البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 370-398

كتاب الظهار

صفحات 370-398
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أبي هريرة الذي مضى في الأعجمية، ولأن سائر أحكامه تتعلق بالإشارة، كبيعه، وشرائه، ونكاحه، وطلاقه، فكذلك إسلامه.
وقول الشافعي: (وصلت) تأكيد، لا شرط.
ومنهم من قال: لا يجزئ عتقها حتى تصلي مع الإشارة؛ لأن بالصلاة تتحقق صحة إشارتها.

فرع: عتق المجنون والأحمق والقرناء والمجبوب وضروبهم في الكفارة

]: وهل يجزئ عتق المجنون؟ ينظر فيه: فإن كان جنونه مطبقا.. لم يجزئ؛ لأنه لا منفعة له.
وإن كان يجن في وقت، ويفيق في غيره.. فقد ذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: أنه يجزئ من غير تفصيل؛ لأنه يمكنه الاكتساب في وقت الإفاقة.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: إن كان زمان الإفاقة أكثر.. أجزأ، وإن كان زمان الجنون أكثر.. لم يجزئ.
ويجزئ عتق الأحمق؛ وهو الذي يفعل ما يضره مع علمه بقبحه؛ لأن ذلك لا يضر بالعمل.
ويجزئ عتق الأمة القرناء والرتقاء، وعتق الخصي والمجبوب؛ لأن ذلك لا يضر بالعمل.
ويجزئ مقطوع الأنف.
وقال مالك: (لا يجزئ).
دليلنا: أن ذلك لا يضر بالعمل ضررا بينا.
ويجزئ عتق ولد الزنا، وهو قول عامة أهل العلم.
وقال الأوزاعي، والزهري: (لا يجزئ)؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولد الزنا شر الثلاثة».

دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] [المجادلة: 3].
ولم يفرق.
ولأن ذلك لا يضر بالعمل، وإنما هو ناقص النسب، والنسب غير معتبر في الكفارة.
وأما الخبر: فله تأويلان.
أحدهما: أنه أراد: ولد الزنا شر من الزاني والمزني بها نسبا.
والثاني: أنه أراد بذلك الإشارة إلى ثلاثة رجال بأعيانهم، أحدهم ولد الزنا؛ كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الجالس في وسط الحلقة ملعون».
ولم يرد لجلوسه فيها، وإنما ذلك علامة له.
وأما المريض: فإن كان مرضا يرجى زواله، كالحمى، والصداع، وما أشبهه.. أجزأ عتقه في الكفارة، وإن كان لا يرجى زواله، كالسل، وما أشبهه.. لم يجزئ؛ لأنه يدوم ولا يزول.
وأما النحيف ونضو الخلق من أصل الخلقة لا لمرض، فإن كان لا يستطيع العمل ولا كثيرا منه.. لم يجزئ عتقه في الكفارة؛ لأنه يضر بالعمل ضررا بينا، وإن كان يستطيع أكثر العمل.. أجزأ عتقه؛ لأنه لا يضر بالعمل ضررا بينا.

فرع: عتق المرهون والجاني ونحوه في الكفارة

]: ومن أعتق عبدا عن الكفارة، مرهونا أو جانيا، وقلنا: يصح عتقهما.. أجزأه عن الكفارة؛ لأنه أعتق عبدا بملكه ملكا تاما لا عيب فيه، فأجزأه، كما لو كان غير مرهون ولا جان.
وإن غصب عبدا من غيره، وأعتقه الغاصب عن الكفارة.. لم يجزئه؛ لأنه لا يملكه، وإن أعتقه المغصوب منه عن الكفارة.. عتق عليه، ولا يجزئه عن الكفارة؛ لأن الغاصب يحول بين العبد وبين منافعه، فلا يحصل للعبد المقصود من العتق، فصار كما لو أعتق عن كفارته عبدا زمنا.. فإنه يعتق ولا يجزئه عن الكفارة.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال القفال: يجزئه؛ لأنه يملكه ملكا تاما.
وإن أعتق حمل جارية عن كفارته.. عتق الحمل؛ لأن العتق صادف ملكه ولا يتعلق به حق غيره فيعتق، كالمنفصل، ولا يجزئ عتقه عن الكفارة؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا، والكفارة حكم، فلم يجز في الحمل.

فرع: التكفير بعتق العبد الغائب

]: وإن أعتق عن كفارته عبدا له غائبا، فإن كانت غيبته غير منقطعة، بل يعرف مكانه ويسمع بخبره.. أجزأه عن الكفارة؛ لأنه بمنزلة الغائب عنه في البيت، وإن كانت غيبته منقطعة، لا يعلم مكانه ولا يسمع بخبره.. عتق عليه.
قال الشافعي: (ولا يجزئه عن الكفارة).
وقال في (زكاة الفطر): (عليه زكاة فطره).
فمن أصحابنا من نقل جوابه في كل واحدة منهما إلى الأخرى، وخرجهما على قولين: أحدهما: يجزئ عتقه عن الكفارة، وتجب عليه زكاة فطره؛ لأن الأصل حياته.

والثاني: لا يجزئ عتقه عن الكفارة، ولا تجب عليه زكاة فطره؛ لأنه يشك في سقوط الكفارة عنه بعتقه، والأصل بقاؤها في ذمته، ويشك في حياته لتجب عليه زكاة فطره، والأصل براءة ذمته من الزكاة.
ومنهم من حملهما على ظاهرهما، فقال: لا يجزئ عتقه عن الكفارة؛ لأنه يشك في إسقاط الكفارة عن ذمته بعتقه، والأصل بقاؤها في ذمته، ويشك في سقوط الزكاة عنه بموته، والأصل بقاؤها.

مسألة: أعتق أم ولد عن كفارة

]: وإن أعتق أم ولده في كفارته.. عتقت عليه، ولم تجزئه عن الكفارة؛ لأن عتقها مستحق بالاستيلاد، فلم يقع عن الكفارة، كما لو باع من فقير طعاما، ثم دفعه إليه عن الكفارة.
هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: هل يجزئ عتقها عن الكفارة؟ فيه قولان، بناء على القولين في جواز بيعها، وقد مضى ذلك في البيوع.
وإن أعتق مكاتبه عن الكفارة.. عتق عليه، ولم يجزئه عن الكفارة، سواء قلنا: يصح بيعه، أو لا يصح؛ لأنا وإن قلنا: يصح بيعه.. فإن الكتابة لا تبطل بالبيع، وإنما يقوم المشتري مقام البائع، فمتى أدى إليه باقي النجوم.. عتق عليه.
هذا مذهبنا، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري.
وقال أبو حنيفة: (إن كان قد أدى إليه شيئا من كتابته.. لم يجزئه عتقه عن الكفارة، وإن لم يؤد إليه شيئا من كتابته.. أجزأه عن الكفارة).
وبه قال الليث.
وقال أحمد وأبو ثور: (يجزئ عن الكفارة بكل حال).
دليلنا: أن عتقه مستحق بسبب سابق لعتقه عن الكفارة.. فلم يجزئه عن الكفارة، كأم الولد.

وإن أعتق عبدا مدبرا، أو معلقا عتقه بصفة عن الكفارة.. عتق عليه، وأجزأه عن الكفارة؛ لأن عتقهما غير مستحق عليه، فأجزأه عن الكفارة، كالقن.

مسألة: اشترى من يعتق عليه للكفارة

]: وإن اشترى من يعتق عليه؛ كأحد أولاده، أو أحد والديه، ونوى عتقه عن الكفارة.. عتق عليه، ولم يجزئه عن الكفارة، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجزئه).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] [المجادلة: 3].
والتحرير من التفعيل، وهو أن يفعل التحرير، فإذا ملك أحد والديه، أو أحد أولاده.. لم يحرر رقبة، وإنما يحرر بالشرع.
ولأن عتقه مستحق عليه بالقرابة، وهو سبب للكفارة، فلم يقع عن الكفارة، كما لو استحق عليه القريب النفقة بالقرابة، فدفع إليه نفقته، ونوى الكفارة.. فإنها لا تجزئه.

فرع: اشترى عبدا بشرط أن يعتقه

]: إذا اشترى عبدا بشرط أن يعتقه.. فقد ذكرنا في (البيوع): أن المشهور من المذهب: أن البيع صحيح، وهل يلزمه أن يعتقه؟ فيه وجهان.
وإن أعتقه عن الكفارة؟ فإن قلنا: إن البيع باطل.. لم يعتق؛ لأنه لا يملكه، ولا يجزئه عن الكفارة؛ لأنه لم يعتق عليه.
وإن قلنا: يصح البيع، فأعتقه عن الكفارة.. عتق عليه، ولم يجزئه عن الكفارة، سواء قلنا: يجب عليه إعتاقه، أو لا يجب؛ لأنا إن قلنا: يجب عليه إعتاقه.. لم يجزئه عن الكفارة؛ لأن عتقه استحق عليه بسبب سابق لعتق الكفارة، فلم يجزئه عن الكفارة، كما لو نذر عتقه قبل هذا.
وإن قلنا:

لا يجب عليه إعتاقه.. لم يجزئ عن الكفارة، كما لو نذره؛ لأن هذا العتق لم يقع خالصا للكفارة، وإنما هو مشترك للكفارة ولأجل هذا الشرط في البيع؛ بدليل أنه يسقط خيار البائع في فسخ البيع لذلك.
هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إن قلنا: إن العتق في العبد المبيع بشرط العتق حق لله، أو حق للآدمي، فطالب البائع بإعتاقه، فأعتقه المشتري عن الكفارة.. لم يجزئه عن الكفارة.
وإن قلنا: إنه حق للآدمي، فأعتقه المشتري قبل أن يطالب بإعتاقه، ونوى عتقه عن الكفارة.. فهل يجزئه عن الكفارة؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزئه؛ لأنه لم يجز عليه إعتاقه.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه كان بعوض، وقد سامحه البائع في الثمن؛ حيث باعه بشرط العتق.
قال: فإن باعه بشرط أن يعتقه عن كفارته، وقلنا: يصح البيع، فأعتقه عن كفارته.. فهل يجزئه؟ فيه وجهان، بناء على ما لو قال: إن وطئتك.. فعلي لله أن أعتق عبدي عن ظهاري، فإذا وطئ وأعتق.. فهل يجزئ؟ على وجهين، مضى ذكرهما.

مسألة: النية في العتق

]: ولا يقع العتق عن الكفارة إلا بالنية؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

وصفة النية: أن ينوي العتق عن الكفارة، فإن نوى عن الكفارة الواجبة.. كان ذلك تأكيدا، وإن نوى عن الكفارة، ولم ينو عن الواجبة.. أجزأه؛ لأن الكفارة لا تكون إلا واجبة.
وإن نوى العتق عن الواجب عليه أو الفرض.. قال الشيخ أبو حامد: لم يجزه عن الكفارة؛ لأن الرقبة الواجبة عليه قد تكون عن الكفارة، وقد تكون عن غير كفارة، فلم يجزه عن الكفارة؛ لأنه لم يخلص النية لها.
قال: وكذلك إذا أخرج زكاة ماله، ونوى عن الصدقات الواجبة، أو عن الفرض.. لم يجزه عن الزكاة؛ لأنه قد يكون عليه صدقة واجبة عن زكاة وعن غير زكاة، فإذا لم ينو الزكاة.. لم يجزه.
وهل يجب أن تكون نية العتق مقارنة للعتق، أو يجوز تقديمها على العتق؟ فيه وجهان، كما قلنا في وقت نية إخراج الزكاة، وقد مضى ذلك.

مسألة: جواز التكفير بالمشترك بنية جميعه

]: وإن كان بينه وبين غيره عبد مشترك، فأعتق أحدهما نصيبه.. فقد ذكرنا: أنه إن كان موسرا بقيمة نصيب شريكه.. عتق عليه نصيب شريكه، ومتى يعتق عليه؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بنفس اللفظ.
والثاني: يقع بدفع القيمة بعد العتق.

والثالث: أنه موقوف.
فإن قلنا: يعتق بنفس اللفظ.. فهل وقع عتق الجميع دفعة واحدة، أو عتق نصيبه، ثم سرى إلى نصيب شريكه؟ فيه وجهان.
وإن كان معسرا.. لم يعتق عليه نصيب شريكه.
إذا ثبت هذا: فالكلام هاهنا إذا أعتقه عن الكفارة، فإن أعتق العبد، ونوى عتق جميعه عن الكفارة، وكان موسرا بقيمة نصيب شريكه.. أجزأه عن الكفارة؛ لأنه كالمالك للجميع؛ بدليل: أنه إذا أعتق نصيبه.. سرى إلى نصيب شريكه.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إن نصيب الشريك لا يعتق إلا بدفع القيمة بعد العتق.. لا يجزيه نصيب شريكه؛ لأنه حين يدفع القيمة، ويحكم بعتقه.. يكون عتقا مستحقا، فيكون كما لو اشترى أباه بنية الكفارة.
والأول هو المشهور؛ لأن نية التكفير هنا قارنت سبب العتق، وهو إعتاقه لنصيبه بنية الكفارة، وإذا اشترى أباه.. فإن سبب العتق هو القرابة، ونية الكفارة تأخرت عنه؛ فلذلك لم يجزه.
وأما وقت نية التكفير: فإن قلنا: إن نصيب شريكه يعتق بنفس اللفظ أو مراعى.. فلا بد أن ينوي عتق جميع العبد عن الكفارة حال العتق، أو قبله إذا قلنا: يجوز تقديم النية.
وإذا قلنا: إن نصيب الشريك لا يعتق إلا بأداء القيمة.. فأما نصيب نفسه: فإنه ينوي عتقه عن الكفارة حال العتق، أو قبله إذا قلنا: يجوز تقديم النية.
وأما نصيب الشريك: ففيه وجهان: أحدهما: قال أكثر أصحابنا: أنه بالخيار: إن شاء.. نوى عتقه عن الكفارة مع اللفظ؛ لأنه وقت الوجوب، وإن شاء.. نواه عند أداء القيمة؛ لأنه حين العتق.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو حامد: عندي: أنه لا بد أن ينوي حال اللفظ؛ لأن تلك الحال حالة سبب العتق.

وأما إذا نوى عتق نصيبه عن الكفارة حال العتق، ولم ينو عتق نصيب شريكه، فإن قلنا: إن العتق يسري باللفظ، أو قلنا: إنه مراعى.. فإن نصيب شريكه يعتق، ولا يجزيه عن الكفارة.
ومن أصحابنا من قال: يجزيه؛ لأنه يسري إلى العتق الواقع عن الكفارة؛ لأن قوله: (أعتقت نصيبي منك) كقوله: (أعتقت جميعك)، إذ كان لا يملك عتق نصيب شريكه إلا كذلك، ألا ترى أنه لو قال: أعتقت نصيب شريكي.. لم يصح؟ والأول أصح؛ لأن العتق يسري، ولم ينوه عن الكفارة.
وأما إذا قلنا: يسري بأداء القيمة، ثم نوى مع أداء القيمة.. فعلى الوجهين الأولين: أحدهما: يجزيه؛ لأنه نوى مع سبب العتق.
والثاني: لا يجزيه، وهو قول الشيخ أبي حامد، والقاضي أبي الطيب؛ لأن سبب استحقاق العتق إنما هو عتق النصيب الأول، فإذا لم يقارن النية سبب الاستحقاق.. لم يجزه.
وأما إذا كان معسرا، ونوى عتق نصيبه عن الكفارة.. عتق عليه نصيبه، ولا يسري إلى نصيب شريكه؛ لأن في ذلك ضررا على الشريك.
فإن ملك بعد ذلك نصيب شريكه، وأعتقه عن الكفارة.. أجزأه؛ لأنه قد أعتق رقبة عن الكفارة وإن كان في وقتين، كما لو أطعم المساكين في وقتين.

مسألة: عتق عبدين معا عن كفارتين

]: إذا كان على رجل كفارتان من جنس أو جنسين، فأعتق عنهما عبدين.. ففيه أربع مسائل: إحداهن: أن يعتق عن كل كفارة عبدا بعينه، فيجزيه ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] [المجادلة: 3].
وهذا قد حرر عن كل كفارة رقبة.
الثانية: أن يعتق عبدا عن إحدى الكفارتين لا بعينها، ويعتق الآخر عن الأخرى

لا بعينها، فيجزيه ذلك أيضا؛ لأن تعيين سبب الكفارة ليس بواجب.
الثالثة: أن يعتقها عن الكفارتين؛ بأن يقول: أعتقتكما عن كفارتي.. فإن الشيخ أبا حامد قال: يجزيه، ويقع كل واحد عن كفارة.
قال ابن الصباغ: ووجهه عندي: أن عرف الاستعمال والشرع إعتاق الرقبة عن الكفارة، فإذا أطلق ذلك.. وجب حمل ذلك عليه.
قال: وذكر صاحب " المجموع ": أنها بمنزلة الرابعة؛ وهي: إذا قال: أعتقتكما، وكل واحد منكما عن كفارتي.. قال الشافعي: (أجزأه، وكمل العتق).
ولا خلاف بين أصحابنا أنه يجزيه.
واختلفوا في كيفية وقوع العتق: فقال أبو العباس، وأبو علي بن خيران: يقع كل واحد منهما عن كفارة؛ لأنه إذا قال: أعتقتكما.. وقع العتق، وقوله بعد ذلك: (وكل واحد منكما) لغو، فينقلب العتق في كل واحد عن كفارة.
ومنهم من قال: يعتق نصف كل واحد من العبدين عن كل واحدة من الكفارتين، وهو ظاهر النص؛ لأنه قال: أجزأه، وكمل العتق؛ لأنه أعتقهما عن الكفارتين، فاقتضى وقوع كل واحد منهما عنهما، كما لو قال: هاتان الداران لزيد وعمرو.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إن كانتا من جنس واحد، فأعتق العبدين بنية التكفير.. أجزأه - كما قلنا - وإن كانتا من جنسين.. لم يجزه حتى يعين العتق عن كل واحدة من الكفارتين).
دليلنا: أنها حقوق تخرج في التكفير، فلم يجب فيها تعيين النية، كما لو كانتا من جنس واحد.

فرع: عليه كفارة فأعتق نصف عبدين

]: وإن كان عليه كفارة، فأعتق عنها نصف عبدين.. فهل يجزيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجزيه؛ لأن نصف الاثنين في الشرع يقوم مقام الواحد الكامل؛ بدليل: أنه إذا ملك نصف عبدين.. لزمه عنهما زكاة الفطر، كعبد.
والثاني: لا يجزيه؛ لأن الله أوجب على المكفر تحرير رقبة، وهذا ما حرر رقبة.
والثالث: إن كان باقي العبدين حرا.. أجزأه؛ لأنه يحصل لهما تكميل الأحكام، وإن كان باقيهما مملوكا، بأن كان معسرا.. لم يجزه؛ لأنه لا يحصل لهما تكميل الأحكام.

فرع: الشك في موجب الكفارة

]: وإن كان عليه كفارة، فشك أنها من ظهار أو قتل أو يمين، فأعتق رقبة عنها.. أجزأه؛ لأن تعيين السبب ليس بواجب عليه.
وإن كان عليه ثلاث كفارات، وكان واجدا لرقبة لا غير، فأعتقها بنية التكفير، ثم صام شهرين بنية التكفير، ثم مرض فأطعم ستين مسكينا بنية التكفير.. أجزأه ذلك، وسقط عنه الكفارات الثلاث؛ لأن عليه أن ينوي الكفارة، وليس عليه أن يعين جنسها.
قال الطبري: إذا أعتق رقبة ونوى عتقها عن كفارة الظهار، ثم بان أنه لم يكن عليه كفارة الظهار، وإنما عليه كفارة القتل.. لم يجزه ذلك؛ لأن تعيين جنس الكفارة وإن كان غير واجب، إلا أنه إذا عينها عن جنس، وبان أن ذلك الجنس ليس عليه.. لم يجزه، كما لو نوى الاقتداء في الصلاة بالإمام وهو فلان، فبان أنه غيره، أو نوى الصلاة على جنازة رجل، فبان أنه امرأة.. لا يجزيه.

مسألة: له عبد عليه كفارة

]: إذا كان لرجل عبد وعليه كفارة الظهار، فقال له آخر: أعتق عبدك عن ظهارك على أن علي عشرة، أو وعلي عشرة، فقال: أعتقت عبدي عن ظهاري على أن عليك

عشرة، أو قال: أعتقت عبدي على أن عليك عشرة عن ظهاري.. فإن العبد يعتق عليه، ولا يجزيه عن الظهار؛ لأنه لم يعتقه عتقا خالصا عن الظهار، وإنما أعتقه عتقا مشتركا بين العتق عن الظهار وبين العوض، فلم يقع عن الظهار.
وقال أبو إسحاق: إن قال: أعتقت عبدي على أن عليك عشرة عن ظهاري.. استحق العوض، ولم يجزه عن الظهار؛ لأن بقوله: (أعتقت عبدي على أن عليك عشرة) وقع العتق بالعوض، فقوله: (عن ظهاري) يكون لغوا، لا يتعلق به حكم.
وإن قال: أعتقت عبدي عن ظهاري على أن عليك عشرة.. أجزأه عن الظهار، ولم يستحق العوض؛ لأن بقوله: (أعتقت عبدي عن ظهاري) يقع العتق عن الظهار، وقوله بعد هذا: (على أن عليك عشرة) لغو لا يتعلق به حكم.
والمنصوص في " الأم ": هو الأول؛ لأن الكلام إذا اتصل بعضه ببعض.. كان حكم أوله حكم آخره.
فإذا قلنا بهذا: فإنه يستحق على السائل العشرة التي بذلها.
هذا قول عامة أصحابنا.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أن التسمية فاسدة.
وبه قال ابن الصباغ؛ لبطلان الشرط الذي شرطه.
فإن قال: أعتق عبدك عن ظهارك وعلي عشرة، فقال: أعتقت عبدي عن ظهاري، وسكت عن ذكر العوض.. أجزأه عن الظهار؛ لأنه لم يجبه إلى ما دعاه إليه، بل أخلص العتق عن الكفارة.

مسألة: عتق عبده نيابة عن غيره

]: إذا أعتق عبده عن غيره.. فلا يخلو المعتق عنه: إما أن يكون حيا، أو ميتا.
فإن كان حيا.. نظرت: فإن أعتق عنه بإذنه.. وقع العتق عن المعتق عنه، والولاء له، سواء كان بعوض أو

بغير عوض.
وإن كان على المعتق عنه كفارة، وأعتق عنه مالك العبد عبده عن كفارة أخرى.. أجزأ المعتق عنه عن كفارته، وكان الولاء له، سواء كان بعوض أو بغير عوض.
وقال أبو حنيفة: (إن أعتق عنه عن واجب عليه بعوض.. وقع عن المعتق عنه عن الواجب عليه، وإن كان بغير عوض.. لم يقع العتق عن المعتق عنه، ووقع عن المعتق).
وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
دليلنا: أنها رقبة تجزئ عن كفارة المعتق عنه، فإذا أعتقها عنه غيره بإذنه.. وقع عنه، كما لو أعتقها عنه بعوض.
ولأنه إذا كان بعوض.. فهو بمنزلة البيع، وإذا كان بغير عوض.. فهو بمنزلة الهبة، والهبة إذا أقبضت.. لزمت، والعتق بمنزلة القبض.
وهكذا: إذا زكى عنه ماله بإذنه.. أجزأه؛ لما ذكرناه في العتق.
وإن أعتقه عنه بغير إذنه.. لم يقع العتق عن المعتق عنه، ويقع عن المعتق له، والولاء له، سواء كان العتق عن تطوع أو واجب، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك: (إذا أعتق عن غيره بغير إذنه عن تطوع.. لم يقع عن المعتق عنه، وإن أعتق عنه عن عتق واجب عليه.. وقع عن المعتق عنه، وكان الولاء له، كما لو قضى عنه دينا بغير إذنه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الولاء لمن أعتق».
والمعتق هو هذا.. فكان الولاء له.
ولأنه لو باشر العتق بنفسه ولم ينو العتق عن الكفارة.. لم يجزه، فلأن لا يجزيه بإعتاق غيره عنه بغير إذنه أولى.
ولأنها عبادة من شرطها النية، فلا يصح أداؤها عن الغير بغير إذنه، كالزكاة، ويخالف قضاء الدين، فإنه لا يفتقر إلى النية.

وإن كان المعتق عنه ميتا، فإن كان العتق تطوعا، لم يجب على المعتق عنه في حياته.. نظرت: فإن كان قد أذن بالعتق عنه قبل موته.. وقع العتق عن الميت، وكان الولاء له، كما لو أعتق عنه في حال الحياة بإذنه.
وإن أعتق عنه بغير إذنه.. لم يقع العتق عن المعتق عنه، بل يقع عن المعتق، والولاء له.
فإن قيل: أليس لو تصدق عنه بعد موته بغير إذنه.. لوقع عن المصدق عنه؟ قلنا: الفرق بينهما: أن العتق يتضمن ثبوت الولاء، و «الولاء لحمة كلحمة النسب»، ولا يمكن إلحاق ذلك بالميت بغير إذنه.
وإن كان العتق واجبا على الميت، فإن أعتق عنه أجنبي ليس بوارث له ولا وصي له، فإن كان بإذن الميت.. وقع العتق عن الميت، وأجزأ عما عليه، وكان الولاء له، كما لو أذن له في حال الحياة، وإن أعتق عنه بغير إذنه.. لم يقع العتق عن الميت، ووقع عن المعتق، كما لو أعتق عنه في حياته بغير إذنه.
وإن كان المعتق وارثا له أو وصيا له.. نظرت: فإن كان العتق متحتما على الميت، ككفارة القتل أو الظهار، فإن كانت له تركة.. وجب على الوصي أو الوارث إخراج ذلك من تركته؛ لأنه يقوم مقامه في أداء الواجبات عليه من تركته، وإن عتق عنه من مال نفسه.. جاز؛ لأن نيته تقوم مقام نيته، وإنما تحصل منه النيابة في المال فحسب، وذلك جائز.
وإن كان العتق غير متحتم عليه، ككفارة اليمين، فإن كفر عنه الوصي أو الوارث بالكسوة أو الإطعام.. صح ذلك، وإن كفر عنه بعتق، فإن كان بإذنه.. صح، وإن كان بغير إذنه.. فهل يقع عن الميت ويكون الولاء للميت، أو عن المعتق ويكون الولاء للمعتق؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما:

أحدهما: لا يقع عن الميت؛ لأنه كان غير متحتم عليه، فلم يقع عنه، كما لو تطوع عنه بالعتق بغير إذنه.
والثاني: يقع عن الميت، وهو الأصح؛ لأنه مخير بين الثلاثة، فإذا فعل أحدها.. تعين بالفعل، وبان أنه فعل واجبا، فوقع عن الميت، كما لو كان العتق متحتما.
إذا ثبت هذا: فقال رجل لآخر: أعتق عبدك عني، فأعتقه عنه.. فلا يختلف أصحابنا أن العبد قد دخل في ملك المعتق عنه، ولكن اختلفوا، متى ملكه وعتق عليه؟ على أربعة أوجه: فـ[أحدها]: منهم من قال: دخل في ملكه بالاستدعاء، وعتق عليه بالإعتاق.
وهذا ضعيف؛ لأن الإيجاب شرط في الملك، فلا يتقدم الملك عليه.
و [الثاني]: منهم من قال: إذا شرع المعتق في العتق دخل في ملك المعتق عنه، وبإكمال قوله: (أعتقت) عتق عليه.
وهذا ضعيف أيضا؛ لأنه يدخل عليه ما ذكرناه على الأول.
الثالث - وهو قول أبي إسحاق المروزي -: أنه يقع الملك والعتق في حالة واحدة، وهو عقيب قوله: (أعتقت)؛ لأنه إنما يمتنع اجتماع الضدين في طريق المشاهدة، فأما من طريق الحكم.. فلا يمتنع.
وهذا ليس بشيء؛ لأن ما امتنع في العقل من اجتماع الضدين في المشاهدة.. لا يجوز إثباته في الأحكام؛ لأنه يكون حكما بالمحال.
الرابع - وهو اختيار الشيخين: أبي حامد، وأبي إسحاق، والقاضي أبي الطيب، وابن الصباغ -: أنه يقع الملك عقيب قوله: (أعتقت)، ثم يعتق عليه بعد ذلك؛ لأن من شرط العتق الملك، فما لم يوجد الملك.. لا يوجد العتق، ولا يمتنع أن

يوجد لفظ العتق ولا يتعقبه العتق؛ لعدم الشرط، وهو إذا قال: أعتقته عنك بألف.. فإن العتق لا يتعقب لفظة العتق، وإنما يقع بعد قوله: قبلت.

فرع: ظاهر من أمة غيره، ثم اشتراها وأعتقها عن كفارة ظهار منها

]: إذا تزوج الحر أمة لغيره وظاهر منها ووجد العود، ثم اشتراها وأعتقها عن كفارة ظهاره.. أجزأه؛ لأنه أعتق أمة يملكها ملكا تاما فأجزأه، كما لو أعتقها عن ظهاره من غيرها، ولا يمتنع أن يجزئ عتقها وإن كانت سببا لوجوب العتق، كما لو قال: إن اشتريت أمة.. فعلي لله أن أعتق رقبة، فملك أمة، وأعتقها عن نذره.. جاز.
فإن أتت هذه الجارية بولد بعد العتق، فإن لم يطأها المشتري بعد الابتياع.. نظرت: فإن أتت بالولد لأربع سنين فما دونها من وقت الشراء.. حكمنا بأن الولد أتت به من الزوجية، ويلحقه نسبه، ويعتق عليه بالشراء، ولم يسر إلى عتق أمه.
فإن أعتق الأم بعد الشراء عن الكفارة.. أجزأه؛ لأنه أعتق أمة ليست بأم ولد له.
وإن أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت الشراء.. لم يلحقه نسب الولد.
فإذا أعتق الأم.. تبعها الولد، وأجزأه ذلك عن الكفارة.
وإن وطئها بعد الابتياع، فإن أتت بالولد لدون ستة أشهر من وقت الوطء.. فالحكم فيه كما لو لم يطأها، وقد مضى.
وإن أتت به لستة أشهر فما زاد لأربع سنين من وقت الوطء.. علمنا أن هذا الولد حدث وهي في ملكه، فلم يمسه رق، ولا يجزئه عن الكفارة؛ لأنه أعتقها بعد أن صارت أم ولد له؛ لأن الظاهر من هذا: أن هذا الحمل من هذا الوطء الموجود في الملك؛ لأنه يعقبه.

مسألة: عدم وجدان الرقبة يلزم الصوم

]: وإن لم يجد المظاهر رقبة تفضل عن كفايته على الدوام وهو قادر على الصيام.. لزمه أن يصوم شهرين متتابعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3] الآية [المجادلة: 3].
ولما ذكرنا من حديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر.
إذا ثبت هذا: فإن كان قد نوى الصوم عن الكفارة أول ليلة من الشهر.. صام شهرين متتابعين هلاليين، سواء كانا تامين أو ناقصين، أو أحدهما تاما والآخر ناقصا؛ لأن الله تعالى أوجب عليه صوم شهرين، وإطلاق الشهر ينصرف إلى الشهر الهلالي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 189] [البقرة: 189]. وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا " وأومأ بأصابع يديه، وحبس إبهامه في الثالثة، كأنه يعد ثلاثين».
وروي: أنه قال: «قد يكون الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا " وحبس إبهامه في الثالثة».
وإن كان ابتدأ الصوم وقد مضى من الشهر يوم أو أكثر.. صام ما بقي من الشهر بالعدد، وصام الشهر الذي بعده بالهلال، تاما كان أو ناقصا، وتمم عدد الأول من

الثالث ثلاثين يوما، تاما كان أو ناقصا؛ لأنه لما فاته شيء من الشهر الأول.. لم يصمه، ولم يمكن اعتباره بالهلال، فاعتبر بالعدد، واعتبر الثاني بالهلال؛ لأنه أمكنه ذلك.

فرع: الفطر في أثناء كفارة الصيام

]: وإن أفطر في يوم في أثناء الشهرين، فإن كان أفطر لغير عذر.. انقطع التتابع، ولزمه أن يبدأ صوم شهرين متتابعين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4] [المجادلة: 4].
ومعنى التتابع: أن يوالي بالصوم أيامهما، ولا يفطر فيهما لغير عذر، وإن لم يفعل ذلك.. صار كما لو لم يصم.
وإن جامع في ليلة في أثناء الشهرين عامدا عالما بالتحريم.. أثم بذلك، ولا ينقطع تتابعه.
وإن وطئها بالنهار ناسيا.. لم يفسد صومه، ولم ينقطع تتابعه، وبه قال أبو يوسف، وهي إحدى الروايتين عند أحمد.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (ينقطع تتابعه بذلك).
إلا أن مالكا يقول: (إذا وطئها ناسيا.. فسد صومه).
وأبو حنيفة يقول: (لا يفسد، إلا أنه يقطع التتابع).
دليلنا على أنه لا يقطع التتابع: أنه وطء لم يفسد به الصوم.. فلم يقطع التتابع كما لو وطئ امرأة أخرى.

وإن كان الفطر بعذر.. نظرت: فإن كان العذر حيضا.. فلا يتصور ذلك في كفارة الظهار، وإنما يتصور في كفارة القتل والجماع في رمضان؛ إذا قلنا: تجب عليها الكفارة.. فإن التتابع لا ينقطع؛ لأن زمان الحيض مستحق للفطر، فهو كليالي الصوم، ولأن الحيض حصل بغير اختيارها، ولا يمكنها الاحتراز منه، فلو قلنا: إنه ينقطع التتابع.. لأدى إلى أنه لا يمكن للمرأة أن تكفر بالصوم إلا بعد اليأس من الحيض، وفي ذلك تأخيرها عن وقت وجوبها، وربما ماتت قبل اليأس؛ ولذلك قلنا: لا ينقطع التتابع.
وإن أفطرت للنفاس.. احتمل أن يكون فيه وجهان، كما قلنا في الإيلاء.
وإن كان الفطر للمرض.. ففيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (لا ينقطع التتابع).
وبه قال مالك، وأحمد؛ لأن سبب الفطر حدث بغير اختياره، فهو كالحيض، ولأنا لو قلنا: إنه ينقطع بالفطر في المرض.. لأدى ذلك إلى أن يتسلسل؛ لأنه لا يأمن وقوع المرض إذا استأنف بعد البرء.
و [الثاني]: قال في الجديد: (ينقطع تتابعه).
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه أفطر باختياره، فهو كما لو أفطر بغير المرض.
وإن أفطر بالسفر، فإن قلنا: إن المريض إذا أفطر قطع التتابع.. فالمسافر أولى.
وإن قلنا: إن الفطر بالمرض لا يقطع التتابع.. ففي المسافر قولان: أحدهما: لا ينقطع التتابع؛ لأن السفر عذر يبيح الفطر، فهو كالمرض.
والثاني: أنه ينقطع التتابع؛ لأنه أحدث سبب الفطر، وهو السفر.
وإن نوى الصوم من الليل، ثم أغمي عليه في أثناء النهار.. فهل يبطل صومه؟ فيه طرق، مضى ذكرها في الصوم.
فإذا قلنا: لا يبطل.. لم ينقطع تتابعه بذلك.

وإن قلنا: يبطل صومه.. قال الشيخ أبو إسحاق والمحاملي: هو كالفطر في المرض على قولين.
وفيه نظر؛ لأنه لا يفطر باختياره، بخلاف الفطر في المرض؛ فإنه أفطر باختياره.
وإن أفطرت الحامل والمرضعة في أثناء الشهرين، فإن كان خوفا على أنفسهما.. فهو كالفطر في المرض، وإن كان خوفا على ولديهما.. فهل ينقطع التتابع؟ فيه طريقان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالفطر في المرض.
و [الثاني]: منهم من قال: ينقطع التتابع، قولا واحدا؛ لأنهما أفطرتا لحق غيرهما، بخلاف المريض.

فرع: الصيام أثناء الكفارة يقطع التتابع

]: وإن صام في أثناء الشهرين تطوعا، أو عن نذر، أو قضاء.. انقطع تتابعه بذلك؛ لأن ذلك لا يقع عن الشهرين، وانقطع تتابعه به، كما لو أفطر.
فإن صام بعض الشهرين ثم تخللهما زمان لا يجزئ صومه عن كفارته؛ مثل: رمضان، وعيد الأضحى.. انقطع تتابعه؛ لأن رمضان مستحق للصوم، وعيد الأضحى مستحق للفطر، وقد كان يمكنه أن يبتدئ صوما لا يقطعه ذلك، فإن لم يفعل.. فقد فرط، كما لو أفطر في أثناء الشهرين بغير عذر.
ولا يجيء أن يقال: تخللهما عيد الفطر، ولا أيام التشريق؛ لأن عيد الفطر يتقدمه رمضان، وأيام التشريق يتقدمها عيد الأضحى.
فأما إذا ابتدأ الصوم عن الشهرين في رمضان.. لم يصح صومه عن رمضان؛ لأنه لم ينو الصيام عنه ولا عن الشهرين؛ لأن الزمان مستحق لصوم رمضان، فلا يقع عن غيره.

وإن ابتدأ صوم الشهرين يوم عيد الفطر.. لم يصح؛ لأنه مستحق للفطر، ويصح صوم باقي الشهر.
وإن ابتدأ الصوم أيام التشريق، فإن قلنا بقوله الجديد، وأن صومها لا يصح عن صوم التمتع، أو قلنا بأحد الوجهين على القديم؛ لا يصح صومها عن التمتع.. لم يصح صومه عن الشهرين.
وإن قلنا: يصح صومها عن التمتع.. صح صومها عن الشهرين.

مسألة: القدرة على العتق بعد الابتداء في الصوم

]: وإن دخل في الصوم، ثم أيسر وقدر على إعتاق الرقبة.. لم يجب عليه الانتقال إلى الرقبة، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة، والمزني: (يلزمه الانتقال).
دليلنا: أنه وجد المبدل بعد شروعه في البدل، فلم يلزمه الانتقال إليه، كما لو وجد الهدي بعد شروعه في صوم التمتع.
قال الشافعي: (لو أعتق.. كان أفضل؛ لأنه الأصل، وليخرج بذلك من الخلاف).

فرع: تبييت النية لصيام الكفارة

فرع: [وجوب تبييت النية لصيام الكفارة]: ولا يجزيه الصوم عن الكفارة حتى ينوي الصيام كل ليلة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل».
وهذا عام في كل صوم.
وقد وافقنا أبو حنيفة على ذلك، وهل يلزمه نية التتابع؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يلزمه نية التتابع كل ليلة؛ لأن التتابع واجب كالصوم، فلما وجب عليه نية الصوم كل ليلة.. فكذلك نية التتابع.

الثاني: يلزمه نية التتابع أول ليلة من الشهرين؛ لأن الغرض تمييز هذا الصوم عن غيره بالتتابع، وذلك يحصل بالنية أول ليلة منه.
والثالث: لا تجب عليه نية التتابع، وهو الأصح؛ لأن التتابع شرط في العبادة، وعلى الإنسان أن ينوي فعل العبادة دون شرطها، كما قلنا في الصلاة: يلزمه نية فعل الصلاة دون شرطها.

مسألة: الانتقال إلى الإطعام عند العجز عن الصوم

]: وإن عجز عن الصوم لكبر أو لعلة، يلحقه من الصوم مشقة شديدة أو زيادة في المرض، أو يلحقه مشقة شديدة في الصوم من الجوع والعطش، وكان قادرا على الإطعام.. لزمه الانتقال إلى الطعام؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] [المجادلة: 4]، ولما ذكرناه من حديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر.
وإذا ثبت هذا: فعليه أن يطعم ستين مسكينا، كل مسكين مدا من طعام، ولا يجوز أن ينقص من عدد المساكين ولا من ستين مدا، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (إذا أعطى الطعام كله مسكينا واحدا في ستين يوما.. جاز).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] [المجادلة: 4].
وقوله: ﴿فَإِطْعَامُ﴾ [المجادلة: 4] مصدر يتقدر بـ: أن والفعل، وهذا يمنع الاقتصار على دون الستين.
ولأنه مسكين استوفى قوت يوم من كفارة، فإذا دفع إليه غيره منها.. لم يجزه، كما لو دفع إليه في يوم واحد صاعين.

فرع: ما يدفع للمسكين في الكفارة

]: ويجب أن يدفع إلى كل مسكين مدا في جميع الكفارات إلا في كفارة الأذى؛ فإنه يدفع إليه مدين، سواء كفر بالتمر، أو الزبيب، أو الشعير، أو البر، أو الذرة، وبه قال ابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: (إن كفر بالتمر أو الشعير.. لزمه لكل مسكين صاع

و (الصاع): أربعة أمداد، و (المد) عنده: رطلان - وإن كفر بالبر.. لزمه لكل مسكين نصف صاع وفي الزبيب عنه روايتان: إحداهما: أنه كالتمر والشعير.
والثانية: أنه كالبر.
وقال مالك - في كفارة اليمين والجماع في رمضان كقولنا في كفارة الظهار -: (يطعم كل مسكين مدا بمد هشام).
وهو مد وثلث بمد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقيل: بل هو مدان.
وقال أحمد: (هو مد من البر، ومن التمر والشعير مدان).
دليلنا: ما روى أبو هريرة: «أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يضرب نحره، وينتف شعره، فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: (وما أهلكك؟)، قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان، قال: " أعتق رقبة "، قال: لا أجد، فقال: " صم شهرين متتابعين "، قال: لا أستطيع، قال: " أطعم ستين مسكينا "، قال: لا أستطيع، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأتى بعرق من تمر فيه خمسة عشر صاعا، قال: " اذهب فتصدق به».
إذا ثبت هذا في المجامع في رمضان.. قسنا سائر الكفارات عليها.
فأما خبر سلمة بن صخر؛ حيث أمر له النبي بوسق من تمر من صدقة بني زريق.. فمحمول على الجواز، وإنما زاد على خمسة عشر صاعا تطوعا؛ بدليل هذا الخبر.

فرع: صفة الطعام الذي يخرج في الكفارة

]: وهل يلزمه أن يخرج من غالب قوته، أم من غالب قوت البلد؟ فيه وجهان: [الأول]: قال أبو عبيد بن حربويه: يلزمه من غالب قوته، وهو اختيار الشيخ

أبي حامد؛ لأن الزكاة زكاتان: زكاة المال، وزكاة النفس، فلما كانت زكاة المال يجب إخراجها من المال.. وجب أن تخرج زكاة النفس من قوتها.
و [الثاني]: قال أكثر أصحابنا: يلزمه إخراجها من غالب قوت البلد؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] [المائدة: 89].
و (الأوسط): الأعدل، وأعدل ما يطعم أهله قوت البلد.
فإن عدل عن قوته أو قوت بلده إلى قوت بلد آخر، فإن كان أعلى مما وجب عليه، بأن عدل عن الذرة والشعير إلى البر.. أجزأه؛ لأنه أعلى مما وجب عليه، وإن كان دون ذلك، بأن عدل عن البر إلى الذرة والشعير.. فهل يجزئه؟ فيه قولان، حكاهما الشيخ أبو حامد، وحكاهما في " المهذب " وجهين: أحدهما: يجزئه؛ لأنه قوت تجب فيه الزكاة.
والثاني: لا يجزئه، وهو الأصح؛ لأنه دون ما وجب عليه.
وإن أخرج من قوت لا تجب فيه الزكاة، فإن كان غير الأقط.. لم يجزه، وإن كان من الأقط.. ففيه قولان، كما قلنا في زكاة الفطر.
وإن كان في بلد لا قوت لهم تجب فيه الزكاة.. وجب من قوت أقرب البلاد إليه.
وهل يجزئه إخراج الدقيق والخبز والسويق؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزئه؛ لأنه مهيأ للاقتيات.
والثاني: لا يجزئه، وهو الصحيح؛ لأنه قد فوت فيه وجوها من المنفعة.
وإن أخرج القيمة.. لم يجزه، كما قلنا في الزكاة.

مسألة: توزيع الستين مدا على مائة وعشرين لا يكفي

]: وإن دفع ستين مدا إلى مائة وعشرين مسكينا، إلى كل واحد منهم نصف مد.. لم

يجزه ذلك، وقيل له: اختر منهم ستين مسكينا، وادفع إلى كل واحد منهم نصف مد؛ لأنه لا يجوز أن يدفع إلى كل واحد منهم أقل من مد.
فإن دفع إلى ستين مسكينا ستين مدا، إلى كل واحد منهم مدا دفعة واحدة أو في أوقات متفرقة.. أجزأه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] [المجادلة: 4].
فعم، ولم يخص.
وإن دفع إلى ثلاثين مسكينا ستين مدا، إلى كل واحد مدين.. لم يجزه إلا ثلاثون مدا؛ لأنه لم يطعم ستين مسكينا، وعليه أن يخرج ثلاثين مدا؛ لكل واحد مدا، وهل له أن يرجع على كل واحد من الثلاثين بما زاد على المد؟ ينظر فيه: فإن بين: أن ذلك عن كفارة واحدة.. كان له أن يرجع به؛ لأن ما زاد على المد عن الكفارة.. لا يجزئ دفعه إلى واحد.
وإن أطلق.. لم يرجع؛ لأن الظاهر أن ذلك تطوع، وقد لزم بالقبض.
وإن وجبت عليه كفارتان من جنس أو جنسين، فدفع إلى كل مسكين مدين.. أجزأه؛ لأنه لم يدفع إليه عن كل كفارة أكثر من مد.
ويجوز الدفع إلى الكبار من المساكين، وإلى الصغار منهم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] [المجادلة: 4].
ولم يفرق.
ولكن يدفع مال الصغير إلى وليه، فإن دفع إلى الصغير.. لم يجزه؛ لأنه ليس من أهل القبض؛ ولهذا: لو كان عليه دين، فأقبضه إياه.. لم يبرأ بذلك.

فرع: العطاء المجزئ في الكفارة

هو دفع مد لكل واحد]: والدفع المبرئ له هو: أن يدفع إلى كل مسكين مدا، ويقول: خذه، أو كله، أو أبحته لك.
فإن قدم ستين مدا إلى ستين مسكينا، وقال: خذوه، أو كلوه، أو أبحته لكم.. لم يجزه ذلك؛ لأن عليه أن يوصل إلى كل واحد منهم مدا، وهذا لم يفعل ذلك.
وإن قال: ملكتكم هذا بينكم بالسوية، وأقبضهم إياه، فقبضوه.. ففيه وجهان:

[أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: لا يجزئه؛ لأن عليهم مشقة في القسمة، فلم يجزه، كما لو دفع إليهم الطعام في السنابل.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: يجزئه، وهو الأصح؛ لأنه قد ملكهم إياه، ولا يلحقهم في قسمته كثير مشقة، ويمكن كل واحد منهم بيع نصيبه مشاعا.
وإن جمع ستين مسكينا وغداهم وعشاهم.. لم يجزه.
وقال أبو حنيفة: (يجزئه).
دليلنا: أن الواجب عليه دفع الحب، وهذا لم يدفع الحب.
ولأنه لا يتحقق أن كل واحد منهم أكل قدر حقه، وهو يشك في إسقاط الغرض عن ذمته، والأصل بقاؤه.

فرع: لا تدفع الكفارة لغير المسلم المكلف

]: ولا يجوز دفعها إلى عبد ولا إلى كافر، ولا إلى من تلزمه نفقته؛ لما ذكرناه في الزكاة.
ولا يجوز دفعها إلى مكاتب وإن جاز دفع الزكاة إليه؛ لأن القصد بالكفارة المواساة المحضة، والمكاتب مستغن عن ذلك؛ لأنه إن كان له كسب.. فنفقته في كسبه، وإن لم يكن له كسب.. فيمكنه أن يعجز نفسه، وتكون نفقته على سيده.

فرع: القدرة على الصيام بعد الإطعام

]: وإن أطعم بعض المساكين، ثم قدر على الصيام.. لم يلزمه الصيام، كما قلنا فيمن قدر على العتق بعد الشروع في الصيام، والمستحب له: أن يصوم.
وإن وطئها في خلال الإطعام.. أثم بذلك، ولا يلزمه الاستئناف.
وقال مالك: (يلزمه).
دليلنا: أن الوطء لا يبطل ما فعله من الإطعام، فلم يلزمه الاستئناف، كما لو وطئ غيرها.

فرع: لا يجزئ الإطعام إلا بالنية

]: ولا يجزئه الإطعام إلا بالنية؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى».
وهل يجب أن تكون النية مقارنة للدفع، أو يجوز تقديمها على الدفع؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في الزكاة.

مسألة: علق عتق عبده على ظهاره إن ظاهر

]: إذا قال لعبده: أنت حر الساعة عن ظهاري إن تظاهرت.. عتق عليه العبد في الحال، فإن تظاهر بعد ذلك.. لم يجزه عتق ذلك العبد عن الظهار؛ لأن حقوق الأموال إنما يجوز تقديمها على وقت وجوبها.. إذا وجد أحد السببين، فأما بتقديمه عليهما.. فلا يصح.
وإن قال لعبده: أنت حر عن ظهاري إن تظاهرت.. لم يعتق العبد في الحال؛ لأنه علق عتقه بصفة، فلا يعتق قبل وجود الصفة، فإن تظاهر.. عتق العبد، وهل يجزيه عن ظهاره؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وإن ظاهر من الرجعية، ثم أعتق عن ظهاره، أو أطعم قبل الرجعة، ثم راجعها.. فهل يجزئه؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزئه، وهو الأصح؛ لأنه حق مال يتعلق بسببين، فإذا وجد أحدهما.. جاز تقديمه على الآخر، كإخراج الزكاة بعد ملك النصاب وقبل الحول.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه استباحة محظور، فلا يجوز تقديم الكفارة فيه، كما لو حلف لا يشرب الخمر، فأراد أن يكفر قبل أن يشرب الخمر.
وإن أراد أن يكفر بالصيام.. لم يجز، وجها واحدا؛ لأنه صوم، فلا يجوز تقديمه قبل وجوبه، كصوم رمضان.

فرع: علق ظهارا على الدخول وأعتق عبدا قبل دخوله

]: وإن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، فأعتق عبدا عن ظهاره قبل دخول الدار، ثم دخل الدار.. صار مظاهرا بدخول الدار، وهل يجزئه عتق ذلك العبد عن ظهاره؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال ابن الحداد: يجزئه؛ لأن العتق وجد منه بعد تلفظه بالظهار، فأجزأه، كما لو أعتق بعد الظهار وقبل العود، ثم عاد.
و [الثاني]: قال سائر أصحابنا: لا يجزئه؛ لأن العتق وجد منه قبل الظهار؛ لأن تعليق الظهار بالصفة ليس بظهار، فهو كما لو أعتق عبدا عن الظهار وقبل الظهار.

مسألة: الكافر يكفر بالعتق والإطعام

وإن ظاهر الكافر.. كفر بالعتق إن كان من أهل العتق، فإن لم يكن من أهل العتق.. كفر بالإطعام، ولا يكفر بالصيام؛ لأن العتق والإطعام يصحان منه في غير الظهار، فيصحان منه في الظهار، والصيام لا يصح منه في غير الظهار، فلا يصح منه في الظهار.
ولا يجزئه إلا عتق رقبة مؤمنة، كما قلنا في المسلم.
وإن ظاهر المسلم من امرأته، ثم ارتد قبل أن يكفر، فأعتق أو أطعم في حال ردته، فإن قلنا: إن ملكه ثابت لا يزول بالردة.. صح عتقه وإطعامه عن الكفارة.
فإن قيل: كيف يصح منه ذلك، ولا نية في ذلك؟ فالجواب: أن العبادات المالية المقصود منها: إيصالها إلى الفقراء والمساكين، والنية فيها على وجه التبع، فإن تعذرت النية.. لم يسقط المال، وأجزأ دفعه من غير نية؛ ولهذا قلنا: إذا امتنع من عليه الزكاة من دفعها، فأخذها الإمام منه قهرا.. أجزأه من غير نية لتعذرها.
وإن قلنا: إن ملكه مراعى.. كان عتقه وإطعامه مراعى، فإن رجع إلى الإسلام.. وقعت الكفارة موقعها، وإن مات أو قتل على الردة.. تبينا أن ملكه زال بالردة، فلم يعتق العبد، ولم يصح الإطعام.
وإن قلنا: إن ملكه زال بالردة.. لم يصح عتقه وإطعامه.

ومن أصحابنا من قال: لا يزول ملكه بالردة، قولا واحدا، وإنما تصرفه لا ينفذ على هذا، ويصير كالمحجور عليه.
وإن صام المرتد في حال ردته.. لم يصح صومه؛ لأن عبادته بدنية، فلم تصح من الكافر، كالصلاة.
فإن كان المظاهر عبدا.. لم يجب عليه العتق، ولا يجزئ عنه؛ لأنه يتضمن ثبوت الولاء، وليس هو ممن يثبت له الولاء، ويكفر بالصوم.
فإن عجز عن الصوم، فإن ملكه السيد مالا، وقلنا: إنه يملكه.. كفر بالإطعام، وإن قلنا: إنه لا يملكه.. لم يكفر بالإطعام.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال القفال: إذا ملكه السيد عبدا - وقلنا: يملكه - فأعتقه عن كفارته.. ففيه قولان، بناء على أن المكاتب إذا أعتق عبدا هل يصح؟ وفيه قولان.
فإن قلنا: يصح.. كان ولاؤه موقوفا إلى أن يعتق، فإن أعتق.. كان ولاؤه له، كذلك هاهنا.
وإن أعتق العبد قبل أن يكفر وصار موسرا.. فقد قال البغداديون من أصحابنا: لا يجب عليه العتق، قولا واحدا؛ لأنه لم يكن ممن يجزئ عنه العتق عند الوجوب، وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إن قلنا: إن الاعتبار بحال الأداء.. فكفارته العتق، وإن قلنا: الاعتبار بحال الوجوب.. فإن قلنا: العبد يملك المال.. كفر بالصيام إن كان من أهله، أو بالإطعام، أو بالكسوة في كفارة اليمين، وإن قلنا: لا يملك المال.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يجزئه إلا بالصيام؛ لأنه تعين عليه.
والثاني: يجزئه العتق؛ لأنه أعلى حالا من الصوم.
وبالله التوفيق.

جارٍ التحميل