كتاب الديات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الموضحة.. وجب ذلك؛ لأن الحاجب تجب بإزالته حكومة، فإذا انضم إلى ذلك الإيضاح.. لم ينقص عن حكومته.
فرع زال العيب أو بقي أثر لا تنقص به القيمة
]: وإن لم يبق للجناية شين بعد الاندمال، أو بقي لها شين لم تنقص به القيمة.. فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو العباس: لا تجب فيها الحكومة؛ لأن الحكومة إنما تجب لنقص القيمة، ولم تنقص به القيمة، فلم تجب الحكومة، كما لو لطمه، فاسود الموضع، ثم زال السواد.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق، وأكثر أصحابنا: تجب عليه الحكومة، وهو المنصوص؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (وإن نتف لحية امرأة أو شاربها.. فعليه الحكومة أقل من حكومة في لحية الرجل؛ لأن الرجل له فيها جمال، ولا جمال للمرأة فيها، ولأن جملة الآدمي مضمونة، فإذا أتلف جزءًا منها.. وجب أن يكون مضمونًا، كسائر الأعيان).
فإذا قلنا بهذا: فإنه يقوم في أقرب أحواله إلى الاندمال؛ لأنه لا بد أن ينقص، فإن لم ينقص منه.. قوم قبله، فإن لم ينقص.. قوم والدم جار، كما قلنا في ولد الأمة إذا غر رجل بحريتها: أنه يقوم حالة الوضع؛ لأنه أول حالة إمكان تقويمه.
وإن نتف لحية امرأة وأعدمها النبات.. قال أبو إسحاق المروزي: اعتبرتها بعبد كبير، فأقول: هذا العبد الكبير كم قيمته وله مثل هذه اللحية؟ فإن قيل: مائة.. فكم قيمته ولا لحية له؟ فإن قيل: تسعون.. وجب على الجاني عشر دية المرأة.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال الخراسانيون: يجب ما رآه الحاكم باجتهاده.
وإن قطع أنملة لها طرفان.. فإنه يجب في الطرف الأصلي ديته، ويجب في الزائدة حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده، ولا يبلغ به أرش الأصلي.
هذا نقل أصحابنا
البغداديين.
وقال الخراسانيون: إذا قطع إصبعًا زائدة.. فيه وجهان:
أحدهما: يجب ما رآه الحاكم باجتهاده.
والثاني: يقال: كم ينقص من قيمة العبد وقت الجناية؟
وإن قلع سنًا زائدًا - وهو: الخارج عن سمت الأسنان ومن ورائه إلى داخل الفم سن أصلية - فلم ينقص قيمته بقلعها.. فإنه يقال: لو كان هذا عبدًا.. كم كانت قيمته وله هذا السن الزائدة وليس له ما وراءه من السن الأصلي؛ لأن الزائد يسد الفرجة إذا لم يكن له السن الأصلية؟ فإن قيل: مائة.. قيل: فكم قيمته وليس له السن الزائد ولا الأصلي الذي من ورائه؟ فإن قيل: تسعون.. علم أنه نقص عشر قيمته، فيجب له عشر الدية.
[فرع كسر عظمًا فانجبر وعاد كما كان]
]: وإن كسر له عظمًا في غير الرأس والوجه، فجبره، فانجبر، فإن عاد مستقيمًا كما كان.. فقد قال القاضي أبو الطيب: هل تجب فيه الحكومة؟ فيه وجهان، كما قلنا فيه إذا جرحه جراحة لا أرش لها مقدر، واندملت ولم يبق لها شين.
وقال الشيخ أبو حامد: تجب الحكومة، وجهًا واحدًا؛ لأنه لا بد أن يبقى في العظم بعد كسره وانجباره ضعف.
قال ابن الصباغ: والأول أصح.
وإن انجبر وبقي له شين.. وجبت فيه الحكومة أكثر مما لو عاد مستقيمًا.
وإن انجبر وبقي معوجًا.. وجبت فيه الحكومة أكثر من الحكومة إذا بقي الشين من غير اعوجاج.
فرع أفضى امرأة بعد جرحها فعليه حكومة
]: وإن أفضى امرأة، ثم التأم الجرح.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لم تجب الدية، ووجبت الحكومة).
وإن أجافه جائفة، فالتأمت الجائفة.. ففيه وجهان، حكاهما أبو علي في " الإفصاح ":
أحدهما: لا يجب أرش الجائفة، وإنما تجب الحكومة، كما قلنا فيه إذا أفضى امرأة، والتأم الجرح.
والثاني - وهو اختيار القاضي أبي الطيب، ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق غيره -: أن أرش الجائفة يجب؛ لأن أرش الجائفة إنما وجب لوجود اسمها، فلم يسقط بالالتئام، كأرش الموضحة والهاشمة.
ودية الإفضاء إنما وجبت لإزالة الحاجز، فإذا عاد الحاجز.. لم تجب الدية، كما لو ذهب ضوء العين، ثم عاد.
[فرع فزع شخصًا فأحدث في ثيابه]
]: فإن فزع إنسانًا، فأحدث في الثياب.. لم يلزمه ضمان؛ لأنه لم يحدث نقصًا في جمال ولا منفعة.
مسألة في قتل القن وجوب قيمته
]: وإن قتل حر عبدًا أو أمة لغيره.. وجبت عليه قيمته، سواء بلغت دية حر أو أكثر، وسواء قتله عمدًا، أو خطأ، أو عمد خطأ، وسواء ضمنه باليد أو بالجناية، وبه قال مالك، والأوزاعي، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -.
وقال أبو حنيفة، ومحمد: (إن كانت قيمته دون دية الحر.. وجبت، وإن كانت مثلها أو أكثر منها.. نقصت عن دية الحر عشرة دراهم.
وإن كانت أمة، فبلغت قيمتها دية حرة.. نقصت عشرة دراهم - في إحدى الروايتين، وفي الأخرى: خمسة دراهم - هذا إذا ضمنه بالجناية، وإن ضمنه باليد، بأن يغصب عبدًا، فيموت في يده.. ضمنه بقيمته بالغة ما بلغت).
كقولنا.
دليلنا: أنه مضمون بالإتلاف؛ لحق الآدمي بغير جنسه، فضمن بقيمته بالغة ما بلغت، كسائر الأموال.
فقولنا: (بالإتلاف) احتراز مما لو غصب عبدًا وهو باق في يده؛ فإنه مضمون يَردُّهُ.
وقولنا: (لحق الآدمي) احتراز من الكفارة، ومن جزاء الصيد الذي له مثل.
وقولنا: (من غير جنسه) احتراز ممن غصب شيئًا من ذوات الأمثال وتلف أو أتلفه.
فرع يضمن من القن ما يضمن من الحر
]: وأما ما دون النفس من العبد: فهو معتبر بالحر، فكل شيء وجب فيه من الحر الدية.. وجب فيه من العبد قيمته، وكل شيء مضمون من الحر بحر، ومقدر من الدية.. ضمن من العبد بمثل ذلك الجزء من قيمته، وكل شيء ضمن من الحر بالحكومة.
ضمن من العبد بما نقص من قيمته، وبه قال عمر، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، وابن المسيب - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وعن أبي حنيفة روايتان:
إحداهما: كقولنا.
والثانية: ما لا منفعة فيه، كالأذنين، واللحية، والحاجبين.. فإن فيه ما نقص من قيمته.
ونحن نوافقه على الحاجبين في العبد، إلا أنه يخالفنا في الحاجبين من الحر.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يضمن بما نقص من قيمته إلا الموضحة والمنقلة والمأمومة والجائفة، فإنه يضمن بجزء من قيمته).
وقال محمد بن الحسن: يضمن جميع أطرافه وجراحاته بما نقص من قيمته.
وحكاه أصحابنا الخراسانيون قولًا للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وليس بمشهور.
والدليل على صحة ما قلناه: أنه قول عمر، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما، ولا مخالف لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فدل على: أنه إجماع.
ولأنه حيوان يضمن بالقصاص والكفارة، فكانت أطرافه وجراحاته مضمونة ببدل مقدر من بدله، كالحر.
فرع قتل وجناية عبد على قن
]: وإن قتل عبد عبدًا عمدًا.. فقد ذكرنا: أن لسيده أن يقتص منه؛ لأنه مساو له، فإن عفا عنه على مال، أو كانت الجناية خطأ أو عمد خطأ.. تعلق الأرش برقبة الجاني، ولا شيء على سيده، فيكون سيده بالخيار: بين أن يسلمه ليباع، أو يفديه.
فإن سلمه للبيع، فبيع.. نظرت:
فإن كان ثمنه أكثر من أرش الجناية.. كان الفضل لسيده.
وإن كان الأرش أكثر.. لم يجب على سيد الجاني الزيادة؛ لأنه ليس عليه أكثر من تسليم عبده.
وإن اختار أن يفديه، فإن كانت قيمة القاتل مثل قيمة المقتول أو أكثر.. فداه بقيمة المقتول، وإن كانت قيمة المقتول أكثر.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يلزمه إلا قدر قيمة القاتل؛ لأنه إنما يفدي رقبته، فلم يلزمه أكثر من قيمتها.
والثاني: يلزمه قيمة المقتول بالغة ما بلغت، أو يسلم عبده للبيع؛ لأنه ربما رغب من يشتري عبده بأكثر من قيمته.
[فرع قتل جماعة عبيد عبدًا]
]: وإن قتل عشرة أعبد عبدًا لرجل عمدًا.. فسيد المقتول بالخيار: بين أن يقتل جميع العبيد، أو يعفو عنهم.
فإن قتلهم.. فلا كلام، وإن عفا عنهم.. تعلق برقبة كل واحد منهم عشر قيمة المقتول.
وإن قتل بعضهم، وعفا عن بعضهم.. جاز، وتعلق برقبة كل واحد ممن عفا عنه عشر قيمة المقتول.
وإن قتل عبد لرجل عبدين لرجلين، لكل واحد منهما عبد، عمدًا.. ثبت لهما القصاص عليه، فيقتل بالأول منهما، فإذا قتل به.. سقط حق سيد العبد المقتول
ثانيًا، وإن عفا سيد العبد المقتول أولًا عن القصاص على مال.. تعلق برقبة القاتل قيمة العبد المقتول أولًا، ولسيد العبد المقتول ثانيًا أن يقتص منه؛ لأن تعلق المال برقبته لا يمنع من وجوب القصاص عليه، كما لو قتل العبد المرهون غيره.
وإن عفا سيد العبد المقتول ثانيًا عن القصاص، أو كانت الجنايتان خطأ.. تعلق برقبة العبد الجاني قيمة العبدين، فيباع، فإن اتسع ثمنه لقيمتهما، وإلا.. قسم بينهما على قدر قيمتهما.
ولا يقدم سيد العبد المقتول أولًا كما يقدم في القصاص؛ لأن القصاص لا يتبعض، والمال يتبعض، فهو كما لو أتلف على جماعة أموالًا.
وإن قتلهما معًا عمدًا.. أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة.. كان كما لو جنى عليه أولًا.
وإن عفوا على مال، أو كانت الجنايتان خطأ.. تعلقت قيمة المقتولين برقبة العبد القاتل.
[فرع قتل قن عبدًا لرجلين]
]: وإن قتل عبد لرجل عبدًا لرجلين عمدًا.. ثبت لهما القصاص، فإن عفوا، أو عفا أحدهما.. سقط القصاص، وحكم المال في العفو قد مضى.
وإن قتل عبد مكاتبًا.. وجب القصاص.
وقال أبو حنيفة: (إن خلف وفاء وله وارث غير المولى.. لم يجب القصاص).
دليلنا: أنه لو كان قنًا.. لوجب له القصاص، كما لو لم يخلف وفاء.
مسألة قطع حر يد عبد فأعتق
]: وإن قطع حر يد عبد وأعتق العبد، ثم مات من القطع.. لم يجب القصاص؛ لأنه غير مكافئ له في حال الجناية، ويجب فيه دية حر؛ لأن الاعتبار بالأرش حال استقرار الجناية، وهو حر حال الاستقرار.
ويجب للسيد من ذلك أقل الأمرين من نصف القيمة أو جميع الدية؛ لأن نصف القيمة إن كان أقل.. لم يجب للسيد أكثر
منها؛ لأنها هي التي وجبت له في ملكه، وإن كانت الدية أقل.. لم يجب للسيد أكثر منها؛ لأن نصف القيمة نقصت بفعل السيد، وهو إعتاقه للعبد.
وهكذا ذكر أصحابنا.
وذكر القاضي أبو الطيب فيه قولين:
أحدهما: هذا.
والثاني: له أقل الأمرين من جميع قيمته أو جميع ديته.
وقال: إن أوضحه رجل، ثم أعتق أو مات.. وجب فيه دية حر، وكم للمولى منها؟ فيه قولان:
أحدهما: الأقل من نصف عشر قيمته، أو جميع ديته.
والثاني: الأقل من جميع قيمته أو جميع ديته.
والطريق الأول هو المشهور.
فرع قطع حر لعبد عضوين فيهما الدية
]: وإن قطع رجل يدي عبد أو رجليه، أو فقأ عينيه، وقيمته مثل قيمة ديتين.. نظرت: فإن مات من الجناية قبل الاندمال والعتق.. وجبت قيمته.
وإن اندملت الجناية أو عتق، ثم مات.. وجبت قيمته لسيده، سواء اندملت الجناية قبل العتق أو أعتق قبل الاندمال.
وهكذا: إن اندملت الجناية ولم يعتق؛ لأن الجناية استقرت بالاندمال.
وإن أعتق ومات من الجناية.. لم تجب فيه إلا دية حر.
وقال المزني: تجب قيمته؛ لأنها وجبت بالجناية.
وهذا خطأ؛ لأن الاعتبار بالأرش حال الاستقرار، وحال الاستقرار بالجناية هو حر، كما لو كانت قيمته دون الدية، فقطعت يده وأعتق، ثم مات.. فإن الواجب فيه دية حر، وتجب الدية هاهنا للسيد؛ لأنها وجبت في ملكه، وإنما نقصت بإعتاقه.
وإن قطع رجل يد عبد، ثم جاء آخر فقطع يده الأخرى، ومات من الجنايتين.. فإنه يجب على الأول نصف قيمته سليما؛ لأنه قطعه وهو سليم، ويجب على الثاني نصف قيمته مجروحا؛ لأنه جرحه وهو مجروح، فيكون على الأول أكثر.
فرع قطع حر يد عبد فأعتق ثم قطع الأخرى رجل فمات
]: وإن قطع حر يد عبد، فأعتق، ثم قطع آخر يده الأخرى، ومات من الجنايتين..
لم يجب على الأول قصاص في الطرف ولا في النفس؛ لأنه غير مكافئ له في حال الجناية، وعليه نصف الدية؛ لأن المجني عليه حر وقت استقرار الدية، وأما الثاني: فيجب عليه القصاص في الطرف؛ لأنه مكافئ له وقت الجناية، وهل يجب عليه القصاص في النفس؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو الطيب بن سلمة: لا يجب عليه القصاص في النفس؛ لأن الروح خرجت من سراية جنايتين: إحداهما توجب القصاص، والأخرى لا توجبه، فلم يجب القصاص، كحرين قتلا من نصفه حر ونصفه عبد.
والثاني - وهو المذهب -: أنه يجب عليه القصاص في النفس؛ لأنه مكافئ له حال الجناية، وإنما سقط القصاص عن شريكه لمعنى يختص به، فلم يسقط القصاص عنه، كما لو قتل عبد وحر عبدًا.
فإن عفا عنه عن القصاص إلى المال، أو كانت الجنايتان أو إحداهما خطأ.. وجب على الجانيين دية حر، على كل واحد منهما نصفها؛ لأن الاعتبار بالأرش حال الاستقرار، ويكون للسيد أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية؛ لأن نصف القيمة إن كانت أقل.. فهو الذي وجب في ملكه، والزيادة حصلت بالحرية، لا حق له فيها، ويكون الباقي من الدية لورثة المقتول، وإن كان نصف الدية أقل.. لم يجب له أكثر منه؛ لأن نصف القيمة نقصت بإعتاقه، ويكون النصف الثاني لورثة المقتول.
فإن قطع حر يد عبد، فأعتق العبد، ثم قطع آخر يده الأخرى، ثم قطع آخر رجله، ومات من الجنايات.. لم يجب على الأول قصاص في الطرف ولا في النفس، وأما الآخران: فيجب عليهما القصاص في الطرفين، وهل يجب عليهما القصاص في النفس؟ على الوجهين.
فإن عفا عنهما عن القصاص على مال، أو كانت الجنايات أو بعضها خطأ.. وجب فيه دية حر، وكم يستحق المولى؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يستحق أقل الأمرين من أرش الجناية، وهو: نصف القيمة هاهنا، أو ما يجب على الجاني في ملكه، وهو: ثلث الدية؛ لأن الذي وجب في ملكه هو أرش جناية الأول، فقوبل بين الذي وجب عليه حال الجناية، وحال استقرارها،
ووجب للسيد أقلهما، كما لو لم يجن عليه غيره، وأما الآخران: فإنهما جنيا عليه وهو في غير ملكه، فكانت جنايتهما هدرًا في حقه.
فعلى هذا: إن كان جناية الأول قطع إصبع.. قوبل بين عشر قيمة العبد، وبين ثلث الدية، ووجب له أقلهما.
والقول الثاني: أنه يجب له أقل الأمرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية؛ لأن الذي جنى عليه في ملكه هو الأول، وجناية الآخرين في غير ملكه، فكانت هدرًا في حقه.
ولو مات عبد وهدرت جناية الآخرين في حق السيد.. لم يجب على الأول إلا ثلث القيمة، مثل: أن يجني عليه الأول وهو مسلم، ثم يرتد العبد ويجني عليه الآخران بعد الردة، ثم يموت، فإن جناية الآخرين هدر في حق السيد، فكذلك: لما أعتق، ثم جنى الآخران عليه.. أهدرنا جنايتهما في حقه، وقابلنا بين ثلث القيمة وثلث الدية، ووجب للسيد أقلهما.
وقد ينسرق أحد القولين في الآخر، وهو: إذا جنى عليه الأول في الرق جائفة أو مأمومة، ثم جنى عليه اثنان بعد الحرية، ومات من الجنايات.. فإنه يجب للسيد أقل الأمرين من أرش الجائفة، وهو: ثلث القيمة، أو ثلث الدية هاهنا، قولًا واحدًا.
وإن جنى عليه في حال الرق واحد، وفي حال الحرية ثلاثة، فمات من الجنايات.. فعلى القول الأول: يجب للسيد على الأول الأقل من أرش الجناية أو ربع الدية.
وعلى القول الثاني: يجب له أقل الأمرين من ربع القيمة أو ربع الدية.
وإن جنى عليه واحد في الرق، وتسعة بعد الحرية، ومات من الجنايات.. فعليهم الدية بينهم، ويستحق السيد على القول الأول أقل الأمرين من أرش الجناية أو عشر الدية، وعلى الثاني أقل الأمرين من عشر القيمة أو عشر الدية.
وإن كان بالعكس من هذا، بأن جنى عليه اثنان في حال الرق، وواحد بعد
الحرية، ومات من الجنايات.. فعليهم الدية بينهم أثلاثًا، ويستحق السيد على القول الأول أقل الأمرين من أرش الجناية أو ثلثي الدية، وعلى الثاني أقل الأمرين من ثلثي القيمة أو ثلثي الدية.
وإن جنى عليه تسعة في حال الرق، وواحد في حال الحرية، ومات من الجنايات.. استحق السيد على الأولين على القول الأول أقل الأمرين من أرش الجنايات التسع الأول والتسعة أعشار الدية، وعلى الثاني يستحق أقل الأمرين من تسعة أعشار القيمة أو تسعة أعشار الدية.
فرع قطع يد عبد فأعتق ثم اشترك وآخر وقطعا الثانية فمات
]: وإن قطع حر يد عبد، فأعتق، ثم عاد الجاني الأول هو وآخر وقطعا يده الأخرى، ومات من الجنايتين.. وجبت عليهما دية حر، وكم يستحق السيد؟ على القولين:
أحدهما: أنه يستحق أقل الأمرين من نصف قيمته أو ربع دية حر.
والثاني: له أقل الأمرين من ربع قيمته أو ربع الدية.
فرع قطع يد عبد فلما أعتق قطع رجله فمات
]: وإن قطع حر يد عبد لغيره، فأعتق العبد، ثم عاد الجاني فقطع رجله، ومات من الجنايتين.. لم يجب على الجاني القصاص في النفس؛ لأنه مات من سراية جنايته، وإحداهما توجب القصاص والأخرى لا توجب، ولا تتميز إحداهما عن الأخرى، فهو كما لو جنى عليه جناية خطأ وجناية عمد، ومات منهما، ويجب عليه القصاص في الرجل.
فإن عفا عن القصاص عنه، أو كانت الجنايتان أو إحداهما خطأ.. وجب على الجاني دية حر؛ اعتبارًا بحال المجني عليه عند استقرار الجناية، ويجب للمولى هاهنا أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف الدية؛ لأن الجناية الثانية في حال الحرية، فصارت هدرًا في حق السيد.
وإن اندملت الجراحتان.. وجب للسيد نصف القيمة، وللمجني عليه القصاص في الرجل أو نصف الدية إن عفا.
فرع قطع يد عبد فأعتق ثم قطع آخر رجله ثم ذبحه الأول
]: وإن قطع حر يد عبد، ثم أعتق، ثم جاء آخر فقطع رجله، ثم عاد الأول فذبحه.. فإن ذبحه بعد اندمال يده التي قطعها.. فإن على الذابح للسيد نصف القيمة، وعليه للورثة القصاص في النفس، وإن عفوا عنه.. كان عليه جميع الدية، وعلى قاطع الرجل القصاص للورثة، وإن عفوا عنه.. كان عليه لهم نصف الدية.
وإن ذبحه قبل اندمال جراحة يده.. فقد قال أبو سعيد الإصطخري، وأبو العباس: لا يدخل أرش الطرف في بدل النفس، فتكون عليه نصف القيمة للسيد، وعليه القصاص للورثة في النفس، وإن عفوا عنه.. كان عليه جميع الدية لهم.
والمذهب: أن أرش الطرف يدخل في دية النفس؛ لأنه مات بفعله قبل الاندمال، فهو كما لو سرت جنايته إلى النفس.
فعلى هذا: يجب عليه القصاص في النفس للورثة، فإن اقتصوا منه في النفس.. سقط حق السيد؛ لأن الذي وجب للسيد أرش الطرف، وقد دخل في ضمان النفس.
وإن عفا الورثة عن القصاص على الدية.. كان على الذابح دية حر، وللسيد منها أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية.
وأما الثاني: فإنه يجب عليه القصاص للورثة في الرجل، فإن عفوا.. فقد استحقوا عليه نصف الدية، ولا حق للسيد فيها؛ لأنها وجبت في غير ملكه.
وإن كان الثاني هو الذي ذبحه.. فإن بذبحه استقرت جناية الأول، فيجب على الأول للسيد نصف القيمة.
وأما الثاني: فإن ذبحه بعد اندمال جنايته على رجله.. لم يدخل بدل الرجل في النفس، فيكون لورثة المقتول أن يقتصوا منه في الرجل، فإن عفوا عنها.. استحقوا عليه نصف الدية للرجل، ولهم أن يقتصوا منه في النفس، وإن عفوا عنه.. استحقوا عليه جميع دية النفس.
وإن ذبحه قبل اندمال الرجل، فعلى قول أبي سعيد، وأبي العباس: لا تدخل دية الرجل في دية النفس، فيكون كما لو اندملت.
وعلى المذهب: تدخل دية الرجل في دية النفس، فيجب عليه القصاص، وإن عفوا عنه.. استحقوا عليه الدية.
وإن كان الذابح له أجنبيًا.. فإن بذبحه قد استقرت جناية الأول والثاني، فيجب
على الأول نصف القيمة للسيد، وعلى الثاني القصاص في الرجل، أو نصف الدية إن عفا عنه الورثة، وعلى الذابح القصاص في النفس، أو جميع الدية إن عفا عنه الورثة.
مسألة جنى عبد جناية أرشها أكثر من ثمنه فبيع فيها
]: وإن جنى العبد جناية أرشها أكثر من قيمته، فبيع في الجناية، وسلم الثمن إلى المجني عليه، وبقي من أرشه بقية، أو اختار السيد أن يفديه، وقلنا: لا يلزمه إلا قدر قيمته، فدفع قدر قيمته، وبقي من الأرش بقية، ثم أعتق العبد.. فهل يطالب ببقية الأرش؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي أبو الطيب:
أحدهما: لا يطالب به؛ لأنه لم يجب إلا قدر قيمته.
والثاني: يطالب بباقي الأرش، قال القاضي أبو الطيب: وهو الأصح؛ لأن الذي وجب بالجناية هو جميع الأرش، وإنما لم يجب على السيد أكثر من قيمة العبد، والباقي في ذمة العبد، إلا أنه كان قبل العتق كالمعسر، فإذا أعتق وملك المال.. طولب به، كالحر إذا أيسر.
ولأن العبد لو أقر بجناية خطأ أو سرقة مال ولم يصادقه المولى ولا قامت به بينة.. فإنه لا يقبل قوله على السيد، ولو أعتق.. لزمه ما أقر به، فدل على: أن الجناية تعلقت بذمته.
فرع جناية عبد على يد حر ثم عتق فعاد وآخر فقطعا يده الأخرى
]: إذا قطع عبد يد حر، فأعتق العبد، ثم عاد العبد المعتق هو وآخر وقطعا يد ذلك الحر، ومات قبل الاندمال.. فقد قال ابن الحداد: تجب على شريك العبد المعتق نصف الدية، ويجب على العبد المعتق وعلى سيده نصف الدية، إلا أن على السيد الأقل من ربع الدية أو قيمة عبده الجاني، وهذا على القول الأصح: أنه إذا اختار السيد أن يفدي عبده.. فداه بأقل الأمرين من أرش الجناية أو قيمة عبده الجاني.
فأما على القول الذي يقول: يلزمه جميع الأرش.. فإنه يلزمه هاهنا ربع الدية.
فإذا قلنا بهذا: فقد استوفى وارث المقتول حقه؛ لأنه يأخذ من الشريك نصف الدية، ومن السيد ربعها، ومن العبد المعتق ربعها.
وإذا قلنا بالأول: وكانت القيمة أقل من ربع الدية.. فهل يكون ما بقي من الدية في ذمة العبد؟ على الوجهين الأولين.
وإن أوضح عبد رأس حر، فأعتق العبد، ثم عاد بعد إعتاقه وجرح هو وآخر المجني عليه، ومات من الجنايات.. قال ابن الحداد: وجب على شريك العبد المعتق نصف الدية، وعلى العبد المعتق وسيده نصف الدية، على السيد منها الأقل من أرش الموضحة أو قيمة العبد الجاني.
وهذا على الصحيح من القولين، وإنما اعتبر أرش الجناية هاهنا مع تلف النفس لحق السيد؛ لأن الأرش هو الذي وجب في ملكه، وما زاد على ذلك.. في ذمة العبد المعتق.
وإن جرح عبد عبدًا، فأعتق الجاني، ثم عاد الجاني بعد العتق فجرح العبد الأول، ومات من الجنايتين.. لم يجب عليه القصاص في النفس، وعليه القصاص في الجناية الأولى إن كانت مما يجب بها القصاص، فإن عفا عنه على مال.. كان عليه جميع الدية، وعلى السيد منها أقل الأمرين من أرش الجناية في ملكه أو قيمة الجاني.
فرع قطع عبد يد حر ثم حر يد العبد ثم قطع العبد الجاني يد حر آخر فماتوا
وإن قطع عبد يد حر، ثم قطع حر يد هذا العبد الجاني، ثم قطع العبد الجاني يد حر آخر، وماتوا جميعًا قبل الاندمال، وقيمة العبد الجاني اثنا عشر ألف درهم، ونقص بالقطع ستة آلاف درهم.. فإن الذي قطع يد العبد الجاني يجب عليه جميع قيمته، وهو: اثنا عشر ألف درهم، فيدفع ما نقص بالقطع - وهو: ستة آلاف درهم - إلى وارث المقطوع أولًا؛ لأن المقطوع الثاني لم يتعلق به حقه، ويتضارب وارثًا الحرين المقتولين في الباقي على الثلث والثلثين؛ لأنه بقي للأول نصف الدية، وللثاني جميع الدية، فيحصل مع الأول ثمانية آلاف، ومع الثاني أربعة آلاف.
فإن كانت بحالها، ونقص العبد بقطع اليد ثلث قيمته، وهو: أربعة آلاف.. فإن الأول ينفرد به، ويتضارب الأول والثاني في الثمانية الآلاف الباقية على ثلثي دية الأول، وجميع دية الثاني، وذلك خمسة أسهم، فيكون للأول خمسا الثمانية آلاف، وهو: ثلاثة آلاف ومائتان، وللثاني ثلاثة أخماسها، وهو: أربعة آلاف وثمانمائة.
[مسألة ضرب بطن أمة فأسقطت جنينًا ميتًا]
]: وإن ضرب ضارب بطن أمة حامل بمملوك، وألقت جنينًا ميتًا.. وجب فيه عشر قيمة أمة، سواء كان الجنين ذكرًا أو أنثى، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد: (إن كان الجنين ذكرًا.. وجب فيه نصف عشر قيمته - يعني: الجنين - وإن كان أنثى.. وجب فيه عشر قيمتها).
دليلنا: أنه جنين، فاستوى في ضمانه الذكر والأنثى، كجنين الحر.
إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في الوقت الذي يعتبر فيه قيمة الأم:
فقال المزني، وأبو سعيد الإصطخري: تعتبر قيمتها يوم الإسقاط؛ لأنه حال استقرار الجناية، والاعتبار بالجناية حال الاستقرار، بدليل: أنه لو جرح عبدًا، ثم مات من الجراحة.. وجبت فيه دية حر.
وقال أبو إسحاق، وأكثر أصحابنا: تعتبر قيمتها يوم الجناية.
وهو المنصوص؛ لأن المجني عليه هو الجنين، ولم تتغير صفته تغيرًا يختلف به بدل نفسه، فكان الاعتبار بحاله يوم الجناية، وإنما تغير غيره، فاعتبر بنفسه، كما لو جرح عبدًا قيمته مائة، ثم رخص العبيد لكثرة الجلب حتى صارت قيمة مثله خمسين، ثم مات.. فإن قيمته تعتبر يوم الجناية.
[فرع ضرب أمة فأعتقت ثم أسقطت ميتًا]
وإن ضرب بطن أمة حامل بمملوك، فأعتقت، ثم ألقت جنينًا ميتًا.. وجب فيه دية جنين حر.
وكذلك: لو ضرب بطن نصرانية حامل بنصراني، فأسلمت، ثم ألقت جنينًا ميتًا.. وجب فيه دية جنين مسلم؛ لأن الاعتبار بالجناية حال استقرار الجناية.
وإن ضرب بطن أمة حامل بمملوك، فألقت جنينًا ميتًا، ثم أعتقت، وألقت جنينًا آخر من ذلك الضرب.. وجب في الجنين الأول عشر قيمة الأم، وفي الثاني دية جنين حر؛ لأن الأول مملوك، والثاني حر.
وإن ضرب بطن أمة حامل بمملوك، فأعتقها سيدها، ثم أسقطت جنينًا ميتًا.. فإنه تجب فيه الغرة.
قال ابن الحداد: ويكون للسيد من ذلك أقل الأمرين من عشر قيمة الأم أو الغرة؛ لأن الغرة إن كانت أكثر.. لم يستحق الزيادة؛ لأنها زادت بالحرية وزوال ملكه، وإن كانت الغرة أقل.. كانت له؛ لأن النقصان إنما حصل بإعتاقه، فلا يضمن له.
وهذا: كما لو قطع يد عبد، فأعتقه سيده، ثم مات.. فإنه يجب فيه دية حر، للسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته أو ديته.
قال القاضي أبو الطيب: هذا عندي غير صحيح، بل لا يكون للسيد شيء؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قد قال: (لو ضرب بطن أمة، فألقت جنينًا ميتًا، ثم أعتقت وألقت جنينًا آخر.. فعليه عشر قيمة أمه لسيدها في الأول، ويجب في الآخر ما يجب في جنين حر يرثه ورثته).
ولم يجعل للسيد منها شيئًا.
ووجهه: أن الإسقاط حصل في حال الحرية.
ويخالف إذا قطع يد عبد ثم أعتق؛ لأن الجناية كانت في حال الرق وقد وجب بها الأرش، وهاهنا الضرب لا يتعلق به أرش، وإنما يتعلق ذلك بالإسقاط.
[فرع وطء أمة بشبهة يكون ولدها حرًا]
]: وإن وطئ حر أمة غيره بشبهة، فأحبلها.. كان الولد حرًا، وعلى الواطئ قيمة الولد يوم الولادة.
فإن ضرب ضارب بطنها، فألقت جنينًا ميتًا.. وجبت فيه غرة مقدرة بنصف عشر دية أبيه، وعلى الواطئ عشر قيمة الأمة لسيدها، سواء كان عشر قيمة الأمة أقل من قيمة الغرة، أو مثلها، أو أكثر؛ لأن ضمان أحدهما ضمان حر، وضمان الثاني ضمان مملوك، ولا يمتنع ذلك فيهما، كما يقول في قيمة العبد ودية الحر المقتولين.
[فرع ضربت أم الولد بطنها فألقت جنينًا لا ضمان]
]: وإن ضربت أم ولد لرجل بطنها، فألقت جنينًا ميتًا.. فقد قال ابن الحداد: لا ضمان، إلا أن تكون أمها حرة باقية.. فيكون على السيد الأقل من قيمة أم ولده أو سدس الغرة؛ لأن جناية أم الولد على سيدها، وهو وارث الجنين، فلا يجب عليه لنفسه ضمان، وإنما يجب ضمان نصيب الحرة.
مسألة أمة مشتركة حملت من زوج فضربت وأسقطت
]: إذا كانت أمة بين رجلين نصفين، فحملت من زوج أو زنا، فضربها رجل، فأسقطت جنينًا ميتًا.. وجب عليه عشر قيمة الأم لسيدها.
وإن ضربها أحد الشريكين، فأسقطت جنينًا ميتًا.. وجب عليه لشريكه نصف عشر قيمة الأم، وهدر نصيبه.
فإن ضربها أحد الشريكين، ثم أعتقها الضارب، ثم ألقت جنينًا ميتًا، فإن كان المعتق معسرًا حال الإعتاق.. فقد عتق نصفها ونصف جنينها لا غير، فيجب عليه نصف عشر قيمة الأم لشريكه بنصف الجنين الرقيق، وهل يجب عليه ضمان نصفه الحر؟ فيه وجهان:
[الأول]: قال ابن الحداد: لا يلزمه ضمانه؛ لأنه حين الجناية لم يكن مضمونًا عليه، والاعتبار في الضمان بحال الجناية، وحال الجناية حال الضرب؛ ولهذا اعتبرنا قيمة الأم حال الضرب.
و [الثاني]: قال سائر أصحابنا: يلزمه ضمانه بنصف غرة، وهو المنصوص في " الأم "؛ لأن الجناية على الجنين حال الإسقاط، وإنما الضرب سبب الجناية؛ لأنه
يحصل بالأم، ولمن يكون نصف هذه الغرة؟ يبنى على القولين فيمن نصفه حر ونصفه مملوك، إذا مات.. فهل يورث؟ وفيه قولان:
أحدهما: يورث عنه، فيكون لورثته، ولا ترث أمه منها شيئًا؛ لأنه لم تكمل فيها الحرية، ولا يرث السيد منها؛ لأنه قاتل.
والثاني: لا يورث عنه.
فعلى هذا: يكون لمالك نصفه على المنصوص.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يكون لبيت المال.
وإن كان المعتق موسرًا، فإن قلنا: يعتق نصيب شريكه بنفس اللفظ.. ضمن الضارب الجنين بغرة عبد أو أمة، وتكون موروثة عنه.
وإن قلنا: إنه لا يعتق نصيب شريكه إلا بدفع القيمة، فإن دفع القيمة قبل الإسقاط.. كان الحكم فيه حكم ما لو قلنا: يعتق باللفظ، وإن لم يدفع القيمة إلا بعد الإسقاط.. كان حكمه حكم المعسر.
وإن قلنا: إنه مراعى.. نظرت:
فإن دفع القيمة.. كان حكمه حكم ما لو قلنا: يعتق باللفظ.
وإن لم يدفع القيمة.. كان حكمه حكم المعسر.
وإن أعتقها، ثم ضربها المعتق.. سقط قول ابن الحداد هاهنا، ولم يبق إلا الوجه المنصوص؛ لأنه جنى عليها، فلم يملك شيئًا منها.
فأما إذا أعتقها أحدهما، وضربها الشريك الآخر، وأسقطت من ضربه جنينًا ميتًا، فإن كان المعتق معسرًا.. فقد عتق نصيب المعتق من الجارية وحملها، وأما نصيب الشريك منهما: فلا يعتق، ولا يجب على الضارب في نصيبه شيء؛ لأن الإنسان لا يضمن نصيبه بالإتلاف.
وأما النصف الحر من الجنين: فإن قلنا: لا يورث عنه، بل يكون لمالك نصفه.. لم يجب على الضارب فيه شيء؛ لأنه لو وجب فيه شيء.. لكان له، ولسنا نجعله له من طريق الإرث فنحرمه إياه بالقتل، وإنما يستحقه بسبب ملكه.
وإن قلنا: يرثه عنه
ورثته.. وجب فيه نصف غرة، ولا تستحق الأم منها شيئًا؛ لأن الحرية لم تكمل فيها.
وإن قلنا بقول أبي سعيد الإصطخري: يكون لبيت المال.. كان نصف الغرة لبيت المال.
وإن كان المعتق موسرًا، فإن قلنا: يعتق باللفظ.. فقد أتلف جنينًا حرًا، فيجب عليه فيه غرة، وتكون موروثة عنه، وتستحق أمه ميراثها منها؛ لأن جميعها حر.
وإن قلنا: إنه يعتق بأداء القيمة، فإن أداها قبل الإسقاط.. كان كما لو قلنا: يعتق باللفظ، وإن أداها بعد الإسقاط.. كان الحكم كما لو كان معسرًا.
وإن قلنا: إنه مراعى.. نظرت:
فإن أدى القيمة.. كان الحكم فيه كما لو كان موسرًا.
وإن لم يؤد القيمة.. كان كما لو كان معسرًا.
فإن كانت بحالها، فضربها السيدان ضربة واحدة، ثم أعتقاها بكلمة واحدة، أو وكلا وكيلًا فأعتقها.. فقد قال ابن الحداد: على كل واحد منهما ربع الغرة؛ لأن بدل النفس يتغير بالحرية، وبدل الجنين إذا كان مملوكًا.. فهو عشر قيمة أمه، وإذا كان حرًا.. فهو غرة عبد أو أمة قيمتها عشر دية أمه، فإذا جنى عليه سيداه.. صار كل واحد منهما متلفًا نصف ملكه - وهو: الربع - وصاحبه متلفًا للنصف الآخر، وما أتلفه في ملكه.. فهو غير مضمون وسرايته غير مضمونة، وإذا كان كذلك.. سقط ضمان نصف النصف الذي لكل واحد منهما، وبقي النصف مضمونًا، وقد صار بدله بالعتق من الغرة، فوجب على كل واحد منهما ربع الغرة، ويكون للمولى منه أقل الأمرين من ربع عشر قيمة الأم أو ربع الغرة.
قال القاضي أبو الطيب: وكثير من حفاظ أصحابنا ردوا ذلك، وقالوا: هذا خطأ على مذهب الشافعي، والذي يجيء على المذهب: أن يكون على كل واحد منهما نصف الغرة؛ لأن الجناية على الجنين حال الإسقاط، ولا يكون لها فيها حق؛ لأن
الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (ولو ضرب أمة، فألقت جنينًا ميتًا، ثم أعتقها مولاها، ثم ألقت جنينًا ميتًا آخر من ذلك الضرب.. وجب على الضارب في الجنين الأول عشر قيمة أمه لسيده، وفي الثاني غرة عبد أو أمة موروثة لورثته).
[فرع ضرب أمته الحامل على بطنها ثم أعتقها ثم ألقت جنينًا ميتًا]
]: وإن ضرب رجل بطن أمته الحامل، ثم أعتقها، فألقت جنينًا ميتًا.. فعلى قول ابن الحداد في التي قبلها: لا ضمان عليه.
وعلى قول أكثر أصحابنا: عليه الضمان.
وإن ضرب بطن حربية حامل، ثم أسلمت وألقت جنينًا ميتًا.. فعلى قول ابن الحداد: لا ضمان عليه.
وعلى قول أكثر أصحابنا: عليه الضمان.
وإن ارتدت امرأة وهي حامل، فضربها رجل، ثم رجعت إلى الإسلام، وألقت جنينًا ميتًا.. وجب على الضارب ضمانه، سواء أسقطته قبل الرجوع إلى الإسلام أو بعده؛ لأن جنينها محكوم بإسلامه، ولا يصير مرتدًا بارتدادها.
قال ابن الصباغ: وإن ضرب ذمي بطن زوجته الذمية وهي حامل فأسلم، ثم أسقطت من ضربه جنينًا ميتًا.. فعلى قول ابن الحداد: يجب على عاقلته من أهل الذمة بقدر ما يجب في الجنين الكافر، وما زاد بالإسلام.. يكون في مال الجاني.
وعلى قول سائر أصحابنا: تكون الغرة على عاقلته المسلمين؛ اعتبارًا بحال إسقاط الجنين.
قال ابن الصباغ: فلو كان هناك حر، أمه معتقة، وأبوه مملوك ضرب بطن امرأة حامل، ثم أعتق أبوه فجر ولاءه من مولى الأم، ثم أسقطت المرأة جنينًا ميتًا.. فعلى قول ابن الحداد: يتحمل بدل الجنين مولى الأم؛ لأنه كان مولاه حال الجناية، فهي على عاقلته.
وعلى قول سائر أصحابنا: تكون على مولى الأب؛ لأن الاعتبار بحال الإسقاط.
[فرع ضرب عبد زوجة سيده المتوفى فأسقطت جنينًا ميتًا]
]: وإن مات رجل، وخلف عبدًا، وزوجة حاملًا، وأخا من أب وأم، فضرب العبد الزوجة، فأسقطت جنينًا ميتًا.. وجب فيه غرة عبد أو أمة، ويتعلق برقبة العبد، إلا ما صادف من جنايته حق مواليه.. فإنه يكون هدرًا، وجناية هذا العبد صادفت حقها في ربع الثلث؛ لأن لها ثلث بدل الجنين؛ لأنها أمه، فورثت الثلث منه، وحقها من العبد ربعه بإرثها من زوجها، فسقط ضمانه، وصادفت جنايته في الثلثين، للعم ثلاثة أرباعها؛ لأن له ثلثي الغرة، وله ثلاثة أرباع العبد، فسقط ذلك، وكان ثلاثة أرباع ثلثها مضمونًا على العم في هذا العبد، وربع ثلثيه مضمونًا على الأم في هذا العبد، فتصح من اثني عشر: ثلثها أربعة، هدر منها ربعها: سهم، ووجب على العم ثلاثة أسهم، وثلثاها ثمانية، هدر منها ثلاثة أرباعها: ستة، ووجب على الأم ربعها: سهمان، فيقاص سهمين بسهمين، وبقي لها عليه سهم، وهو: نصف سدس، فيجب عليه أقل الأمرين من نصف سدس قيمة العبد أو نصف سدس الغرة، والعبد ملكهما على ثلاثة أرباع، وربع كما كان.
وبالله التوفيق
باب العاقلة وما تحمله من الديات
العقل: اسم للدية.
قال الشاعر:
وما أبقت الأيام للمال عندنا... سوى حذم أذواد محذفة النسل
ثلاثة أثلاث فأثمان خيلنا... وأقواتنا أو ما نسوق إلى العقل
وإنما سميت الدية: العقل؛ لأنها تعقل بباب ولي المقتول.
والعصبة الذين يتحملون الدية يسمون: العاقلة، وإنما سموا بذلك؛ لأنهم يأتون بالدية، فيعقلونها عند باب الولي.
وقيل: لأنهم يمنعون من القاتل.
و (العقل): المنع، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأن يمنع صاحبه من فعل القبيح.
إذا ثبت هذا: فقتل الحر حرًا خطأ محضًا أو عمد خطأ.. كانت دية المقتول على عاقلة القاتل.. وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال الأصم، وابن علية، والخوارج: يجب الجميع في مال القاتل.
وقال علقمة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وعثمان البتي، وأبو ثور: (دية الخطأ المحض على العاقلة، وأما دية عمد الخطأ: ففي مال القاتل).
دليلنا: ما روى المغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن امرأتين كانتا تحت رجل من هذيل، فاقتتلتا، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح - وقيل: رمتها بحجر - فقتلتها وأسقطت جنينها، فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعقلها على عاقلة القاتلة، وفي جنينها غرة عبد أو أمة».
فإذا حملت العاقلة دية عمد الخطأ.. فلأن تحمل دية الخطأ المحض أولى.
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه ذكرت عنده امرأة معينة بسوء، فأرسل إليها رسولًا، فأجهضت ذا بطنها في الطريق من فزعها منه، فاستشار الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم في ذلك، فقال عثمان وعبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: إنما أنت مؤدب، ولا شيء عليك.
فقال لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: ما تقول؟ فقال: إن اجتهدا.. فقد أخطآ، وإن علما.. فقد غشاك، عليك الدية.
فقال عمر: عزمت عليك لتقسمنها على قومك) - يعني: على عاقلتي - ولم ينكر عليهما عثمان ولا عبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
وروي: (أن مولاة لصفية جنت جناية، فقضى عمر بأرش جنايتها على عاقلة صفية).
ولا مخالف لهم في الصحابة، فدل على: أنه إجماع.
مسألة ما تحمله العاقلة من دية أو غيرها
]: وهل تحمل العاقلة ما دون دية النفس؟ قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الجديد: (تحمل العاقلة ما قل أو كثر من الأرش).
وبه قال عثمان البتي.
وقال في القديم: (تحمل العاقلة دية النفس، ولا تحمل ما دون دية النفس، بل تجب في مال الجاني).
وحكى بعض أصحابنا: أن قوله في القديم: (إن العاقلة تحمل ثلث الدية فأكثر، ولا تحمل ما دون ثلث الدية).
وبه قال مالك، وابن المسيب، وعطاء، وأحمد، وإسحاق.
وقال الزهري: تحمل العاقلة ما فوق ثلث الدية، فأما ثلث الدية فما دونه.. ففي مال الجاني.
وقال أبو حنيفة: (تحمل أرش الموضحة مما زاد، وما دون أرش الموضحة.. ففي مال الجاني).
فإذا قلنا بقوله القديم.. فوجهه: أن ما دون دية النفس يجري ضمانه مجرى ضمان الأموال، بدليل: أنه لا تثبت فيه القسامة، ولا تجب فيه الكفارة، فلم تحملها العاقلة، كما لو أتلف عليه مالًا.
وإذا قلنا بقوله الجديد.. فوجهه: أن من حمل دية النفس حمل ما دون الدية، كالجاني، ولأن العاقلة إنما حملت الدية عن القاتل في الخطأ وعمد الخطأ؛ لئلا يجحف ذلك بماله، وهذا يوجد فيما دون دية النفس.
قال الشيخ أبو حامد: وهل تحمل العاقلة دية الجنين؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في الجديد: (تحمل ديته بكل حال)؛ لما ذكرناه من حديث المغيرة بن شعبة.
و [الثاني]: قال في القديم: (لا تحملها، بل تكون في مال الجاني).
وبه قال مالك؛ لأن العاقلة لا تحمل ما دون ثلث الدية.
فإن وجب له القصاص في الطرف، فاقتص بحديدة مسمومة، فمات.. وجب على المقتص نصف الدية، فهل تحمل عنه العاقلة؟ فيه وجهان:
أحدهما: تحمله عنه؛ لأنه ليس بعمد محض.
والثاني: لا تحمله العاقلة؛ لأنه قصد قتله بغير حق.
فرع قتل أو جنى على عبد غيره فهل تحمله العاقلة
؟]: وإن قتل الحر عبدًا لغيره خطأ أو عمد خطأ، أو جنى على طرفه خطأ أو عمد خطأ.. فهل تحمل عاقلته بدله؟ فيه قولان:
أحدهما: لا تحمله العاقلة، بل تكون في ماله، وبه قال مالك، والليث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور؛ لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا».
ولأنه يضمن
بالقيمة، فلم تحمله العاقلة، كالبهيمة.
والثاني: تحمله العاقلة، وبه قال الزهري، والحكم، وحماد، وهو الأصح؛ لأنه يجب بقتله القصاص والكفارة، فحملت العاقلة بدله، كالحر لحر.
وأما الخبر: فقيل: إنه موقوف على ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، والقياس مقدم عليه، وإن صح.. كان تأويله: لا تحمل العاقلة عن عبد إذا جنى.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (تحمل العاقلة بدل نفس العبد، ولا تحمل ما دون بدل النفس).
دليلنا: أن من حملت العاقلة بدل نفسه.. حملت ما دون بدل نفسه، كالحر، وعكسه البهيمة.
مسألة جنى الرجل على نفسه أو طرفه
]: وإن قتل الرجل نفسه أو جنى على طرفه عمدًا.. كان ذلك هدرًا، وهو إجماع؛ لأن أرش العمد في مال الجاني، والإنسان لا يثبت له مال على نفسه.
وإن قتل نفسه خطأ أو جنى على طرفه خطأ.. كان ذلك هدرًا، وبه قال مالك، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: (تكون على عاقلته، فإن كانت الجناية على نفسه.. كانت ديته لورثته، وإن كانت على طرفه.. أخذها لنفسه).
وروي ذلك عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
دليلنا: ما روي: «أن عوف بن مالك ضرب مشركًا بالسيف، فرجع عليه السيف فقتله، فامتنع أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الصلاة عليه، وقالوا: قد أبطل جهاده، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " بل مات مجاهدًا شهيدًا».
ولم يقل: إن ديته على عاقلته، ولو
وجبت عليهم.. لبينها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنه وقت الحاجة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وقيل: إن الذي رجع عليه سيفه فقتله هو أبو عوف، وهو مالك.
فرع أرش خطأ الإمام على عاقلته أو في بيت المال
]: وما يجب من الأرش بخطأ الإمام.. ففيه قولان:
أحدهما: أن عاقلته تحمل ذلك عنه؛ لما ذكرناه من حديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه.
والثاني: يجب ذلك في بيت المال؛ لأن الخطأ يكثر منه في اجتهاده وأحكامه، فلو أوجبنا ذلك على عاقلته.. لأجحف بهم.
فإذا قلنا: تحمله عاقلته.. وجبت كفارة قتله في الخطأ وعمد الخطأ في ماله.
وإذا قلنا: تجب دية ذلك في بيت المال.. ففي الكفارة وجهان:
أحدهما: تجب في بيت المال؛ لما ذكرناه في الدية.
والثاني: تجب في ماله؛ لأن الكفارة لا تحمل العاقلة بحال.
[مسألة دية المقتول عمدًا في مال الجاني]
]: وإن قتل غيره عمدًا، أو جنى على طرفه عمدًا.. وجبت الدية في مال الجاني، سواء كانت الجناية مما يجب فيها القصاص أو مما لا يجب فيها القصاص.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن كانت لا قصاص فيها، مثل: الهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، والجائفة.. فإن العاقلة تحمله وإن كانت الجناية عمدًا).
دليلنا: أن الخبر إنما ورد في حمل العاقلة دية الخطأ تخفيفًا على القاتل؛ لأنه لم يقصد القتل، والعامد قصد القتل، فلم يلحق به في التخفيف، ولأنه أرش جناية عمد محض، فلم تحمله العاقلة، كما لو قتل الأب ابنه.
إذا ثبت هذا: فإن أرش العمد يجب حالًا.
وقال أبو حنيفة: (يجب مؤجلًا في ثلاث سنين).
دليلنا: أن ما وجب بالعمد المحض كان حالًا، كالقصاص، وأرش أطراف العبيد.
وأما الأرش الذي يجب بعمد الخطأ أو بالخطأ المحض؛ فإن كان دية كاملة.. فإنه يجب مؤجلًا في ثلاث سنين.
وقال بعض الناس: يجب حالًا.
وقال ربيعة: يجب مؤجلًا في خمس سنين.
دليلنا: ما روي عن عمر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أنهما قالا: (دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين).
ولا مخالف لهما في الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
ولأن العاقلة تحمل الدية على سبيل الرفق والمواساة، وما وجب على سبيل الرفق والمواساة.. لم يكن وجوبه حالًا، كالزكاة.
إذا ثبت هذا: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولم أعلم خلافًا فيما علمته «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين».
وأنكر أصحاب الحديث
ذلك، وقالوا: لم يرو في تأجيل الدية على العاقلة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خبر صحيح ولا سقيم، فأجاب أصحابنا عن ذلك بجوابين: أحدهما: أن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه قد روى ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. والثاني: أن لكلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - تأويلًا، ومعنى قوله: (ولم أعلم خلافًا في الدية التي قضى بها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على العاقلة) أنها في ثلاث سنين، لا أنه قضى بها في ثلاث سنين، وقد بينه في " الأم " [6/103] هكذا، وإنما المزني اختصر.
فرع ابتداء الأجل لأداء الدية
]: أما أول ابتداء الأجل: فإن كانت الجناية على النفس.. كان ابتداء الأجل من حين الموت؛ لأنه حال استقرار الجناية.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال أصحابنا الخراسانيون: من حين الترافع إلى القاضي.
وإن كانت الجناية على الطرف، فإن لم يسر إلى طرف آخر.. كان ابتداء الأجل من حين الجناية؛ لأنه حين وجوبه، وإن سرت إلى طرف آخر، مثل: أن قطع إصبعه، فسرت الجناية إلى كفه.. كان ابتداء الأجل من حين الاندمال؛ لأنه وقت استقرار الجناية.
وحكى أصحابنا الخراسانيون وجهًا آخر: أن دية الإصبع من حين الجناية، ودية ما زاد عليها من وقت الاندمال.
والأول أصح.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (أول مدة الأجل من حين يحكم القاضي على العاقلة بالدية).
دليلنا: أنه مال يحل بحلول الأجل، فكان أول الأجل من حين وجوب الأجل، كالثمن في البيع.
فرع وقت أداء ما دون الدية
]: وإن كان الواجب أقل من الدية.. نظرت:
فإن كان ثلث الدية فما دون.. وجب في آخر السنة الأولى؛ لأن العاقلة لا تحمل حالًا.
وإن كان أكثر من الثلث، ولم يزد على الثلثين.. وجب في آخر السنة الأولى ثلث الدية، وفي آخر السنة الثانية الباقي.
وإن كان أكثر من الثلثين، ولم يزد على الدية.
وجب في آخر السنة الأولى ثلث الدية، وفي آخر السنة الثانية الثلث، وفي آخر الثالثة الباقي.
وإن كان الواجب أكثر من الدية، بأن وجب بجنايته ديتان، فإن كانت لاثنتين.. حملت العاقلة لكل واحد من المجني عليهما ثلث الدية في كل سنة.
هذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: فيه وجهان:
أحدهما: هذا، وهو الأصح.
والثاني: أن العاقلة لا تحمل في كل سنة إلا ثلث الدية للمجني عليهما.
وإن كانتا لواحد، مثل: أن قطع يديه ورجليه.. لم تحملهما العاقلة إلا في ست سنين، في كل سنة ثلث الدية.
وهذا نقل أصحابنا العراقيين.
وقال الخراسانيون: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: أن العاقلة تحملها في ثلاث سنين.
فرع كيفية دفع الدية الناقصة
]: وإن وجب بالخطأ أو بعمد الخطأ دية ناقصة عن دية الحر المسلم، كدية المرأة، ودية الجنين، والكافر.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنها تقسم في ثلاث سنين؛ لأنها بدل نفس، فكانت في ثلاث سنين، كدية الحر المسلم.
والثاني: أنه يجب في آخر كل سنة ثلث دية حر مسلم؛ لأنه ينقص عن الدية الكاملة، فكان كأرش الطرف.
وإن قتل العبد خطأ أو عمد خطأ، وقلنا: تحمل العاقلة قيمته.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنها تقسم على العاقلة في ثلاث سنين وإن زادت حصة كل سنة على ثلث الدية أو نقصت؛ لأنه بدل نفس.
والثاني: أنه كأرش الطرف، فتحمل في كل سنة ثلث دية الحر المسلم؛ اعتبارًا بما تحمله من دية الحر المسلم.
مسألة من هم العاقلة
؟]: و (العاقلة): هم العصبة.
ولا يدخل فيهم أبو الجاني ولا جده وإن علا، ولا ابنه ولا ابن ابنه وإن سفل.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يدخلون فيهم).
دليلنا: ما «روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن امرأتين من هذيل اقتتلتا، ولكل واحدة منهما زوج وولد، فقتلت إحداهما الأخرى، فجعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دية المقتولة على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها، فقالت عصبة المقتولة: ميراثها لنا، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لا، [ميراثها] لزوجها ولولدها».
«وروى أبو رمثة قال: دخلت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعي ابن لي، فقال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " من هذا؟ " فقلت: ابني، فقال: " أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه».
ومعلوم أنه لم يرد: أنه لا يجرحك ولا تجرحه، وإنما أراد: أنك لا تؤخذ بجنايته ولا يؤخذ بجنايتك.
وروى ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا يؤخذ أحد بجريرة ابنه، ولا يؤخذ ابن بجريرة أبيه».
ولأن مال الولد والوالد كماله، بدليل: أن نفقتهما تجب في مالهما، كما تجب في ماله، فلما لم تجب في ماله.. لم يحمل عنه.
فإن كان للمرأة ابن هو ابنُ ابنِ عمها.. لم يعقل عنها؛ لعموم الخبر.
وقال أبو علي السنجي: ويحتمل أن يقال: يحمل عنها؛ لأن فيه شيئين يحمل في أحدهما دون الآخر، فغلب الآخر، كولايته في النكاح على أمه.
والأول هو المشهور.
فرع الدية على العاقلة وليس على الجاني شيء
]: ولا يحمل القاتل مع العاقلة من الدية شيئًا.
وقال أبو حنيفة: (يحمل ما يحمل أحدهم).
دليلنا: ما ذكرناه من خبر جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في المرأتين.
فإن لم يكن للجاني عصبة وله مولى من أعلى.. حمل عنه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الولاء لحمة كلحمة النسب».
والنسب يعقل به، فكذلك الولاء، ولا يحمل المولى إلا بعد العاقلة من النسب، كما لا يرث إلا بعدهم.
فإن كان المعتق له جماعة.. لم يحملوا إلا ما يحمله الشخص الواحد من العصبة؛ لأنهم يقومون مقام الواحد من العصبة.
فإن لم يكن معتق.. حمل عصبة المعتق، كالأخ وابن الأخ، والعم وابن العم، وهل يحمل ابن المعتق وأبوه؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "]:
أحدهما: لا يحملان، كما لا يحمل ابن الجاني ولا أبوه.
والثاني: يحملان؛ لأن المعتق عصبة يحمل لو كان باقيًا، فحمل ابنه وأبوه، بخلاف ابن الجاني وأبيه، فإن الجاني لا يحمل، فكذلك لم يحملا.
فإن لم يكن للمعتق عصبة.. حمل معتقه، ثم عصبته، على ما ذكرناه في الإرث.
فإن لم يكن للجاني عصبة ولا مولى ولا عصبة مولى ولا مولى مولى، فإن كان مسلمًا.. حملت عنه الدية في بيت المال؛ لأنه لما نقل ماله إلى بيت المال إذا مات إرثًا.. حمل عنه بيت المال، كالعصبة.
وإن كان كافرًا.. لم يحمل عنه في بيت المال؛ لأن مال بيت المال للمسلمين، وليس هو منهم، وإنما ينقل ماله إلى بيت المال إذا لم يكن له وارث فيئًا لا إرثًا.
وإن كان للجاني مولى من أسفل.. فهل يحمل عنه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يحمل عنه، وهو الأصح؛ لأنه لا يرثه، فلم يحمل عنه، كالأجنبي.
والثاني: يحمل عنه، وبه قال أبو حنيفة، وأصحاب مالك رحمة الله عليه؛ لأنه لما حمل عنه المولى الأعلى عن الأسفل.. حمل الأسفل عن الأعلى، كالأخوين.
فعلى هذا: لا يحمل إلا بعد عدم المولى من أعلى، ويقدم على بيت المال؛ لأنه من العاقلة الخاصة له.
وأما عصبة المولى من أسفل: فلا يحملون، قولًا واحدًا؛ لأن الجاني لا يحمل عنهم، فلم يحملوا عنه.
وإن كان للمولى من أسفل مولى من أسفل.. فهل يحمل عن الجاني؟
الذي يقتضي المذهب: أنه على قولين، كمولاه من أعلى؛ لأن الجاني يحمل عنه.
فإن لم يكن للجاني عصبة من النسب، ولا من يحمل من جهة الولاء، وليس هناك بيت مال.. فهل تجب الدية في مال الجاني؟ فيه قولان، بناء على أن الدية هل تجب على العاقلة ابتداء، أو على الجاني ثم تحمل العاقلة عنه؟ فيه قولان:
أحدهما: أنها تجب على العاقلة ابتداءً؛ لأنهم هم المطالبون بها.
فعلى هذا: لا تجب في مال الجاني.
والثاني: أنها تجب على الجاني ابتداء، ثم تتحملها العاقلة عنه؛ لأنه هو المباشر للجناية.
فعلى هذا: يجب أداء الدية من ماله.
فإذا قلنا بهذا: وكان له أب وابن.. فهل يحملان؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو علي الطبري: يحملان، ويقدمان على الجاني؛ لأنا إنما لم نحمل عليهما؛ إبقاء على الجاني، فإذا حمل الجاني.. كانا أولى بالحمل
و [الثاني]: قال الشيخ أبو إسحاق: لا يحملان؛ لأنا إنما قلنا يحمل الجاني على هذا؛ لأن الدية وجبت عليه ابتداء، فإذا لم يوجد من يتحمل عنه.. بقي الوجوب في محله، والأب والابن لم تجب الدية عليهما في الابتداء، ولا هما من أهل التحمل، فلم يحملا بحال.
مسألة جماعة لا يتحملون العقل
]: ولا يعقل (العديد)، وهو: الرجل القريب الذي يدخل في قبيلة ويعد فيهم.
ولا يحمل (الحليف)، وهو: أن يحالف رجل رجلًا على أن ينصر أحدهما الآخر، ويعقل أحدهما عن الآخر، ويرث أحدهما الآخر.
ووافقنا أبو حنيفة في العديد، وخالفنا في الحليف إذا لم يكن له قرابة من النسب.. فإنه يرث، ويعقل.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] [الأنفال: 75].
فجعل الله القرابات أولى من غيرهم، وهذا ليس منهم.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا حلف في الإسلام».
ولم يرد بذلك: أنه لا يجوز التحالف بين المسلمين على النصرة، بل ذلك من مقتضى الدين، وإنما أراد: لا حكم للحلف في الإسلام.
فرع لا يعقل أهل الديوان إلا العصبات
]: ولا يعقل أهل الديوان من غير أهل العصبات.
وقال مالك، وأبو حنيفة رحمهما الله: (إذا حزب الإمام الناس، وجعلهم فرقًا تحت يد كل عريف فرقة، فإذا جنى واحد من أهل تلك الفرقة خطأ أو عمد خطأ.. حمل أهل ديوانه من فرقته عنه).
دليلنا: أنهم لا يرثون، فلم يعقلوا كالأجانب.
فرع العصبة من يعرف اتصال نسبه
]: ولا يعقل عن الجاني إلا من يعرف اتصال نسبه إليه، فإن عرف رجل أنه من قبيلة بعينها، ولكن لا يعرف اتصال نسبه ونسبهم إلى أب.. لم يعقلوا عنه؛ لأن معرفته أنه منهم إذا لم يعرف اجتماع نسبه ونسبهم إلى أب.. لا يقتضي أن يعقلوا عنه، كما لا يعقل عنه سائر بني آدم من غير تلك القبيلة وإن علمنا أن الجميع من ولد آدم صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه.
وإن كان هناك رجل مجهول النسب، فانتسب إلى قبيلة، وأمكن صدقه وصادقوه على ذلك.. ثبت نسبه منهم، وعقلوا عنه.
فإن قال جماعة من الناس: سمعنا أنه ليس منهم، وشهدوا بذلك.. لم ينتف نسبه منهم بذلك.
وقال مالك: (ينتفي نسبه).
وهذا غلط؛ لأنه نفي نسب محض، فلم يزل به نسب حكم بثبوته.
فإن جاء آخر من غيرهم، وقال: هو ابني وولد على فراشي، وأقام على ذلك بينة.. ثبت نسبه منه، وانتفى نسبه من الأولين؛ لأن البينة أقوى من مجرد الدعوى.
مسألة المسلم والكافر يعقل أحدهما عن الآخر
وعقل أهل الذمة والحرابة عن بعضهم]: ولا يعقل مسلم عن كافر، ولا كافر عن مسلم؛ لأنهما لا يتوارثان.
ويعقل أهل الذمة بعضهم عن بعض إذا ثبت اتصال نسبهم إلى أب، سواء كانوا على ملة واحدة، كاليهودية، أو على ملتين، كاليهودية والنصرانية.
وقال أبو حنيفة: (ولا يعقل ذمي عن ذمي).
دليلنا: أنهم يتوارثون، فتعاقلوا، كالمسلمين.
ولا يعقل ذمي عن حربي؛ ولا حربي عن ذمي وإن جمعتهما ملة واحدة وأب واحد؛ لأنهما لا يتوارثان، فلم يتعاقلا، كالأجنبيين.
فإن لم يكن للذمي عاقلة من النسب، وله مولى من أعلى.. حمل عن إذا كان يرثه، وكذلك: إن كان له عصبة: مولى أو مولى مولىً، وهل يحمل عنه المولى من أسفل؟ على القولين، فيمن لم يكن له عاقلة، أو كان له عاقلة لا تقدر على جميع الدية.
فهل تجب في ماله؟ على القولين في المسلم.
فإن قلنا: تجب في ماله.. فهل يحمل عنه أبوه وابنه؟ على الوجهين في المسلم.
[فرع رمى ذمي غرضًا وأسلم ثم أصاب شخصًا]
]: وإن رمى ذمي سهمًا إلى غرض، فأسلم، ثم وقع السهم في إنسان فقتله.. وجبت الدية في ماله؛ لأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته من المسلمين؛ لأن الرمي وجد منه وهو ذمي، ولا يمكن إيجابها على عاقلته من أهل الذمة؛ لأن الإصابة وجدت وهو مسلم، فلم يبق إلا إيجابها في ماله.
وإن رمى مسلم سهمًا إلى صيد، فارتد، ثم أصاب السهم إنسانًا فقتله.. وجبت الدية في ماله؛ لأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته من المسلمين؛ لأن الإصابة وجدت وهو مرتد، ولا يمكن إيجابها على عاقلته من الكفار؛ لأنه لا عاقلة له منهم.
فإن قطع ذمي يد رجل خطأ، فأسلم الذمي، ثم مات المقطوع من الجناية.. قال الشيخ أبو إسحاق: عقلت عنه عصباته من أهل الذمة دون المسلمين؛ لأن الجناية وجدت وهو ذمي؛ ولهذا يجب بها القصاص، ولا يسقط عنه بالإسلام.
وقال ابن الحداد: يجب على عاقلته من أهل الذمة أرش الجراحة لا غير، ولا تحمل ما زاد؛ لأنه وجب بعد الإسلام، وتجب الزيادة في مال الجاني، ولا تحمله عاقلته من المسلمين؛ لأن سببها كان في الكفر.
قال ابن الحداد: وإن جني ذمي على رجل خطأ، ثم أسلم الجاني، ثم جنى على المجني عليه جناية أخرى خطأ، ومات من الجنايتين.. فإن على عاقلته من المسلمين
نصف الدية، وعلى عاقلته من أهل الذمة أقل الأمرين من أرش الجناية في حال الذمة أو نصف الدية، فإن كان نصف الدية أقل.. لزمهم ذلك، وإن كان أرش الجناية أقل.. لزمهم قدر الأرش، وما زاد عليه إلى تمام نصف الدية.. يجب في مال الجاني؛ لأنه وجب بعد الإسلام.
ولا فرق بين أن يجرحه في حال الذمية جراحة وبعد الإسلام جراحات، أو يجرحه في حال الذمة جراحات وبعد الإسلام جراحة واحدة، فإن الدية مقسومة على الحالين، فيجب على عاقلته من المسلمين نصف الدية، وعلى عاقلته من أهل الذمة أقل الأمرين من نصف الدية أو أرش الجناية وأرش الجراحة أو الجراحات في حال الذمة.
وإن جرحه في حال الذمة جراحة خطأ ثم أسلم، ثم قتله خطأ.. دخل الأرش في دية النفس على المذهب، فكانت الدية على عاقلته من المسلمين.
وعلى قول أبي سعيد الإصطخري، وأبي العباس: لا يدخل، فيكون أرش الجراحة على عاقتله من أهل الذمة، ودية النفس على عاقلته من المسلمين.
وإن جرح مسلم إنسانًا خطأ، ثم ارتد الجارح، وبقي في الردة زمانًا يسري في مثله الجرح، ثم أسلم، ثم مات المجروح.. وجبت الدية، وعلى من تجب؟ فيه قولان:
أحدهما: تجب على عاقلته؛ لأن الجراحة والموت وجدا في الإسلام.
والثاني: يجب على العاقلة نصف الدية، وفي مال الجاني النصف؛ لأنه وجد سراية في حال الإسلام وسراية في حال الردة، فحملت ما سرى في الإسلام ولم تحمل ما سرى في الردة.
فرع قطع ولد عبد ومعتقة يد إنسان خطأ ثم عتق أبوه
]: وإن تزوج عبد معتقة لآخر، فولدت منه ولدًا، فقطع الولد يد إنسان خطأ، ثم أعتق الأب، ثم سرت الجناية إلى نفس المقطوع ولا عصبة لأبي الولد.. قال ابن الحداد: وجب على مولى أم الولد دية اليد؛ لأنه وجب وهو مولاه، ووجب باقي الدية في مال الجاني؛ لأنه لا يمكن إيجابها على مولى الأم؛ لأنه وجب بعد انتقال
ولاء الولد عنه، ولا يمكن إيجابه على مولى الأم؛ لأنه وجب بعد انتقال ولاء الولد عنه، ولا يمكن إيجابه على معتق الأب؛ لأن سببه وجد وهو غير مولى له، فكان في مال الجاني.
مسألة جناية المعتوه وأضرابه خطأ
]: وإن جنى الصبي أو المجنون أو المعتوه جناية خطأ، أو عمد خطأ، أو عمدًا محضًا، وقلنا: إن عمده خطأ.. فإن عاقلته تحمل عنه الدية؛ لأن تحمل العاقلة للدية جعل بدلًا عن التناصر في الجاهلية بالسيف، وهو ممن لا تنصرهم عاقلتهم.
وإن جنى أحد من عصبة الصبي والمجنون والمعتوه خطأ أو عمد خطأ.. لم يحمل الصبي والمجنون والمعتوه؛ لأنهم ليسوا من أهل النصرة.
وإن جنت المرأة أو الخنثى المشكل خطأ أو عمد خطأ.. حملت عاقلتهما عنهما الدية.
وإن جنى أحد من عصباتهما.. لم يحملا عنه الدية؛ لما ذكرناه في الصبي والمجنون.
فإن بان الخنثى رجلًا.. تحمل العقل.
وإن أعتقت امرأة عبدًا أو أمة، فجنى المعتق على غيره خطأ.. لم تحمل المولاة عنه؛ لأنها إذا لم تحمل بالنسب.. فلأن لا تحمل بالولاء أولى.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: ولكن تحمل عصبتها الذين يحملون جنايتها إذا جنت.
فرع لا يحمل الزمن ولا الهرم
]: ويحمل المريض إذا لم يبلغ الزمانة، والشيخ إذا لم يبلغ الهرم؛ لأنهما من أهل النصرة، فإن بلغ الشيخ الهرم والشاب المريض الزمانة.. فهل يحملان الدية؟
قال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان، بناء على القولين في جواز قتلهما إذا أسرا.
وقال ابن أبي هريرة: إن كانت الزمانة من اليدين والرجلين.. لم يحملا.
وذكر الشيخ أبو حامد: أنهما يحملان، وجهًا واحدًا.
مسألة لا يحمل العقل إلا الغني والمتوسط
]: ولا يحمل العقل من العاقلة إلا الغني والمتوسط، فأما (الفقير): وهو من لا يملك ما يكفيه على الدوام.. فإنه لا يحمل العقل.
وقال أبو حنيفة: (يحمل).
دليلنا: أن العاقلة إنما تحمل الدية عن القاتل على طريق الرفق والمواساة، والفقير ليس من أهل المواساة.
ولأن الدية إنما نقلت إلى العاقلة تخفيفًا عن القاتل؛ لئلا يجحف بماله، فلو أوجبنا ذلك على الفقير.. لدفعنا الضرر عن القاتل، وألحقناه بالفقير، والضرر لا يزال بالضرر.
ويجب على المتوسط ربع دينار مثقال؛ لأنه لا يمكن إيجاب الكثير عليه؛ لأنه يجحف به، فقدر ما يؤخذ منه بربع دينار؛ لأنه ليس في حد التافه؛ ولهذا قالت عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: (ما كانت اليد تقطع على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشيء التافه).
وقد ثبت أن اليد لا تقطع بدون ربع دينار.
ويجب على الغني نصف دينار؛ لأنه لا يجوز أن يكون ما يؤخذ من الغني والمتوسط واحدًا، فقدر ما يؤخذ من الغني بنصف دينار؛ لأنه أول قدر يؤخذ منه في زكاة الذهب.
إذا ثبت هذا: فهل يجب هذا القدر على المتوسط والغني مقسومًا في الثلاث سنين، أو يجب هذا القدر في كل سنة من الثلاث سنين؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن هذا القدر يجب مقسومًا في ثلاث سنين لا غير.
فعلى هذا: لا يجب على المتوسط أكثر من ربع دينار، في كل سنة نصف سدس
دينار.
ويجب على الغني نصف دينار في ثلاث سنين، في كل سنة سدس دينار؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (يحمل من كثر ماله نصف دينار).
وهذا يقتضي أن هذا جميع ما يحمله.
ولأن إيجاب ما زاد على ذلك عليه يجحف به.
والثاني - وهو الأصح -: أن هذا القدر يجب في كل سنة من الثلاث سنين، فيكون جميع ما يجب على المتوسط في الثلاث سنين ثلاثة أرباع دينار، وجميع ما يجب على الغني في الثلاث سنين دينار ونصف دينار؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (يحمل الغني نصف دينار، والمتوسط ربع دينار حتى يشترك النفر في بعير).
وظاهر هذا أنهم يحملون هذا القدر كل سنة من الثلاث.
ولأنه حق يتعلق بالحول على سبيل المواساة، فتكرر بتكرر الأحوال، كالزكاة.
إذا ثبت هذا: فإن الجماعة من العاقلة يشتركون في شراء بعير؛ لأن الواجب عليهم الإبل لا الدنانير.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (الفقير والغني والمتوسط سواء، فأكثر ما يحمله الواحد منهم أربعة دراهم، وأقله ليس له حد).
ودليلنا: أنه حق مخرج على وجه المواساة، فاختلف بكثرة المال وقلته، كالزكاة.
ويعتبر حال كل واحد منهم بالبلوغ، والعقل، واليسار، والإعسار، والتوسط عند حلول الحول، كما يعتبر النصاب في آخر الحول، فإن كان معسرًا عند حلول الحول.. لم يجب عليه شيء، فإن أيسر بعد ذلك.. لم يجب عليه شيء من الثلث الواجب قبل يساره، فإن كان موسرًا عند حلول الحول الثاني.. وجب عليه.
وإن كان موسرًا عند حلول الحول، فأعسر قبل دفع ما عليه.. كان دينًا في ذمته إلى أن يوسر؛ لأنه قد وجب عليه.
وإن مات واحد منهم بعد الحول وهو موسر.. لم يسقط عنه، بل يجب قضاؤه من تركته.
وقال أبو حنيفة: (يسقط).
دليلنا: أنه مال استقر وجوبه في حال الحياة، فلم يسقط بالموت، كالدين.