البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 376-415

كتاب الجنايات

صفحات 376-415
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإن كان له سن زائد في غير ذلك الموضع.. لم يجب فيه القصاص؛ لأنه ليس له مثلها، لاختلاف المحل.
وإن كان له سن زائد في ذلك الموضع، إلا أنه أكبر من سن المجني عليه.. ففيه وجهان: أحدهما: - وهو قول أكثر أصحابنا -: لا يجب فيها القصاص؛ لأن القصاص في العضو الزائد إنما يجب بالاجتهاد، فإذا كانت سن الجاني أزيد.. كانت حكومتها أكثر، فلم يجب قلعها بالتي هي أنقص منها، بخلاف السن الأصلية، فإن القصاص فيها ثبت بالنص، فلا يعتبر فيها التساوي.
والثاني - حكاه ابن الصباغ، عن الشيخ أبي حامد، واختاره -: أنه يجب فيها القصاص؛ لأن ما ثبت بالاجتهاد.. يجب اعتباره بما ثبت بالنص.
والأول هو المنصوص.

مسألة يقطع العضو بالعضو

وتقطع اليد باليد، والرجل بالرجل، والأصابع بالأصابع، والأنامل بالأنامل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45]، ولأن لها مفاصل يمكن القصاص فيها من غير حيف.
إذا ثبت هذا: فإن قطع أصابعه من مفاصلها.. فله أن يقتص، وإن قطع يده من وسط الكف.. فليس له أن يقتص من وسط الكف؛ لأن كسر العظم لا يثبت فيه القصاص بإجماع الأمة.
وإن أراد أن يقتص من الأصابع من أصولها.. كان له ذلك؛ لأن الأصابع يمكن القصاص فيها.
فإن قيل: وكيف يضع السكين في غير الموضع الذي وضعه الجاني عليه؟

قلنا: لأنه لا يمكن وضعها في الموضع الذي وضعها الجاني فيه.
فإذا اقتص من الأصابع.. فهل له أن يأخذ حكومة فيما زاد على الأصابع من الكف؟ فيه وجهان يأتي بيانهما.
وإن قطع يده من الكوع.. كان له أن يقتص من ذلك الموضع؛ لأنه مفصل.
وإن قطع يده من بعض الذراع.. فليس له أن يقتص من بعض الذراع؛ لأنه كسر عظم.
وإن أراد أن يقتص من الكوع، ويأخذ الحكومة فيما زاد عليه.. كان له ذلك؛ لأنه داخل في الجناية، يمكن القصاص فيه.
وإن قطع يده من المرفق.. فله أن يقتص من المرفق، فإن أراد أن يقتص من الكوع، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. لم يكن له ذلك؛ لأنه يمكنه استيفاء حقه بالقصاص.
وإن قطع يده من بعض العضد.. فليس له أن يقتص من بعض العضد، فإن أراد أن يقتص من المرفق، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. كان له ذلك، وإن أراد أن يقتص من الكوع، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. فقد اختلف أصحابنا فيه: فقال الشيخ أبو إسحاق: له ذلك؛ لأن الجميع مفصل داخل في الجناية.
وقال ابن الصباغ، والطبري في " العدة ": ليس له ذلك؛ لأنه يمكنه أن يقطع من المرفق، ومتى أمكنه استيفاء حقه قصاصاً.. لم يكن له أن يستوفي بعضه قصاصاً وبعضه أرشاً، كما لو قطع يده من الكوع.

وإن أراد أن يقتص من الأصابع، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. فليس له ذلك.
قال ابن الصباغ: وهذه لم يذكرها أصحابنا.
وإن قطع يده من الكتف: فإن قال اثنان من المسلمين من أهل الخبرة: إنه يمكن القصاص فيه من غير أن يخاف منه جائفة.. فله أن يقتص، وإن أراد أن يقتص من الكوع أو من المرفق، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. لم يكن له ذلك؛ لأنه يمكنه استيفاء حقه قصاصاً.
وإن قالا: إنه يخاف من القصاص الجائفة.. لم يكن له أن يقتص من الكتف؛ لأنه لا يمكن أن يأخذ زيادة على حقه، فإن أراد أن يقتص من المرفق، ويأخذ الحكومة فيما زاد.. كان له ذلك.
وإن أراد أن يقتص من الكوع، ويأخذ الحكومة فيما زاد على ذلك.. فقال الشيخ أبو إسحاق: له ذلك.
وعلى ما قال ابن الصباغ: إذا قطع يده من بعض العضد، وأراد أن يقتص من المرفق.. ليس له أن يقتص هاهنا من الكوع؛ لأنه يمكنه استيفاء حقه قصاصاً من المرفق، ومتى أمكنه أن يأخذ حقه قصاصاً.. فليس له أن يستوفي بعضه قصاصاً وبعضه أرشاً.
وحكم الرجل إذا قطعت أصابعها، أو من مفصل القدم، أو الركبة، أو الورك، أو ما بين ذلك.. حكم اليد في القصاص، على ما مضى.

فرع قطع عضواً من مفصل وبقيت الجلدة معلقة

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا قطع يده من المفصل، فتعلقت بالجلد.. وجب القصاص، فتقطع إلى أن تبقى معلقة بمثل ذلك، ويسأل أهل الطب، فإن قالوا: المصلحة في قطعها.. قطعناها، وإن قالوا: المصلحة في تركها.. تركناها).

[فرع قطع يداً شلاء]

وإن قطع من له يد صحيحة يداً شلاء.. لم يكن للمجني عليه أن يقتص، بل له الحكومة.
وقال داود: له أن يقتص.
دليلنا: أن اليد الشلاء لا منفعة فيها، وإنما فيها مجرد جمال، فلا يأخذ بها يداً فيها منفعة.
وإن قطع من له يد شلاء يداً صحيحة، فاختار المجني عليه أن يقطع الشلاء بالصحيحة.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (له القصاص).
وقال أصحابنا: يرجع إلى عدلين من المسلمين من أهل الخبرة، فإن قالا: إذا قطعت هذه الشلاء لم يخف عليها أكثر مما يخاف عليه إذا قطعت لو كانت صحيحة.. فللمجني عليه أن يقتص.
وإن قالا: يخاف عليه أكثر من ذلك، بأن تبقى أفواه العروق منفتحة لا تنحسم، فتدخل الريح فيها، فيخشى على النفس التلف.. لم يكن له أن يقتص؛ لأنه أخذ نفس بيد، وهذا لا يجوز.
وهل يجوز أخذ اليد الشلاء باليد الشلاء، أو الرجل الشلاء بالرجل الشلاء؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنهما متماثلان.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الشلل علة، والعلل يختلف تأثيرها في البدن، فلا تتحقق المماثلة بينهما، ولا يتصور الوجهان إلا إذا قال أهل الخبرة: إنه لا يخاف على الجاني أن تبقى العروق منفتحة لا تنحسم.
فأما إذا خيف عليه ذلك: فلا يجوز القصاص، وجهاً واحداً، على ما مضى في أخذ الشلاء بالصحيحة.

فرع قطع لرجل كفه مع خمس أصابع وكان للجاني أصبع زائدة

إذا كان لرجل يد لها ست أصابع، فقطع كف رجل لها خمس أصابع.. نظرت في الإصبع الزائدة للجاني.
فإن كانت خارجة عن عظم الكف.. كان للمجني عليه أن يقتص من كف الجاني؛ لأنه يمكنه أن يأخذ مثل كفه من غير أن يتناول محل الزائدة.
وإن كانت نابتة على الكف، أو ملتزمة بإحدى الأصابع، أو على إحدى أنامل أصابع اليد.. لم يكن له أن يقتص من الكف؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، فيكون المجني عليه بالخيار: بين أن يأخذ دية يده، وبين أن يقتص من الأصابع الخمس إذا كانت الزائدة على سائر الأصابع غير ملتزقة بواحدة منهن ولا نابتة على إحداهن، فإذا اقتص منها.. فهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص؟ فيه وجهان: أحدهما: يتبعها، كما يتبعها في ديتها.
والثاني: لا يتبعها، بل يأخذ مع القصاص الحكومة؛ لأن الكف تتبع الأصابع في الدية، ولا تتبعها في القصاص؛ فلهذا: لو قطعت أصابعه، فتآكل منها الكف، واختار الدية.. لم يلزمه أكثر من دية الأصابع، ولو طلب القصاص.. قطعت الأصابع، وأخذ الحكومة في الكف.
وإن كانت الإصبع الزائدة نابتة على أنملة من الأصابع الخمس.. فليس للمجني عليه أن يقتص من الكف، وله أن يقتص من الأصابع التي ليس عليها الزائدة.
وأما الإصبع التي عليها الزائدة: فإن كانت على الأنملة العليا.. لم يكن له أن يقتص منها، وإن كانت على الوسطى.. فله أن يقتص من الأنملة العليا، ويجب له ثلثا دية إصبع، وإن كانت على الأنملة السفلى.. فله أن يقتص من الأنملتين العليتين

وله ثلث دية إصبع، ويتبعها ما تحتها من الكف، وهل يتبع ما تحت الأصابع الأربع ما تحتها من الكف في القصاص؟ على الوجهين.
وإن قطع من له خمس أصابع كف يد لها أربع أصابع.. لم يكن له أن يقتص من الكف؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، وله أن يقتص من أصابع الجاني الأربع المماثلة لأصابعه المقطوعة.
وهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص، أو يجب له مع ذلك حكومة؟ على الوجهين.

فرع له كف بخمس أصابع فقطع كف من له أربع أصابع

إذا كان لرجل كف فيه خمس أصابع أصلية، فقطع كف يد فيه أربع أصابع أصلية وإصبع زائدة - وإنما يحكم بأنها زائدة.. إذا كانت مائلة عن بقية الأصابع ضعيفة - فليس للمجني عليه أن يقتص من كف الجاني؛ لأنه ليس له أن يأخذ أكمل من يده.
فإن اختار الأرش.. كان له دية الأربع الأصابع الأصلية، وحكومة في الزائدة.
وإن أراد أن يقتص من الأربع الأصابع الأصلية.. كان له ذلك، ويأخذ مع ذلك حكومة في الزائدة، ويتبعها ما تحتها من الكف في الحكومة، وهل يتبع ما تحت الأصابع الأصلية ما تحتها من الكف في القصاص، أو تجب له فيه الحكومة؟ على الوجهين.
وإن قطع كفا له خمس أصابع أصلية، ويد القاطع لها أربع أصابع أصلية وإصبع زائدة، فإن اختار المجني عليه أن يقطع كف الجاني.. كان له ذلك؛ لأنها أنقص من كفه.
قال المزني في " جامعه ": إنما يجوز له ذلك إذا كانت الزائدة في محل الأصلية، فأما إذا كانت في غير محلها: فليس له أخذها، وهذا صحيح؛ لأنهما إذا اختلفا في المحل.. كانتا كالجنسين.
وكذلك: إذا كانت الزائدة أكثر أنامل.. لم تؤخذ بالأصلية.

وإن قطع يداً وعليها إصبع زائدة، وللقاطع يد عليها إصبع زائدة، فإن اتفق محل الزائدتين وقدرهما.. كان للمجني عليه أن يقتص من الكف؛ لتساويهما، وإن اختلفا في المحل.. لم يكن له أن يقتص من الكف.
فإن اتفقتا في المحل واختلفتا في القدر، فإن كانت إصبع الجاني أكثر أنامل.. لم يكن للمجني عليه أن يقتص من الكف؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، وإن كانت أقل أنامل.. كان له أن يقتص، ويأخذ في الزيادة الحكومة.

فرع قطع كفا ذات ثلاث أصابع صحيحة وثنتين شلاوين

وإن قطع كفاً له ثلاث أصابع صحيحة وإصبعان شلاوان، وكف القاطع صحيحة الأصابع.. فليس للمجني عليه أن يقتص من الكف؛ لأنه يأخذ أكمل من يده، وإن رضي الجاني بذلك.. لم يجز؛ لأن القصاص لم يجب فيها، فلم يجز بالبذل، كما لو قتل حر عبداً، ورضي أن يقتل به.
وللمجني عليه أن يقتص من الأصابع الثلاث الصحيحة، فإذا اقتص منها.. فهل يتبعها ما تحتها من الكف في القصاص، أو تجب فيها الحكومة؟ فيه وجهان.
وأما الإصبعان الشلاوان: فله فيهما حكومة، ويتبعهما ما تحتهما من الكف في الحكومة، وجهاً واحداً.
وإن كانت كف المقطوع صحيحة الأصابع، وكف القاطع فيها إصبعان شلاوان.. فالمجني عليه بالخيار: بين أن يأخذ دية يده، وبين أن يقتص من كف الجاني؛ لأنها أنقص من كفه، ولا شيء للمجني عليه؛ لنقصان كف الجاني بالشلل.
أما إذا اختار الدية: فله دية يده، لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنه عجز عن استيفاء حقه على الكمال بالقصاص، فكانت له الدية، كما لو لم يكن للقاطع يد.
وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد.

وإن قطع كفاً له خمس أصابع، وكف الجاني لها ثلاث أصابع لا غير، وإصبعان مفقودتان.. فللمجني عليه أن يقتص من كف الجاني، ويأخذ منه دية الإصبعين الناقصتين.
وقال أبو حنيفة: (هو بالخيار: بين أن يأخذ دية يده، وبين أن يقتص من يد الجاني، ولا شيء له).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] الآية [البقرة: 194]. ويد الجاني ليست مثل يد المجني عليه.
ولأنه استوفى بعض حقه، فكان له أرش ما لم يستوفه، كما لو قطع له إصبعين، ولم توجد له إلا واحدة.

فرع يد القاطع ذات أظفار بخلاف المقطوع له

وإن كانت يد القاطع لها أظفار، ويد المقطوع لا أظفار لها.. لم تقطع بها؛ لأنه يأخذ أكمل من حقه، فإن سقطت أظافيره.. قطعت، ولو لم يكن لواحد منهما أظافير حالة القطع.. يقتص منه.
فلو نبت للقاطع أظافير قبل أن يقتص منه.. لا يقتص؛ لطروء الزيادة.
ويجوز أن يأخذ اليد التي لا أظفار لها باليد التي لها أظفار؛ لأنها أنقص من يده.

فرع قطع أنملة له طرفان

وإن قطع أنملة لها طرفان، فإن كانت أنملة القاطع لها طرفان من تلك الإصبع بتلك اليد.. فللمجني عليه قطعها؛ لأنها مثل حقه، وإن كانت أنملة القاطع لها طرف واحد.. فللمجني عليه قطعها، ويأخذ حكومة في الطرف الزائد، كما لو كان للمجني عليه إصبع زائدة في يده.
وإن قطع أنملة لها طرف، ولتلك الأنملة في القاطع طرفان.. لم يكن للمجني عليه

القصاص؛ لأنها أزيد من حقه، ويكون للمجني عليه أرش الأنملة.
فإن قال المجني عليه: أنا أصبر على القصاص إلى أن تسقط الأنملة الزائدة، وأقتص في الأصلية.. كان له ذلك؛ لأن له تأخير القصاص.
هذا ترتيب البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إن علمت الأصلية منهما.. قطعت، ولا شيء عليه.
وإن لم تعلم الأصلية.. قطعت إحداهما، ويغرم الجاني التفاوت ما بين سدس دية إصبع وثلثها.

فرع قطع أنملة المشيرة

وإن قطع أنملة من سبابة رجل، وقطع الأنملة الوسطى من تلك الإصبع من رجل آخر، فإن جاء المجني عليهما.. قطعت العليا لصاحب العليا، وقطعت الوسطى لصاحب الوسطى، وإن جاء صاحب الوسطى أولاً، وطلب القصاص.. لم يكن له ذلك؛ لأنه لا يمكن قطعها من غير قطع العليا، ويكون بالخيار: بين أن يأخذ دية الأنملة، وبين أن يصبر إلى أن يقتص صاحب العليا، أو تسقط بأكلة.
وهكذا: إن عفا صاحب العليا عن القود، أو لم يقطع الأنملة العليا من إنسان لكن قطع الأنملة الوسطى من رجل، وجاء صاحب الوسطى يطلب القصاص، وللجاني الأنملة العليا والوسطى.. فللمجني عليه أن يصبر إلى أن تقطع العليا أو تسقط، ثم يقتص من الوسطى.
وقال أبو حنيفة: (لا قصاص له؛ لأنه حين قطعها لم يجب القصاص عليه فيها؛ لتعذر استيفائها، فإذا لم يجب حال الجناية.. لم يجب بعد ذلك).
دليلنا: أن القصاص إنما تعذر لمتصل به، فإذا زال ذلك المتصل.. كان له استيفاء القصاص، كما لو قتلت الحامل غيرها، ثم ولدت.

فإن لم يصبر صاحب الوسطى، وقطع الوسطى والعليا.. فقد فعل ما لا يجوز له، ولا عليا للمقتص، فيجب عليه ديتها، وقد استوفى القصاص في الوسطى.
فإن قطع العليا من إصبع زيد، وقطع العليا والوسطى من تلك الإصبع من عمرو، فإن حضرا معاً، وطلبا القصاص.. اقتص زيد من العليا؛ لأنه أسبق، واقتص عمرو من الوسطى، وأخذ دية العليا.
وكذلك: إن حضر زيد وحده.. فله أن يقتص من العليا، وإن حضر عمرو.. فليس له أن يقتص؛ لأن حق زيد تعلق بالعليا قبله، فإن خالف واقتص من العليا والوسطى.. فقد أساء بذلك، ولكنه يصير مستوفياً لحقه، ويكون لزيد دية الأنملة العليا على الجاني.

فرع لو كان للمجني عليه أربع أنامل في أصبع

ذكر الطبري في " العدة ": لو كان للمجني عليه أربع أنامل في إصبع.. فله أربعة أحوال: أحدها: أن يقطع من له ثلاث أنامل أنملة من الأربع.. فلا قصاص عليه.
و [الثاني]: إن قطع أنملتين من الأربع.. قطع من الجاني أنملة، ويغرم الجاني التفاوت فيما بين النصف والثلث من دية الإصبع، وهو بعير وثلثان.
و [الثالث]: إن قطع له ثلاث أنامل.. قطع منه أنملتين، ويغرم ما بين ثلثي دية إصبع وبين ثلاثة أرباع ديتها.
و [الرابع]: إن قطع له أربع أنامل.. قطعت أنامل القاطع الثلاث، ووجبت عليه مع ذلك زيادة حكومة.
فأما إذا كان للقاطع أربع أنامل، وللمقطوع ثلاث أنامل.. فله ثلاثة أحوال: [أحدها]: إن قطع أنملة منه.. قطعت أنملة منه، ويغرم الجاني ما بين ثلث دية إصبع وبين ربعها، وهو خمسة أسداس بعير.

و [الثاني]: إن قطع أنملتين.. قطع منه أنملتان، ويغرم التفاوت بين نصف دية الإصبع وثلثها.
و [الثالث]: إن قطع جميع أنامله.. قطع منه ثلاث أنامل، ويغرم التفاوت بين ثلاثة أرباع دية الإصبع وجميع ديتها.

[فرع قطع أصبعاً فتآكل الكف منها]

وإن قطع إصبع رجل، فتآكل منها الكف وسقط.. فللمجني عليه القصاص في الإصبع المقطوعة، وله دية الأصابع الأربع، وما تحت الأصابع الأربع من الكف.. يتبعها في الدية، وما تحت الإصبع التي اقتص فيها.. هل يتبعها في القصاص، أو تجب له حكومة؟ فيه وجهان.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (لا يجب له القصاص في الإصبع المقطوعة).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] (البقرة: 194). وقد اعتدى بقطع الإصبع، فوجب أن تقطع منه.
ولأنها جناية، لو لم تسر.. وجب فيها القصاص، فوجب إذا سرت إلى ما لا قصاص فيه أن لا يسقط القصاص، كالمرأة إذا قطعت يد المرأة، فأسقطت جنينا، فلا يسقط القصاص في اليد.

فرع قطع قدم زائدة مع الأصلية

قال القفال: لو كان له قدمان على ساق واحدة، يمشي عليهما، أو يمشي على إحداهما، والأخرى زائلة عن سنن منبت القدم، فقطعهما رجل له قدم.. قطعت رجله، وطولب بحكومة للزيادة.

وإن قطع إحداهما، فإن قطع الزائدة.. فعليه حكومة، وإن استويا في المنبت، وكان يمشي عليهما.. ففي المقطوعة ربع الدية، وزيادة حكومة.
وإن كان الجاني هو صاحب القدمين، فإن عرفنا الزائدة من الأصلية، وأمكن قطعها من غير أن تتلف الزائدة.. قطعت، وإن لم تعرف، أو عرفت ولا يمكن قطعها إلا بإتلاف الأخرى.. لم تقطع، وعليه دية الرجل المقطوعة.

مسألة تؤخذ الأليتان بالأليتين

قال الشيخ أبو إسحاق: وتؤخذ الأليتان بالأليتين، وهما: الناتئتان بين الظهر والفخذ.
ومن أصحابنا من قال: لا تؤخذ، وهو قول المزني؛ لأنه لحم متصل بلحم، فأشبه لحم الفخذ.
والمذهب الأول؛ لأنهما ينتهيان إلى حد فاصل، فهما كاليدين.

مسألة يقطع الإحليل بالإحليل

ويقطع الذكر بالذكر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45]، ولأنه عضو ينتهي إلى مفصل، فوجب فيه القصاص، كاليد.
إذا ثبت هذا: فيقطع ذكر الرجل بذكر الصبي، ويقطع ذكر الشاب بذكر الشيخ؛ لأن كل عضو جرى القصاص فيه بين الرجل والرجل.. جرى فيه القصاص بين الصبي والرجل، كاليد والرجل.
ويقطع ذكر الفحل بذكر الخصي والعنين.
وقال مالك، وأحمد رحمهما الله: (لا يقطع به).
دليلنا: أنهما متساويان في السلامة، وإنما عدم الإنزال والجماع؛ لمعنى في غيره، فلم يمنع القصاص، كأذن السميع بأذن الأصم.
ولا يقطع الذكر الصحيح بالذكر الأشل؛ لأنه لا يساويه.

وإن قطع بعض ذكره.. اقتص منه.
وقال أبو إسحاق: لا يقتص منه، كما قال في اللسان.
والأول أصح؛ لأنه إذا أمكن في جميعه.. أمكن في بعضه.
فعلى هذا: يعتبر المقطوع بالجزء، كالنصف والثلث والربع، كما قلنا في الأذن والأنف.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويقاد ذكر الأغلف بذكر المختون، كما تقطع اليد السمينة باليد المهزولة، ولأن تلك الجلدة مستحقة للقطع، فلا تمنع من القصاص).

فرع قطع الأنثيين فيقطع منه

]: وإن قطع أنثييه.. أقتص منه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45]، ولأنه طرف يمكن اعتبار المماثلة في أخذ القصاص فيه، فشابه سائر الأطراف.
فإن قطع إحدى أنثييه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (سألت أهل الخبرة، فإن قالوا: يمكن أن يقتص من إحدى البيضتين من القاطع ولا تتلف الأخرى.. اقتص منه، وإن قيل: تتلف الأخرى.. لم يقتص منه؛ لأنه لا يجوز أخذ أنثيين بواحدة، ويجب له نصف الدية).
وهل تتبعها جلدتها، أو تنفرد بحكومة؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع ".

مسألة القصاص في الشفرين

وهل يجب القصاص في (الشفرين): وهما اللحم المحيط بالفرج؟ فيه وجهان:

أحدهما: يجب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] [المائدة: 45]، ولأنهما لحمان محيطان بالفرج من الجانبين يعرف انتهاؤهما، فوجب فيهما القصاص.
والثاني: لا يجب، وهو قول الشيخ أبي حامد؛ لأنه لحم، وليس له مفصل ينتهي إليه، فلم يجب فيه القصاص، كلحم الفخذ.
والأول هو المنصوص.

فرع قطع ذكر مشكل مع أخريات

إذا قطع قاطع ذكر خنثى مشكل، وأنثييه، وشفريه.. فلا يخلو القاطع: إما أن يكون رجلاً، أو امرأة، أو خنثى مشكلاً.
فإن كان القاطع رجلاً.. لم يجب عليه القصاص في الحال؛ لجواز أن يكون الخنثى امرأة، والذكر والأنثيان فيه زائدان، فلا يؤخذ الأصليان بالزائدين، وقيل له: أنت بالخيار: بين أن تصبر إلى أن يتبين حالك، فيجب لك القصاص إن بان أنك رجل، وبين أن تعفو وتأخذ المال، فإن قال: أعطوني ما وجب لي من المال.. نظرت: فإن عفا عن القصاص في الذكر والأنثيين، أو لم يكن للجاني ذكر ولا أنثيان، بأن كانا قد قطعا.. قال أصحابنا البغداديون: فإنه يعطى دية الشفرين، وحكومة للذكر والأنثيين لا تبلغ ديتهما؛ لأنه يستحق ذلك بيقين.
وقال الخراسانيون والجويني: يعطى حكومة للذكر والأنثيين، وحكومة للشفرين؛ لأنه يستحق ذلك بيقين، ويشك في الزيادة.
وإن قال: لا أقف، ولا أعفو عن القصاص، وطلب المال.. فهل يعطى شيئاً؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو علي بن أبي هريرة: لا يعطى؛ لأنه مطالب بالقود، ولا يجوز أن يأخذ المال وهو مطالب بالقود.
و [الثاني]: قال أكثر أصحابنا: يعطى، وهو الأصح؛ لأنه يستحقه بيقين.
فإذا قلنا بهذا: فكم القدر الذي يعطى؟ اختلف أصحابنا فيه:

فقال القفال: يعطى حكومة في الشفرين؛ لأنه يستحق ذلك بيقين.
وقال القاضي أبو حامد: يعطى دية الشفرين؛ لأنا لا نتوهم وجوب القصاص فيهما.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال أو في آلة النساء؛ لأن ذلك هو اليقين.
ومن أصحابنا من قال: يعطى الحكومة في الذي قطعه آخراً.
والأول أصح.
وإن كان القاطع امرأة، فإن قلنا بقول الشيخ أبي حامد، وأنه لا قصاص في الشفرين.. فإنا لا نتوهم وجوب القصاص، فيعطى حكومة في آلة الرجال، وحكومة في آلة النساء، فإن بان رجلاً.. تمم له دية الذكر ودية الأنثيين وحكومة للشفرين، وإن بان امرأة.. تمم له دية الشفرين وحكومة للذكر والأنثيين.
وإن قلنا بالمنصوص، وأنه يجب القصاص فيهما.. فإنه لا يجب للخنثى القصاص في الحال؛ لجواز أن يكون رجلاً، فلا يجب القصاص على المرأة في الفرج الزائد.
فإن طلب المال.. نظرت: فإن عفا عن القصاص، أو لم يعف ولكن ليس للقاطعة شفران.. فعلى قول البغداديين من أصحابنا: يعطى دية الشفرين، وحكومة للذكر والأنثيين، فإن بان امرأة.. فقد استوفت حقها، وإن بان رجلاً.. تمم له دية الذكر ودية الأنثيين، وحكومة الشفرين.
وعلى قول الخراسانيين: يعطى حكومة للشفرين، وحكومة للذكر والأنثيين.
وإن لم يعف عن القصاص، وكان للقاطعة شفران وطلب المال.. فعلى قول أبي علي بن أبي هريرة: لا يعطى، وعلى قول أكثر أصحابنا: يعطى.
فإذا قلنا بهذا: فكم يعطى على قول القفال؟ يعطى حكومة للذكر والأنثيين.
وعلى قول القاضي أبي حامد: يعطى دية الذكر والأنثيين.
وعلى قول بعض أصحابنا الخراسانيين: يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال وآلة النساء.

وإن كان القاطع خنثى مشكلاً.. فإنه لا يجب القصاص في الحال؛ لأنا لا نتيقن عين الزائد من الآلتين فيهما، ولا عين الأصلي، فلو أوجبنا القصاص في الحال.. لم نأمن أن نأخذ أصلياً بزائد، وذلك لا يجوز.
فإن طلب حقه من المال.. نظرت: فإن عفا عن القصاص.. قال أصحابنا البغداديون: أعطي دية الشفرين، وحكومة للذكر والأنثيين؛ لأنه يستحق ذلك بيقين.
وقال الخراسانيون: يعطى الحكومة في الذكر والأنثيين والشفرين.
وإن لم يعف عن القصاص.. فهل يعطى شيئاً من المال؟ إن قلنا بقول الشيخ أبي حامد، وأنه لا قصاص في الشفرين.. أعطي الحكومة فيهما؛ لأنا لا نتوهم وجوب القصاص فيهما، وإن قلنا بالمنصوص، وأنه يجب فيهما القصاص.. فهل يعطى شيئاً؟ إن قلنا بقول أبي علي بن أبي هريرة: أنه لا يعطى شيئاً إذا كان القاطع رجلاً أو امرأة.. فهاهنا أولى أن لا يعطى، وإن قلنا هناك يعطى.. فهاهنا وجهان: أحدهما: لا يعطى، وهو قول القفال؛ لأن القصاص متوهم في جميع الآلات.
والثاني: يعطى أقل الحكومتين في آلة الرجال وآلة النساء.
والصحيح: أنه لا يعطى هاهنا شيئاً.

مسألة: [القصاص لا يعتبر فيه الصحة والكبر]: وكل عضو وجب فيه القصاص.. فإنه يجب فيه وإن اختلف العضوان في الصغر والكبر، والصحة والمرض، والسمن والهزال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: 45] (المائدة: من الآية 45) ولم يفرق.
ولأنا لو اعتبرنا هذه الأشياء.. لشق وضاق، فسقط اعتباره، كما سقط اعتبار ذلك في النفس.
وما كان من الأعضاء منقسماً إلى يمين ويسار، كالعينين والأذنين واليدين

والرجلين.. لا يجوز أخذ اليمنى منه باليسرى، ولا اليسرى باليمنى.
وقال ابن شبرمة: يجوز.
دليلنا: أن كل واحد منهما يختص باسم ينفرد به، فلا يؤخذ بغيره، كما لا تؤخذ اليد بالرجل.
وكذلك: لا يؤخذ الجفن الأعلى بالجفن الأسفل، ولا الأسفل بالأعلى، وكذلك الشفتان مثله.
ولا تؤخذ سن بسن غيرها، ولا إصبع بإصبع غيرها، ولا أنلمة بأنملة غيرها، كما لا تؤخذ نفس بجناية نفس غيرها، ولا يؤخذ ذلك وإن رضي الجاني والمجني عليه.
وكذلك: إذا رضي الجاني بأن يؤخذ العضو الكامل بالناقص، والصحيح بالأشل.. لم يجز؛ لأن الدماء لا تستباح بالإباحة.

مسألة قطع عضوه ثم قتله

إذا قطع يد رجل، ثم عاد فقتله.. كان له أن يقطع يده، ثم يقتله، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أبو يوسف، ومحمد: ليس له إلا القتل.
دليلنا: قوله تعلى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] (البقرة: 194) وهذا قد اعتدى بقطع اليد، فلم يمنع من قطع يده.
ولأنهما جنايتان يجب القصاص في كل واحدة منهما إذا انفردت، فوجب القصاص فيهما عند الاجتماع، كقطع اليد والرجل.

مسألة قتل جماعة

إذا قتل واحد جماعة.. قتل بواحد، وأخذ الباقون الدية.
وقال أبو حنيفة، ومالك: (يقتل بالجماعة، فإن بادر واحد وقتله.. سقط حق الباقين).
وهو قول بعض أصحابنا الخراسانيين.

وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن طلبوا القصاص.. قتل لجماعتهم وإن طلب بعضهم القصاص، وبعضهم الدية.. قتل لمن طلب القصاص، وأعطيت الدية من طلبها).
وقال عثمان البتي: يقتل بجماعتهم، ثم يعطون دية باقيهم، فيقسمونها بينهم، مثل: أن يقتل عشرة، فإنه يقتل، ويعطون تسع ديات، ويقسمونها بين العشرة.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين، إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية».
ولأنها حقوق مقصودة لآدميين يمكن استيفاؤها.. فوجب أن لا تتداخل، كالديون.
فقولنا: (حقوق مقصودة) احتراز من آجال الدائنين.
وقولنا: (لآدميين) احتراز من حقوق الله تعالى، وهي الحدود في الزنا والشرب.
إذا ثبت هذا: فإن قتل واحداً بعد واحد.. اقتص للأول، فإن عفا الأول.. اقتص للثاني، فإن عفا الثاني.. اقتص للثالث.
وإن كان ولي الأول غائباً أو صغيراً.. انتظر قدوم الغائب، وبلوغ الصغير.
وإن قتلهم دفعة واحدة، بأن هدم عليهم بيتاً أو حرقهم فماتوا معاً.. أقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة.. قتل به، وكان للباقين الدية.
وقال بعض أصحابنا الخراسانيين: يقتل بالجميع، ويرجع كل واحد من الأولياء بحصته الموروثة من الدية.
وإن قتلهم واحداً بعد واحد، إلا أنه أشكل الأول منهم، فإن أقر القاتل لأحدهم: أنه الأول.. قبل إقراره، وقتل به، وإن لم يقر.. أقرعنا بينهم؛ لاستواء حقوقهم،

فإن بادر واحد منهم فقتله.. فقد استوفى حقه، وانتقل حق الباقين إلى الدية.
وحكى الخراسانيون من أصحابنا - أنه إذا قتل واحداً بعد واحد، وكان ولي الأول غائباً أو مجنوناً أو صغيراً - قولين: أحدهما: يستوفي ولي الثاني.
والثاني: لا يستوفي، بل ينتظر حضور الغائب، وإفاقة المجنون، وبلوغ الصبي.
وإن قتل جماعة في قطع الطريق، وقلنا بالمشهور من المذهب: أنه يقتل بواحد في غير قطع الطريق.. فهاهنا وجهان وحكاهما الخراسانيون قولين: أحدهما: حكمه حكم ما لو قتلهم في غير قطع الطريق؛ لما ذكرناه هناك.
والثاني: يقتل بالجميع، ولا شيء للباقين؛ لأنه يقتل حداً، بدليل: أنه لا يصح العفو عنه، وإن قطع عضواً من جماعة.. فحكمه حكم ما لو قتل جماعة، على ما مضى.

مسألة قطع يد رجل وقتل غيره

وإن قطع يد رجل، وقتل آخر.. قطعت يده للمقطوع، ثم قتل للمقتول، سواء تقدم قطع اليد أو تأخر، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال مالك: (يقتل للمقتول، ولا تقطع يده للمقطوع).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] الآية (المائدة: 45).
فأخبر: أن النفس تؤخذ بالنفس، والطرف بالطرف، فمن قال غير هذا.. فقد خالف الآية.
ولأنهما جنايتان على شخصين، فلا تتداخلان، كما لو قطع يدي رجلين، وإنما

قدمنا القطع هاهنا وإن كان متأخراً؛ لأنه يمكن إيفاء الحقين من غير نقص على أحدهما، ومتى أمكن إيفاء الحقين.. لم يجز إسقاط أحدهما.
وإن قطع إصبعاً من يمين رجل، ثم قطع يمين آخر.. قطعت إصبعه للأول، ثم قطعت يده للثاني، ولزمه أن يغرم للثاني دية إصبعه التي لم يقتص منها، ويخالف إذا قتل رجل مقطوع اليد لرجل غير مقطوع اليد؛ فإنه لا يغرم له شيئاً؛ لأن اليد تنقص بنقصان الإصبع؛ ولهذا: لا تؤخذ يد كاملة الأصابع بيد ناقصة الأصابع، والنفس لا تنقص بنقصان اليد، ولهذا: يقتل من له يدان بمن له يد واحدة.
وإن قطع يمين رجل، ثم قطع إصبعاً من يمين آخر.. قطعت يمينه للأول، وأخذ الآخر دية إصبعه المقطوعة، ويخالف إذا قطع يمين رجل، ثم قتل آخر؛ حيث قلنا: يقدم القطع وإن كان متأخراً؛ لأن اليد تنقص بنقصان الإصبع، والنفس لا تنقص بنقصان اليد.

فرع قتل ثم ارتد أو قطع ثم سرق

إذا قتل رجلاً وارتد، أو قطع يمين رجل وسرق.. قدم حق الآدمي من القتل والقطع؛ لأنه مبني على التشديد، وحق الله تعالى مبني على المسامحة.
وبالله التوفيق

باب استيفاء القصاص

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولم يختلفوا في أن العقل موروث كالمال).
وجملة ذلك: أنه إذا قتل رجل رجلاً عمداً أو خطأ، وعفا عنه على المال.. فإن الدية تكون لجميع ورثة المقتول؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] (النساء: 92).
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» و (الأهل): يقع على الذكر والأنثى، وهو إجماع لا خلاف فيه.
وقد روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وأرضاه: أنه لم يورث امرأة من دية زوجها، فقال له الضحاك بن قيس - وقال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: الضحاك بن سفيان -: كتب إلي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فرجع عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يتوارث أهل ملتين شتى، وترث المرأة من دية زوجها».

وقال الشيخ أبو إسحاق: ويقضى من الدية دينه، وتنفذ منها وصاياه.
وقال أبو ثور: (لا يقضى منها دينه، ولا تنفذ منها وصاياه).
والذي يقتضي المذهب: أن تبنى على القولين، متى تجب الدية؟ فإن قلنا: بآخر جزء من أجزاء حياة المقتول.. قضي منها دينه، ونفذت منها وصاياه، وإن قلنا: تجب بعد موته.. لم يقض منها دينه، ولم تنفذ منها وصاياه.
ولعله ذكر ذلك على الأصح عنده.
وأما إذا كان القتل يقتضي القصاص.. فإن القصاص موروث، وفيمن يرثه من الورثة ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ: أحدها: أنه لا يرثه إلا العصبة من الرجال، وبه قال مالك، والزهري؛ لأن القصاص يدفع العار عن النسب، فاختص به العصبات، كولاية النكاح، فإن اقتصوا.. فلا كلام، وإن عفوا على مال.. كان لجميع الورثة.
والثاني: أنه يرثه من يرث بنسب دون سبب، فيخرج من ذلك من يرث بالزوجية، وبه قال ابن شبرمة؛ لأن القصاص يراد للتشفي، والزوجية تزول بالموت.
والثالث - وهو المنصوص، ولم يذكر الشيخان غيره -: (أنه يرثه جميع الورثة، من يرثه بنسب، ومن يرثه بسبب)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد رحمة الله

عليهم؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية» و (الأهل): يقع على الرجال والنساء.
ولأنه جعل القود لمن جعل له الدية، ولا خلاف أن الدية لجميع الورثة، فكذلك القود.
وروت عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأهل القتيل: أن يتحجزوا، الأول فالأول، وإن كانت امرأة» قال أبو عبيد [في " غريب الحديث " (2/160) ]: ومعنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يتحجزوا " يكفوا عن القصاص، ولو لم يكن للمرأة حق في القصاص.. لما جعل لها الكف عنه.
وروي: (أن رجلا قتل رجلاً، فأراد أولياء المقتول القود، فقالت أخت المقتول - وكانت زوجة القاتل -: عفوت عن نصيبي من القود، فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الله أكبر عتق من القتل).

مسألة قطع طرف رجل فارتد المقطوع

إذا قطع طرف مسلم، فارتد المقطوع، ثم مات على الردة - وقلنا: يجب القصاص في الطرف - فمن الذي يستوفيه؟ قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (لوليه المسلم أن يقتص).
واعترض المزني عليه، فقال: كيف يجوز لوليه أن يقتص وهو لا يرثه؟ واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: لا يقتص وليه المسلم كما قال المزني؛ لأنه لا يرثه، ولم يرد

الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الولي هاهنا: المناسب؛ وإنما أراد به: الإمام.
وقال أكثرهم: بل يجوز لوليه المناسب أن يقتص؛ لأن القصاص للتشفي، وذلك إلى المناسب لا إلى الإمام.
وقول الأول غير صحيح؛ لأنه قد يثبت القصاص لمن لا يرث، وهو: إذا قتل رجل وعليه دين يحيط بتركته.
فإذا قلنا: إن الإمام هو الذي يقتص.. كان بالخيار: بين أن يقتص، وبين أن يعفو على مال، فإذا عفا على مال.. كان فيئاً.
وإذا قلنا: يقتص الولي المناسب، فإن اقتص.. فلا كلام، وإن عفا على مال.. فهل يثبت؟ فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما: لا يثبت؛ لأن أرش الطرف يدخل في أرش النفس، فلما لم يجب أرش النفس.. لم يجب أرش الطرف.
والثاني: يجب الأرش، وهو الأصح؛ لأن الجناية وقعت في حالة مضمونة، فلا يسقط حكمها بسقوط حكم السراية.
فإذا قلنا بهذا: فكم الأرش الذي يجب؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال عامة أصحابنا: يجب أقل الأمرين من أرش الطرف أو دية النفس؛ لأن دية النفس إذا كانت أكثر من أرش الطرف.. لم تجب الزيادة على أرش الطرف؛ لأن الزيادة وجبت بالسراية، وإن كان أرش الطرف أكثر.. لم يجب ما زاد على دية النفس؛ لأنه لو مات وهو مسلم.. لم يجب فيه أكثر من دية مسلم، فكذلك هاهنا مثله.
و [الثاني]: قال أبو سعيد الإصطخري: يجب أرش الطرف بالغاً ما بلغ؛ لأن الدية إنما تجب في النفس في الموضع الذي لو كان دون الدية وصار نفساً.
وجبت فيه الدية، وهاهنا لا حكم للسراية في الزيادة، فكذلك في النقصان.
والأول أصح.

مسألة حق القصاص لقاصر

وإن كان القصاص لصغير أو مجنون، أو لغير رشيد.. لم يستوف له الولي، وبه قال أحمد، وأبو يوسف.
وقال مالك، وأبو حنيفة، ومحمد: (يجوز للأب والجد أن يستوفيا له القصاص في النفس والطرف، ويجوز للوصي والحاكم أن يستوفيا له في الطرف دون النفس).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية».
فجعل الخيرة للأهل، فلو جعلنا للولي استيفاءه.. لفوتنا ما خير فيه.
ولأنه لا يملك إيقاع طلاق زوجته، فلا يملك استيفاء القصاص في النفس، كالوصي.
وإذا ثبت هذا: فإن القاتل يحبس إلى أن يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، ويصلح المفسد؛ لأن في ذلك مصلحة للقاتل؛ بأن يعيش إلى مدة، ويتأخر قتله، وفيه مصلحة لولي المقتول؛ لئلا يهرب القاتل، ويفوت القصاص.
فإن أراد الولي أن يعفو عن القود على مال، فإن كان المولى عليه له كفاية.. لم يجز، وإن كان محتاجاً إلى ذلك المال لنفقته.. ففيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه محتاج إلى ذلك.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه لا يملك إسقاط حقه من القصاص، ونفقته في بيت المال.
وإن وثب الصبي أو المجنون، فاقتص.. فهل يصير مستوفياً؟ فيه وجهان: أحدهما: يصير مستوفياً، كما لو كانت له وديعة، فأتلفها.
والثاني: لا يصير مستوفياً، وهو الأصح؛ لأنه ليس من أهل الاستيفاء.

وإن كان القصاص لغائب.. حبس القاتل إلى أن يقدم الغائب، كما قلنا فيه إذا كان لصغير أو مجنون.
فإن قيل: فهلا قلتم: لا يحبس القاتل للغائب؛ لأنه لا ولاية للحاكم على الغائب، كما لو كان للغائب مال مغصوب.. فليس للحاكم أن يحبس الغاصب، وينتزع منه المال المغصوب؟ فالجواب: أن القود يثبت للميت، وللحاكم على الميت ولاية، وليس كذلك الغائب إذا غصب ماله؛ لأنه لا ولاية له عليه وهو رشيد؛ فوزانه: أن يموت رجل، ويخلف مالاً، وله وارث غائب، فجاء رجل، وغصب ماله.. فللإمام حبس الغاصب إلى أن يقدم الغائب.

فرع كان القصاص لجماعة وبعضهم غائب

فإن كان القصاص لجماعة، وبعضهم حاضر وبعضهم غائب.. لم يجز للحاضر أن يستوفي بغير إذن الغائب، بلا خلاف.
وإن كان القصاص بين صبي وكبير، أو بين مجنون وعاقل.. لم يجز للكبير والعاقل أن يستوفي القصاص حتى يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، ويأذن في الاستيفاء، وبه قال عمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وأبو يوسف.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (يجوز للكبير والعاقل أن يستوفيا قبل بلوغ الصغير وإفاقة المجنون).
إلا أن أصحاب أبي حنيفة اختلفوا في الذي يستوفيه: فمنهم من قال: يستوفي حقه وحق الصبي والمجنون.
ومنهم من قال: يستوفي حقه، ويسقط حق الصغير والمجنون.
دليلنا: أنه قصاص موروث، فوجب أن لا يختص باستيفائه بعض الورثة، كما لو كان لحاضر وغائب.
وإذا ثبت هذا: فإن القاتل يحبس إلى أن يبلغ الصبي، ويفيق المجنون، كما قلنا فيه إذا كان جميع القود له.

فإن أقام القاتل كفيلاً ليخلى.. لم يجز تخليته؛ لأن فيه تغريراً لحق المولى عليه، ولأن الكفالة لا تصح في القصاص، فإن فائدتها استيفاء الحق من الكفيل إن تعذر إحضار المكفول به، ولا يمكن استيفاؤه من غير القاتل، فلم تصح الكفالة به، كالحد.
وإن وجب القصاص في قتل من لا وارث له غير المسلمين.. كان القصاص إلى الإمام؛ لأنه نائب عنهم.
وإن كان هناك من يرث البعض، ويرث المسلمون الباقي.. كان استيفاء القصاص إلى الإمام وإلى الوارث.

مسألة يستوفي القصاص أحد أصحاب الحق

وإن قتل رجل رجلاً، وله أخوان أو ابنان من أهل استيفاء القصاص.. لم يكن لهما أن يستوفيا القصاص جميعاً؛ لأن في ذلك تعذيباً للقاتل، فإما أن يوكلا رجلا يستوفي لهما القصاص، وإما أن يوكل أحدهما الآخر في الاستيفاء.
فإن طلب كل واحد منهما أن يوكله الآخر.. أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، فإذا خرجت القرعة لأحدهما.. أمر الآخر أن يوكله، وإن بادر أحدهما وقتل القاتل بغير إذن أخيه.. نظرت: فإن كان الذي لم يقتل لم يعف عن حقه من القصاص.. فهل يجب على القاتل منهما القود؟ فيه قولان: أحدهما: يجب عليه القود؛ لأنه ممنوع من قتله، وقد يجب القتل بإتلاف بعض النفس، كما لو قتل جماعة واحداً.
والثاني: لا يجب عليه القود، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، وهو الأصح؛ لأن له في قتله حقاً، فلم يجب عليه القود، كما لو وطئ أحد الشريكين الجارية المشتركة.
وإن قتله بعد أن عفا أخوه عن القود.. نظرت:

فإن كان قد حكم الحاكم بسقوط القود.. وجب القود على القاتل، قولاً واحداً، قال ابن الصباغ: سواء علم القاتل بذلك أو لم يعلم؛ لأن بحكم الحاكم زالت الشبهة، وحرم عليه قتله، فهو كما لو قتل غير القاتل.
وإن كان بعد عفو أخيه، وقبل حكم الحاكم بسقوط القود.. نظرت: فإن لم يعلم بعفو أخيه.. فهل يجب القود على القاتل؟ فيه قولان، كما لو لم يعف أخوه.
قال الشيخ أبو حامد: إلا أن الأصح هناك: أن لا يجب عليه القود، والأصح هاهنا: أن عليه القود.
وإن قتله بعد أن علم بعفو أخيه، فإن قلنا: يجب عليه القود إذا لم يعلم بعفو أخيه.. فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: لا يجب عليه القود.. فهاهنا قولان: أحدهما: يجب عليه القود؛ لأنه قتله ولا حق له في قتله.
والثاني: لا يجب عليه القود؛ لأن على قول مالك لا يسقط القود بعفو أحد الشريكين، فصار ذلك شبهة في سقوط الحد عنه.
وهذا ترتيب الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا قتله قبل عفو أخيه.. فهل يجب عليه القود؟ فيه قولان.
فإذا قلنا: لا يجب عليه القود.. فله معنيان: أحدهما: لاختلاف العلماء في جواز استيفاء أحدهما.
والثاني: لأجل حقه في القصاص.
وإن قتله بعد عفو أخيه، وهو عالم بعفوه، فإن قلنا في الأولى: يجب القصاص.. فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: لا يجب.. فهاهنا قولان: [أحدهما]: إن قلنا: العلة هناك اختلاف العلماء.. فلا قود هاهنا؛ لأن الاختلاف موجود.
و [الثاني]: إن قلنا: العلة هناك حقه في القصاص.. وجب عليه هاهنا القود.

وإن قتله جاهلاً بعفو أخيه، فإن قلنا: لا يجب عليه القود إذا كان عالماً بعفو أخيه.. فهاهنا أولى أن لا يجب، وإن قلنا هناك: يجب القود.. فهاهنا قولان، بناء على القولين فيمن قتل مسلماً ظنه حربياً في دار السلام.
إذا ثبت هذا: فإذا قلنا: يجب القود على القاتل.. فلوليه أن يقتص منه، فإذا قتله.. وجبت دية المقتول الأول في تركة القاتل الأول، نصفها للأخ الذي لم يقتل، ونصفها لورثة أخيه المقتول.
وإن قلنا: لا يجب القود على الأخ القاتل.. فقد استوفى حقه، وبقي حق أخيه، وقد تعذر استيفاء حقه من القصاص، فيكون له نصف دية أبيه، وعلى من يرجع بها؟ فيه قولان: أحدهما: يرجع بها على أخيه القاتل؛ لأن نفس قاتل أبيه كانت لهما، فإذا قتله أحدهما.. فقد أتلف ما يستحقه هو وأخوه، فوجب عليه ضمان حق أخيه، كما لو كانت لهما وديعة، فأتلفها أحدهما.
فعلى هذا: إن أبرأ أخاه.. صح إبراؤه، وإن أبرأ قاتل أبيه.. لم يصح إبراؤه.
والقول الثاني: أنه يرجع بها في تركة قاتل أبيه؛ لأنه قود سقط إلى مال، فوجب المال في تركة قاتل الأب، كما لو قتله أجنبي، ويخالف الوديعة، فإنه لو أتلفها أجنبي.. لرجع عليه بضمانها، وهاهنا لو قتله أجنبي.. لم يرجع عليه بشيء.
فعلى هذا: إن أبرأ أخاه.. لم يصح إبراؤه، وإن أبرأ قاتل أبيه.. صح إبراؤه، ويكون لورثة قاتل الأب أن يرجعوا على القاتل بنصف دية مورثهم؛ لأنه لا يستحق إلا نصف نفسه.
وإن عفا الأخوان جميعاً عنه، ثم عادا فقتلاه، أو عفا عنه أحدهما، ثم عاد فقتله.. وجب القود، قولاً واحداً؛ لأنه لم يبق للقاتل حق بعد عفوه، فصار كما لو قتل أجنبياً.
فإن كان القصاص لجماعة، واختلفوا فيمن يقتص منهم.. أقرع بينهم، وهل يدخل في القرعة من لا يحسن؟ فيه وجهان، حكاهما في " العدة ":

أحدهما: لا يدخل؛ لأنه لا فائدة فيه.
والثاني: يدخل؛ لأنه يستنيب من شاء.
ومتى خرجت القرعة لأحدهم.. لم يستوف القصاص إلا بتوكيل الباقين له.

مسألة القصاص بإذن الحاكم

ومن وجب له القصاص.. لم يجز له أن يقتص بغير إذن السلطان أو بغير حضوره؛ لاختلاف العلماء في وجوب القصاص في مواضع، فلو قلنا: له أن يستوفيه من غير إذن السلطان.. لم نأمن أن يقتص فيما لا يستحق فيه القصاص، فإن خالف واقتص بغير إذن السلطان.. فقد استوفى حقه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ويعزر، ولا شيء عليه).
ومن أصحابنا من قال: لا يعزر؛ لأنه استوفى حقه.
والأول أصح؛ لأنه افتأت على السلطان.
والمستحب: أن يكون ذلك بحضرة شاهدين؛ لئلا ينكر المقتص الاستيفاء، فإن اقتص بغير حضور شاهدين.. جاز؛ لأنه استيفاء حق، فلم يكن من شرطه حضور الشهود، كالدين.
ويتفقد السلطان الآلة التي يستوفي بها القصاص، فإن كانت كالة.. منع من الاستيفاء بها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا قتلتم.. فأحسنوا القتلة».
فإن استوفى القصاص بآلة كالة.. فقد أساء، ولا تعزير عليه.
وإن أراد الاستيفاء بآلة مسمومة.. قال الشيخ أبو حامد: منع من ذلك، سواء كان في الطرف أو في النفس؛ لأنه إذا كان في الطرف.. سرى إلى نفسه، وإن كان في

النفس.. هرى بدنه، ومنع من غسله، فإن خالف، واقتص بآلة مسمومة.. عزر.
وقال القفال: إن كان الاستيفاء في الطرف.. منع منه، وإن كان في النفس.. لم يمنع منه.
فإن اقتص في الطرف بآلة مسمومة، وسرى ذلك إلى نفسه.. وجب على المقتص نصف الدية؛ لأنه مات من مباح ومحظور.

فرع طلب من له القصاص أن يقتص

]: إذا طلب من له القصاص أن يقتص بنفسه، فإن كان القصاص في النفس، وكان يصلح للاستيفاء.. مكنه السلطان من الاستيفاء؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33] (الإسراء: 33)، ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فمن قتل بعده قتيلاً.. فأهله بين خيرتين: إن أحبوا.. قتلوا، وإن أحبوا.. أخذوا الدية».
وإن كان لا يحسن الاستيفاء.. أمر بالتوكيل، فإن لم يوجد من يتطوع بالاستيفاء عنه بغير عوض.. استؤجر من يستوفي له القصاص.
وقال أبو حنيفة: (لا تصح الإجارة على القصاص في النفس، وتصح في الطرف).
دليلنا: أنه عمل معلوم، فصحت الإجارة عليه، كالقصاص في الطرف.
وإن كان القصاص في الطرف.. فقال أصحابنا البغداديون: لا يمكن المجني عليه أن يقتص بنفسه، بل يؤمر بالتوكيل؛ لأن الاقتصاص في الطرف يحتاج إلى التحفظ؛ لئلا يستوفي أكثر من حقه الواجب، والمجني عليه قلبه مغتاظ على الجاني، فلا يؤمن منه - إذا استوفى بنفسه - أن يأخذ أكثر من حقه.
وقال الخراسانيون: فيه وجهان: أحدهما: لا يمكن من ذلك؛ لما ذكرناه.
والثاني: يمكن منه، كما يمكن من استيفاء القصاص في النفس.
والأول أصح؛ لأن المقصود بالقتل إزهاق الروح، فلا معنى للتحفظ، بخلاف الطرف.

فرع استحباب تعيين من يقيم الحدود

ويستحب للإمام أن يقيم رجلاً يقيم الحدود، ويقتص للناس بإذنهم، ويرزقه من بيت المال، وهو خمس الخمس؛ لأنه للمصالح، وهذا من المصالح، فهو كأجرة الكيال والوزان في الأسواق، فإن لم يكن هناك شيء من سهم المصالح، أو كان ولكنه يحتاج إليه إلى ما هو أهم من ذلك.. كانت الأجرة على المقتص منه.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على: (أن أجرة القصاص على المقتص منه)، ونص: (أن أجرة الجلاد في بيت المال).
واختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من قال: فيهما قولان: أحدهما: تجب على المقتص منه وعلى المحدود؛ لأن الإيفاء حق عليه.
والثاني: تجب أجرة القصاص على المقتص له، وأجرة الجلاد في بيت المال، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه استيفاء حق، فكانت أجرة الاستيفاء على المستوفي، كما لو اشترى طعاماً وأراد نقله.. والأول أصح.
ومنهم من قال: تجب أجرة القصاص على المقتص منه، وأجرة الجلاد في بيت المال؛ لأن في القصاص: الجاني مأمور بالإقرار بالجناية ليقتص منه، فمؤنة التسليم عليه، وفي الحد: هو مأمور بالستر على نفسه.
فإن قال الجاني: أنا أقطع طرفي ولا أؤدي الأجرة.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: تجب إجابته إلى ذلك؛ لأن المقصود قطع طرفه، فلا تلحقه رحمة في ذلك.

والثاني: لا تجب إجابته إلى ذلك - ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق غيره - لأن المقصود بالقصاص التشفي، وذلك لا يحصل بفعل الجاني، وإنما يحصل بفعل المجني عليه أو من ينوب عنه غير الجاني.

مسألة لا يقتص من الحامل حتى تضع

وإن وجب القصاص على امرأة حامل.. لم يجز قتلها قبل أن تضع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33] (الإسراء: 33).
وفي قتلها في هذه الحالة إسراف؛ لأنه يقتل من قتل ومن لم يقتل.
وروي: «أن امرأة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأخبرته: أنها زنت وهي حبلى، فدعا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وليها، وقال: " أحسن إليها، فإذا وضعت.. فجئني بها "، فلما أن وضعت.. جاء بها، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بها فرجمت، وأمرهم فصلوا عليها».
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أمر بقتل امرأة بالزنى وهي حامل، فقال له معاذ بن جبل: إن كان لك عليها سبيل.. فلا سبيل لك على ما في بطنها - يعني: حملها - فترك عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قتلها، وقال: كاد النساء أن يعجزن أن يلدن مثلك يا معاذ).
إذا ثبت هذا: فولدت.. لم تقتل حتى تسقي الولد اللبأ؛ لأنه لا يعيش إلا به، فإذا سقته اللبأ.. نظرت: فإن وجدت امرأة راتبة ترضعه.. جاز للولي أن يقتص منها؛ لأن الولد يستغني بإرضاعها.

فإن لم توجد امرأة راتبة ترضعه، وإنما وجد جماعة نساء يتناوبنه في الرضاع، أو وجدت بهيمة يسقى من لبنها.. فالمستحب له: أن لا يقتص حتى ترضعه أمه حولين؛ لأن على الولد ضرراً باختلاف لبن المرضعات عليه، ولبن البهيمة يغير طبعه، فإن اقتص منها.. جاز؛ لأن بدنه يقوم بذلك.
فإن لم توجد من ترضعه، ولا وجدت بهيمة يسقى لبنها.. لم يجز للولي أن يقتص منها إلى وقت يستغني عن لبنها؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للمرأة: «اذهبي حتى ترضعيه»، ولأنه إذا وجب تأخير القصاص لأجله وهو حمل.. فلأن يجب تأخيره لأجله بعد الوضع أولى.
قال الشيخ أبو حامد: قال أصحابنا: فإن خالف الولي، واقتص من الأم في هذه الحالة، ثم مات الطفل.. فهو قاتل عمد، وعليه القود؛ لأنه بمثابة من حبس رجلاً، ومنعه الطعام والشراب حتى مات.. فإنه قاتل عمد، ويجب عليه القود.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا وجد من يرضعه، فإن كان القتل لله، كالرجم في الزنا.. لم تقتل حتى تنقضي مدة الرضاع، وإن كان للآدمي.. قتلت.

فرع حبس مدعية الحمل حتى يتبين أمرها

إذا وجب على المرأة القتل، فادعت: أنها حامل.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (تحبس حتى يتبين أمرها).
واختلف أصحابنا في ذلك: فقال أبو سعيد الإصطخري: لا تحبس حتى يشهد أربع من القوابل: أنها حبلى، فإن لم يشهدن: أنها حبلى.. قتلت في الحال؛ لأن القصاص قد وجب، فلا يؤخر لقولها.

وقال أكثر أصحابنا: تحبس وإن لم يشهدن: أنها حبلى؛ لأن للحمل أمارات ظاهرة يشاهدها القوابل، وأمارات خفية لا يعلم ذلك منها إلا نفسها، فوجب حبسها إلى أن يتبين أمرها.

فرع تمكين المقتص من الحامل يترتب عليه أمور

فإن مكن الإمام أو الحاكم المقتص من الحامل، فقتلها.. فالكلام في الإثم، والضمان، والكفارة.
فأما الإثم: فإن كان الحاكم والمقتص عالمين بأنها حامل.. أثما، وإن كانا جاهلين بحملها.. لم يأثما، وإن كان أحدهما عالماً بحملها والآخر جاهلاً به.. أثم العالم منهما دون الجاهل.
وأما الضمان والكفارة: فينظر فيه: فإن كان لما قتلت الحامل لم يخرج الجنين من بطنها.. فلا ضمان ولا كفارة؛ لأنه يجوز أن يكون ريحاً، وهو كما لو ضرب امرأة فماتت، ولم يخرج من بطنها جنين.
وإن خرج من بطنها، فإن خرج حياً، ثم مات.. ففيه دية كاملة وكفارة، وإن خرج ميتاً.. ففيه غرة عبد أو أمة وكفارة.
وأما من يجب عليه الضمان والكفارة: فإن كانا عالمين بحملها.. فالضمان والكفارة على الإمام أو الحاكم دون الولي؛ لأنه هو الذي مكنه من الاستيفاء، ولأن الحاكم هو الذي يعرف الأحكام، وإنما يرجع الولي إلى اجتهاده.
وهكذا: إن كان الحاكم هو العالم لحملها دون الولي.. فالضمان والكفارة على الحاكم؛ لما ذكرناه.
وإن كان الولي عالماً والحاكم جاهلاً.. فالضمان والكفارة على الولي دون الحاكم؛ لأن الحاكم إذا لم يعلم.. فلم يسلطه على إتلاف الحمل.

وإن كانا جاهلين بحملها.. ففيه وجهان: أحدهما: أن الضمان والكفارة على الحاكم؛ لأنهما إذا استويا.. كان الضمان عليهما، كما لو كانا عالمين.
والثاني: أن الضمان والكفارة على الولي؛ لأن الحاكم إذا لم يعلم.. سقط عنه حكم الاجتهاد فيه، والولي هو المباشر، فلزمه الضمان.
هكذا ذكر ابن الصباغ.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق "، وصاحب " الفروع ": إذا كانا جاهلين بأن ذلك لا يجوز.. فالضمان والكفارة على الإمام، قولاً واحداً.
وإن كانا عالمين بأن ذلك لا يجوز.. ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: الضمان والكفارة على الإمام؛ لأنهما في العلم سواء، وللإمام مزية في التمكين.
و [الثاني]: قال غيره من أصحابنا: يكون الضمان والكفارة على الولي؛ لأنه هو المباشر.
وإن كان أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.. فالضمان على العالم منهما دون الجاهل.
وقال المزني: الضمان على الولي بكل حال.
وليس بشيء.
هذا نقل البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إن كان الولي عالماً.. فالضمان على عاقلته، سواء علم القاضي أو جهل.
وإن كان الولي جاهلاً.. ففيه وجهان، سواء علم القاضي أو جهل، بناء على القولين في إطعام طعام الغاصب أجنبياً؛ فإن قلنا: إن ضمانه على الطاعم.. فالضمان هاهنا على الولي.
وإن قلنا: على المطعم.. كان الضمان هاهنا على الحاكم.

مسألة لا قصاص قبل استقرار الجناية

إذا قطع طرفه، وأراد المجني عليه أن يقتص.. فالمستحب له: أن لا يقتص حتى تستقر الجناية بالاندمال أو السراية إلى النفس؛ لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الاستقادة من الجرح حتى يندمل» وروي: «أن رجلاً جرح حسان بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فجاء قوم من الأنصار - يعني: رهطه - إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليقتص لهم، فقال لهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اصبروا حتى يستقر الجرح، فإن اندمل.. أخذتم القصاص في الجرح، وإن صار نفساً.. أخذتم القصاص في النفس» فإن اقتص قبل الاندمال.. جاز.

وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: (لا يجوز).
وبنوه على أصولهم: أن الطرف إذا صار نفساً.. سقط القصاص فيه؛ للخبرين الأولين.
دليلنا: ما روى عمرو بن دينار، عن محمد بن طلحة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أن رجلا طعن رجلاً بقرن في رجله، فجاء المجني عليه إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يطلب القصاص، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " انتظر حتى تبرأ "، فجاءه ثانياً، فقال: " انتظر حتى تبرأ "، فجاءه ثالثاً، فاقتص له، ثم برئت رجل الجاني وشلت رجل المجني عليه، فجاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال: يا رسول الله، برئت رجل الجاني، وشلت رجلي، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اذهب، فلا حق لك ". وفي رواية أخرى: أبعدك الله، فقد خالفت أمري» فدل على: جواز الاقتصاص.
فمعنى قوله: (لا حق لك) أي: في القصاص.
وأما الخبران الأولان: فمحمولان على الاستحباب، بدليل هذا الخبر.
وإن عفا عن القود، وطلب الأرش قبل الاستقرار.. فهل يعطى الأرش؟ فيه قولان:

أحدهما: يعطى، كما يجوز له استيفاء القصاص.
والثاني: لا يعطى؛ لأن الأرش لا يستقر قبل الاندمال؛ لأنه ربما سرى إلى النفس، فدخل في ديتها، أو يشاركه غيره في الجناية، فمات من الجميع.
فإذا قلنا: يعطى قبل الاندمال.. فكم يعطى؟ فيه وجهان: أحدهما: يعطى أقل الأمرين من أرش الجناية أو دية النفس؛ لأن ما زاد على دية النفس لا يتيقن استقراره قبل الاندمال.
والثاني: يعطى أرش الجناية بالغاً ما بلغ؛ لأنه قد وجب له في الظاهر.
فإن اقتص المجني عليه قبل الاندمال، ثم سرت الجناية على المجني عليه إلى عضو آخر واندمل.. كانت السراية مضمونة بالدية.
وقال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا تكون مضمونة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذهب، فلا حق لك» ودليلنا: أن هذه جناية مضمونة، فكانت سرايتها مضمونة، كما لو لم يقتص، والخبر محمول على أنه أراد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لا حق لك في القصاص.

مسألة المماثلة في القصاص بالآلة

]: إذا قتل بالسيف.. لم يقتص منه إلا بالسيف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] (البقرة: 194)، ولأنه أوحى الآلات.
وإن حرقه، أو غرقه، أو رماه بحجر، أو من شاهق، فمات، أو ضربه بخشبة، أو حبسه ومنعه الطعام والشراب حتى مات.. فللولي أن يقتص منه بهذه الأشياء، وبه قال مالك.
وأما أبو حنيفة: فإنه يقول: (هذه الجنايات لا توجب القصاص، إلا التحريق بالنار، فإنه يوجب القصاص، ولكن: لا يجوز أن يقتص منه إلا بالسيف).

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] (البقرة: 194). ولما روى البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من غرق.. أغرقناه، ومن حرق.. حرقناه».
وروي: «أن يهودياً رض رأس جارية من الأنصار بين حجرين، فوجدت وفيها رمق، فقيل: من فعل بك هذا؟ أفلان؟ فأومأت برأسها - أي: لا - إلى أن سئلت عن يهودي، فأومأت برأسها - أي: نعم - فأخذوا اليهودي، فاعترف، فأمر به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فرضخ رأسه بين حجرين».
ولأنه معنى يجوز به قتل المشركين، فجاز استيفاء القصاص به، كالسيف، وللولي أن يقتص بالسيف؛ لأنه أوحى وأروح من التعذيب.

فرع من قتل بالسحر وغيره اقتص منه بالسيف

وإن قتله بالسحر.. قتله بالسيف؛ لأن السحر لا مثل له.
وإن قتله باللواط.. فهل يجب فيه القصاص؟ فيه وجهان، حكاهما أصحابنا الخراسانيون: أحدهما: لا يجب فيه القصاص؛ لأن المقصود به طلب اللذة، فكان عمده خطأ.

جارٍ التحميل