البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 127-166

كتاب الرهن

صفحات 127-166
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والقول الثاني: يلزمه أن يغرم؛ لأنه منع من بيعه لأرش الجناية بعقد الرهن، فصار كما لو قتل عبده، ثم أقر أنه كان جنى.. فإنه يلزمه الغرم للمجني عليه.. ولا فرق بين أن يعلم بالجناية عند عقد الرهن، أو لا يعلم؛ لأن حقوق الآدميين تضمن بالعمد والخطأ.
فإذا قلنا بهذا: فكم يلزمه أن يغرم؟ فيه طريقان: [الطريق الأول]: قال أبو إسحاق: فيه قولان: أحدهما: أقل الأمرين من قيمته، أو أرش الجناية.
والثاني: أرش الجناية بالغا ما بلغ، كالمسألة قبلها.
و [الطريق الثاني]: قال أكثر أصحابنا: يلزمه أقل الأمرين، قولا واحدا، وهو المنصوص؛ لأنه لا يمكن البيع هاهنا، فهو كأم الولد.
قال ابن الصباغ: ويمكن من قال بالطريق الأول أن يجيب عن هذا: بأن هذا منع من بيعه بالرهن بعد أن كان يمكن بيعه بالجناية، وأم الولد منع من بيعها قبل الجناية.
فإن نكل المرتهن عن اليمين.. فعلى من ترد اليمين؟ فيه وجهان: أحدهما ـ وهو المنصوص ـ: (أنها ترد على المجني عليه)؛ لأن الأرش له، فحلف لإثباته.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: ترد على الراهن؛ لأنه هو المالك للرهن، والخصومة بينه وبينه فيه.
فإذا قلنا: ترد اليمين على المجني عليه، فنكل.. فهل ترد على الراهن؟ فيه قولان.
وإن قلنا: ترد على الراهن، فنكل.. فهل ترد على المجني عليه؟ فيه قولان، بناء على القولين في المفلس إذا أقام شاهدا على حق له على غيره، ولم يلحف معه.. فهل يحلف الغرماء معه؟ فيه قولان.

فرع: عتق الجارية المرهونة

ولو أعتق الراهن الجارية المرهونة بعد الرهن والإقباض، أو أحبلها، وادعى أن المرتهن أذن له في ذلك، فأنكر، ولا بينة.. فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن.
فإن نكل عن اليمين.. ردت على الراهن، فإن نكل.. فهل ترد على الجارية؟ فيه طريقان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، بناء على القولين في غرماء المفلس.
و [الثاني]: منهم من قال: ترد عليها اليمين، قولا واحدا، وهو المنصوص؛ لأنها تثبت لنفسها حقا، وهو العتق والاستيلاد، بخلاف غرماء المفلس، فإنهم يثبتون الحق لغيرهم.
فإن حلف الراهن أو الجارية، فإذا قلنا: يحلفا.. ثبت العتق والاستيلاد، وبطل الرهن، قولا واحدا.
وإن لم يحلف واحد منهما.. فهو كما لو أعتقها، أو أحبلها بغير إذن المرتهن، وقد مضى.

مسألة: قضاه أحد الدينين أحدهما رهن

وإن كان لرجل على رجل مائتا درهم، مائة برهن، ومائة بغير رهن، فقضاه مائة، ثم اختلفا: فقال الراهن: قضيتكها عن المائة التي بها الرهن، وقال المرتهن: بل أقبضتنيها عن المائة التي لا رهن بها، فإن اختلفا في اللفظ، بأن قال الراهن: أنا قلت: هي عن المائة المرهون بها، وقال المرتهن: بل قلت: هي عن المائة التي لا رهن بها.. فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأنه أعلم بقوله.
وهكذا: إذا اتفقا أنه لم يتلفظ، وإنما اختلفا في نيته.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بما نوى.
وإن اتفقا أنه لم يتلفظ ولم ينو، ولكن قال الراهن: أريد أن أجعلها عن المائة التي بها الرهن، وقال المرتهن: بل تكون عن التي لا رهن بها، وكان هذا بعد القضاء.. ففيه وجهان:

[أحدهما]: قال أبو إسحاق: للراهن أن يجعلها عما شاء، كما إذا طلق إحدى نسائه بغير عينها.. فله أن يصرفه إلى أيتهن شاء.
و [الثاني]: قال أبو علي بن أبي هريرة: يصرف إليهما نصفين؛ لأنهما متساويان في الوجوب، فصرفت إليهما.

فرع: إبراء المرتهن الراهن عن بعض الرهن

فإن كانت المسألة بحالها، وأبرأه المرتهن عن مائة، ثم اختلفا: فقال الراهن: أبرأتني عن المائة التي بها الرهن، وقال المرتهن: بل أبرأتك عن المائة التي لا رهن بها، فإن اختلفا في لفظ المرتهن أو في نيته.. فالقول قوله مع يمينه؛ لما ذكرناه في التي قبلها.
وإن اتفقا على أنه لم يتلفظ ولم ينو.. فعلى الوجهين في الأولى: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: للمرتهن أن يصرفه إلى التي لا رهن بها.
و [الثاني]: قال أبو علي: ينصرف إليهما نصفين.

مسألة: هلاك الرهن بيد المرتهن

وإن كان الرهن على يد المرتهن، وادعى هلاكه من غير تفريط.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أمين، فكان القول قوله في الهلاك، كالمودع.
وإن ادعى رده، فأنكره الراهن فقد قال البغداديون من أصحابنا: لا يقبل قوله من غير بينة، بل القول قول الراهن.. مع يمينه؛ لأنه قبض العين لمنفعة نفسه، فلم يقبل قوله في الرد، كالمستأجر.
وحكى أبو علي السنجي: أن الخراسانيين من أصحابنا قالوا: يقبل قوله مع يمينه، كما يقبل قوله في الهلاك، كالمودع.

مسألة: أذنا في بيع الرهن عند المحل بدراهم أو دنانير

]: وإن جعلا الرهن على يد عدل، وأذنا له في بيعه عند المحل، ثم اختلفا فيما يباع به.
فقال أحدهما: بع بالدنانير، وقال الآخر: بع بالدراهم.. فإن الشيخ أبا حامد

وابن الصباغ قالا: لا يبيع بقول كل واحد منهما؛ لأن لكل واحد منهما حقا تعلق به، فلم يكن قبول قول أحدهما بأولى من الآخر، ولكن يرفع الأمر إلى الحاكم، وهو المنصوص في " المختصر "، فيأمره الحاكم بالبيع بنقد البلد، وسواء كان نقد البلد مما طلب أحدهما أو مما لم يطلبه أحدهما فإن كان الدين من نقد البلد.. صرف الثمن إليه، وإن كان من غير نقد البلد.. اشتري له بما بيع به الرهن جنس حقه.
وإن كان ما قال كل واحد منهما من نقد البلد، أو كان في البلد نقدان غير ما قالا، فإن كان أحدهما أغلب في الاستعمال من الآخر.. أمره الحاكم أن يبيع بالغالب.
وإن كانا متساويين، فإن كان البيع بأحدهما أحظ لهما.
باع بالأحظ لهما.
وإن كانا متساويين في الحظ، فإن كان أحدهما من جنس حق المرتهن.. باع به؛ لأن ذلك أسهل، وإن كان الدين من غيرهما.. باع بما هو أسهل صرفا إلى جنس الدين، وأقرب إليه.
فإن استويا في ذلك.. عين له الحاكم أحدهما، فباع به.
وذكر القاضي أبو الطيب في " المجرد ": أنه إذا قال الراهن: بعه بالدراهم، وقال المرتهن: بعه بالدنانير، وكانت الدراهم قدر حق المرتهن.. باعه بالدراهم؛ لأنه لا غرض للمرتهن في الدنانير.
ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": أنه يرفع إلى الحاكم، ولعله أراد ذلك بإطلاقه.
والله أعلم

باب التفليس

الفلس - في اللغة -: مأخوذ من الفلوس وهو أخس مال الرجل الذي يتبايع به، كأنه إذا أفلس.. منع من التصرف في ماله إلا من الشيء التافه.
وهو - في الشرع - اسم لمن عليه ديون لا يفي ماله بها.

مسألة: مطالبة المدين عند حلول الأجل

]: إذا كان على الرجل دين، فلا يخلو: إما أن يكون مؤجلا، أو حالا.
فإن كان مؤجلا.. لم تجز مطالبته به قبل حلول الأجل؛ لأن ذلك يسقط فائدة التأجيل، فإن أراد أن يسافر قبل محل الدين سفرا يزيد على الأجل..نظرت: فإن كان لغير الجهاد.. لم يكن للغريم منعه، ولا مطالبته بأن يقيم له كفيلا بدينه، ولا أن يعطيه رهنا.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ويقال له: حقك حيث وضعته)، يعني: أنك رضيت حال العقد أن يكون مالُكَ عليه بلا رهن ولا ضمين.
وحكى أصحابنا، عن مالك رحمة الله عليه: أنه قال: (له مطالبته بالكفيل، أو الرهن).

دليلنا: أنه ليس له مطالبته بالحق، فلم يكن له مطالبته بالكفيل أو الرهن، كما لو لم يرد السفر.
وإن كان السفر للجهاد.. ففيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: له منعه من السفر إلى أن يقيم له كفيلا أو يعطيه رهنا بدينه؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين).
ولم يفرق بين الحال والمؤجل، ولأن المجاهد يعرض نفسه للقتل طلبا للشهادة، فلم يكن بد من إقامة الكفيل؛ ليستوفي صاحب الدين دينه منه.
و [الثاني]: منهم من قال: لا يلزمه ذلك؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (وإذا أراد الذي عليه الدين إلى أجل السفر، وأراد غريمه منعه؛ لبعد سفره وقرب أجله.. لم يكن له منعه).
ولم يفرق بين سفر الجهاد وغيره، لأنه لم يحل الدين، فلم يملك المطالبة بذلك، كما لو كان السفر لغير الجهاد.

وإن كان الدين حالا، فإن كان معسرا.. لم يجز مطالبته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] [البقرة: 280]. ولا يجوز لغريمه ملازمته، وبه قال مالك رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: (ليس للغريم مطالبته، ولكن له ملازمته، فيسير معه حيث سار، ويجلس معه حيث جلس، إلا أنه لا يمنعه من الاكتساب، وإذا رجع إلى داره، فإن أذن لغريمه بالدخول معه.. دخل معه؛ وإن لم يأذن له بالدخول.. كان للغريم منعه من الدخول).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]. فأمر بإنظار المعسر، فمن قال: إنه يلازمه.. فقد خالف ظاهر الآية.
وروي: «أن رجلا ابتاع ثمرة، فأصيب بها، فكثر دينه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "تصدقوا عليه".
فتصدقوا عليه، فلم يف بما عليه.
فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لغرمائه: خذوا ما وجدتم، ما لكم غيره» وهذا نص.
ولأن كل من لا مطالبة له عليه.. لم تجز ملازمته، كما لو كان الدين مؤجلا.
وإن كان من عليه الدين يحسن صنعة.. لم يجبر على الاكتساب بها ليحصل ما يقضي به الدين، بل إن اكتسب، وحصل معه مال يفضل عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته.. قضى به الدين، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة أهل العلم.
وقال أحمد، وإسحاق: (يجبر على الاكتساب لقضاء الدين).
وبه قال عمر بن عبد العزيز - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وسوار القاضي.
دليلنا: الخبر في الرجل الذي ابتاع الثمرة، فأمر النبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غرماءه أن يأخذوا ما معه، وقال: «خذوا ما وجدتم، ما لكم غيره».
ولم يأمره بالاكتساب لهم، ولأن هذا إجبار على الاكتساب، فلم يجب ذلك، كما لا يجبر على قبول الهبة والوصية، وكذلك: لو تزوج امرأة بمهر كثير.. لم يجبر على طلاقها قبل الدخول ليرجع إليه نصفه.

فإن كان موسرا.. جازت مطالبته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] [البقرة: 280]. فأوجب إنظار المعسر، فدل على: أن الموسر لا يجب إنظاره، فإن لم يقضه.. أمره الحاكم بالقضاء، فإن لم يفعل، فإن كان له مال ظاهر.. باع الحاكم عليه ماله، وقضى الغريم، وإن قضى الحاكم الغريم شيئا من مال من عليه الدين.. جاز، وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد.

وقال أبو حنيفة: (لا يجوز للحاكم أن يبيع عليه ماله، ولكن يحبسه حتى يقضي الدين بنفسه).
دليلنا: ما روي: (أن أمير المؤمنين عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صعد المنبر، وقال: ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سابق الحاج - وروي: سبق الحاج - فادان معرضا، فأصبح وقد رين به، فمن كان له ذلك عليه دين.. فليحضر غدا، فإنا بائعوا ماله، وقاسموه بين غرمائه).
وروي: (فمن كان له عليه دين.. فليغد بالغداة، فلينقسم ماله بينهم بالحصص).
وهذا بمجمع من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ولم ينكر عليه أحد، فدل على: أنه إجماع.
وقوله: (فادان معرضا) أي: أنه يتعرض الناس، فيستدين ممن أمكنه، ويشترى به الإبل الجياد، ويروح في الحج، ويسبق الحاج.
وقوله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه: (فأصبح وقد رين به) يقال: رين بالرجل: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ولا قبل له به، ويقال لما عليك وعلاك: وقد ران بك، وران عليك، قال الله تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].

قال الحسن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب.

وإن امتنع من عليه الدين من القضاء، وكتم ماله.. عزره الحاكم، وحبسه إلى أن يظهر ماله.
والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لي الواجد يحل عقوبته وعرضه».
و (اللي): المطل، يقال: لواه غريمه بدينه يلويه ليا وليانا.
قال الشاعر: تطيلين لياني وأنت ملية... وأحسن يا ذات الوشاح التقضايا وقوله: (الواجد) يعني: الغني.
وهذا كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مطل الغني ظلم» وقوله: (يحل عرضه) لم يرد به: أنه يقذفه، ويطعن في نسبه، وإنما يقول: يا ظالم، يا متعد.
وقوله: (عقوبته) يعني: حبسه وتعزيره، وهو كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لصاحب الحق اليد واللسان».
وأراد باليد: الملازمة، وباللسان: أن يقول: يا ظالم، يا مطال.

وروي: «أن رجلا كان له على رجل دين، فترافعا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمره بملازمته، ثم إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر به، فقال: أحسن إلى أسيرك» فسماه: أسيرا.
وروي: «أن كعب بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان له على رجل دين، فلازمه في مسجد بني حدرد، قال: فارتفعت أصواتنا، فسمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصواتنا، فقال لي: يا كعب، أحسن إلى أسيرك، خذ الشطر، ودع الشطر» فأقره على ملازمته، وهذا محمول على أن من عليه الدين كان له مال، فكتمه، وأما إذا لم يكن لمن عليه الدين مال ظاهر، وقال: أنا معسر، وكذبه الغريم.. نظرت: فإن حصل عليه الدين بمعاوضة، مثل بيع، أو سلم، أو قرض، أو ثبت عليه الدين عن جناية، أو مهر، لكن قد عرف له قبل ذلك مال.. لم تقبل دعواه أنه معسر؛ لأنه قد ثبت ملكه للمال، والأصل بقاؤه، فلا يقبل قوله في الإعسار، بل يحبسه الحاكم.
فإن قال: غريمي يعلم أني معسر، أو أن مالي هلك، فإن صدقه الغريم على ذلك.. خلي من الحبس، وإن كذبه.. حلف الغريم: أنه ما يعلم أنه معسر، أو أنه ما يعلم أن ماله هلك، وحبس من عليه الدين، فإن أراد أن يقيم البينة على تلف ماله.. قبلت شهادة عدلين، سواء كانا من أهل الخبرة بباطنه أو لم يكونا؛

لأن كل أحد يدرك التلف، فإن طلب الغريم يمينه مع ذلك.. لم يحلف؛ لأن في ذلك تكذيبا للشهود.
وإن أراد أن يقيم البينة على الإعسار.. لم يقبل إذا لم يكونا من أهل الخبرة الباطنة بحاله؛ لأن ملكه على المال قد ثبت، فلا يقبل على الإعسار شهادة من لم يكن من أهل الخبرة الباطنة بحاله، وإن كانت البينة من أهل الخبرة الباطنة بأمره.. سمعت.
وقال مالك رحمة الله عليه: (لا تسمع؛ لأنها شهادة على النفي، فلم تقبل).
دليلنا: ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لقبيصة بن المخارق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "لا تحل المسألة إلا لثلاثة: رجل تحمل بحمالة، فحلت له المسألة حتى يؤديها، ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة وحاجة حتى شهد أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن به حاجة، فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما».
وما ذكروه من أنها شهادة على النفي، غير صحيح؛ لأنها وإن كانت تتضمن النفي، فهي تثبت حالا يظهر، ويقف عليها الشاهد، كما لو شهد أن لا وارث له غير هذا.

إذا ثبت هذا: فإن البينة تسمع في الحال، ويخلى.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا تسمع في الحال، ويحبس من عليه الدين شهرين) في رواية (الأصول).
وقال الطحاوي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يحبس شهرا، وروي: ثلاثة أشهر، وروي: أربعة أشهر، حتى يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال لأظهره.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن كل بينة جاز سماعها بعد مدة.. جاز سماعها في الحال، كسائر البينات، وكم

عدد البينة التي يقبل سماعها في الإعسار؟ قال البغداديون من أصحابنا: تقبل فيه شهادة ذكرين عدلين، كشهادة التلف.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 275]: لا يقبل أقل من ثلاثة رجال، ويحلف معهم.
ولعله يحتج بخبر قبيصة بن المخارق في عددهم.
فإن أقام البينة على الإعسار، فقال الغريم: له مال باطن لا تعلم به البينة، فطلب يمينه على ذلك.. ففيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه أن يحلف، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن فيه تكذيبا للشهود.
والثاني: يجب عليه أن يحلف، فإن لم يحلف.. حبس، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره؛ لأنه يجوز أن يكون له مال باطن خفي على البينة، وقد يكون للأب مال لا يعلم به ابنه، وقد يكون لأحد الزوجين مال لا يعلم به الآخر.
وإن ثبت عليه الدين في غير معاوضة، مثل: أن جنى على غيره، أو أتلف عليه مالا، ولم يعلم له قبل ذلك مال، وادعى أنه معسر.. فالقول قوله مع يمينه أنه معسر؛ لأن الأصل الفقر حتى يعلم اليسار.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لابني خالد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: لا تيأسا من رزق الله ما اهتزت رؤوسكما، فإن ابن آدم خلق أحمر ليس عليه قشر إلا قشرتاه، ثم يرزقه الله عز وجل»

فإذا حلف، ثم ظهر له غريم آخر.. قال الصيمري: لم يحلف له ثانيا؛ لأنه قد ثبت إعساره باليمين الأولى.
وإن كان في يده مال، فقال: هو لزيد وديعة، أو مضاربة، فإن كان المقر له غائبا.. حلف من عليه الدين، وسقطت عنه المطالبة؛ لأن الأصل العسرة، وما ذكره ممكن.
وإن كان المقر له حاضرا.. رجع إليه، فإن كذبه.. قسم المال بين الغرماء، وإن صدقه.. حكم به للمقر له، فإن طلب الغريم يمين المقر له أنه صادق في إقراره.. فهل يجب إحلافه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب إحلافه؛ لأنه لو رجع عن إقراره.. لم يقبل، فلا معنى لإحلافه.
والثاني: أنه يجب إحلافه، فإن لم يحلف.. حبس؛ لجواز أن يكون قد واطأ المقر له على ذلك.
فإن طلب الغريم يمين المقر له أن المال له.
قال ابن الصباغ: فعندي: أنه يحلف؛ لأنه لو أكذب المقر.
ثبت المال للغرماء، فإذا صدقه.. حلف.
إذا ثبت هذا: فكل موضع حكمنا بإعساره بالبينة أو بيمينه.. فإنه لا يحبس، وكل موضع لم نحكم بإعساره.. وجب حبسه، ولا غاية للحبس عندنا، بل يحبس حتى يكشف عنه ثلاثا أو أربعا، فمتى ثبت إعساره.. خلي، ولا تغفل المسألة عنه.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية (الأصول): (يحبس أربعة أشهر).
وقال في موضع: (ثلاثة أشهر).
وقال في موضع: (أربعين يوما).
وقال في موضع: (يحبس شهرا).
قال أصحابه: ليس هذا على سبيل التحديد، وإنما هو على قدر حال المفلس، فإن كان ممن لا يعلم بحاله إلا بحبس أربعة أشهر.. حبس قدر ذلك، وكذلك إذا كان لا يعلم بحاله إلا بحبس ثلاثة أشهر.. حبس قدر ذلك.
دليلنا: أنه لا سبيل إلى العلم بحاله من طريق القطع، وإنما يعلم بحاله من طريق الظاهر، وذلك يعلم بحبس ثلاثة أيام أو أربعة وما أشبه ذلك.

وإذا حبسه الغريم.
فليس له منعه في الحبس من النوم والأكل، وفي نفقته في الحبس وجهان، حكاهما الصيمري في " الإيضاح ": [أحدهما]- وهو المذهب -: أنها في مال نفسه.
والثاني: أنها على الغريم، فإن كان المحبوس ذا صنعة.. فقد قال الصيمري: قد قيل: يمكن منها؛ لأنه يقضي بما يحصل منها دينه.
وقيل: يمنع منها إذا علم أن ذلك يراخي أمره، ولا معصية عليه بترك الجمعة والجماعة إن كان معسرا.
قال الصيمري: وقيل: يلزمه استئذان الغريم عند ذلك حتى يمنعه، فيسقط عنه الحضور.

فرع: حاجة السجين إلى من يخدمه

فإن مرض في الحبس، ولم يجد من يخدمه في الحبس.. أخرج.
وإن وجد من يخدمه في الحبس.. فهل يجب إخراجه؟ فيه وجهان، حكاهما الصيدلاني.
وإن جن في الحبس.. أخرج.
وإذا حبس بقول جماعة من الغرماء.. لم يكن لواحد منهم أن يخرجه حتى يجتمعوا على إخراجه.
وإن حبس بطلب غريم، ثم حضر غريم آخر، فطلب أن يخرج ليدعي عليه.. أحضر، فإذا ثبت له عليه حق، وطلب أن يحبس له.. حبس، ولا يجوز إخراجه إلا باجتماعهما.
وإن ثبت إعساره.. أخرجه الحاكم من غير إذن الغريم.
قال الصيدلاني: وإذا لم يكن للمفلس مال.. فهل له أن يحلف: أنه لا حق عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: له أن يحلف، وينوي أن ليس عليه اليوم حق يلزمه الخروج إليه منه.
والثاني: ليس له أن يحلف؛ لأن الحاكم إذا كان عادلا.. لا يحبسه إلا بعد الكشف عن حاله.

مسألة: ثبوت الديون مجلبة للحجر

]: وإذا ثبتت الديون على رجل إما بالبينة، أو باعترافه، أو بأيمان المدعين عند نكوله، وسأل الغرماء الحاكم أن يحجر عليه.. نظر الحاكم في ماله: فإن كان يفي بما عليه من الدين.. لم يحجر عليه، بل يأمره بقضاء الدين، فإن امتنع.. باع عليه الحاكم ماله، وقضى أصحاب الديون، خلافا لأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقد مضت هذه المسألة، وهل تقوم الأعيان التي عليه أثمانها؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: لا يقومها؛ لأن لأربابها الرجوع فيها، فلا تحتسب أثمانها عليه، فلم يقومها عليه مع ماله.
والثاني: يقومها؛ لأن أصحابها بالخيار: بين أن يرجعوا فيها، وبين أن لا يرجعوا فيها، ويطالبوه بالثمن.
وإن قوم ماله، فوجدوه لا يفي بديونه.. لم يحجر الحاكم عليه قبل سؤال الغرماء ذلك؛ لأنه لا ولاية له عليه في ذلك.
وإن سأل الغرماء أو بعضهم الحاكم الحجر عليه بعد ذلك.. حجر عليه، وباع عليه ماله، وبه قال مالك رحمة الله عليه، ومحمد، وأبو يوسف رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يحجر عليه، ولا يبيع عليه ماله، بل يحبسه حتى يقضي ما عليه).
دليلنا: ما وري: «أن معاذ بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ركبه الدين على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكلم غرماؤه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فحجر عليه، وباع عليه ماله حتى قام معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بغير شيء).
وفي رواية: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلع ماله لهم» يعني: لغرمائه، وهذا يحتمل تأويلين: أحدهما: أن ماله لم يف بالدين، فحجر عليه، فيكون معنى قوله: (خلع) أي: حجر عليه.
والثاني: أن معنى قوله: (خلع ماله لهم) أي: باع ماله لهم.
وروى أبو سعيد الخدري: «أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "تصدقوا عليه".
فلم يف بما عليه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خذوا ماله، ليس لكم إلا ذلك» ولم يرد بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " خذوا ماله " أي: انتهبوا ماله، وإنما أراد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خذوه بالحصص.
وأبو حنيفة يقول: (ليس لهم أن يأخذوه إلا أن يعطيهم إياه).
وهذا يخالف الخبر.
وإن كان له مال يفي بدينه، إلا أن أمارات الفلس ظهرت به، بأن كان ماله بإزاء دينه، ولا وجه لنفقته إلا مما بيده، أو كان له وجه كسب إلا أن قدر النفقة أكثر مما يحصل له بالكسب.. فهل للحاكم أن يحجر عليه إذا سأله الغرماء ذلك؟ حكى الشيخ أبو إسحاق في ذلك قولين، وحكاهما الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ وجهين: أحدهما: لا يجوز الحجر عليه، بل يأمره الحاكم بقضاء الدين على ما بيناه؛ لأن الحجر إنما يكون على المفلس، وهذا ليس بمفلس.

والثاني: يحجر عليه؛ لأن الظاهر من حاله أن ماله يعجز عن ديونه، والحجر يجوز بالظاهر، ألا ترى أن السفيه يجوز الحجر عليه؛ لأن الظاهر منه التبذير وإن كان يجوز ألا يبذر؟

مسألة: الإشهاد على الحجر

وإذا حجر الحاكم عليه.. فالمستحب: أن يشهد على الحجر، ويأمر مناديا فينادي في البلد: ألا إن الحاكم قد حجر على فلان بن فلان؛ لأنه إذا لم يفعل ذلك.. اغتر الناس به، فيعاملونه، فيؤدي إلى الإضرار بهم، فإذا عاملوه بعد علمهم بالحجر.. فقد دخلوا على بصيرة، ولأن هذا الحاكم ربما مات أو عزل، فولي غيره، فإذا أشهد الأول على الحجر.. أمضاه الثاني، ولا يحتاج إلى ابتداء حجر عليه.

فرع: الحجر للإفلاس يعلق الديون بماله

وإذا حجر الحاكم على المفلس.. تعلقت ديون الغرماء بماله، ومنع من التصرف بماله.
وقال أبو حنيفة: (لا تتعلق الديون بماله، ولا يمنع من التصرف بماله، بل يحبسه الحاكم حتى يقضي ما عليه من الدين).
دليلنا: ما روي: «أن معاذ بن جبل ركبته الديون على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غرماؤه، فلم يزد على أن خلع ماله لهم» وأقل ما يقتضي الخلع: أنه منعه من التصرف بماله.
وروى أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن رجلا أصيب بثمار ابتاعها، فلم يف ماله بدينه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خذوا ماله، ليس لكم إلا ذلك» وفي إذنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لهم بأخذ ماله.. منع من التصرف فيه.
وإذا تصرف المفلس بعد الحجر.. نظرت: فإن تصرف في ذمته، بأن اقترض، أو اشترى شيئا بثمن في ذمته، أو أسلم إليه في

شيء.. صح ذلك؛ لأن الحجر عليه في أعيان ماله، فأما ذمته.. فلا حجر عليه بها لأنه لا ضرر على الغرماء فيما يثبت عليه بذمته.. ومن باعه شيئا أو أقرضه بعد الحجر.. لم يشارك الغرماء بماله؛ لأنه إن علم بالحجر.. فقد دخل على بصيرة.
وإن لم يعلم به.. فقد فرط في ترك السؤال عنه، وهل تقسم الأعيان التي اشتراها بثمن في ذمته بعد الحجر بين الغرماء الأولين، أو يكون بائعوها أحق بها؟ فيه وجهان، يأتي ذكرهما في موضعهما.
وإن تصرف المفلس بشيء من أعيان ماله بأن باع، أو وهب، أو أقرض، أو أعتق.. فهل يصح تصرفه بها؟ فيه قولان: أحدهما: أن تصرفه موقوف، فإن كان فيما بقي من ماله وفاء بدينه.. نفذ تصرفه، وإن لم يكن فيه وفاء بدينه.. لم ينفذ تصرفه، وهو أضعف القولين؛ لأن من صح ابتياعه في ذمته.. صح بيعه لأعيان ماله، كغير المفلس؛ ولأنه حجر عليه لحق الغير، فكان تصرفه صحيحا موقوفا، كالحجر على المريض، وفيه احتراز من تصرف المحجور عليه للسفه.
والقول الثاني: أن تصرفه باطل، وهو قول ابن أبي ليلي، والثوري، ومالك رحمة الله عليهم، واختيار المزني، وهو الصحيح؛ لأنه حجر ثبت بالحاكم، فلم يصح تصرفه فيه، كالسفيه، ولأن كل ما تعلق بماله حق الغير.. وجب أن يكون ممنوعا من التصرف فيه، كالرهن لا يصح تصرف الراهن به.
فإذا قلنا: إن تصرفه باطل في أعيان ماله.. رد جميع ما باع أو وهب أو أعتق، وقسم ماله بين الغرماء، فإن وفي ماله بدينه، بأن زادت قيمته، أو أبرئ من بعض دينه، وفضل ما كان تصرف فيه عن الدين.. لم يحكم بصحة تصرفه الأول؛ لأنه وقع باطلا.
فعلى هذا القول: إن باع عينا من أعيان ماله من غريمه بدينه الذي له عليه.. فهل يصح؟ فيه وجهان، حكاهما في " العدة ":

[أحدهما]: قال صاحب " التلخيص ": يصح؛ لأن الحجر عليه للدين، فبيعه بذلك الدين يوجب سقوطه.
والثاني: لا يصح، وهو قول الشيخ أبي زيد؛ لأن الحجر على المفلس ليس مقصورا على هذا الغريم؛ لأنه ربما ظهر له غريم آخر.
وإن قلنا: إن تصرفه صحيح موقوف.. قسم ماله بين غرمائه، فإن وفى ماله بدينه غير الذي تصرف فيه.. نفذ تصرفه.
وإن لم يف ماله إلا بنقض جميع ما تصرف فيه.. نقض جميع ما تصرف فيه.
وإن لم يف ماله بدينه، إلا ببعض الأعيان التي تصرف فيها.. نقض منها شيء بعد شيء.
وما الذي ينقض أولا؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال الشيخ أبو حامد، وعامة أصحابنا: ينقض الأضعف، فالأضعف وإن كان متقدما في التصرف.
فعلي هذا: تنقض الهبة أولا؛ لأنها أضعف؛ لأنه لا عوض فيها، ثم البيع بعدها؛ لأنه يلحقه الفسخ.
قال ابن الصباغ: ثم العتق، ثم الوقف.
والذي يقتضي القياس عندي على هذا: أن الوقف ينقض أولا قبل العتق؛ لأن العتق من الوقف، بدليل: أنه يسري إلى ملك الغير، والوقف لا يسري إلى ملك الغير.
والوجه الثاني: وهو قول صاحب " المهذب ": أنه ينقض من تصرفه الآخر، فالآخر، عتقا كان أو غيره، كما قلنا في تبرعات المريض المنجزة إذا عجز عنها الثلث.. فإنه ينقض الآخر فالآخر.

مسألة: إفلاس أحد المتبايعين بالخيار

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولو تبايعا بالخيار ثلاثا، ففلسا أو أحدهما.. فلكل واحد منهما إجازة البيع، ورده دون الغرماء؛ لأنه ليس بمستحدث).
وهذا كما

قال: إذا تبايع رجلان، وبينهما خيار الثلاث، أو خيار المجلس، ثم حجر عليهما، أو على أحدهما بالإفلاس قبل انقضاء الخيار.
ومعنى قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ففلسا) أي: حجر عليهما، وحكم عليهما بالإفلاس.
وقد اختلف أصحابنا في هذه المسألة على طرق: فمنهم من حملها على ظاهرها، وقال: لكل واحد منهما أن يفسخ البيع، وله أن يجيز، سواء كان الحظ فيما فعله من ذلك، أو في غيره؛ لأن الحجر إنما يمنع تصرفه في المستقبل لا فيما مضى، ولأن المفلس لا يجبر على الاكتساب، فلو قلنا: يلزمه أن يفعل ما فيه الحظ.. لألزمناه الاكتساب.
وقال أبو إسحاق: إن كان الحظ في الفسخ.. لزمه أن يفسخ، وإن أجاز.. لم تصح إجازته، وإن كان الحظ في الإجازة.. لزمه أن يجيز، وإن فسخ.. لم يصح الفسخ؛ لأن الحجر يقتضي طلب الحظ، فلم يفعل إلا ما فيه الحظ، كما لو باع بشرط الخيار، ثم جن، فإن الولي لا يفعل إلا ما فيه الحظ.
وتأول كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على هذا.
ومنهم من قال: يبنى ذلك على وقت انتقال الملك إلى المشتري، وتصورها في البائع إذا باع بشرط الخيار، وأفلس البائع، فإن قلنا: إن الملك انتقل إلى المشتري بنفس العقد.. فللبائع أن يجيز البيع وإن كان الحظ في الفسخ، وله أن يفسخ وإن كان الحظ في الإجازة.
وإن قلنا: إن البيع لا ينتقل إلا بشرطين، أو قلنا: إنه موقوف.. فليس له أن يفعل إلا ما فيه الحظ على القولين.
قال ابن الصباغ: والطريقة الأولى أسد عند أصحابنا؛ لأن التصرف من المحجور عليه لا تنفذ، سواء كان فيه الحظ، أو لم يكن.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " طريقة رابعة، وقال: الصحيح عندي: أنه لا يملك فسخ العقد، ولا إجازته بعد الحجر عليه بكل حال؛ لأن عندنا ينقطع تصرفه بالحجر عليه، بدلالة أنه إذا باع شيئا، ثم حجر عليه قبل قبض الثمن.. لم يكن له

قبضه، اللهم إلا أن يكون الإمام أمر من يقوم بأمره، وينظر في مصالحه، فرأى الحظ له في الفسخ، فإنه يفعل.

مسألة: هبة المحجور عليه بثواب

وإن وهب لغيره قبل الحجر هبة تقتضي الثواب، ثم حجر على الواهب، وقلنا: إن الثواب مقدر بما يرضى به الواهب.. فله أن يرضى بالقليل والكثير؛ لأنا لو ألزمناه طلب الفضل.. لألزمناه الاكتساب، وذلك لا يلزمه.

مسألة: تعلق الدين المقر به في ذمة المحجور عليه

وإذا أقر المحجور عليه بدين لزمه قبل الحجر، وصادقه المقر له، وكذبه الغرماء.. تعلق الدين بذمته، قولا واحدا، وهل يقبل إقراراه في حق الغرماء ليشاركهم المقر له؟ فيه قولان: أحدهما: أنه لا يقبل في حقهم، ولا يشاركهم؛ لأنه مال تعلق به حق الغير، فلم يقبل إقرار من عليه الحق في ذلك المال، كالراهن إذا أقر بدين لم يبطل به حق المرتهن، ولأنه لا يؤمن أن يواطئ المفلس من يقر له بالدين ليشارك الغرماء، ثم يسلمه إلى المفلس.
والقول الثاني: أن إقراره مقبول في حق الغرماء، فيشاركهم المقر له، وهو الصحيح؛ لأنه حق يثبت بسبب منسوب إلى ما قبل الحجر، فوجب أن يشارك صاحب الحق بحقه الغرماء، كما لو ثبت حقه بالبينة، ولأن المريض لو أقر لرجل بدين لزمه في حال الصحة.
لشارك من أقر له في حال المرض، فكذلك هذا المفلس لو أقر بدين قبل الحجر ليشارك الغرماء.
وكذلك: إذا أقر بدين بعد الحجر، وإضافة إلى ما قبل الحجر، يكون كما لو أقر به قبل الحجر.
وإن كان في يد المفلس عين، وقال: هذه العين عارية عندي لفلان، أو غصبتها منه، أو أودعنيها.. فهل يقبل إقراراه في حق الغرماء؟ على القولين:

أحدهما: لا يقبل، فإن لم يف مال المفلس بدينه إلا ببيع تلك العين.. بيعت، وفرق ثمنها على الغرماء، وكان دينا على المفلس.
والقول الثاني - وهو الصحيح -: أنه يقبل إقراره فيها على الغرماء، وتسلم العين إلى المقر له.
قال الشيخ أبو حامد: وقد شنع الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على القول الأول، وقال: (من قال بهذا، أدى إلى أن القصار إذا أفلس، وعنده ثياب لقوم، فأقر أن هذا الثوب لفلان، وهذا لفلان.. فلا يقبل منه، وكذلك الصباغ والصائغ إذا أفلس، فأقر بمتاع لأقوام بأعيانهم.. أن لا يقبل، وهذا لا سبيل إليه، وكذلك لو قال: عندي عبد آبق، ولم يقبل قوله، فبيع العبد.. رجع بعهدته على المفلس، فيكون قد رجع عليه بعهدة عبد أقر أنه آبق، وباعه بهذا الشرط، وهذا لا سبيل إليه؛ لأنه إبطال لأصول الشرع، فلذلك قلنا: يقبل إقراره).

فرع: جحود المفلس دينا في ذمته

وإن ادعى رجل على المفلس بدين في ذمته، أو عين في يده، فجحده، فإن أقام المدعي بينة.. شارك الغرماء بالدين، وأخذ العين، وإن لم يقم البينة.. فالقول قول المفلس مع يمينه، فإن حلف له.. انصرف المدعي، وإن نكل المفلس عن اليمين، فحلف المدعي.. فهل يشارك الغرماء في الدين، ويأخذ العين؟ فيه طريقان: [أحدهما]: قال الشيخان: أبو حامد، وأبو إسحاق: إن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة.. شارك الغرماء بالدين، وأخذ العين.
وإن قلنا: إنه كالإقرار.. كان على القولين الأولين في إقرار المفلس.
[الثاني]: قال ابن الصباغ: يشارك الغرماء، قولا واحدا، كما لو ثبت ذلك بالبينة.

مسألة: جناية المحجور عليه

وإن جنى المحجور عليه على غيره، أو أتلف عليه مالا.. شارك المجني عليه والمتلف عليه الغرماء؛ لأن ذلك ثبت بغير رضا من له الحق.
وإن كان له عبد، فجنى على غيره.. قدم حق المجني عليه في رقبة العبد على سائر الغرماء؛ لأن حقه يختص بعين هذا العبد، فقدم على غيره، كما قلنا في الرهن.
وإن جني على المفلس جناية خطأ.. تعلق حق الغرماء بالأرش؛ لأن الأرش مال له، فتعلق به حق الغرماء، كسائر أمواله.
وإن جني عليه جناية عمد توجب القصاص.. فالمفلس بالخيار: بين أن يقتص، وبين أن يعفو، وليس للغرماء أن يطالبوه بالعفو على مال؛ لأن ذلك اكتساب للمال، وذلك لا يلزمه، ولأنا لو ألزمناه ذلك.. لصار ذلك ذريعة إلى الجناية عليه ثانيا وثالثا، فلم يلزمه.
فإن عفا على مال.. تعلق به حق الغرماء، وإن عفا مطلقا فإن قلنا إن موجب العمد القود لا غير.. لم يجب المال، وإن قلنا: إن موجبه أحد الأمرين.. ثبت المال، وتعلق به حق الغرماء، وإن عفا على غير مال، فإن قلنا: إن موجب العمد القود لا غير.. صح عفوه ولم يجب المال، وإن قلنا: إن موجبه أحد الأمرين.. فذكر في " التعليق " و " الشامل ": أن المال يثبت، وتتعلق به حقوق الغرماء، ولا يصح عفوه عنه.

مسألة: ادعاء المفلس دينا

وإن ادعى المفلس على غيره بدين، أو عين، وأنكره المدعى عليه، فأقام المفلس شاهدا، فإن حلف معه.. استحق ما ادعاه، وقسم على الغرماء لأنه ملك له وإن لم يحلف فهل يحلف الغرماء.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " المختصر ": (لا يحلف الغرماء).
وقال: (إذا مات، وخلف ورثة وعليه دين، وله دين على آخر له به شاهد، ولم يحلف الورثة.. هل يحلف الغرماء؟ على قولين).
فمن أصحابنا من قال: المسألتان على قولين.

ومنهم من قال: لا يحلف غرماء المفلس، قولا واحدا، وفي غرماء الميت قولان، والفرق بينهما: أن المفلس يرجى أن يحلف، فلم يحلف غرماؤه، والميت لا يرجى أن يحلف، فحلف غرماؤه.
والصحيح: أنهما على قولين: أحدهما: يحلفون؛ لأن حقوقهم تتعلق بما يثبت للمفلس، فكان لهم أن يحلفوا، كالورثة، ولأن الإنسان قد يحلف لإثبات المال لغيره، كما تقول في الوكيل إذا خالفه العاقد له.. فإن الوكيل يحلف، ويثبت المال للموكل، كذلك هذا مثله.
والثاني: لا يحلفون، وهو الصحيح؛ لأنهم يثبتون بأيمانه ملكا لغيرهم، لتتعلق به حقوقهم بعد ثبوته، وهذا لا يجوز، كما لا تحلف الزوجة لإثبات مال لزوجها وإن كان إذا ثبت تعلقت به نفقتها، ولا يشبه الورثة؛ لأنهم يثبتون الملك لأنفسهم بأيمانهم، وأما الوكيل: فإنما حلف؛ لأن اليمين متعلقة بالعقد، فلما كان هو العاقد توجهت اليمين عليه.
فإن ادعى المفلس على غيره بدين أو عين، ولا بينة له.. فالقول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف.. فلا كلام، وإن نكل المدعى عليه عن اليمين.. ردت على المفلس، فإن حلف.. ثبت له المال، وقسم على الغرماء، وإن لم يحلف المفلس.. فهل يحلف غرماؤه؟ قال ابن الصباغ: هي على قولين، كاليمين مع الشاهد، وإذا حلفوا.. فإن المال الثابت بأيمانهم يقسم بينهم على قدر ديونهم.

فرع: الديون المؤجلة لا توجب الحجر

وإن كان على رجل ديون مؤجلة.. فليس لغرمائه أن يسألوا الحاكم أن يحجر عليه؛ لأجل ديونهم وإن كان ماله أقل من ديونهم؛ لأنهم لا حق لهم قبل محل الأجل.
وإن كان عليه ديون حاله وديون مؤجله، فرفع أصحاب الديون الحالة أمره إلى الحاكم، فنظر إلى ما عليه من الديون الحالة وإلى ما معه من المال، فوجد ماله لا يفي بالديون الحالة، فحجر عليه لمسألتهم.. فهل تحل عليه الديون المؤجلة؟ فيه قولان:

أحدهما: تحل، وبه قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأن الديون تتعلق بالمال بالحجر، فأسقط الحجر الأجل، كالموت.
والثاني: لا تحل، وهو اختيار المزني، وهو الأصح؛ لأنه دين مؤجل على حي، فلم يحل قبل أجله، كما لو لم يحجر عليه، ويفارق الميت؛ لأن ذمته خربت، وهذا له ذمة صحيحة.

مسألة: نفقة المحجور عليه

وإذا حجر الحاكم على المفلس، ومنعه من التصرف في ماله.. فمن أين تكون نفقته إلى أن يبيع ماله ويقسمه على الغرماء؟ ينظر فيه: فإن كان له كسب.. كانت نفقته في كسبه.
وإن لم يكن له كسب.. فإن على الحاكم أن يدفع إليه نفقته من ماله؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للرجل الذي جاءه بالدينار: أبدأ بنفسك، ثم بمن تعول» فأمره أن يبدأ بنفسه على من يعول، ومعلوم أن فيمن يعول من تجب نفقته، وتكون دينا عليه، وهي الزوجة، فعلم أن نفقته مقدمة على الدين، ويكون طعامه على ما جرت به عادته، ويدفع إليه نفقة يوم بيوم، وآخرها اليوم الذي يقسم فيه الحاكم ماله، فيدفع إليه نفقة ذلك اليوم؛ لأن النفقة تجب في أوله، ويترك له ما يحتاج إليه من الكسوة؛ لأنه لا بد له أن يتصرف، فلو قلنا: إنه لا يكتسب.. لامتنع الناس من معاملته، ويترك له من الكسوة ما يكفيه على ما جرت به عادته.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يكفيه قميص وسراويل، ورداء إن كان ممن يتردى، وحذاء لرجله، هذا إذا كان في الصيف، وإن كان في الشتاء.. زيد على القميص جبة محشوة، وخف بدل النعل.
وإن كان ممن عادته أن يتطيلس.. دفع إليه الطيلسان، وأما جنس ثيابه: فمعتبر بحاله، فإن كان ممن عادته لبس السرب والدبيقي.. ترك له ذلك.
وإن كانت عادته أن يلبس من غليظ القطن أو الكتان.. لم يزد على ذلك، وإن كان ممن يلبس المتوسط من الثياب.. ترك له ذلك).
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإذا كان له ثياب غوال.. بيعت).
قال أصحابنا: أراد: إذا كان من عوام الناس، وله ثياب غالية جرت العادة أن يلبسها ذوو الأقدار، ونبل التجار.. بيعت، ويشترى له ثياب جرت العادة أن يلبسها مثله في العادة، ويصرف الباقي من ثمنها إلى الغرماء.

فرع: يترك للمحجور عليه نفقة عياله

وإن كان للمفلس من تلزمه نفقته، كالزوجة والوالدين والمولودين.. ترك لهم ما يحتاجون إليه من نفقة وكسوة، كما قلنا في المفلس؛ لأنهم يجرون مجرى نفسه؛ لأن الأقارب يعتقون عليه إذا ملكهم، كما يعتق نفسه إذا ملكها، ونفقة الزوجة آكد من نفقة الأقارب؛ لأنها تجب بحكم المعاوضة.

فرع: مؤنة تجهيز المحجور عليه

]: وإن مات المفلس.. كانت مؤنة تجهيزة وكفنه من ماله؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدمت إليه جنازة ليصلي عليها، فقال: (هل على صاحبكم من دين؟ "، فقالوا: نعم.
فقال: صلوا على صاحبكم» ولا محالة أنه كان قد كفن، فعلم أن الكفن مقدم على حقوق الغرماء؛ لأنه لم يتعرض له.
وإن مات له من تلزمه نفقته، فإن كانت له زوجة.. فهل يجب كفنها ومؤنة تجهيزها عليه، أو في مالها؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في (الجنائز).
وإن كان من الوالدين أو المولودين.. وجب مؤنة تجهيزه وكفنه على المفلس، ويقدم ذلك على الغرماء، كما قلنا في المفلس نفسه.
وكم القدر الذي يجب في الكفن في حق المفلس وقرابته؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها الشيخ أبو حامد: أحدها: ثوب واحد.
والثاني: ما جرت به العادة في الكفن، من ثوب أو ثوبين أو ثلاثة.
و [الثالث]: قال أبو إسحاق: ما يستر العورة لا غير.

فرع: يباع دار وخادم المحجور عليه

وإن كان للمفلس دار يسكنها، أو خادم يخدمه.. بيعا عليه، وصرف ثمنهما إلى غرمائه؛ لأنه يمكنه أن يكتري دارا يسكنها، وخادما يخدمه، وقد جرت العادة أن الناس يكترون الدور والخدم، بخلاف الثياب، فإن العادة لم تجر باكترائها، ولأن أكثر ما فيه إذا بيع داره أو خادمه، أنه بيع من ماله ما هو من تمام كفايته، وهذا لا يمتنع، ألا ترى أنه لو كان له عقار يأتيه منها كفايته.. فإنها تباع بالدين وإن كانت من تمام كفايته؟

مسألة: حضور الخصمين عند إرادة الحاكم بيع مال المفلس

وإذا أراد الحاكم بيع مال المفلس أو الرهن.. فالمستحب: أن يحضر المفلس والراهن؛ لأنه أعرف بقيمة أمواله وأثمانها التي اشتراها بها، ولأنه إذا حضر.. احتاط أكثر مما يحتاط غيره، ويستحب أن يحضر الغرماء؛ لأنه ربما كان فيهم من يبتاع شيئا من مال المفلس، فيكثر المبتاعون، فيكون أوفر للثمن، ولأنه ربما وقع غبن في بيع شيء يسهو الحاكم عنه، فاستدركه.
فإن باع الحاكم ماله بغير حضور المفلس والغرماء.. صح البيع؛ لأن المفلس لا تصرف له، والغرماء لا ملك لهم.

فرع: يطلب الدلال لعرض السلع

وإذا أراد الحاكم بيع مال المفلس.. فلا بد من دلال، وهو: من ينادي على المتاع فيمن يزيد.
ويستحب أن يقول الحاكم للمفلس والغرماء: ارتضوا برجل ينادي على بيع المتاع؛ لأنهم أعرف بمن يصلح لذلك الأمر، ولأن في ذلك تطييبا لأنفسهم.
فإن لم يستأذنهم الحاكم في ذلك، ونصب مناديا من قبله.. جاز؛ لأن المفلس قد انقطع تصرفه، والغرماء لا ملك لهم.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يقبل إلا ثقة).
وفي بعض نسخ المزني: (ولا يقبل إلا من ثقة).
فمن نقل: (ولا يقبل إلا ثقة) فمعناه: إذا نصب المفلس والغرماء من ينادي على ثمن المتاع.. لم يقبله الحاكم إلا أن يكون ثقة.
والفرق بين هذا وبين الرهن: إذا اتفق المتراهنان على وضع الرهن على يد من ليس بثقة.. لم يعترض الحاكم عليهما؛ لأن الحق في الرهن للمتراهنين لا يتعداهما، وهاهنا النظر للحاكم؛ لأنه ربما ظهر غريم آخر.
وأما من نقل: (ولا يقبل إلا من ثقة) فمعناه: إذا نودي على مال المفلس فزاد

في ثمنه إنسان، فإنه لا تقبل الزيادة إلا من ثقة؛ مخافة أن يزيد، فيتركها، فيفسدها، فإن تطوع الدلال بالنداء من غير أجره.. لم يستأجر الحاكم من ينادي؛ لأنه لا حاجة به إلى ذلك، فإن لم يوجد من يتطوع بذلك.. استؤجر بأقل ما يوجد، فإن كان في بيت المال فضل أعطي الأجير الأجرة منه؛ لأن في ذلك مصلحة، فهو كأجرة الكيال والوزان في الأسواق.
وإن لم يكن في بيت المال فضل.. استؤجر من مال المفلس لذلك؛ لأن العمل له.
قال أبو علي في " الإفصاح ": وأما أجرة النقاد: فعلى الغريم، لا على المفلس، فإن اختار المفلس رجلا ينادي على المتاع، واختار الغرماء غيره.. نظر الحاكم فيهما: فإن كان أحدهما ثقة دون الآخر.. أقر الثقة منهما، وإن كانا ثقتين، فإن كان أحدهما متطوعا دون الآخر.. أقر المتطوع دون الآخر؛ لأنه أوفر عليهم، فإن كانا متطوعين.. ضم أحدهما إلى الآخر؛ لأن ذلك أحوط، وإن كانا غير متطوعين.. اختار أوثقهما وأعرفهما.

فرع: تباع كل سلعة في محالها

ويباع كل شيء من الأمتعة في سوقه، فتباع الكتب في سوق الوراقين، ويباع البز في سوق البزازين، والطعام في سوق الطعام، وما أشبه ذلك؛ لأن الشيء إنما يطلب في سوقه، فإن باع شيئا بثمن مثله الذي يباع به في سوقه، في غير سوقه.. صح البيع؛ لأن الغرض حصول ثمن مثله، ويبدأ ببيع ما يسرع إليه الفساد من مال المفلس، كاللحم الطري، والبطيخ، والهريس، وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا لم يبع.. تلف بالفساد، أو نقصت قيمته، ثم بيع بعده الحيوان؛ لأنه معرض للتلف، ويحتاج إلى المؤنة في بقائه، ثم يبيع بعده سائر الأمتعة التي تحول وتنقل، كالثياب وغيرها؛ لأن اليد تنالها ويخاف عليها، ثم يبيع بعد ذلك العقار، لأنه لا يخاف عليه الهلاك.

وجميع أمواله تباع في حال النداء، وفيمن يزيد في سوقها في وقت قيام ذلك السوق، إلا العقار، فإنه لا ينادى عليه، وإنما يؤمر الدلال بعرضه؛ لأن العادة قد جرت إذا بيع العقار على أيدي الدلالين.. كان أعز له، وأكثر لثمنه، ويخالف السلع، فإن النداء عليها يجلب الزبون، ولأن من يشتري ذلك لا ينحصر، وأما العقار: فإن الدلالين يعرفون من يشتريه، فيعرضونه عليه، والنداء يخلفه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإن كان بقرب ذلك البلد قوم يشترون العقار في بلد المفلس.. أنفذ إليهم، وأعلمهم بذلك ليحضروا، فيشتروا، فيتوفر الثمن على المفلس).

فرع: يباع متاع المفلس بنقد البلد

]: ويباع مال المفلس بنقد البلد وإن كان من غير جنس حق الغرماء؛ لأنه أوفر، فإن كان حق الغرماء من نقد البلد.. دفعه إليهم، وإن كان حقهم من غير نقد البلد، فإن كان حقهم ثبت من غير جهة السلم.. دفع إليهم عوضه إن رضوا بذلك، وإن لم يرضوا.. اشترى لهم جنس حقوقهم.
وإن كان حقهم ثبت من جهة السلم.. لم يجز أخذ العوض عن ذلك، وإنما يشتري لهم حقهم.

فرع: بيع ما رهنه المفلس

وإن كان في مال المفلس رهن.. بدئ ببيعه؛ لأن حق المرتهن يختص بالعين، وحقوق الغرماء لا تختص بالعين، ولأنه ربما زاد ثمن الرهن على حق المرتهن، فتفرق الزيادة على سائر الغرماء، وربما نقص ثمنه عن حق المرتهن، فيضرب مع الغرماء بما بقي له، فاحتيج إلى تقديم بيعه لذلك.

وإن كان هناك عبد جنى على غيره.. قدم بيعه أيضا؛ لأن حقه يختص بعين العبد، ولأنه ربما زاد ثمنه على قدر الأرش، فتفرق الزيادة على سائر الغرماء، ولا يجيء في هذا أن يقال: إن نقص ثمنه.. ضرب المجني عليه بما نقص مع الغرماء؛ لأنه ليس للمجني عليه أكثر من العبد الجاني.

فرع: يدفع ثمن متاع المفلس لغريمه

وإذا بيع شيء من مال المفلس، فإن كان دينه لواحد.. فإنه يدفع كلما باع شيئا وقبض ثمنه إلى الغريم؛ لأنه لا حاجة به إلى التأخير.
وإن كان الدين لجماعة.. نظرت: فإن بيع جميع ماله دفعة واحدة.. قبض ثمنه وفرقه على الغرماء بالحصص على قدر ديونهم.
وإن لم يمكن بيع ماله إلا شيئا بعد شيء.. نظرت فيما باع به أولا: فإن كان ثمنه كثيرا يمكن قسمته على الغرماء.. قسم بينهم؛ لأنه لا حاجة به إلى التأخير.
وإن كان قليلا تتعذر قسمته، أو يكون القسم منه نزرا.. أخرت قسمته، فإن وجد الحاكم ثقة مليئا.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أقرضه إياه حالا).
فإذا تكامل بيع المال.. أخذه من الذي أقرضه إياه، وقسمه بين الغرماء، ويكون ذلك أولى من إيداعه؛ لأن القرض مضمون على المقترض، والوديعة أمانة يخاف تلفها.
فإن لم يجد ثقة مليئا يقرضه إياه.
أودعه عند ثقة.
فإن قيل: فلم قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يقرضه حالا)، والقرض عنده لا يكون إلا حالا؟ فقال أكثر أصحابنا: وصف القرض بذلك؛ لأنه شرط، وقصد بذلك الرد على مالك رحمة الله عليه، حيث قال: (يصح القرض مؤجلا).

وقال بعض أصحابنا: أراد حالا - بغير تشديد - يعني: يقرضه في الحال.
وهذا ليس بشيء.
فإن قيل: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إنه لا يجوز إقراض مال اليتيم إلا في حال الضرورة، وهو أن يكون في بحر، ومعه مال اليتيم، ويخاف عليه الغرق، أو يخاف عليه النهب أو الحريق، ولا يقرضه في غير ذلك، وإنما يودعه)، فما الفرق بينه وبين المفلس؟ قلنا: الفرق بينهما: أن مال الصبي معد لمصلحة تظهر له من شراء عقار أو تجارة، وقرضه قد يتعذر معه المبادرة إلى ذلك، ومال المفلس معد للغرماء خاصة، فافترقا.

فرع: طلب الحاكم إقالة البيع لمصلحة المفلس

وإذا باع الحاكم مال المفلس، وانصرم البيع بالتفرق، وانقضى الخيار، ثم جاء رجل إلى الحاكم، وزاده في الثمن.. استحب للحاكم أن يسأل المشتري الإقالة لطلب الفضل، فإن أقاله المشتري.. باع الحاكم من المطالب بالزيادة، وإن لم يفعل المشتري.. لم يجبر على ذلك؛ لأن البيع قد لزم.

فرع: توكيل الحاكم أمينا يبيع متاع المفلس

وإذا نصب الحاكم أمينا لبيع مال المفلس وقبض ثمنه، فباع شيئا من مال المفلس وقبض ثمنه، ثم تلف في يده من غير تفريط.. تلف من ضمان المفلس؛ لأن العدل أمين له، وإن باع العدل شيئا من مال المفلس، وقبض ثمنه، ثم إن رجلا ادعى على

المشتري أن العين التي اشتراها ملكه، وأقام على ذلك بينة.. أخذها من يد المشتري، فإن كان الثمن باقيا في يد العدل.. رجع به المشتري، وإن كان المال قد تلف في يد العدل بغير تفريط.. رجع المشتري بالعهدة في مال المفلس، ووافقنا أبو حنيفة في هذا، وخالفنا في العدل - إذا تلف الرهن في يده، وفي الوكيل والوصي إذا تلف المال في أيديهم بغير تفريط -: (أن الضمان يجب عليهم).
فنقيس تلك المسائل على هذه، ونقول: لأنه باع مال الغير، فإذا تلف في يده من غير تفريط.. لم يضمن، قياسا على أمين الحاكم في مال المفلس.
وهل يقدم المشتري على سائر الغرماء، أو يكون أسوتهم؟ نقل المزني: (أنه يقدم عليهم).
ونقل الربيع: (أنه يكون أسوة لهم).
واختلف أصحابنا فيه على طريقين: فمنهم من قال: في المسألة قولان: أحدها: أنه يقدم عليهم؛ لأن في ذلك مصلحة لمال المفلس؛ لأن المشترين إذا علموا أنهم يقدمون في الثمن إذا كان استحق ما اشتروه.. رغبوا في الشراء، فكثر المشترون، وزادت الأثمان، وإذا علموا أنهم لا يقدمون.. تجنبوا الشراء خوفا من الاستحقاق، فتقل الأثمان.
والثاني: لا يقدم، بل يكون أسوة الغرماء؛ لأنه حق تعلق بذمة المفلس بغير اختيار من له الحق، فكان أسوة الغرماء، كما لو جنى على رجل.
ومنهم من قال: هي على حالين: فالموضع الذي قال: (يقدم على الغرماء) أراد به: إذا لم يكن الغرماء اقتسموا المال.
والموضع الذي قال: (يكون أسوتهم) أراد به: إذا كان بعد القسمة في حجر ثان، مثل: أن قسم المال بين الغرماء، ثم استحق شيء من أعيان ماله، ثم حجر عليه ثانيا.. فإن المشتري يكون أسوة الغرماء؛ لأن حقه ثبت في ذمته قبل الحجر، كسائر الغرماء.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد هذا التفصيل على هذا الطريق.

وأما صاحب " المهذب ": فقال: إن لم ينفك عنه الحجر.. قدم؛ لأن فيه مصلحة له، وإن فك عنه الحجر.. كان كسائر الغرماء.
ولم يذكر الحجر الثاني.

مسألة: وجد ماله عند المفلس على صفته

مسألة: [من وجد ماله عند المفلس على صفته]: وإن كان في الغرماء من باع شيئا من المفلس قبل الإفلاس، ولم يقبض الثمن، ووجد عين ماله على صفته خاليا عن حق غيره.. فالبائع بالخيار: بين أن يضرب مع الغرماء بالثمن، وبين أن يرجع في عين ماله.. وبه قال في الصحابة: عثمان، وعلي وأبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم، ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة، ومن التابعين: عروة بن الزبير، ومن الفقهاء: أحمد، وإسحاق، ومالك رحمة الله عليهم.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز للبائع أن يرجع في عين ماله).
وبه قال الحسن، والنخعي، وابن شبرمة.
دليلنا: ما «ورى عمر بن خلدة الزرقي - قاضي المدينة - قال: أتينا أبا هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في صاحب لنا أفلس، فقال: هذا الذي قضى به محمد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أيما رجل مات، أو أفلس.. فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه»

وفي رواية أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيما رجل باع متاعا على رجل، ثم أفلس المبتاع، ثم وجد البائع متاعه بعينه.. فصاحب المتاع أحق به دون الغرماء».
وهذا نص في موضع الخلاف.
ولأنه نوع معاوضة يلحقه الفسخ ينتقل به حق المعاوض من عين إلى ذمة، فجاز له الرجوع إلى العين عند خراب الذمة، كالمكاتب إذا عجز عن المال.

فرع: شراء سلعة وهو لا يجد ثمنها يكون مفلسا

وإن اشترى رجل سلعة بثمن في ذمته، وكانت قيمة السلعة مثل الثمن أو أكثر، ولا يملك المشتري غير هذه السلعة، ولا دين عليه غير هذا الثمن.. فهل يجعل هذا المشتري مفلسا، فيكون للبائع الرجوع إلى عين ماله؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإفصاح ": أحدهما: يكون مفلسا، فيكون البائع بالخيار: بين أن يرجع في عين ماله، وبين أن يضرب مع الغرماء بالثمن.
والثاني: لا يكون مفلسا، ولكن تباع السلعة، ويعطى منها حقه، والباقي للمشتري.

فرع: ظهور علامة الإفلاس بعد البيع

وإن كان ماله يفي بدينه، ولكن ظهرت فيه أمارات الفلس، وقلنا: يجوز الحجر عليه، فحجر عليه.. فهل يجوز لمن باع منه شيئا، ولم يقبض ثمنه، ووجد عين ماله أن يرجع إلى عين ماله؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما: له أن يرجع إلى عين ماله؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما رجل باع متاعا على رجل، ثم أفلس المبتاع، فوجد البائع ماله بعينه.. فهو أحق به من سائر الغرماء».
وهذا قد أفلس، ولأنه محجر عليه لحق الغرماء، فجاز لمن وجد عين ماله الرجوع إليه، كما لو كان ماله أقل من دينه.
والثاني: ليس له الرجوع إلى عين ماله؛ لأنه إنما جعل للبائع الرجوع إلى عين ماله في المواضع التي لا يتمكنون من الوصول إلى كمال حقوقهم، وهذا يتمكن من أخذ جميع ماله، فلم يكن له الرجوع إلى عين ماله.

فرع: يفسخ البيع للمفلس من غير إذن الحاكم

وهل يصح فسخ البائع من غير إذن الحاكم؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: لا يصح إلا بإذن الحاكم؛ لأنه فسخ مختلف فيه، فلم يصح إلا بالحاكم، كفسخ النكاح بالإعسار بالنفقة.
والثاني: يصح بغير إذن الحاكم؛ لأنه فسخ ثبت بنص السنة، فهو كفسخ نكاح المعتقة تحت عبد.
فإن حكم حاكم بالمنع من الفسخ.. ففيه وجهان: أحدهما: يصح حكمه؛ لأنه مختلف فيه.
والثاني: لا يصح؛ لأنه حكم مخالف لنص السنة.
وهل يشترط أن يكون الفسخ على الفور، أو يجوز على التراخي؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز على التراخي؛ لأنه خيار لا يسقط إلى بدل، فجاز على التراخي، كرجوع الأب فيما وهب لابنه، وفيه احتراز من الرد بالعيب؛ لأنه قد سقط إلى بدل، وهو الأرش.

والثاني: يشترط أن يكون على الفور؛ لأنه خيار لنقص في العوض، فكان على الفور، كالرد بالعيب، وفيه احتراز من رجوع الأب في هبته لابنه.

فرع: رهن المبيع بيد المفلس

وإذا رهن البائع المبيع في يد المفلس عند ثبوت الرجوع له.. فهل يجعل رهنه فسخا للبيع؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ في الرهن.
وإن وطئ البائع الجارية المبيعة.. فهل يجعل وطؤه فسخا للبيع؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون فسخا، كما لو باع جارية، ثم وطئها في مدة الخيار.
والثاني: لا يكون فسخا؛ لأن الملك مستقر للمشتري، فلا يجوز رفعه إلا بالقول.

فرع: لا يجبر البائع على ترك العين

]: وإذا بذل الغرماء للبائع جميع ثمنه على أن لا يرجع بالعين المبيعة.. لم يجبر على ذلك، وجاز له الرجوع إلى عين ماله.
وقال مالك: (لا يجوز له الرجوع إلى عين ماله).
دليلنا: الخبر، ولم يفرق، ولأنه تبرع بالحق غير من عليه الحق، فلم يلزم من ثبت له الفسخ إسقاط حقه من الفسخ، كالزوج إذا أعسر بالنفقة، فجاء أجنبي، فبذل لها النفقة لتترك الفسخ.. فإنه لا يلزمها ذلك.

مسألة: شراء المفلس وقت الحجر

وإن باعه بعد الإفلاس، وهو إذا اشترى عينا بعد أن حجر عليه بثمن في ذمته، فقد ذكرنا أن شراءه صحيح، وهل يثبت للبائع الرجوع إلى عين ماله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يثبت له الرجوع إلى عين ماله؛ لأنه باعه مع العلم بخراب ذمته، فلم يثبت له الفسخ، كما لو اشترى سلعة معيبة مع العلم بعيبها.

والثاني: يثبت له الفسخ، كما لو تزوجت امرأة بفقير مع العلم بحاله.. فإن لها أن تفسخ النكاح إذا أعسر بالنفقة.

مسألة: باع عينا لمفلس وأخذ جزء ثمنها

وإن باع من رجل عينا بمائة، أو عينين بمائة، فقبض البائع من الثمن خمسين، والعين المبيعة باقية، أو العينان باقيتان، سواء كانت قيمتهما مختلفة أو متساوية.. فهل للبائع أن يرجع من المبيع بقدر ما بقي من الثمن؟ حكى ابن الصباغ فيه قولين: قال في القديم: (يسقط حق البائع من الرجوع إلى العين، ويضرب مع الغرماء بالثمن).
وحكى الشيخ أبو حامد: أن هذا مذهب مالك رحمة الله عليه، ولم يحكه عن القديم.
وقال ابن الصباغ: مذهب مالك: أن البائع إذا قبض شيئا من الثمن، والعين باقية.. كان بالخيار: بين أن يرد ما قبض من الثمن، ويرجع في العين المبيعة، وبين أن لا يرجع في العين، ويضارب مع الغرماء فيما بقي.
ووجه القول القديم: ما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيما رجل باع بيعا، فأفلس المشتري، فإن كان البائع لم يقبض من ثمنه شيئا.. فهو أحق به، وإن قبض من ثمنه شيئا.. فهو أسوة الغرماء».
ولأن في رجوعه في بعض العين تبعيضا للصفقة على المشتري، وإضرارا به، فلم يكن ذلك للبائع.
وقال في الجديد: (يثبت له الرجوع بحصة ما بقي من الثمن).
وهو الصحيح؛ لأنه سبب يرجع به العاقد إلى جميع العين، فجاز أن يرجع به إلى بعضها، كالفرقة قبل الدخول، وذلك: أن الزوج يرجع تارة بجميع الصداق، وهو إذا ارتدت الزوجة، أو وجد أحدهما بالآخر عيبا، وتارة بالنصف، وهو إذا طلقها قبل الدخول.

وأما الخبر: فهو مرسل؛ لأن أبا بكر بن عبد الرحمن ليس بصحابي، وإن صح.. فمعنى قوله: «فهو أسوة الغرماء»: إذا رضي بذلك.
وإن باعه عبدين متساويي القيمة بمائة، فقبض البائع من الثمن خمسين، وتلف أحد العبدين، وأفلس المشتري، فإن اختار البائع أن يضرب مع الغرماء بالثمن الذي بقي له.. فلا كلام، وإن اختار الرجوع إلى عين ماله على القول الجديد.. فبكم يرجع؟ قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - هاهنا: (يرجع في العبد الباقي بما بقي من الثمن).
وقال في (الصداق): (إذا أصدقها عبدين، فتلف أحدهما، وطلقها قبل الدخول.. أنها على قولين: أحدهما: يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف.
والثاني: أنه بالخيار: بين أن يأخذ نصف الموجود، ونصف قيمة التالف، وبين أن يترك الموجود، ويأخذ نصف قيمتهما).
وقال في (الزكاة): (إذا أصدقها خمسا من الإبل، فحال عليها الحول، فباعت منها بقدر شاة، وأخرجتها، ثم طلقها قبل الدخول.. كان له أن يأخذ بعيرين ونصفا، فحصل في الصداق ثلاثة أقوال: أحدها: يأخذ نصف الصداق من الباقي - وهذا موافق لما قاله في المفلس -. والثاني: يأخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف.
والثالث: أنه بالخيار: بين أن يأخذ الموجود بنصف الصداق، وبين أن يترك الموجود، ويأخذ نصف قيمتهما).
واختلف أصحابنا في مسألة المفلس: فمنهم من قال: في المفلس أيضا قولان: أحدهما: يأخذ الباقي من العبدين بما بقي له من الثمن، ويكون النصف الذي أخذ حصة التالف؛ لأنه لما جاز للبائع أخذ جميع المبيع إذا وجده كله.. جاز له أخذ بعضه إذا تعذر الكل، كما قلنا في الشفيع.

والثاني: يأخذ نصف الموجود بنصف ما بقي له، ويضرب مع الغرماء بنصفه؛ لأنه إذا باع عبدين متساويي القيمة بمائة.. فقد باع كل واحد منهما بخمسين، فإذا قبض خمسين من مائة.. فقد قبضها من ثمنها، بدليل: أنهما لو كانا قائمين.
لرجع في نصفهما، فإذا تلف أحدهما.. رجع في نصف الباقي بنصف ما بقي، وضرب مع الغرماء بحصة ما تلف من الذي لم يقبضه.
قال هذا القائل: ولا يجيء هاهنا القول الثالث في الصداق، وهو أن يترك الموجود، ويأخذ نصف قيمتهما؛ لأن ذمة الزوجة مليئة، وذمة المفلس خربة، فلا يمكن ترك الشيء كله، والرجوع إلى القيمة؛ لأنه لا يصل إليها.
ومن أصحابنا من حمل المسألتين على ظاهرهما، فقال: في الصداق ثلاثة أقوال، وفي المفلس يأخذ البائع العبد الباقي بما بقي له من الثمن، قولا واحدا، والفرق بينهما: أنا إذا قلنا في الصداق: يأخذ الزوج نصف الموجود ونصف قيمة التالف.. فلا ضرر عليه؛ لأنه يصل إلى حقه؛ لأن ذمة الزوجة مليئة، وفي المفلس لو قلنا: يأخذ البائع نصف الباقي بنصف ما بقي، ويضرب مع الغرماء بنصف ما بقي له.. لم يأمن أن لا يصل إلى كمال حقه؛ لأن ذمة المفلس خربة.

مسألة: وجود ماله مرهونا

وإن وجد البائع عين ماله مرهونة عند آخر.. لم يكن له أن يرجع فيها؛ لأن المشتري قد عقد على ما اشتراه عقدا منع نفسه من التصرف فيه، فلم يكن لبائعه الرجوع فيه، كما لو باعها المشتري أو وهبها.
إذا ثبت هذا: فإن حق المرتهن مقدم على حق البائع؛ لأنه أسبق، فإن كان الدين المرهون به مثل قيمة الرهن أو أكثر.. بيعت العين في حق المرتهن، ولا كلام.
وإن كان الدين المرهون به أقل من قيمة الرهن بيع من الرهن بقدر دين المرتهن، وكان للبائع أن يرجع في الباقي منها؛ لأنه لا حق لأحد فيما بقي منها، وإن لم يمكن بيع بعض الرهن بحق المرتهن إلا ببيع جميع الرهن، فبيع جميع الرهن وقضي حق المرتهن من ثمن الرهن، وبقي من الثمن بعضه.. فالذي يقتضي المذهب: أن البائع لا يكون

جارٍ التحميل