البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 445-485

كتاب الديات

صفحات 445-485
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باب من تجب الدية بقتله وما تجب به الدية من الجنايات

كتاب الديات باب من تجب الدية بقتله، وما تجب به الدية من الجنايات تجب الدية بقتل المسلم والذمي.
والأصل فيه: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] الآية (النساء: 92) ومعنى قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] إذا قتله في دار الإسلام.
ومعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] (النساء: 92) أي: إذا كان رجل من المسلمين في بلاد المشركين، فحضر معهم الحرب، ورماه رجل من المسلمين، فقتله.. تقديره: في قوم عدو لكم.

ومعنى قوله عز وجل: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 92] (النساء: 92) يعني: أهل الذمة.
ومن السنة: ما روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إلى أهل اليمن: «وفي النفس مائة من الإبل».

وهو إجماع، لا خلاف في وجوب الدية.
إذا ثبت هذا: فالقتل يتنوع ثلاثة أنواع.
خطأ محض، وعمد محض، وشبه عمد.
ويقال: عمد الخطأ.
فتجب الدية في (الخطأ المحض)، وهو: أن يكون مخطئاً في الفعل والقصد، مثل: أن يقصد إصابة طير، فيصيب إنساناً؛ للآية.
وأمأ (العمد المحض)، فهو: أن يكون عامداً في الفعل، عامداً في القصد، فهل يجب فيه القود والدية بدل عنه، أو يجب فيه أحدهما لا بعينه؟ فيه قولان، مضى ذكرهما.
وأما (شبه العمد)، فهو: أن يكون عامداً في الفعل، مخطئاً في القصد، مثل: أن يقصد ضربه بما لا يقتل مثله غالباً، فيموت منه، فتجب فيه الدية.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (القتل يتنوع نوعين: خطأ محض، وعمد محض.
فأما عمد الخطأ: فلا يتصور؛ لأنه يستحيل أن يكون القائم قاعداً).

دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألا إن في قتل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة».

مسألة يرمى الحربيون وإن تترسوا بمسلم

وإذا أسر المشركون مسلماً، فتتسروا به في القتل؛ يتوقون به الرمي، ويحتمون وراءه في رميهم، فقتله رجل من المسلمين بالرمي.. لم يجب عليه القصاص؛ لأنه يجوز له رميهم.
وأما الدية: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (تجب).
وقال في موضع: (لا تجب).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان: أحدهما: تجب؛ لأنه ليس من جهته تفريط في الإقامة بينهم، فلم يسقط ضمانه.
والثاني: لا تجب؛ لأن القاتل مضطر إلى رميه.
ومنهم من قال: إن علم أنه مسلم.. لزمه ضمانه، وإن لم يعلم.. لم يلزمه ضمانه؛ لأنه يلزمه أن يتوقاه عن الرمي إذا علمه، ولا يلزمه أن يتوقاه إذا لم يعلمه.

وقال أبو إسحاق: إن عينه بالرمي.. ضمنه، وإن لم يعينه.. لم يضمنه وحملهما على هذين الحالين.

مسألة قتل جماعة رجلاً

وإن اشترك جماعة في قتل رجل.. وجبت عليهم دية، وتقسم بينهم على عددهم؛ لأنه بدل متلف يتجزأ، فقسم بينهم على عددهم، كغرامة المتلف.
فإن كان القتل موجباً للقود، واختار الولي أن يقتل بعضهم ويعفو عن الباقين على حصتهم من الدية.. كان له ذلك.
وإن شهد رجلان على رجل بما يوجب القتل أو القطع بغير حق مخطئين.. وجبت عليهما الدية؛ لما ذكرناه قبل هذا في الشاهدين عند علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على رجل في السرقة.

فرع غرق مع معلم السباحة

إذا دفع ولده الصغير إلى سابح ليعلمه السباحة، فغرق الصبي.. فعلى عاقلة السابح ديته، وعليه الكفارة في ماله؛ لأنه قد أخذه للتعليم، فإذا تلف في طريق التعليم.. كان عليه ضمانه، كالمعلم إذا ضرب صبياً، فمات، ولأن هذا في الغالب لم يغرق إلا بتفريط من السابح، فيكون عمد خطأ.
وإن أسلم البالغ نفسه إلى السابح ليعلمه السباحة، فغرق.. لم يجب ضمانه؛ لأنه في يد نفسه، ولا ينسب التفريط في هلاكه إلى غيره، فلا يجب ضمانه.

مسألة الوقوع والموت بصياح مفزع

وإن كان صبي أو بالغ معتوه على حائط أو حافة نهر، فصاح رجل صياحاً شديداً،

ففزع من الصياح، فسقط ومات، أو زال عقله.. وجبت ديته على عاقله الصائح؛ لأن صياحه سبب لوقوعه.
فإن كان صياحه عليه.. فهو عمد خطأ، وإن كان صياحه على غيره.. فهو خطأ محض.
وإن كان الرجل بالغاً عاقلاً، فسمع الصيحة، وسقط ومات، أو زال عقله، فإن كان متيقظاً.. لم يجب ضمانه؛ لأن الله تعالى لم يجر العادة - لا معتاداً ولا نادرا - أن يقع الرجل الكبير العاقل من الصياح، فإذا مات.. علمنا أن صياحه وافق موته، فهو كما لو رماه بثوب، فمات.
وإن كان في حال غفلته، فسمع الصيحة، فمات أو زال عقله.. ففيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه لا يجب ضمانه)؛ لما ذكرناه.
والثاني - وهو قول أبي علي بن أبي هريرة -: أنه يجب ضمانه؛ لأن الإنسان قد يفزع من ذلك في حال غفلته.
وإن شهر السيف على بالغ عاقل، فزال عقله.. لم يجب ضمانه.
وإن شهره على صبي أو معتوه، فزال عقله.. وجب ضمانه.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب ضمانه).
دليلنا: أن هذا سبب في تلفه، فإن كان متعدياً.. ضمن، كما لو حفر بئراً، فوقع فيها.

فرع أرعبت امرأة حامل فأسقطت

وإن بعث الإمام إلى امرأة ذكرت عنده بسوء وكانت حاملا، ففزعت، فأسقطت جنيناً ميتاً.. وجب على الإمام ضمانه.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب ضمانه).

دليلنا: ما روي: (أن امرأة ذكرت عند عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بسوء، فبعث إليها، فقالت: يا ويلها، ما لها ولعمر؟ ! فبينما هي في الطريق إذ فزعت، فضربها الطلق، فألقت ولداً، فصاح صيحتين، ثم مات، فاستشار عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فقال له عثمان، وعبد الرحمن بن عوف: لا شيء عليك، إنما أنت وال ومؤدب.
وصمت علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال له: ما تقول؟ فقال له علي: إن اجتهدا.. فقد أخطآ، وإن لم يجتهدا.. فقد غشاك، إن ديته عليك؛ لأنك أنت أفزعتها، فألقت، فقال له عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أقسمت عليك لا برحت حتى تقسمها على قومك).
يعني: قوم عمر.
ولم ينكر عثمان وعبد الرحمن ذلك فدل على: أنهما رجعا إلى قوله، وصار ذلك إجماعاً.
وإن فزعت فماتت.. لم يجب ضمانها؛ لأن ذلك ليس بسبب لهلاكها في العادة.

مسألة السبب غير الملجئ لا يوجب الضمان

إذا طلب رجل رجلاً بصيراً بالسيف، ففر منه، فألقى نفسه من سطح وهو يراه، أو تردى في بئر أو نار وهو يراها، فمات.. لم يجب على الطالب ضمانه؛ لأنه حصل من الطالب بسبب غير ملجئ ومن المطلوب مباشرة، فتعلق الحكم بالمباشرة دون السبب، كما لو خاف منه، فقتل نفسه.
وإن طلب أعمى بالسيف، ففر منه، فوقع من سطح أو في بئر أو نار، فمات، فإن كان عالماً بالسطح والبئر والنار.. فلا ضمان على الطالب؛ لما ذكرناه في البصير، وإن كان المطلوب غير عالم بالسطح والبئر والنار، أو كان المطلوب بصيراً ولم يعلم بالسطح والبئر والنار، وفر منه على سطح يحسبه قوياً، فانخسف من تحته،

ومات.. وجبت الدية على عاقلة الطالب؛ لأنه ألجأه إلى الهرب.
وإن فر منه، فافترسه سبع في طريقه.. لم يجب على الطالب ضمانه؛ لأنه لم يلجئ السبع إلى قتله، وإنما ألجأ المطلوب إلى الفرار، وذلك سبب، وأكل السبع فعل، فإذا اجتمع السبب والفعل.. تعلق الضمان بالفعل دون السبب.
وإن طلب صبياً أو مجنوناً بالسيف، ففر منه، وألقى نفسه من سطح، فمات، فإن قلنا: إن عمدهما عمد.. لم يضمن الطالب الدية، وإن قلنا: إن عمدهما خطأ.. ضمن.

[فرع ألقى رجلاً من علو وقطعه آخر]

وإن رمى رجل رجلاً من شاهق مرتفع يموت منه غالباً إذا وقع، فقطعه رجل نصفين قبل أن يقع.. ففيه وجهان: أحدهما: أنهما قاتلان، فيجب عليهما القود أو الدية؛ لأن كل واحد منهما قد فعل فعلاً لو انفرد به.. لمات من غالباً، فصارا كالجارحين.
والثاني: أن القاتل هو القاطع؛ لأن التلف إنما حصل بفعله، فصار كما لو جرحه رجل وذبحه آخر، ويعزر الأول.
وإن كان الشاهق مما لا يموت منه غالباً.. كان القاتل هو القاطع، وجهاً واحداً؛ لأن ما فعله الأول لا يجوز أن يموت منه.
وإن زنى بامرأة وهي مكرهة، فحبلت منه، وماتت من الولادة.. ففيه قولان: أحدهما: تجب عليه ديتها؛ لأنها تلفت بسبب من جهته تعدى فيه، فضمنها.
والثاني: لا تجب عليه؛ لأن السبب انقطع حكمه بنفي النسب عنه.

[مسألة جعل حجراً في طريق فعثر به رجل ومات]

إذا وضع رجل حجراً في طريق من طرق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، فعثر بها إنسان لم يعلم بها، ومات منها.. وجبت ديته على عاقلة واضع الحجر، ووجبت الكفارة في ماله؛ لأنه تلف بسبب تعدى فيه، فوجب ضمانه.
وهكذا: إن نصب هناك سكيناً، فعثر رجل ووقع عليها، فمات منها.. وجبت عليه الدية؛ لما ذكرناه في الحجر.
فأما إذا وضع الحجر أو السكين، فدفع آخر عليها رجلاً ومات.. كان الضمان على الدافع؛ لأن الواضع صاحب سبب، والدافع مباشر، فتعلق الحكم بالمباشر.
وإن وضع رجل حجراً في طريق المسلمين، أو في ملك غيره بغير إذنه، ووضع آخر سكيناً بقرب الحجر، فتعثر رجل بالحجر، فوقع على السكين، ومات منها.. وجب الضمان على واضع الحجر.
وقال أبو الفياض البصري: إن كان السكين قاطعاً.. وجب الضمان على واضع السكين دون واضع الحجر، وإن كان غير قاطع.. وجب الضمان على واضع الحجر؛ لأن السكين القاطع موح.
والأول هو المشهور؛ لأن واضع الحجر كالدافع له على السكين، فوجب عليه الضمان، كما لو نصب رجل سكيناً، ودفع عليها آخر رجلاً، ومات.
وإن وضع رجل حجراً في طريق المسلمين، ووضع اثنان حجراً إلى جنبه، فتعثر بهما رجل ومات.. فليس فيها نص لأصحابنا، إلا أن أصحاب أبي حنيفة اختلفوا فيها: فقال زفر: يكون على الرجل الواضع للحجر وحده نصف الدية؛ لأن فعله مساو لفعلهما، وعلى الرجلين الواضعين للحجر الآخر النصف.
وقال أبو يوسف: تجب الدية عليهم أثلاثاً.
قال ابن الصباغ: وهو قياس المذهب؛ لأن السبب حصل من الثلاثة، فوجب الضمان عليهم وإن اختلفت أفعالهم، كما لو جرحه رجل جراحة، وجرحه آخر جراحتين، ومات منها.

[فرع وضع حجراً في ملكه فعثر به رجل]

وإن وضع رجل في ملك نفسه حجراً، أو نصب سكيناً، فتعثر به إنسان ومات.. لم يجب على واضع الحجر أو السكين ولا على عاقلته ضمان؛ لأنه غير متعد بوضع الحجر أو السكين.
وإن وضع رجل في ملك غيره حجراً بغير إذنه، ووضع صاحب الملك بقرب الحجر سكيناً، فتعثر رجل بالحجر، ووقع على السكين ومات.. وجب الضمان على عاقلة واضع الحجر؛ لأنه كالدافع للعاثر على السكين.
وإن وضع رجل في ملكه حجراً، ووضع أجنبي سكيناً بقرب الحجر، فتعثر رجل بالحجر، ووقع على السكين فمات.. وجبت الدية على عاقلة واضع السكين دون واضع الحجر؛ لأن المتعدي هو واضع السكين دون واضع الحجر.

[مسألة حفر بئراً فوقع بها شخص ومات]

وإن حفر رجل بئراً، فوقع فيها إنسان ومات.. لم يخل: إما أن يحفرها في ملكه، أو في ملك غيره، أو في طريق المسلمين، أو في موات.
فإن حفرها في ملكه، فإن كانت ظاهرة، فدخل رجل ملكه، فوقع فيها، فمات.. لم يجب على الحافر ضمانه، سواء دخل بإذنه أو بغير إذنه؛ لأنه غير متعد بالحفر، وإن كانت غير ظاهرة، بأن غطى رأسها، فوقع فيها إنسان فمات، فإن دخل إلى ملكه بغير إذنه لم يجب ضمانه؛ لأنه متعد بالدخول.
وهكذا: لو كان في داره كلب عقور، فدخل داخل داره بغير إذنه، فعقره الكلب.. لم يجب ضمانه؛ لما ذكرناه.
وإن استدعاه للدخول ولم يعلمه بالبئر والكلب، فوقع فيها، أو عقره الكلب، فمات.. فهو كما لو قدم إلى غيره طعاماً مسموماً، فأكله، على قولين، وقد مضى دليلهما.

فأما إذا حفرها في ملك غيره، فإن كان بإذنه.. لم يجب عليه ضمان من يقع فيها؛ لأنه غير متعد في الحفر، وإن حفرها بغير إذنه.. وجب عليه ضمان من يقع فيها؛ لأنه متعد بالحفر، فإن أبرأه صاحب الملك عن ضمان من يقع فيها.
فهل يبرأ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يبرأ؛ لأنه إبراء عما لم يجب.
والثاني: يبرأ؛ لأنه كما لو أذن له في حفرها.
قال أبو علي الطبري: فإن قال صاحب الملك: كان حفرها بإذني.. لم يصدق، خلافاً لأبي حنيفة.
وإن حفرها في طريق المسلمين، فإن كان ضيقاً.. وجب عليه ضمان من يقع فيها؛ لأنه تعدى بذلك، وسواء أذن له الإمام في ذلك أو لم يأذن له؛ لأنه ليس للإمام أن يأذن له فيما فيه ضرر على المسلمين، وإن كان الطريق واسعاً لا يستضر المسلمون بحفر البئر فيه، كالطريق في الصحارى، فإن حفرها بإذن الإمام.. لم يجب عليه ضمان من يقع فيها، سواء حفرها لينتفع بها أو لينتفع بها المسلمون؛ لأن للإمام أن يقطع من الطريق إذا كان واسعاً، كما له أن يقطع من الموات.
وكذلك: إن حفرها بغير إذن الإمام، فأجاز له الإمام ذلك.. سقط عنه الضمان.
وإن حفرها بغير إذن الإمام، فإن حفرها لينتفع هو بها.. وجب عليه ضمان من يقع فيها؛ لأنه ليس له أن ينفرد بما هو حق لجماعة المسلمين بغير إذن الإمام؛ لأن ذلك موضع اجتهاد الإمام.
وإن حفرها لينتفع بها المسلمون.. فهل يجب عليه ضمان من يقع فيها؟ حكى الشيخان فيها وجهين، وحكاهما غيرهما قولين: أحدهما - حكاه القاضي أبو حامد عن القديم -: (أنه يجب عليه الضمان)؛ لأنه حفرها بغير إذن الإمام، فهو كما لو حفرها لنفسه.
والثاني - حكاه القاضي أبو الطيب عن الجديد -: (أنه لا يجب عليه الضمان)؛ لأنه حفرها لمصلحة المسلمين، وقد يحتاجون إلى ذلك، فهو كما لو حفرها بإذن الإمام.

وإن حفرها في موات ليتملكها.. لم يجب عليه ضمان من يقع فيها؛ لأنه يملكها بالإحياء، فتصير كما لو حفرها في ملكه.
وكذلك: إن حفرها في الموات لا ليتملكها، ولكن لينتفع بها مدة مقامه، فإذا ارتحل عنها كانت للمسلمين.. فلا ضمان عليه؛ لأن له أن ينتفع بالموات، فلا يكون متعدياً بالحفر.

[فرع حفر بئراً في طريق وآخر وضع حجراً]

وإن حفر بئراً في طريق المسلمين، ووضع آخر حجراً في تلك الطريق، فتعثر بها إنسان، ووقع في البئر ومات.. وجب الضمان على واضع الحجر؛ لأنه كالدافع له في البئر.
وإن حمل السيل حجراً إلى رأس البئر، فعثر بها إنسان، فوقع في البئر ومات.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يجب ضمانه؛ لأنه إنما تلف بعثرته في الحجر، لا بتفريط من الحافر في الحجر.
والثاني - وهو قول أبي حنيفة -: (أن الضمان على حافر البئر)؛ لأنه هو المتعدي، فوجب عليه الضمان، كما لو وضع رجل في ملكه حجراً، ووضع آخر بقربه سكيناً، فتعثر بالحجر، ووقع على السكين ومات.. وجب الضمان على واضع السكين.
وإن حفر بئراً في طريق المسلمين، ووضع آخر في أسفلها سكيناً، فتردى رجل في البئر، ووقع على السكين فقتله.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب الضمان على الحافر، وهو قول أبي حنيفة، كما قلنا في رجلين

وضع أحدهما حجراً والآخر سكيناً، وعثر بالحجر على السكين.. فإن الضمان على واضع الحجر.
والثاني: أن الضمان على واضع السكين؛ لأن تلفه حصل بوقوعه على السكين قبل وقوعه في البئر.
وإن حفر رجل بئراً في طريق المسلمين وطمها، فجاء آخر، فأخرج ما طمت به.. ففيه وجهان: أحدهما: يجب الضمان على الحافر؛ لأنه المبتدئ بالتعدي.
والثاني: أن الضمان على الثاني؛ لأن تعدي الأول قد زال بالطم.

[فرع حفر عبد بئراً فعتق ثم وقع فيها إنسان]

وإن حفر العبد بئراً في طريق المسلمين، فأعتقه سيده، ثم وقع في البئر إنسان ومات.. وجب الضمان على العتيق.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (يجب الضمان على سيده؛ لأن الجناية حصلت بالحفر، فهو كما لو جرح إنساناً، ثم أعتق، ثم مات المجروح).
ودليلنا: أن التلف حصل بعد الحرية، فكان الضمان عليه، كما لو قتله، ويفارق الجناية؛ لأنها حصلت قبل الحرية.

[فرع حفر بئراً في أرض مشاع]

]: وإن حفر بئراً في ملك مشترك بينه وبين رجلين بغير إذنهما، وتلف بها إنسان.. قال ابن الصباغ: فقياس المذهب: أن جميع الدية على الحافر.
وقال أبو حنيفة: (تجب عليه ثلثا الدية).

وقال أبو يوسف: يجب عليه نصف الدية.
ودليلنا: أنه تعدى بالحفر، فضمن الواقع فيها، كما لو حفرها في ملك غيره بغير إذنه.

[فرع بنى مسجداً في طريق]

وإن بنى مسجداً في طريق واسع، لا ضرر على المسلمين فيه بضيق الطريق، فإن بناه لنفسه.. لم يجز، وإن سقط على إنسان.. ضمنه، وإن بناه للمسلمين، فإن كان بإذن الإمام.. جاز، ولا ضمان عليه فيمن سقط عليه، وإن بناه بغير إذن الإمام.. فهو كما لو حفر فيها بئراً للمسلمين، على ما ذكرناه هناك من الخلاف.
وإن كان هناك مسجد للمسلمين، فسقط سقفه، فأعاده رجل من المسلمين بآلته أو بغير آلته، وسقط على إنسان.. لم يجب عليه ضمانه؛ لأنه للمسلمين.
وإن فرش في مسجد للمسلمين حصيراً، أو علق فيه قنديلاً، فعثر رجل بالحصير، أو وقع عليه القنديل، فمات، فإن فعل ذلك بإذن الإمام فلا ضمان عليه، وإن فعله بغير إذن الإمام.. فهو كما لو حفر بئراً في طريق واسع للمسلمين بغير إذن الإمام، على الخلاف المذكور فيها.
وقال أبو حنيفة: (إن فرش الحصير، وعلق القنديل من الجماعة - يعني: من الجيران - فلا ضمان عليه، وإن كان من غير الجماعة.. فعليه الضمان).
دليلنا: أنه قصد عمارة المسجد متقرباً، فلم يجب عليه الضمان، كما لو وقع السقف، فبناه.

فرع طرح قشور البطيخ ونحوها فزلق بها إنسان

قال الشيخ أبو حامد: وإن طرح على باب داره قشور البطيخ، أو الباقلاء الرطب، أو الموز، أو رشه بالماء، فزلق به إنسان، فمات.. كان ديته على عاقلته، والكفارة في ماله؛ لأن له أن يرتفق في المباح بشرط السلامة، فإذا أدى إلى التلف.. كان عليه الضمان.
وإن ركب دابة، فبالت في الطريق أو راثت، فزلق به إنسان، فمات.. كان عليه الضمان.
وكذلك: لو أتلفت إنساناً بيدها أو رجلها أو نابها.. فعليه ضمانه؛ لأن يده عليها، فإذا تلف شيء بفعلها أو بسبب فعلها.. كان كما لو أتلفه بفعله أو بسبب فعله.
وإن ترك على حائطه جرة، فرمتها الريح على إنسان، فمات.. لم يجب عليه الضمان؛ لأنه غير متعد بوضعها على ملكه، ووقعت من غير فعله.
وكذلك: إذا سجر تنوراً في ملكه، فارتفعت شرارة إلى دار غيره، فأحرقته.. فلا ضمان عليه؛ لما ذكرناه.

[مسألة بنى جداراً مستوياً ثم سقط]

إذا بنى حائطاً في ملكه مستوياً، فسقط على إنسان من غير أن يبقى مائلاً ولا مستهدماً.. فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يفرط.
وإن بناه معتدلاً، فمال إلى ملكه، أو بناه مائلاً إلى ملكه، فسقط على إنسان وقتله.. لم يجب عليه ضمان؛ لأن له أن يتصرف في ملكه كيف شاء.
وإن بناه مائلاً إلى الشارع، فسقط على إنسان، فقتله.. وجبت على عاقلته الدية، والكفارة في ماله؛ لأن له أن يرتفق بهواء الشارع بشرط السلامة، فإذا تلف به إنسان.. وجب ضمانه.
وإن بناه معتدلاً في ملكه، ومال إلى الشارع، ثم وقع على إنسان، فقتله.. ففيه وجهان.

[الأول]: قال أبو إسحاق: يجب ضمانه على عاقلته، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وقول أصحاب مالك؛ لأنه فرط بتركه مائلاً، فوجب عليه الضمان، كما لو بناه مائلا إلى الشارع.
و [الثاني]: قال أبو سعيد الإصطخري: لا يجب ضمانه، وهو المنصوص؛ لأن الميلان حدث من غير فعله، فهو كما لو سقط على إنسان من غير ميل.
فإن مال حائطه إلى هواء دار جاره.. فلجاره مطالبته بإزالته؛ لأن الهواء ملك لجاره، فكان له مطالبته بإزالة بنائه عنه، كما قلنا في الشجرة، فإن لم يزله حتى سقط على إنسان، فقتله.. فهو يجب عليه ضمانه؟ على الوجهين إذا مال إلى الشارع.
وإن استهدم من غير ميل.. فقد قال أبو سعيد الإصطخري، والشيخ أبو حامد: ليس للجار مطالبته في نقضه؛ لأنه في ملكه، فإن وقع على إنسان.. فلا ضمان عليه.
وقال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأنه ممنوع من أن يضع في ملكه ما يعلم أنه يتعدى إلى ملك غيره، كما ليس له أن يؤجج ناراً في ملكه يتعدى إلى ملك غيره مع وجود الريح، ولا يطرح في داره ما يتعدى إلى دار غيره، كذلك هذا مثله؛ لأن الظاهر أنه إذا كان مستهدماً.. أنه يتعدى إلى ملك غيره.. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا بنى الحائط معتدلاً، ثم مال إلى دار الغير، فإن طالبه الغير بنقضه وأشهد عليه، فلم ينقضها حتى سقط وقتل إنساناً.. فعليه الضمان).
وكذلك: إذا مال إلى دار إنسان، فأمره الحاكم بنقضه، وأشهد عليه، وأمكنه نقضه، فلم يفعل حتى سقط على إنسان وقتله.. فعليه الضمان.
وإن ذهب ليجيء بالصناع لينقضه، فسقط وأتلف شيئاً.. فلا ضمان عليه، وإن لم يطالب بنقضه ولم يشهد عليه.. فلا ضمان عليه.

دليلنا: أنه بناء وضعه في ملكه، فلم يجب عليه ضمان من يقع عليه، كما لو وقع من غير ميل، أو كما لو مال ووقع من غير أن يطالب بنقضه ويشهد عليه.
فإن وضع على حائطه عدلاً، فوقع في دار غيره أو في الشارع، أو سقط حائطه في الشارع أو في دار غيره، فعثر به إنسان، فمات.. فهل يجب عليه الضمان؟ على الوجهين.

[مسألة أنشأ على الشارع ساباطاً أو شرفة]

إذا أخرج إلى الشارع جناحاً أو روشناً يضر بالمارة.. منع منه، وأمر بإزالته، فإن لم يزله حتى سقط على إنسان، فقتله.. وجب عليه الضمان؛ لأنه متعد بذلك.
وإن أخرج جناحاً أو روشناً إلى الشارع لا يضر بالمارة.. لم يمنع منه، خلافاً لأبي حنيفة، وقد مضى في (الصلح).
فإن وقع على إنسان، فقتله.. نظرت: فإن لم يسقط شيء من طرف الخشب المركبة على حائطه، بل انقضت من الطرف الخارج عن الحائط، فوقعت على إنسان فقتلته.. وجب على عاقلته جميع الدية؛ لأنه إنما يجوز له الارتفاق بهواء الشارع بشرط السلامة.
وإن سقط أطراف الخشب الموضوعة على حائط له، وقتلت إنساناً.. وجب على عاقلته نصف الدية؛ لأنه هلك بما وضعه في ملكه وفي هواء الشارع، فانقسم الضمان عليهما، وسقط ما قابل ما في ملكه، ووجب ما في هواء الشارع.

وحكى القاضي أبو الطيب قولاً لآخر: أنه ينظر كم على الحائط من الخشبة، وكم على هواء الشارع منها.
وتقسم الدية على ذلك بالقسط.
وسواء أصابه الطرف الذي كان موضوعاً على الحائط أو الطرف الخارج منها، فالحكم فيه واحد؛ لأنه تلف بجميعها.
والأول هو المشهور.

فرع إخراج الميزاب إلى الشارع

وإن أخرج ميزاباً من داره إلى الشارع.. جاز؛ لما روي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مر تحت ميزاب العباس بن عبد المطلب، فقطرت عليه قطرة، فأمر بقلعه، فخرج العباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقال: (قلعت ميزاباً نصبه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بيده؟! فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: والله لا ينصبه إلا من يرقى على ظهري، فانحنى عمر، وصعد العباس على ظهره، فنصبه).
وهو إجماع لا خلاف فيه.
فإن سقط على إنسان فقتله، أو بهيمة فقتلها.. فحكى الشيخ أبو إسحاق، وأكثر أصحابنا: فيه قولين: [أحدهما]: قال في القديم: (لا يجب ضمانه).
وبه قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأنه مضطر إلى ذلك، ولا يجد بداً منه، فلم يلزمه ضمان ما تلف به.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يجب ضمانه).
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه ارتفق بهواء طريق المسلمين، فإذا تلف به إنسان.. وجب عليه ضمانه، كما قلنا في الجناح.
وقول الأول: (لا يجد بداً منه) غير صحيح؛ لأنه يمكنه أن يحفر في بيته بئراً يجري الماء إليها.
فإذا قلنا بهذا: وسقط جميع الميزاب الذي على ملكه والخارج منه، وقتل إنساناً.. وجب ضمانه، وكم يجب من ديته؟ على المشهور من المذهب: يجب نصف ديته.

وعلى القول الذي حكاه القاضي أبو الطيب: تقسط الدية على الميزاب، فيسقط منها بقدر ما على ملكه من الميزاب، ويجب بقدر الخارج منه عن ملكه.
وقال أبو حنيفة: (إن أصابه بالطرف الذي في الهواء.. وجب جميع ديته، وإن أصابه بالطرف الذي على الحائط.. لم يجب ضمانه).
ودليلنا: أنه تلف بثقل الجميع دون بعضه.
وإن انقصف الميزاب، فسقط منه ما كان خارجاً عن ملكه، وقتل إنساناً.. وجبت جميع ديته على عاقلته، فيقال في هذه وفي التي قبلها: رجل قتل رجلاً بخشبة، فوجب بعض دية المقتول، ولو قتله ببعض تلك الخشبة.. لوجبت جميع دية المقتول.
وقال الشيخ أبو حامد: إذا وقع ميزاب على إنسان، فقتله.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن عليه الضمان.
والثاني: لا ضمان عليه.
والثالث: على عاقلته نصف الدية، من غير تفصيل.

مسألة اصطدام راكبان أو راجلان

إذا اصطدم راكبان أو راجلان، فماتا.. وجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر، ويسقط النصف، وبه قال مالك، وزفر.
وقال أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد، وإسحاق - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - تعالى: (تجب على عاقلة كل واحد منهما جميع دية الآخر).
وروي عن علي كرم الله وجهه المذهبان.
دليلنا: أنهما استويا في الاصطدام، وكل واحد منهما مات بفعل نفسه وفعل غيره، فسقط نصف ديته لفعل نفسه، ووجب النصف لفعل غيره، كما لو شارك غيره في قتل نفسه.

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وسواء غلبتهما دابتاهما أم لم تغلباهما، أو أخطآ ذلك أو تعمدا، أو رجعت دابتاهما القهقرى، فاصطدمتا، أو كان أحدهما راجعاً والآخر مقبلاً).
وجملة ذلك: أنهما إذا غلبتهما دابتاهما، أو لم تغلباهما إلا أنهما أخطآ.. فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر مخففة.
وإن قصد الاصطدام.. فلا يكون عمداً محضاً، إنما يكون عمد خطأ، فيكون على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر مغلظة.
وقال أبو إسحاق المروزي: يكون في مال كل واحد منهما نصف دية الآخر مغلظة؛ لأنه عمد محض، وإنما لم يجب القصاص؛ لأنه شارك من فعله غير مضمون.
والأول هو المنصوص؛ لأن الصدمة لا تقتل غالباً، ولو كان كذلك.. لكان في القصاص قولان.
ولا فرق بين أن يكونا مقبلين أو مدبرين، أو أحدهما مقبلاً والآخر مدبراً؛ لأن الاصطدام قد وجد وإن كان فعل المقبل أقوى.
وكذلك: لا فرق بين أن يكونا على فرسين أو حمارين أو بغلين، أو أحدهما على فرس والآخر على بغل أو حمار؛ لأن الاصطدام قد وجد منهما وإن كان فعل أحدهما أقوى من فعل الآخر، كما لو جرح رجل رجلاً جراحات، وجرحه الآخر جراحة، ومات منها.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا فرق بين أن يكونا بصيرين أو أعميين، أو أحدهما أعمى والآخر بصيراً؛ لأن الاصطدام قد وجد منهما، ولا فرق بين أن يقعا مكبوبين أو مستلقيين، أو أحدهما مكبوباً والآخر مستلقياً).
وقال المزني: إذا وقع أحدهما مكبوباً على وجهه والآخر مستلقياً على ظهره.. فإن القاتل هو المكبوب على وجهه، فعلى عاقلته جميع دية المستلقي، ولا شيء على عاقلة المستلقي.
والمنصوص هو الأول؛ لأنهما قد اصطدما، ويجوز أن يقع مستلقياً على ظهره من

شدة صدمته، ألا ترى أن رجلاً إذا طرح حجراً على حجر.. رجع الحجر إلى خلفه من شدة وقوعه وثبوت الآخر؟ فكذلك هذا مثله.
وإن ماتت الدابتان.. وجب على كل واحد منهما نصف قيمة دابة الآخر؛ لأنها تلفت بفعله وفعل صاحبه، ولا تحمله العاقلة؛ لأن العاقلة لا تحمل المال.
وإن كان أحدهما راكباً والآخر ماشياً.. فالحكم فيهما كما لو كانا راكبين أو ماشيين، وإنما يتصور هذا إذا كان الماشي طويلاً والراكب أقصر منه.

فرع اصطدام صغيرين راكبين وغيرهما

وإن اصطدم صغيران راكبان.. نظرت: فإن ركبا بأنفسهما أو أركباهما ولياهما.. فهما كالبالغين؛ لأن للولي أن يركب الصغير ليعلمه.
وإن أركباهما أجنبيان.. فعلى عاقلة كل واحد منهما من المركبين نصف دية كل واحد منهما؛ لأن كل واحد من المركبين هو الجاني على الذي أركبه وعلى الذي جنى عليه.
وإن كان المصطدمان عبدين، وماتا.. فقد تعلق برقبة كل واحد منهما نصف قيمة الآخر، وقد تلف، فسقط ما تعلق برقبته.
وإن مات أحدهما، وبقي الآخر.. تعلق برقبة الذي لم يمت نصف قيمة الآخر.
وإن كان أحدهما حراً والآخر عبداً.. وجبت نصف قيمة العبد في مال الحر في أحد القولين، وعلى عاقلته في الآخر.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وتجب نصف دية الحر في رقبة العبد).
واختلف أصحابنا فيه.
فمنهم من قال: تكون هدراً؛ لأن الرقبة قد فاتت.

ومنهم من قال: تتعلق بنصف دية الحر بنصف قيمة العبد؛ لأنهما قائمة مقام الرقبة، كما لو جنى عبد على رجل جناية، ثم قتل الرجل العبد.
فعلى هذا: إن قلنا: إن نصف قيمة العبد تجب على عاقلة الجاني.. تعلقت بها نصف دية الحر، وإن قلنا: تجب في ماله، قال الشيخ أبو حامد: وتساويا.. صار ذلك قصاصاً.
وإن كان نصف القيمة أكثر.. كان الفضل للسيد، وإن كان نصف الدية أكثر.. كانت الزيادة هدراً.
قلت: والذي يقتضي المذهب: أنه لا يقع قصاصا؛ لأن قيمة العبد تجب من نقد البلد، والدية وإنما تجب من الإبل، إلا إذا أعوزت.. فيصح ذلك.

فرع اصطدام امرأتين حاملتين

وإن اصطدمت امرأتان حاملان، فماتتا، ومات جنيناهما.. وجب على عاقلة كل واحدة منهما نصف دية الأخرى.
وكذلك: يجب على عاقلة كل واحدة منهما نصف دية جنينها، ونصف دية جنين الأخرى؛ لأن كل واحدة منهما قتلت جنينها وجنين الأخرى.
وإن خرج جنين إحداهما منها قبل موتها.. لم ترث من ديته؛ لأنها قاتلة له، ويجب على كل واحدة منهما أربع كفارات؛ لأن كل واحدة منهما قاتلة لنفسها ولجنينها، وقاتلة للأخرى وجنينها، فوجب عليها أربع كفارات.
وإن كان المصطدمتان أمي ولد لرجلين.. فعلى سيد كل واحدة منهما نصف قيمة الأخرى، ويهدر النصف، وإن كانتا حاملين من سيديهما، فسقط الولدان ميتين.. وجب على كل واحد من السيدين نصف الغرة للآخر.

وإن لم يكن للجنين وارث سوى السيدين.. تقاصا في الغرة، وإن كان لهما وارث سواهما - ولا يتصور إلا أم أم - فلا يهدر في حقها، وإنما ورثت الجدة هاهنا مع وجود الأم؛ لأنها مملوكة.
قال الطبري في " العدة ": وإن جر رجلان رجلاً، فانقطع الحبل وسقطا.. فهما كالمصطدمين.

مسألة اصطدما وأحدهما واقف

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وإن كان أحدهما واقفاً، فصدمه الآخر، فماتا.. فدية الصادم هدر، ودية صاحبه على عاقلة الصادم).
وجملة ذلك: أن الرجل إذا كان واقفاً في موضع، فصدمه آخر، فماتا.. نظرت: فإن دية المصدوم - وهو: الواقف - تجب على عاقلة الصادم؛ لأنه مات بفعله، وتهدر دية الصادم؛ لأن الواقف غير مفرط بالوقوف في موضعه، وسواء كان الواقف قائماً، أو قاعداً، أو مضجعا، أو نائماً، وسواء كان بصيراً أو أعمى يمكنه أن يحترز، فلم يفعل، أو لا يمكنه؛ لأن فعل الصادم مضمون.
وإن أمكن المصدوم الاحتراز منه، كما لو طلب رجلاً ليقتله، وأمكن المطلوب الاحتراز منه، فلم يفعل حتى قتله، فإن انحرف الواقف، فوافق انحرافه صدمة الصادم، فماتا.. فقد مات كل واحد منهما بفعله وفعل صاحبه، فيكونان كالمتصادمين، فيجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر، ويهدر النصف، ولو صدمه بعدما استقر انحرافه.. كان كما لو لم ينحرف.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن انحرف مولياً، فمات.. فعلى عاقلة الصادم ديته كاملة).
وصورته: أن يكون وجه الواقف إلى المقبل، فلما رآه.. انحرف مولياً ليتنحى عن طريقه، فأصابه، فمات.. فجميع ديته على عاقلة الصادم؛ لأنه لا فعل له في قتل نفسه، ودية الصادم هدر.

وأما إذا كان واقفاً في طريق ضيق للمسلمين.. فعلى عاقلة كل واحد منهما جميع دية الآخر؛ أما الصادم: فلأنه قاتل، وأما المصدوم: فلأنه كان السبب في قتل الصادم، وهو وقوفه في الطريق الضيق؛ لأنه ليس له الوقوف هناك.
والفرق بين هذا وبين المتصادمين: أن كل واحد من المتصادمين مات بفعله وفعل صاحبه، وهاهنا كل واحد منهما قاتل لصاحبه منفرد بقتله؛ لأن الصادم انفرد بالإصابة، والمصدوم انفرد بالسبب الذي مات به الصادم.
ومن أصحابنا من قال: ليس على عاقلة المصدوم شيء بحال.
والأول أصح.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذا كان الرجل واقفاً في الطريق، فصدمه آخر، فماتا: (أن دية الصادم هدر، ودية المصدوم - وهو: الواقف - على عاقلة الصادم).
وقال فيمن نام في الطريق، فصدمه آخر، فماتا: (إن دية النائم هدر، ودية الصادم على عاقلة النائم).
فمن أصحابنا من جعل المسألتين على قولين، ومنهم من أجراهما على ظاهرهما، وفرق بينهما بأن الإنسان قد يقف في الطريق ليجيب داعياً وما أشبهه، فأما النوم والقعود: فليس له ذلك.

مسألة اصطدام باخرتين ونحوهما

وإذا اصطدمت سفينتان، فانكسرتا، وتلف ما فيهما.. فلا يخلو القيمان فيهما: إما أن يكونا مفرطين في الاصطدام، أو غير مفرطين، أو أحدهما مفرطاً والآخر غير مفرط.
فإن كانا مفرطين، بأن أمكنهما ضبطهما والانحراف، فلم يفعلا.. فقد صارا

جانيين، فإن كانت السفينتان وما فيهما لهما.. وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها، ويسقط النصف؛ لأن سفينة كل واحد منهما تلفت بفعله وفعل صاحبه، فسقط ما قابل فعله، ووجب ما قابل فعل صاحبه، كالفارسين إذا تصادما وماتا.
وإن كانت السفينتان وما فيهما لغيرهما.. وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينته، ونصف قيمة ما فيها، ونصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها؛ لأن كل واحدة منهما تلفت بفعلهما، وسواء كانت السفينتان وديعة أو عارية أو بأجرة، وسواء كان المال فيهما وديعة أو قراضاً أو يحمل بأجرة؛ لأن الجميع يضمن بالتفريط.
وإن كان فيهما أحرار، وماتوا، وقصدا الاصطدام، وقال أهل الخبرة: إن مثل ما قصدا إليه وفعلاه يقتل غالباً.. فإنها جناية عمد محض، فقد وجب عليهما القود لجماعة في حالة واحدة، فيقرع بين أولياء المقتولين، فإذا خرجت عليهما القرعة لواحد.. قتلا بواحد، ووجب للباقين الدية في أموالهما.
وإن قالوا: لا يقتل مثله غالباً، أو لم يقصدا الاصطدام، وإنما فرطا.. وجب على عاقلة كل واحد منهما نصف ديات ركاب السفينتين.
وإن كان فيهما عبيد.. وجبت قيمتهم عليهما.
وأما إذا لم يفرط القيمان: مثل: أن اشتدت الريح، واضطربت الأمواج، فلم يمكنهما إمساكهما لطرح الأنجر، ولا بأن يعدل إحداهما عن سمت الأخرى حتى اصطدمتا وهلكتا.. ففيه قولان: أحدهما: أن عليهما الضمان؛ لأنهما في أيديهما، فما تولد من ذلك.. كان عليهما ضمانه، وإن لم يفرطا.. كانا كالفارسين إذا تصادما، وغلبهما الفرسان.
ولأن كل من ابتدأ الفعل منه.. فإنه يضمن ذلك الفعل إذا صار جناية وإن كان بمعونة غيره، كما لو رمى سهماً إلى غرض، فحمل الريح السهم إلى إنسان، وقتله.

والثاني: لا ضمان عليهما؛ لأنه لا فعل لهما، ابتداء ولا انتهاء، وإنما ذلك بفعل الريح، فهو كما لو نزلت صاعقة، فأحرقت السفينتين.
واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا لم يكن للقيم فعل، لا ابتداء ولا انتهاء، وهو في المراكب التي ينصب القيم الشراع، ويمد الحبال، ويقيمه نحو الريح، حتى إذا هبت الريح.. دفعه، فأما السفن الصغار التي تدفع بالمجذاف: فإنه يجب الضمان، قولا واحداً؛ لأن ابتداء الفعل منهما.
ومنهم من قال: القولان إذا لم يكن منهما فعل، بأن كانتا واقفتين، أو لم يسيراهما، فجاءت الريح، فغلبتهما، فأما إذا سيرا، فغلبتهما الريح.. فيجب الضمان، قولاً واحداً.
ولم يفرق بين السفن التي تسير بنصب الشراع ومد الحبال، وبين السفن الصغار التي تسير بالمجذاف.
ومنهم من قال: القولان في الجميع، سواء كانتا واقفتين، أو سيراهما، وسواء كانتا تسيران بنصب الشراع أو بالمجذاف؛ لأن الفارس يمكنه ضبط الفرس باللجام، والسفينة لا يمكنه أن يسيرها سيراً لا تغلبه الريح عليها.
فإذا قلنا: يجب عليهما الضمان.. فالحكم فيهما هاهنا كالحكم إذا فرطا، إلا في القصاص، فإنه لا يجب هاهنا، وإنما تجب لركاب السفينة دية مخففة على عاقلتهما نصفان.
وإن قلنا: لا يجب الضمان، فإن كانت السفينتان وما فيهما لهما.. فلا يجب عليهما الضمان.
وكذلك: إذا كانت السفينتان معهما وديعة، والمال الذي فيهما قراضاً معهما.. لم يجب عليهما الضمان؛ لأنهما لم يفرطا.
وإن استأجرا السفينتين، والمال الذي فيهما حملاه بأجرة.. فلا ضمان عليهما في

السفينتين، وأما المال، فإن كان رب المال معه.. لم يضمنه الأجير؛ لأن يد صاحبه عليه، وإن لم يكن رب المال معه.. فعلى قولين؛ لأنه أجير مشترك.
وكذلك: إن كان قد استؤجر على القيام بالسفينتين وما فيهما.. فهما أجيران مشتركان.
فإن كان رب السفينة والمال معه.. فلا ضمان، وإن لم يكن معه.. فعلى القولين.
وإن كان أحدهما مفرطاً والآخر غير مفرط.. قال الشيخ أبو حامد: فإن المفرط جان، والآخر غير جان.
فإن كانت السفينتان وما فيهما لهما.. كان على المفرط قيمة سفينة صاحبه وما فيها؛ لأنها تلفت بفعله، وأما سفينته وما فيها: فلا يرجع به على أحد؛ لأنهما هلكتا بفعله.
وإن كانتا وما فيهما لغيرهما.. فإن على المفرط قيمة سفينته وقيمة ما فيها، وعليه قيمة سفينة صاحبه وقيمة ما فيها، ولصاحب السفينة التي لم يفرط قيمها أن يطالب المفرط بذلك.
وإن أراد أن يطالب القيم الذي لم يفرط، فإن قلنا: إن القيم يضمن وإن لم يفرط.. فهاهنا له أن يضمنه، ثم يرجع الذي لم يفرط بما غرمه على المفرط.
وإن قلنا: إن القيم لا يضمن إذا لم يفرط، فإن كانت السفينة التي معه وديعة، أو المال معه قراضاً.. فلا ضمان عليه، وإن كان ذلك بيده استؤجر على حمله.. فهو أجير مشترك.
وإن لم يكن صاحبه معه، فإن قلنا: لا يضمن.. لم يكن له مطالبته، وإن قلنا: يضمن.. فله مطالبته، ثم يرجع هو بما غرمه على المفرط.
فإن انكسرت إحداهما دون الأخرى.. فالحكم في المنكسرة كما إذا انكسرتا.

فرع صدمت سفينة من غير تعمد

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فإذا صدمت سفينة من غير أن يتعمد بها الصدم.. لم يضمن شيئاً مما في سفينته بحال).
واختلف أصحابنا في صورتها: فمنهم من قال: صورتها: أن يكون القيم قد عدل سفينته إلى الشط، وربطها، وطرح الأنجر، فجاءت سفينة أخرى فصدمتها، فتلفت وما فيها، فلا ضمان عليه؛ لأنه لا فعل له يلزمه به الضمان.
وهذا القائل يقول قول الشافعي: (صدمت سفينة) إنما هو بضم الصاد: فعل ما لم يسم فاعله.
ومنهم من قال: صورتها: إذا لم يكن منه تفريط.
وأجاب بأحد القولين، وهو الأصح؛ لأنه قال: صدمت سفينة من غير أن يتعمد بها الصدم، ولا يقال ذلك للمصدوم، وإنما يقال مثله للصادم.

مسألة ثقلت السفينة فألقوا المتاع

إذا كان قوم في سفينة وفيها متاع، فثقلت السفينة من المتاع، ونزلت في الماء، وخافوا الغرق، فإن ألقى بعضهم متاعه في البحر في الماء لتخف السفينة ويسلموا.. لم يرجع به على أحد؛ لأنه أتلف ماله باختياره من غير أن يضمن له غيره عوضاً، فهو كما لو أعتق عبده.
وإن طرح مالاً لغيره بغير إذنه لتخف السفينة.. وجب عليه ضمانه؛ لأنه أتلف مال غيره بغير إذنه، فوجب عليه ضمانه كما لو حرق ثوبه.
وإن قال لغيره: ألق متاعك في البحر، ولم يضمن له عوضاً، فألقاه.. فقد قال المسعودي [في " الإبانة "]: هل يجب على الذي أمره بالإلقاء ضمانه؟ فيه وجهان،

كما قلنا فيه إذا قال لغيره: اقض عني ديني، ولم يضمن له عوضاً.
وقال سائر أصحابنا: لا يلزمه ضمانه، وهو المنصوص؛ لأنه لم يضمن له بدله، فلم يلزمه، كما لو قال: أعتق عبدك، فأعتقه.
والفرق بينه وبين قضاء الدين: أن قضاء الدين يتحقق نفعه للطالب؛ لأن ذمته تبرأ بالقضاء، وهاهنا لا يتحقق النفع بذلك، بل يجوز أن يسلموا، ويجوز أن لا يسلموا.
وإن قال له: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، أو على أني أضمن لك قيمته، فألقاه.. وجب على الطالب ضمانه، وهو قول الفقهاء كافة، إلا أبا ثور، فإنه قال (لا يلزمه؛ لأنه ضمان ما لم يجب).
وهذا خطأ؛ لأنه استدعاء إتلاف بعوض لغرض صحيح، فصح، كما لو قال: أعتق عبدك وعلي قيمته، أو طلق امرأتك وعلي ألف.

فرع طلب إلقاء المتاع في البحر وعلى الركاب ضمانه

وإن قال لغيره: ألق متاعك في البحر وعلي وعلى ركاب السفينه ضمانه، فألقاه.. وجب على الطالب حصته، فإن كانوا عشرة.. لزمه ضمان عشره.
وإن قال: ألق متاعك على أن أضمنه وكل واحد من ركاب السفينة، فألقاه.
وجب على الطالب ضمان جميعه؛ لأنه شرط أن يكون كل واحد منهم ضامناً له.
وإن قال: ألق متاعك وعلي وعلى ركاب السفينة ضمانه وقد أذنوا لي في ذلك؛ فإن صدقوه.. لزم كل واحد منهم بحصته، وإن أنكروا.. حلفوا، ولزم الطالب ضمان جميعه.
وإن قال: ألق متاعك وعلي وعلى ركاب السفينة ضمانه، وعلي تحصيله منهم، فألقاه.. وجب على الطالب ضمان جميعه.

وإن قال صاحب المتاع للآخر: ألق متاعي وعليك ضمانه، فقال: نعم، فألقاه.. وجب عليه ضمانه؛ لأن ذلك بمنزلة الاستدعاء منه.
وإن قال له: ألق متاعك وعلي نصف قيمته، وعلى فلان ثلثه، وعلى فلان سدسه، فألقاه، فإن صدقه الآخران أنهما أذنا للطالب في ذلك.. لزمه نصف قيمته، ولزم الآخرين النصف، وإن أنكر الآخران.. حلفا، ووجب الجميع على الطالب، فإن قال الطالب: ألقي أنا متاعك وعلي ضمانه، فقال صاحب المتاع: نعم، فألقاه.. لم يكن مأثوماً، ووجب عليه ضمانه، فإن قال الطالب: ألقي أنا متاعك وعلي وعلى ركاب السفينة ضمانه، فقال صاحب المتاع: نعم، فألقاه الطالب.. فيه وجهان: أحدهما: لا يلزم الملقي إلا بحصته؛ لأنه قدر ما ضمن.
والثاني: يلزمه الجميع؛ لأنه باشر الإتلاف.
وإن قال لغيره: ألق متاع فلان وأنا ضامن لك لو طالبك.. لم يصح هذا الضمان، ويلزم الضمان على الملقي؛ لأنه هو المباشر.

فرع خرق السفينة فغرقت

وإن خرق رجل السفينة، فغرق ما فيها، فإن كان مالاً.. لزمه ضمانه، سواء خرقها عمداً أو خطأ؛ لأن المال يضمن بالعمد والخطأ.
وإن كان فيها أحرار فغرقوا وماتوا، فإن كان عامداً، مثل: أن يقلع منها لوحاً يغرق مثلها من قلعه في الغالب.. وجب عليه القود بهم، فيقتل بأحدهم، وتجب للباقين الدية في ماله.
وإن كان مخطئاً، بأن سقط من يده حجر أو فأس، فخرق موضعاً فيها، فغرقوا.. كان على عاقلته دياتهم مخففة.
وإن كان عمد خطأ، مثل: أن كان فيها ثقب، فأراد إصلاحه، فانخرق عليه.. كان على عاقلته دياتهم مغلظة.

مسألة رموا بالمنجنيق ونحوه

إذا رمى عشرة أنفس حجراً بالمنجنيق، فأصابوا رجلاً من غيرهم، فقتلوه.. فقد اشتركوا في قتله، فإن لم يقصدوا بالرمي أحداً.. وجبت ديته مخففة، على عاقلة كل واحد منهم عشرها، وإن كانوا قصدوه بالرمي، فأصابوه.. لم يكن عمداً محضاً؛ لأنه لا يمكن قصد رجل بعينه بالمنجنيق، وإنما يتفق وقوعه ممن وقع به، فتجب ديته مغلظة، على عاقلة كل واحد منهم عشرها.
وإن رجع المنجنيق على أحدهم، فقتله.. سقط من ديته العشر، ووجب على عاقلة كل واحد من التسعة عشر ديته؛ لأنه مات بفعله وفعلهم، فهدر ما يقابل فعله، ووجب ما يقابل فعلهم، وإنما تجب الدية على من مد منهم الحبال ورمى بالحجر، فأما من أمسك خشب المنجنيق إن احتاج إلى ذلك، ووضع الحجر في الكفة، ثم تنحى.. فلا شيء عليه؛ لأنه صاحب سبب، والمباشر غيره، فتعلق الحكم بالمباشر.

مسألة وقع في بئر أو حفرة ثم وقع آخر فوقه

إذا وقع رجل في بئر أو زبية، فوقع عليه آخر، فمات الأول.. وجب ضمان الأول على الثاني؛ لما روي: (أن بصيراً كان يقود أعمى، فوقعا في بئر، ووقع الأعمى فوق البصير، فقضى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه بعقل البصير على الأعمى)؛ لأنه انفرد بالوقوع عليه، ثم ينظر فيه:

فإن كان الثاني رمى بنفسه عليه عمداً، وكان وقوعه عليه يقتله في الغالب.. وجب على الثاني القود، وإن رمى بنفسه عليه، وكان وقوعه عليه لا يقتله غالباً.. وجبت فيه دية مغلظة على عاقلة الثاني.
وإن وقع عليه مخطئاً.. وجبت على عاقلته دية مخففة، وتهدر دية الثاني بكل حال؛ لأنه لم يمت بفعل أحد.
وإن وقع الأول، ووقع عليه ثان، ووقع فوقهما ثالث، وماتوا.. قال ابن الصباغ: فقد ذكر الشيخ أبو حامد: أن ضمان الأول على الثاني والثالث؛ لأنه مات بوقوعهما عليه، وضمان الثاني على الثالث؛ لأنه انفرد بالوقوع عليه، ويهدر دم الثالث؛ لأنه لم يمت بفعل أحد.
وذكر القاضي أبو الطيب: أن الثالث يضمن نصف دية الثاني، ويهدر النصف؛ لأن الثاني تلف بوقوعه على الأول وبوقوع الثالث عليه.
قال ابن الصباغ: وهذا أقيس؛ لأن وقوعه على غيره سبب في تلفه، كوقوع غيره عليه.
قال ابن الصباغ: فعلى قياس هذا: إذا وقع على الأول ثان، وماتا.. أن تهدر نصف دية الأول؛ لأنه مات بوقوعه وبوقوع الثاني عليه.
وإن وقع رجل في بئر، وجذب ثانياً، وماتا.. هدرت دية الأول؛ لأنه مات بجذبه الثاني على نفسه، ووجبت دية الثاني على الأول؛ لأنه مات بجذبه.
وإن جذب الأول ثانياً، وجذب الثاني ثالثاً، وماتوا.. فقد مات الأول بفعله، وهو: جذبه للثاني على نفسه، وبفعل الثاني؛ وهو: جذب الثالث، فسقط نصف دية

الأول، ويجب نصفها على الثاني، ويجب للثاني نصف ديته على الأول، ويسقط نصفها؛ لأنه مات بجذب الأول له وبجذبه للثالث على نفسه، ويجب للثالث جميع ديته؛ لأنه لا صنع له في قتل نفسه.
وعلى من تجب؟ فيه وجهان: أحدهما: تجب على الثاني؛ لأنه جذبه.
والثاني: تجب على الأول والثاني نصفين؛ لأن الأول جذب الثاني، والثاني جذب الثالث، فكأن الثالث مات بجذبهما.
فإن كانت بحالها، وجذب الثالث رابعاً، وماتوا.. فقد حصل هاهنا ثلاث جذبات: فأما الأول: فقد مات بفعله وفعل الثاني وفعل الثالث، فسقط ثلث الدية، لأنه جذب الثاني على نفسه، وتجب على الثاني ثلث الدية لجذبه الثالث عليه، وعلى الثالث ثلث الدية لجذبه الرابع عليه.
وأما الثاني: فقد مات بفعله وفعل الأول وفعل الثالث، فيجب له على الأول ثلث الدية وعلى الثالث ثلث الدية، ويسقط الثلث.
وأما الثالث: ففيه وجهان: أحدهما: يسقط من ديته النصف، ويجب له على الثاني النصف؛ لأنه مات بفعله، وهو: جذبه الرابع، فسقط النصف لذلك، وبفعل الثاني، وهو: جذبه له.
والثاني: يسقط من ديته الثلث؛ لأنه مات بثلاثة أفعال، بجذبه للرابع، وبجذب الثاني له، وبجذب الأول للثاني، فيجب له على الأول ثلث الدية، وعلى الثاني ثلثا الدية.
وأما الرابع: فيجب له جميع الدية؛ لأنه لا صنع له في قتل نفسه.. وعلى من تجب؟ فيه وجهان: أحدهما: تجب على الثالث؛ لأنه هو الذي جذبه.

والثاني: تجب على الأول والثاني والثالث أثلاثاً؛ لأن وقوعه حصل بالجذبات.
فإن قيل: فقد روى سماك بن حرب، «عن حنش بن المعتمر الصنعاني: أن قوماً باليمن حفروا زبية ليصطادوا بها الأسد، فوقع فيها الأسد، فاجتمع الناس على رأسها يبصرونه، فتردى رجل فيها فتعلق بثان، وتعلق الثاني بثالث، وتعلق الثالث برابع، فوقعوا فيها، فقتلهم الأسد، فرفع ذلك إلى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، فقضى للأول بربع الدية؛ لأن فوقه ثلاثة، وقضى للثاني بثلث الدية؛ لأن فوقه اثنين، وللثالث بنصف الدية؛ لأن فوقه واحداً، وللرابع بكمال الدية.
فرفع ذلك إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: هو كما قضى» قال أصحابنا: هذا حديث لا يثبته أهل النقل؛ لأن حنش بن المعتمر ضعيف، والفقه ما قدمناه

[فرع حفر بئراً من غير حق]

وإن حفر رجل بئراً في موضع ليس له الحفر فيه، فتردى فيها رجل وجذب آخر فوقه، وماتا.. ففيه وجهان، حكاهما الطبري في " العدة ": أحدهما: يجب للأول على الحافر نصف الدية، ويهدر النصف؛ لأنه مات بسببين: حفر البئر وجذبه للثاني على نفسه، فانقسمت الدية عليهما، وسقط ما قابل فعله.
والثاني: حكاه القاضي أبو الطيب عن أبي عبد الله الجويني -: أنه لا يجب له شيء على الحافر؛ لأن جذبه للثاني على نفسه مباشرة، والحفر سبب، وحكم السبب يسقط بالمباشرة.
قال الطبري: والأول أصح؛ لأن الجذب سبب أيضاً؛ لأنه لم يقصد به إلقاءه على نفسه، وإنما قصد به التحرز من الوقوع، فلم يكن أحدهما بأولى من الآخر.
وبالله التوفيق

باب الديات

دية الحر المسلم مائة من الإبل؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم: «وفي النفس مائة من الإبل».
وهو إجماع.
فإن كانت الدية في العمد المحض، أو في شبه العمد.. وجبت دية مغلظة، وهي: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة - و (الخلفة): الحامل - وبه قال عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، وعطاء، ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (تجب أرباعاً، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة).
وقال أبو ثور: (دية شبه العمد مخففة، كدية الخطأ).
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يوم فتح مكة: «ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها».
وروى عبادة بن الصامت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألا إن في الدية العظمى مائة من الإبل، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها».

وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أنه قال: (دية شبه العمد ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة).
فإن قيل: فما معنى قوله: «منها أربعون خلفة في بطونها أولادها» وقد علم أن الخلفة لا تكون إلا حاملاً؟ قلنا: له تأويلان: أحدهما: أنه أراد التأكيد في الكلام، وذلك جائز، كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] (البقرة: 196). والثاني: أن الخلفة اسم للحامل التي لم تضع، واسم للتي وضعت ويتبعها ولدها، فأراد أن يميز بينهما.
إذا ثبت هذا: فهل تختص الخلفة بسن أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا تختص بسن، بل إذا كانت حاملاً.. فبأي سن كانت جاز؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «منها أربعون خلفة في بطونها أولادها».
ولم يفرق.
والثاني: تختص بسن، وهو: أن تكون ثنية فما فوقها؛ لما روى عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه قال: «ألا إن في قتيل شبه العمد بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها، ما بين الثنية إلى بازل عامها».
ومراسيل الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حجة؛ لأنهم أتقياء لا يتهمون.

وروي عن عمر، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أنهما قالا: (ألا إن في قتيل شبه العمد مائة من الإبل، منها أربعون خلفة، في بطونها أولادها، ما بين الثنية إلى بازل عامها).
ولا مخالف لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ولأنه أحد أنواع إبل الدية، فاختص بسن، كالحقاق والجذاع.

مسألة دية جناية الخطأ

وإن كانت الجناية خطأ، ولم يكن القتل في الحرم ولا في الأشهر الحرم، ولكن المقتول ذو رحم محرم للقاتل.. فإن الدية تكون مخففة أخماساً، وهي: مائة من الإبل: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وبه قال من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري رحمة الله عليهم، ومن الفقهاء: مالك، وربيعة، والليث، والثوري - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. وقال أبو حنيفة وأصحابه: (هي أخماس، إلا أنه يجب مكان بني لبون عشرون ابن مخاض).
وروي عن عثمان، وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أنهما قالا: (تجب من أربعة أنواع: ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وعشرون بنت لبون وعشرون بنت مخاض).

وقال الشعبي، والحسن البصري: تجب أرباعاً: خمساً وعشرين جذعة، وخمساً وعشرين حقة، وخمساً وعشرين بنت لبون، وخمساً وعشرين بنت مخاض.
وروي مثل ذلك عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه.
دليلنا: ما روى مجاهد، عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى بدية الخطأ مائة من الإبل: عشرين حقة، وعشرين جذعة، وعشرين بنت لبون، وعشرين ابن لبون، وعشرين بنت مخاض».
وقد روي ذلك موقوفاً على ابن مسعود.
وروي عن سليمان بن يسار: أنهم كانوا يقولون: دية الخطأ، مائة من الإبل: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
وإن كان قتل الخطأ في الحرم، أو في الأشهر الحرم - وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم - أو كان المقتول ذا رحم محرم للقاتل.. كانت دية الخطأ مغلظة كدية العمد، فتجب ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وبه

قال عمر، وعثمان، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ومن التابعين: ابن المسيب، وابن جبير، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، والزهري، وقتادة رحمة الله عليهم، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. وروي عن طائفة: أنها قالت: لا تتغلظ بحال.
وبه قال الشعبي، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، وأبو حنيفة - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -. دليلنا: أن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - غلظوا دية الخطأ في هذه المواضع الثلاثة.
فروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: أنه قال: (من قتل في الحرم، أو في الشهر الحرام، أو ذا رحم محرم.. فعليه دية وثلث).
وروي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: (أن امرأة وطئت في الطواف، فماتت، فقضى أن ديتها ستة آلاف، وألفا درهم للحرم).
وروى ابن جبير: أن رجلاً قتل رجلاً في البلد الحرام في الشهر الحرام، فقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (ديته اثنا عشر ألف درهم، وأربعة آلاف تغليظاً للشهر الحرام، وأربعة آلاف للبلد الحرام، فكلها عشرون ألفاً).
ولا مخالف لهم في

جارٍ التحميل