أبو حامد: وذكر أهل العراق عن الشافعي: (أنه تكره الزيادة على ذلك) وغلطوا، بل لا يكره ذلك، ولا يستحب ذلك؛ لما روي في بعض الأخبار: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في تلبيته: " لبيك حقا حقا، عبودية ورقا».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجتمع عليه الناس، فلما تفرقوا عنه.. أعجبه ذلك، فقال: «لبيك إن العيش عيش الآخرة» وروي: أن ابن عمر كان يزيد في تلبيته: (لبيك وسعديك والخير بيديك، والرغبة إليك والعمل)، فدل على: أنه لا يكره الزيادة.
إذا ثبت هذا: فيجوز كسر الهمزة من قوله: " إن الحمد " وفتحها، فالكسر على معنى الابتداء وهو أولى، والفتح بمعنى؛ لأن الحمد والنعمة لك.
و (التلبية): مأخوذة من قولهم: ألب بالمكان، إذا لزمه وأقام فيه، ومعناه: أنا مقيم عند طاعتك، وعلى أمرك، غير خارج عن ذلك، ولا شارد عنه، ثم ثنوه للتأكيد.
قال الهروي: ومعنى " وسعديك "؛ أي ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة.
فإذا فرغ من التلبية... صلى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] [الانشراح: 4]، يقول: «لا أذكر إلا وتذكر معي».

ثم يسأل الله رضوانه والجنة، ويستعيذ برحمته من النار؛ لما روى خزيمة بن ثابت: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسأل الله ذلك بعد التلبية).

فرع التكلم أثناء التلبية وترجمتها

قال الشافعي: (ولا بأس أن يرد الملبي السلام، ويأمر ببعض حاجته، غير أني لا أحب له أن يأمر بحاجته.
ويرد السلام؛ لأن الرد فرض، والتلبية سنة).
قال: (والأعجمي أن أحسن التلبية بالعربية، وإلا.. لبى بها بلسانه).
وقال أبو حنيفة: (يلبي بأي لغة شاء)، كما قال في التكبير، وقد مضى الدليل عليه في الصلاة.

مسألة حلق الشعر للمحرم

وإذا أحرم.. حرم عليه حلق رأسه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]

[البقرة: 196]. ويحرم عليه حلق شعر البدن.
وقال أهل الظاهر: (لا يحرم عليه غير حلق شعر الرأس).
دليلنا: أنه شعر يتنظف به ويترفه، فلم يجز للمحرم حلقه، كشعر الرأس، وتجب به الفدية؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196]. قال ابن عباس: (معنى قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 196] أي: برأسه قروح [أو] فيه أذى)، ومعني الآية: فحلق.. ففدية.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بكعب بن عجرة وهو بالحديبية قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقد تحت برمة له - والقمل ينحدر من رأسه - فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أتوذيك هوام رأسك يا كعب؟ " فقال: نعم، قال: " احلقه، وانسك شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين».

فرع حلق المحرم شعر الحلال

ويجوز للمحرم حلق شعر الحلال، ولا شيء عليه بذلك.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز له ذلك، فإن فعل.. لزمه أن يتصدق بصدقة).
وقال مالك في إحدى الروايتين: (تلزمه الفدية).
ودليلنا: أنه شعر لا يتعلق به حرمة الإحرام، فلم يمنع من إزالته، ولا يجب عليه بإزالته شيء، كشعر البهيمة.

مسألة تقليم الأظافر للمحرم وإبانة أحد أعضائه

ويحرم عليه تقليم شيء من أظفاره؛ لأنه يقع به الترفه والنظافة، وهو مما ينمو، فحرم عليه، كالشعر، وتجب به الفدية قياسا على الشعر.
فإن قطع المحرم يده، وعليها شعر وأظفار.. لم تجب عليه الفدية؛ لأن الشعر والظفر تابع لليد، فلا تنفرد بضمان، واليد لا يضمنها بالفدية، كذلك الشعر والظفر، بدليل: أنه لو كانت له زوجة صغيرة، فأرضعتها أمه.. انفسخ النكاح، وضمنت له المهر، ولو قتلتها.. انفسخ النكاح، ولم تضمن المهر.

مسألة غطاء رأس ووجه المحرم

ولا يجوز للرجل المحرم أن يغطي رأسه بمخيط ولا بغير مخيط، ويجوز له أن يغطي وجهه بغير المخيط.
وقال مالك وأبو حنيفة: (لا يجوز له أن يغطي وجهه، فإن فعل.. كان عليه الفدية).

دليلنا: ما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في المحرم الذي خر من بعيره فمات: " كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما، ولا تقربوه طيبا، ولا تخمروا رأسه وخمروا وجهه».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في المحرم: «لا يلبس عمامة ولا برنسا»، والعمامة ليست بمخيطة، والبرنس مخيط، ولأن الوجه عضو لا يتعلق النسك بحلق شعره، فوجب أن يجوز للمحرم ستره، كسائر البدن.
فإن غطى رأسه... وجبت فيه الفدية؛ لأنه فعل محرم في الإحرام، فوجبت به الفدية، كحلق الرأس.

فرع عصابة المحرم

وإن عصب رأسه بخيط.. قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 188]: فلا بأس به؛ لأنه لا يقصد به الستر.
وإن تعصب بعصابة.. فعليه الفدية؛ لأنه يقصد بها الستر.

فرع الحمل أو وضع اليد على الرأس للمحرم

]: وإن حمل المحرم على رأسه مكتلا.. فهل يلزمه الفدية؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق -: أنه لا فدية عليه؛ لأنه لا يقصد به ستر الرأس، وإنما يقصد حمله، فلم يمنع منه، كما لا يمنع المحدث من حمل المصحف في جملة القماش للنقل.
والثاني: أن عليه الفدية، وحكى ابن المنذر والشيخ أبو حامد: أن الشافعي نص على هذا.
ووجهه: أنه ستر رأسه، فأشبه ما لو طلاه بالطين أو الحناء.
وإن ترك المحرم يده على رأسه.. فلا شيء عليه؛ لأن ذلك ليس بتغطية في العادة، ولأنه ستره بما هو متصل به، ولهذا لا يجوز أن يستر عورته بيده.

فرع الطلي بالحناء وغيره للمحرم

وإن طلا رأسه بحناء أو طين أو نورة، فإن كان ثخينا بحيث يمنع النظر إلى الرأس.. وجبت عليه الفدية، كما لو غطاه بثوب.
وإن كان رقيقا.. لم تجب عليه الفدية، كما لو غسله بماء وسدر.
قال الشافعي: (ولو طلاه بعسل أو لبن.. فلا فدية عليه).

فرع ما يحرم لبسه للمحرم

ولا يجوز للرجل المحرم ستر بدنه بما عمل على قدره، كالقميص والجبة، ولا بما عمل على قدر عضو من أعضائه، كالسراويل والخفين والساعدين والقفازين،

سواء كان معمولا بالخياطة، أو منسوجا على هيئته، أو ملزقا بلزاق؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عما يلبسه المحرم؟ فقال: " لا يلبس قميصا، ولا جبة، ولا عمامة، ولا برنسا، ولا سراويل، ولا خفين، إلا أن لا يجد نعلين.. فليلبس الخفين، وليقطعهما، حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران».
فإن لبس شيئا مما ذكرناه.. وجبت عليه الفدية؛ لأنه محرم في الإحرام، فتعلقت به الفدية، كحلق الرأس.
وإن لبس القباء.. وجبت عليه الفدية، سواء أدخل يديه في الكمين أو لم يدخلهما، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب عليه الفدية إلا إذا أدخل يده في الكمين).
دليلنا: أنه لبس مخيطا على ما جرت العادة بلبسه، فوجبت عليه الفدية، كالقميص ولأن من لبس القباء.. فمن عادته أن يدخل كفيه فيه، ولا يخرج يديه من كميه في غالب الأحوال، ولا يكاد يخرج يده من كميه إلا لحاجة أو ركوب، فجرى مجرى القميص.

فرع الجراحة ببدن المحرم أو رأسه

وإن كان على المحرم جراحة، فشد عليها خرقة، فإن كانت في غير الرأس فلا شيء عليه؛ لأنه لا يمنع من تغطية بدنه بغير المخيط.
وإن كانت على الرأس.. لزمته الفدية؛ لأنه يمنع من تغطية رأسه بالمخيط وغيره.

فرع ما يقاس على السراويل وما يصنع بالإزار للمحرم

فرع: [ما يقاس على السراويل وما يصنع بالإزار]: والتبان والران كالسراويل؛ لأنه في معناه، فإن شق إزارا وجعل على كل ساق قطعة، وشد كل خرقة على ساق.. لم يجز؛ لأنه كالسراويل.
وله أن يعقد إزاره؛ لأنه من مصلحته، ويجوز أن يعقد على الإزار تكة أو خيطا، ويجوز أن يجعل له حجزة ويدخل التكة فيها ويعقده؛ لأن كل هذا من مصلحته، ولا بأس أن يتوشح بالرداء، ويغرز أطرافه في أطراف إزاره.
ولا يزره ولا يشوكه، ولا يعقده عليه.
قال الشيخ أبو حامد: فإن فعل شيئا من ذلك.. وجبت عليه الفدية.
وذكر الشيخ أبو نصر في " المعتمد ": أنه إذا عقد عليه رداءه.. لم تجب عليه الفدية؛ لأنه ليس بمخيط، فهو كما لو التحف به.

فرع لبس السراويل لفاقد الإزار

إذا لم يجد إزارا.. جاز أن يلبس السراويل، ولا فدية عليه، هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\189]: إذا كان يمكنه فتق السراويل والائتزار به فلبسه قبل الفتق... كان عليه الفدية.
وقال مالك: (لا يجوز له لبسه، فإن فعل.. فعليه الفدية).
وقال أبو حنيفة: (يفتقه ويلبسه، فإن لبسه من غير فتق.. فعليه الفدية).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن لم يجد الإزار.. فليلبس السراويل».
وإن لم يجد الإزار.. لم يجز له لبس القميص؛ لأنه يمكنه لبسه على صفته، كالمئزر، بخلاف السراويل.

فإن لبس السراويل مع عدم الإزار، ثم وجد الإزار.. لزمه خلع السراويل، فإن لم يفعل مع العلم.. وجبت عليه الفدية؛ لأنه إنما جاز له لبس السراويل بشرط عدم الإزار، وقد وجده.

فرع لبس المنطقة وما أشبهها للمحرم

فرع: [لبس المنطقة وما أشبهها]: ويجوز للمحرم أن يلبس المنطقة، ويشدها على وسطه.
وأصحابنا يحكون عن مالك: أنه قال: (لا يجوز له ذلك).
وأصحابه يحكون عنه: (أنه يجوز).
دليلنا: ما روي: (أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - سئلت عن المحرم يشد الهميان في وسطه؟ فقالت: نعم).
وله أن يتقلد السيف، ويتنكب المصحف؛ لـ: (أن أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخلوا المسجد متقلدين السيوف، وهم محرمون).

فرع لبس الخفين عند فقد النعلين للمحرم

فرع: [لبس الخفين عند فقد النعلين]: ولا يجوز للمحرم لبس الخفين؛ للخبر، فإن فعل.. وجبت عليه الفدية، قياسا على الحلق.
فإن لم يجد نعلين.. جاز له أن يلبس الخفين بعد أن يقطعهما من أسفل الكعبين، ويجعلهما شمشكين.
فإن لبسهما قبل القطع مع عدم النعلين.. لزمته الفدية، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال عطاء، وسعيد بن سالم القداح، وأحمد بن حنبل: (لا فدية عليه).
دليلنا: ما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «فإن لم يجد نعلين.. فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين».
فإن وجد النعلين.. فهل يجوز له استدامة لبس الخفين المقطوعين؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص -: أنه لا يجوز له، كما قلنا في لبس السراويل بعد وجود الإزار.
والثاني: يجوز - وبه قال أبو حنيفة - لأنهما في معنى النعلين، بدليل: أنه

لا يجوز المسح عليهما.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الخف المخرق لا يجوز المسح عليه، ولا يجوز للمحرم لبسه.

فرع إدخال إحدى الرجلين بالخف أو كليهما إلى الساق

ذكر الصيمري إذا أدخل الرجلين إلى ساق الخفين، أو أدخل إحدى الرجلين إلى قرار الخف دون الأخرى.. فلا فدية عليه؛ لأنه ليس بلابس الخفين.

مسألة إحرام المرأة

وإذا أحرمت المرأة.. فإنه لا يجب عليها كشف رأسها، ولكن لا يجوز لها تغطية وجهها، ولسنا نريد بذلك أنها تبرزه للناس، وإنما نريد أنها لا تغطيه؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إحرام المرأة في وجهها» فدل: على أن حكمه لا يتعلق بالرأس.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى المرأة المحرمة عن النقاب».
ولأن رأسها عورة وكشف العورة لا يجوز.

إذا ثبت هذا: فلها أن تستر من وجهها ما لا يمكنها ستر الرأس إلا به، كما نقول في المتوضئ: إنه يغسل جزءا من رأسه؛ لاستيفاء غسل الوجه.
فإن أرادت المرأة أن تستر وجهها عن الناس.. عقدت الثوب على رأسها، وسدلته على وجهها، وجافته عن الوجه بعود حتى لا يقع على وجهها؛ لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ونحن محرمات، فكان إذا مر بنا الركبان وحاذوا بنا.. سدلت إحدانا جلبابها من فوق رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا.. رفعته».
فإن وقع الثوب على وجهها بغير اختيارها، فإن رفعته في الحال.. فلا شيء عليها.
وإن أقرته مع القدرة على رفعه، وهي ذاكرة عالمة بالتحريم.. وجبت عليها الفدية.
ويجوز لها لبس القميص والسراويل والخفين؛ لما روى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى النساء في إحرامهن عن النقاب والقفازين وما مسه الورس والزعفران، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف».

وهل يجوز لها لبس القفازين، وهو مخيط يلبس على الكفين بمنزلة الخفين على الرجلين؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز - وبه قال الثوري وأبو حنيفة، وحكي عن سعد بن أبي وقاص - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حرم المرأة في وجهها»، ولأنه عضو يجوز لها ستره بغير المخيط، فجاز لها ستره بالمخيط كرجلها.
والثاني: لا يجوز، وبه قال علي، وعمر، وعائشة، وهو الصحيح؛ لحديث ابن عمر، ولأن يدها ليست بعورة منها فيتعلق بها حكم الإحرام، كالوجه.

فرع تغطية رأس ووجه الخنثى وما يلبسه

قال القاضي أبو الفتوح: وإن كان المحرم خنثى مشكلا، فإن غطى رأسه.. لم تجب عليه الفدية؛ لجواز أن تكون امرأة.
وإن غطى وجهه.. لم تجب عليه الفدية؛

لجواز أن يكون رجلا.
وإن غطاهما جميعا.. وجبت عليه الفدية؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون امرأة أو رجلا.
فإن قال: أنا أكشف رأسي ووجهي.. قلنا: في إخلال بالواجب.
قال القاضي أبو الفتوح: ولو قيل: يؤمر بكشف الوجه.. كان صحيحا؛ لأنه إن كان رجلا، فكشف الوجه لا يؤثر، ولا هو ممنوع من كشفه.
وإن كان امرأة فهو الواجب عليه.
قلت: وعلى قياس ما قاله القاضي أبو الفتوح: إذا لبس الخنثى قميصا أو سراويل أو خفا.. لم يجب عليه الفدية: لجواز أن يكون امرأة، ويستحب له أن لا يستر بالقميص والسراويل والخفين: لجواز أن يكون رجلا، ويمكنه أن يستر ذلك من بدنه بغير المخيط.

مسألة حكم استعمال الطيب للمحرم

ويحرم على المحرم استعمال الطيب في ثيابه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس ولا زعفران»، فنص على الورس والزعفران؛ لينبه على غيرهما؛ لأن غيرهما من الطيب أعلى منهما.
ولا يجوز أن يلبس ثوبا مبخرا بالطيب، كالثوب المبخر بالند أو العود.
ولا يلبس ثوبا مصبوغا بماء الورد وغيره؛ لأن ذلك كله طيب.
ولا يجوز له الجلوس عليه، ولا الاضطجاع؛ لأن ذلك استعمال للطيب، فإن فرش فوقه ثوبا آخر غير مطيب وجلس عليه، فإن كان ذلك الثوب صفيقا.. فلا شيء عليه؛ لأن تلك الرائحة عن ثياب مجاورة.

وإن كان رقيقا بحيث لا يمنع من مس بشرته المطيب.. كان عليه الفدية؛ لأن وجود ما فوقه كعدمه.
وإن كان رقيقا إلا أنه يمنع من مس المطيب.. كره له ذلك، ولا فدية عليه؛ لأنه غير مباشر للطيب.

فرع زوال رائحة الثوب المطيب

وإن انقطعت رائحة الثوب المطيب؛ لطول مكثه بحيث لا تفوح رائحة الطيب، وإن أصابه الماء.. جاز له لبسه، ولا فدية عليه وإن كان لون الطيب ظاهرا؛ لأن الاعتبار في الطيب بالرائحة دون اللون، ألا ترى أن العصفر أشهر لونا من الطيب، ولا شيء فيه؟ وهكذا إن صبغ الثوب المطيب بصبغ غيره، فقطع رائحة الطيب.. جاز له لبسه لما ذكرناه.
ولا يجوز له استعمال الطيب في خفه؛ لأنه ملبوس، فأشبه الثوب.
فإن فعل شيئا من ذلك، عالما بالتحريم.. وجبت عليه الفدية؛ لأنه محرم في الإحرام، فتعلقت به الفدية، كالحلق.

فرع استعمال الطيب في البدن أو في الأكل والشرب

ولا يجوز له استعمال الطيب في بدنه؛ لأنه إذا لم يجز له لبس الثوب المطيب.. فلأن لا يجوز له تطييب بدنه أولى، وهكذا لا يجوز له أكل الطيب، ولا الاكتحال به، ولا الاستعاط به، ولا الاحتقان به؛ لأن ذلك أكثر من استعماله في ظاهر بدنه.

فإن فعل شيئًا من ذلك عالما بتحريمه.. وجبت به الفدية، قياسا على الحلق وإن جعل الطيب في مأكول أو مشروب.. نظرت: فإن لم يكن له طعم ولا لون، ولا رائحة.. جاز له أكله وشربه؛ لأنه قد صار كالمعدوم.
وإن بقي له رائحة.. لم يجز له أكله ولا شربه، فإن فعل.. وجبت عليه الفدية.
وقال أبو حنيفة: (إن طبخ.. فلا فدية عليه؛ لأنه قد استحال بالطبخ، وإن لم يطبخ.. فلا كفارة عليه، ولكن يكره؛ لبقاء الرائحة).
دليلنا: أن الترفه به حاصل، فهو كما لو كان متميزًا.
وإن بقي لونه دون رائحته.. فذكر الشافعي في موضع من كتبه: (أن فيه الفدية) وذكر في موضع آخر: (أنه لا فدية عليه) واختلف أصحابنا فيه على طريقين: فـ[الأول]: قال أبو إسحاق: لا فدية عليه قولا واحدا؛ لأن المقصود هو الرائحة، وقد ذهبت، وحيث قال: (عليه الفدية).. أراد: إذا بقيت له رائحة؛ لأن اللون إذا بقي.. فالظاهر أن الرائحة تبقى.
و (الثاني): قال أبو العباس: فيه قولان: أحدهما: يجب عليه الفدية؛ لأن بقاء اللون يدل على بقاء الرائحة.
والثاني: لا يجب عليه الفدية؛ لأن مجرد اللون ليس بطيب، كالعصفر.
وأما إذا بقي طعم الطيب لا غير.. فذكر ابن الصباغ فيها ثلاث طرق: [الأول]: من أصحابنا من قال: لا فدية عليه قولا واحدا.
و [الثاني]: منهم من قال: فيه قولان.
و [الثالث]: منهم من قال: تجب الفدية قولا واحدا؛ لأن الطعم لا يخلو من رائحة، بخلاف اللون.

مسألة ما يحرم من النبات للمحرم

النبات على ثلاثة أضرب: ضرب: ينبت للطيب، ويتخذ منه الطيب، وهو الورس، والزعفران، والورد، والكاذي، والياسمين، والصندل، فهذا لا يجوز للمحرم شمه رطبا، ولا يابسا، ولا يلبس ما صبغ به.
وفي معناه: الكافور والمسك والعنبر لـ: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نص على الورس والزعفران، ونبه على ما في معناهما، وما هو أعلى منهما).
وقال الصيدلاني: و (العنبر): نبت ينبت في البحر يبلعه حوت، وأما (الكافور): فهو صمغ شجرة.. وضرب: لا ينبت للطيب! ولا يتخذ منه الطيب، مثل: الشيح، والقيصوم وشقائق النعمان، والإذخر.
وكذلك ما يؤكل منه، كالتفاح، والسفرجل، والأترج، والزنجبيل، والدارصيني، والمصطكي، والفلفل، وما كان

في معناه، فهذا يجوز للمحرم شمه وأكله وصبغ الثوب به؛ لأنه لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه الطيب.
وضرب: ينبت للطيب، ولا يتخذ منه الطيب، كـ (الريحان الفارسي): وهو ما لا يبقى ريحه على الماء.
والآس، والنرجس واللينوفر، والرياحين كلها، ففيها قولان: [أحدهما]: قال في القديم: (يجوز للمحرم شمها وصبغ الثوب بها)، وبه قال عثمان بن عفان، حيث قيل له: أيدخل المحرم البستان؟ قال: (نعم، ويشم الريحان)، ولأنه نبات لا يتخذ منه الطيب، فأشبه الشيح والقيصوم.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يجوز)، وبه قال ابن عمر، وهو الصحيح؛ لأنه ينبت للطيب، فأشبه الورد.

وأما البنفسج: فقد قال الشافعي: (لا شيء فيه؛ لأنه مربب للدواء)، واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق: فـ[الأول]: منهم من قال: بظاهر قوله، وأنه لا فدية فيه؛ لأنه لا يراد للطيب وإنما يراد لتربيب الدواء به.
و [الثاني]: منهم من قال: هو طيب قولا واحدا، كالورد، وإنما أراد الشافعي: (لا شيء فيه) إذا جف وربب به الدواء؛ لأن معنى الطيب قد زال عنه.
و [الثالث]: منهم من قال: فيه قولان، كالريحان الفارسي.
واختلف أصحابنا في القرنفل: فذكر الصيمري: أنه طيب كالزعفران.
وذكر الصيدلاني: أنه ليس بطيب، بل هو نبت ينبته الأدميون، كالأترج والدارصيني.
والأول أظهر.

فرع استعمال العصفر والحناء للمحرم

فرع: [استعمال العصفر والحناء]: والعصفر والحناء ليس واحد منهما بطيب عندنا.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "، ق \ 190]: أن الشافعي قال: (لو اختضبت امرأة بالحناء، ولفت بيدها خرقة.. فعليها الفدية).

فمنهم من قال: فيه قولان.
ومنهم من قال: ليس بطيب قولا واحدا، وإنما القولان في لف الخرقة كالقولين في القفازين.
وهذه طريقة البغداديين من أصحابنا.
وقال أبو حنيفة: (العصفر والحناء طيبان، فإذا لبس المعصفر، فإذا نفض عليه الحمرة.. فعليه الفدية.
وإن لم ينفض عليه الحمرة.. فلا فدية عليه).
دليلنا: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وليلبسن ما أحببن من معصفر» و «نهاهن عن لبس ما مسه ورس أو زعفران»، ولو كان المعصفر طيبا.. لما رخص لهن في لبسه وأما الحناء: فروي «أن عائشة وأزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (كن يختضبن بالحناء وهن محرمات» ولأنه يقصد منه لونه، فأشبه (المشق) وهو المغرة.

مسألة الدهن للمحرم

وأما الدهن: فعلى ضربين: ضرب: فيه طيب.
وضرب: لا طيب فيه.
فأما ما فيه طيب: فهو كدهن الورد والزنبق، ودهن البان المنشوش فلا يجوز

للمحرم استعماله في شيء من بدنه ولا شعره؛ لأنه طيب.
وأما ما ليس بطيب: كالزيت، والشيرج، واللبان الذي ليس بمنشوش والبنفسج، والزبد، والسمن، فيجوز له استعماله في بدنه ظاهره وباطنه، ولا يجوز له استعماله في رأسه ولحيته.
وقال مالك: (إن دهن به ظاهر البدن.. فعليه الفدية، وإن دهن به باطنه.. فلا فدية عليه).
وقال الحسن بن صالح: إذا دهن رأسه ولحيته بما لا طيب فيه.. فلا شيء عليه.
وقال أبو حنيفة: (إذا استعمل الزيت أو الشيرج في شيء من رأسه أو بدنه أو لحيته.. فعليه الفدية، إلا أن يداوي به جرحه أو شقوق رجله).
دليلنا: ما روى ابن عمر، وابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دهن بدنه بزيت غير مقتت، وهو محرم» قال أبو عبيد: أي: غير مطيب.
وهذا على مالك وأبي حنيفة.
وعلى الحسن قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (الحاج أشعث أغبر) والدهن في الرأس واللحية يزيلهما، فمنع منه.

فإن دهن رأسه ولحيته بما لا طيب فيه وهو أصلع، أو دهن الأمرد لحييه بذلك فلا شيء عليه؛ لأنه لا يوجد فيه ترجيل الشعر.
وإن كان رأسه محلوقا، فدهنه بما لا طيب فيه قبل أن ينبت الشعر ففيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق \ 190]: أحدهما - وهو قول الشيخ أبي حامد، والبغداديين من أصحابنا -: أن عليه الفدية؛ لأن الدهن يحسن نبات الشعر ويزينه، فهو كما لو دهن الشعر.
والثاني - وهو قول المزني، واختيار المسعودي [في " الإبانة " ق \ 190] أنه لا شيء عليه، إذ لا شعر عليه.
فيزول به شعثه.
وإن كان في رأسه شجة، فجعل الدهن في داخلها.. قال الصباغ: فلا شيء عليه.

فرع شم الريح الطيب للمحرم من غيره

وللمحرم أن يجلس عند الكعبة وهي تجمر، وإن كان يشم ريح الطيب؛ لأن ذلك ليس مما يتطيب به الإنسان في العادة.
ولا يكره له الجلوس عندها؛ لأن ذلك قربة وله أن يجلس عند العطار، وعند رجل مطيب، ولا شيء عليه في ذلك كله لما ذكرناه، وهل يكره له ذلك؟ ينظر فيه: فإن جلس إليه لحاجة.. لم يكره.

جارٍ التحميل