البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 130-169

كتاب الطهارة

صفحات 130-169
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

و [الرابع]: قال الزهري: هما من الوجه، فيجب غسلهما مع الوجه.
وحكى الشاشي: أن أبا العباس بن سريج كان يغسل أذنيه مع الوجه، ويمسحهما مع الرأس احتياطًا.
وهذا ليس بمشهور عنه.
و [الخامس]: قال الشعبي، والحسن بن صالح، وإسحاق: ما أقبل منهما من الوجه فيغسل مع الوجه، وما أدبر منهما مع الرأس فيمسح معه.
دليلنا: ما روى عبد الله بن زيد بن عاصم ـ وليس بصاحب الأذان ـ من " التعليقة " لعطاء: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: توضأ، فمسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به رأسه»؛ ولأن كل ما لم يجز مسحه عن مسح الرأس، انفرد بحكمه، كالجبهة.
ومسحهما: سنة غير واجب؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله».
ولم يأمر الله بمسحهما.

مسألة: فرضية غسل الرجلين

]: ثم يغسل رجليه ـ وهو واجب ـ في قول أكثر العلماء.
وقالت الإمامية ـ من الرافضة ـ: يجب مسحهما، ولا يجزئ غسلهما.
وقال ابن جرير الطبري: هو مخير بين أن يغسلهما، وبين أن يمسحهما.
وقال بعض أهل الظاهر: يجب عليه أن يجمع بين غسلهما ومسحهما.
دليلنا قولة تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] [المائدة: 6] بنصب قوله: (وأرجلكم)، فتكون عطفًا على الغسل.

وقراءة من قرأ بخفض (وأرجلكم)، فإنما هو جر بالجوار، لا بحكم العطف.
[كما] قال الشاعر: فظل طهاة اللحم من بين منضجٍ... صفيف شواءٍ أو قديرٍ معجل فجر: أو (قديرٍ) بالجوار مع واو العطف.
وتقول العرب: (هذا جحر ضب خربٍ).

ولأن كل من وصف وضوء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا: غسل رجليه، ولم يذكر أحد منهم: أنه مسحهما.
وقال جابر: «أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذا توضأنا أن نغسل أرجلنا».
قال الصيمري: فإن كان هو الغاسل بنفسه، بدأ بصب الماء من أطراف أصابعه إلى كعبيه.
وإن كان غيره هو الغاسل له، صب الماء من كعبيه إلى أطراف أصابعه.

فرع: الكعبان من الرجلين

]: ويجب إدخال الكعبين في الغسل.
وقال زفر بن الهذيل، وأبو بكر بن داود: هما حدان، فلا يجب إدخالهما في الغسل.
دليلنا قولة تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] [المائدة: 6].
قال أهل التفسير: مع الكعبين.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ويل للأعقاب من النار» يعني: التي لم يصبها الماء.
و (الكعبان): هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم.
وقال محمد بن الحسن، وبعض أصحاب الحديث: الكعبان: هما العظمان الناتئان في ظهر القدم موضع الشراك.

دليلنا: قولة تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] [المائدة: 6]، ولم يرد به حد جميعهما؛ لأنه لو أراد ذلك لقال: إلى الكعاب، كما قال تعالى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] [المائدة: 6].
فدل على: أنه أراد حد الرجل الواحدة، وليس للرجل الواحدة كعبان إلا على ما قلنا، وعلى قولهم لا يكون لها إلا كعب واحد.
وروى النعمان بن بشير قال: «أقبل علينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بوجهه، وقال: " أقيموا صفوفكم ". فلقد رأيت الرجل منا يلصق كعبه بكعب صاحبه، ومنكبه بمنكبه».
وهذا لا يكون إلا على ما قلناه.

فرع: وجوب تخليل الأصابع الملتوية

]: فإن كانت أصابعه ملتفة لا يصل الماء إلى باطنها إلا بالتخليل... وجب عليه إيصال الماء إلى باطنها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خللوا بين أصابعكم، لا يخلل الله بينها النار».
وإن كانت منفرجة يصل الماء إليها من غير تخليل.. استحب له التخليل بينها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للقيط بن صبره: «وخلل بين الأصابع».
وكيفية استحباب التخليل: أن يبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويختمها بإبهامها، ويبدأ بإبهام رجله اليسرى، ويختمها بخنصرها، ويكون ذلك من أسفل الرجل في باطن القدم.

وإن خلقت أصابعه مرتتقة، فلا يجب عليه أن يفتقها.
ويستحب له أن يغسل فوق المرفقين، وفوق الكعبين؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تأتي أمتي يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل».

مسألة: تكرار الغسل في الوضوء

مسألة: [تكرار الغسل]: والواجب في الوضوء الغسل والمسح مرة مرة، والمرتان فضيلة، والثلاث سنة، والزيادة على ذلك مكروهة.
وقال بعض الناس: الثلاث واجبة.
وقال مالك: (السنة: مرة مرة).
دليلنا: ما روى أبي بن كعب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ مرة مرة، وقال: " هذا وضوء، لا يقبل الله الصلاة إلا به " ثم توضأ مرتين مرتين، وقال: " من توضأ مرتين.. آتاه الله أجره مرتين "، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوء خليلي إبراهيم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» ففي الخبر دليل على الفريقين.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: " هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم».

فمعنى قوله: (فقد أساء): لمخالفته السنة إذا نقص عن الثلاث.
ومعنى قوله: (ظلم): إذا زاد عليها، يعني جاوز الحد؛ لأن الظلم: مجاوزة الحد، وهي إساءة وظلم لا تقتضي العصيان والإثم.

مسألة: وجوب الترتيب في الوضوء

]: ويجب الترتيب في الوضوء مع الذكر، وهو: أن يبدأ بغسل وجهه، ثم بيديه، ثم يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
فإن نسي الترتيب فهل يجزئه؟ فيه قولان، كما لو نسي الفاتحة حتى ركع، الصحيح: لا يجزئه.
وذهبت طائفة إلى: أن الترتيب ليس بواجب، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود.
وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، والزهري، والنخعي، ومكحول.
والأوزاعي، ومالك، وأبو حنيفة، وداود، والمزني.
وهو اختيار الشيخ أبي نصر في " المعتمد ". دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] [المائدة: 6] قلنا: من هذه الآية أدلة: منها قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، والفاء: للتعقيب، فمن قال: إنه يبدأ بغسل اليد، فقد خالف ظاهر القرآن.
والثاني: أن الله تعالى، بدأ بالوجه، ثم باليد بعده، والرأس أقرب إلى الوجه، فلو جازت البداية بالرأس لذكره بعد الوجه؛ لأنه أقرب إليه.
والثالث: أنه أدخل مسح الرأس بين غسل اليدين، وغسل الرجلين، وقطع النظير عن نظيره، فدل على: أنه قصد إيجاب الترتيب.

وروى أبي بن كعب: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: توضأ مرتبًا مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به.» ولأنها عبادة تشتمل على أفعال متغايرة في أصل وضعها، يرتبط بعضها ببعض، فوجب فيها الترتيب، كالصلاة والحج.
فقولنا: (تشتمل على أفعال) احتراز من الخطبة، فإنها تشتمل على أقوال متغايرة، ولا يجب فيها الترتيب.
وقولنا: (متغايرة) ـ يعني: نفلا وفرضًا، ومغسولا وممسوحًا ـ احتراز من غسل الجنابة والنجاسة، والعضو الواحد في الوضوء.
وقولنا: (في أصل وضعها) احتراز ممن وضع الجبيرة على بعض العضو، فإنه لا يجب عليه الترتيب بين المسح على الجبيرة، وغسل الصحيح من العضو؛ لأن المسح لم يجب في أصل وضع الطهارة على جميع الناس.
وقولنا: (يرتبط بعضها ببعضٍ) احتراز من جلد البكر وتغريبه في الزنا؛ فإنه لو تقدم التغريب على الجلد أجزأه.

مسألة: استحباب الولاء

]: ويوالي بين أعضائه، فإن فرق تفريقًا يسيرًا لم يضر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه.

وإن فرق تفريقًا كثيرًا فهل تصح طهارته؟ فيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (لا تصح طهارته).
وبه قال عمر؛ لما روى خالد بن معدان، عن رجل من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى رجلا على قدمه لمعة قدر درهم، لم يصبها الماء، فأمره بإعادة الوضوء، والصلاة».
ولأنها عبادة يبطلها الحدث، فأبطلها التفريق الكثير، كالصلاة.
أو عبادة يرجع إلى شطرها مع العذر، فكانت الموالاة شرطًا فيها، كالصلاة، وفيها احتراز من تفرقة الزكاة.
و [الثاني]: قال في الجديد: (تصح طهارته).
وبه قال ابن عمر، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، وهو الصحيح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6].
فأمر بغسل هذه الأعضاء، والأمر يقتضي إيجاد المأمور به، سواء أوجده متواليًا أو متفرقًا.
وروى ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ في السوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه فدعي إلى جنازة، فأتى المسجد، فدعا بماء، فمسح على خفيه وصلى عليها».
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وبين ذهابه من السوق إلى المسجد تفريق كثير)؛ ولأنها عبادة لا يبطلها التفريق اليسير، فلم يبطلها التفريق الكثير، كالحج، وتفرقة الزكاة.
وفيه احتراز من أفعال الصلاة.

واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا فرق لغير عذر، فأما إذا فرق لعذر، بأن ينقلب الوضوء، فيمضي في طلبه، أو ما أشبه ذلك، فيجوز قولا واحدًا.
وهو قول مالك، والليث، وأحمد، واختاره المسعودي [" في الإبانة " ق\19].
ومنهم من قال: القولان في الجميع، وهو نقل البغداديين من أصحابنا.
واختلف أصحابنا في حد التفريق الكثير: فذهب أكثرهم إلى: أن حده هو: أن يجف الماء على العضو قبل أن يغسل ما بعده، في زمان معتدل، مع استواء الحال، ولا اعتبار بشدة الحر والريح، فإن الجفاف يسارع فيهما، ولا بشدة البرد، فإن الجفاف يبطئ فيه.
ويعتبر: استواء حال المتوضئ، فإنه إذا كان محموما، فإن الجفاف يسارع إليه لأجل الحمى.
ومنهم من قال: التفريق الكثير: هو التطاول المتفاحش.

فرع: عدم الموالاة بين الغسل والتيمم

]: وإن فرق في الغسل والتيمم تفريقًا كثيرًا، فهل يبطل؟ قال ابن الحداد، وابن القاص: لا يبطل قولا واحدًا.
وقال أكثر أصحابنا: هو على قولين: كالوضوء، وهو الأصح.
فإذا فرق تفريقًا كثيرًا، وقلنا بقوله القديم، لزمه استئناف الطهارة، ولا كلام.
وإن قلنا بقوله الجديد، لم يلزمه استئناف الطهارة، ولكن هل يلزمه استئناف النية؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه، لأن النية قد انقطعت بطول الزمان.
والثاني: لا يلزمه.

قال ابن الصباغ: وهو الأظهر، لأن التفريق إذا جاز، لم ينقطع حكم الأول.

مسألة: ما يقال عقب الوضوء

]: والمستحب: لمن فرغ من الوضوء: أن يستقبل القبلة، ويقول ما روى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من توضأ، فأحسن وضوءه، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ـ صادقًا من قلبه ـ اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فتح الله له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أي باب شاء».
ويقول ما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من توضأ، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق، وطبع عليها بطابع، فلم يكسر إلى يوم القيامة» أي: ختم بخاتم.
قال أبو علي في " الإفصاح ": ويستحب له ألا ينفض يده، لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان».

قال ابن الصباغ: وقد روت ميمونة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغتسل، فجعل ينفض يديه».
ولما فرغ الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من ذكر الوضوء، قال: (وذلك أكمل الوضوء إن شاء الله).
فإن قيل: أفتراه كان شاكا فيما ذكر؟ والمشيئة تكون في المستقبل لا في الماضي، لا يقول الرجل: قمت إن شاء الله، وإنما يقول: أقوم إن شاء الله.
فعن ذلك جوابات: [الأول]: قيل: أي ذلك أكمل الوضوء بمشيئة الله تعالى، أي: إن شاء الله تعالى أن يكون هذا أكمل الوضوء.
و [الثاني]: قيل: هذه الجملة مشتملة على المفروضات والمسنونات، وليس يقطع على الله بصحة جميعها، ولا أنه على يقين من سائرها، فلهذا حسُن أن يقول: إن شاء الله.
و [الثالث]: قيل: لأن من الناس من خالفه في أكمل الوضوء، لأن بعضهم يرى أن يجعل شيء من الماء فيما يلي حلقه ومؤخر الرأس، وكان ابن عمر يدخل الماء في عينيه.

و [الرابع]: قيل: ليس يعود إلى الأكمل، لكن تقدير الكلام: وذلك أكمل الوضوء الذي من فعله.. حاز الفضل ورجا الثواب من الله إن شاء الله تعالى.
و [الخامس]: قيل: معناه المستقبل لا الماضي، أي: الذي وصفته هو الكمال فتوضؤوا كذلك إن شاء الله.

مسألة: القول في تنشيف الأعضاء

]: وأما تنشيف الأعضاء من بلل الوضوء والغسل: قال أصحابنا البغداديون: فلا خلاف أنه جائز، ولا خلاف أنه ليس بمستحب، ولكن هل يكره؟ اختلف الصحابة فيه على ثلاثة مذاهب: فـ[الأول]: روي عن عثمان، وأنس وبشير بن أبي مسعود، والحسن بن علي، أنهم قالوا: (لا بأس به في الوضوء والغسل)، وهو قول مالك، والثوري، لما روى قيس بن سعد، قال: «أتانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوضعنا له غسلا فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسية، فالتحف بها، فرأيت أثر الورس على عكنه»، وروي «على كتفه».
و [الثاني]: روي عن عمر: أنه كرهه في الوضوء والغسل، وبه قال ابن أبي ليلى، لما روت ميمونة، قالت: «دخل علي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فوضعت له غسلا فاغتسل، فلما فرغ ناولته المنديل، فلم يأخذه، وجعل ينفض يديه».

و [الثالث]: قال ابن عباس: (لا بأس به في الغسل دون الوضوء).
قال أصحابنا: وليس للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيه نص، والذي يقتضيه المذهب: أنه لا يحرم فعله، لحديث قيس بن سعد، والأولى أن يتركه، لحديث ميمونة، ولأنه أثر عبادة، فاستحب تركها، كخلوف فم الصائم.
وقال المسعودي [في الإبانة: ق\19]: هل يستحب المسح بالخرقة؟ فيه وجهان.

مسألة: واجبات وسنن الطهارة

]: قال أصحابنا: الطهارة تشتمل على واجبات، ومسنونات، وهيئات.
فالواجبات: ما كان شرطًا في الطهارة، وذلك ستة أشياء، لا خلاف فيها على المذهب، وهي: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين، والترتيب، وفي السابع ـ وهو الموالاة ـ قولان.
وأما المسنونات: فكل ما كان ليس بشرط في الطهارة، ولكنه راتب فيها، وهي أشياء: المضمضة، والاستنشاق، وتخليل اللحية، واستيعاب مسح الرأس، ومسح الأذنين والعنق، والدفعة الثانية والثالثة، والبداية باليمين، وفي التسمية وغسل الكفين قبل إدخالهما في الإناء وجهان: أحدهما: أنهما سُنَّة، والثاني: أنهما هيئة.
وأما الهيئات: فرتبتها دون رتبة المسنونات، وذلك كتخليل الأصابع، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق، وتطويل الغرة.

ويدعو عند غسل الوجه، فيقول: اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه.
وعند غسل اليد اليمنى: اللهم أعطني كتابي بيميني.
وعند غسل اليد اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري، ولا تغلل يدي إلى عنقي.
وعند مسح الرأس: اللهم حرم شعري وبشري على النار.
وعند مسح الأذنين: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وعند غسل الرجلين: اللهم ثبت قدمي على الصراط المستقيم.

مسألة: الشك بعد انتهاء الوضوء

]: إذا فرغ من الطهارة، ثم شك: هل مسح رأسه، أو غسل عضوًا من أعضاء الطهارة؟ ففيه وجهان: [أحدهما]: قال الشيخ أبو حامد: لا تأثير لهذا الشك، لأن الشك الطارئ بعد الفراغ من العبادة لا تأثير له، كما لو فرغ من الصلاة، ثم شك: هل ترك رُكنًا منها؟ و [الثاني]: قال ابن الصباغ: لهذا الشك تأثير، كما لو طرأ عليه الشك في أثناء الطهارة، ولأن الطهارة تقصد للصلاة، ولهذا: ظهور أصلها بعد الفراغ منها،

كظهوره قبل الفراغ منها، وهو الماء، ولأنا لو لم نجعل لهذا الشك تأثيرًا لأدى إلى أن يدخل في الصلاة بطهارة مشكوك فيها.
ومن قال بالأول، قال: لا يمتنع ذلك، كما لو توضأ وشك: هل أحدث أم لا؟ فإنه يجوز له الدخول في الصلاة بطهارة مشكوك فيها.

فرع: الشك في الطهارتين

]: وإن توضأ عن حدث فصلى به الظهر، ثم أحدث وتوضأ، فصلى به العصر، ثم تيقن أنه ترك مسح الرأس، في إحدى الطهارتين، ولا يعلم عينها، وجب عليه إعادة الصلاتين، لأنه تيقن أن إحداهما لم تسقط عنه فلزمه إعادتهما، ليسقط الفرض عنه بيقين.
وأما الطهارة: فإن قلنا: يجوز التفريق في الطهارة، مسح رأسه، وغسل رجليه، وإن قلنا: لا يجوز التفريق استأنف الطهارة.
فلو لم يحدث بعد الظهر، ولكن جدد الطهارة للعصر، ثم تيقن أنه ترك مسح الرأس في إحدى الطهارتين، قال الشيخ أبو حامد: لزمه إعادة الظهر، لأنه يشك: هل صلاها بطهارة صحيحة أو فاسدة، فلا يسقط عنه بالشك.
وأما العصر: فإن قلنا: إن من توضأ لمندوب، مثل: قراءة القرآن، والجلوس في المسجد، أو لتجديد الطهارة، يرتفع حدثه، لم يلزمه إعادة العصر.
وإن قلنا: لا يرتفع حدثه، أعاد العصر أيضًا، وما حكم الطهارة على هذا الوجه؟ إن قلنا: يجوز تفريق الوضوء، مسح رأسه وغسل رجليه.
وإن قلنا: لا يجوز التفريق، استأنف الطهارة.

فرع: رفع الحدث بتجديد الوضوء

]: وإن توضأ للصبح عن حدث فصلاها، ثم جدد الطهارة للظهر فصلاها، ثم أحدث فتوضأ للعصر فصلاها، ثم جدد الطهارة للمغرب فصلاها، ثم أحدث وتوضأ للعشاء فصلاها، ثم تيقن أنه ترك مسح الرأس في إحدى الطهارات ولا يعرف عينها.
فإن قلنا: إن تجديد الطهارة يرفع الحدث، صحت له صلاة الظهر والمغرب، ووجب عليه إعادة الصبح والعصر والعشاء.
وإن قلنا: إن التجديد لا يرفع الحدث، أعاد جميع الصلوات.
وأما الطهارة: فإن قلنا: يجوز تفريق الوضوء، مسح رأسه، وغسل رجليه، وإن قلنا: لا يجوز التفريق، استأنف الطهارة.
وبالله التوفيق.

باب المسح على الخفين

يجوز المسح على الخفين في الوضوء، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وقالت الشيعة، والخوارج:

لا يجوز المسح على الخفين، وهو قول أبي بكر بن داود.
وروي عن مالك في ذلك روايات: إحداهن: (يجوز المسح عليه مؤقتًا) كقول الشافعي الجديد.
الثانية: (أنه أجاز المسح عليه أبدًا) كقول الشافعي القديم.
الثالثة: (أنه يمسح عليه في الحضر دون السفر).
الرابعة: (أنه يمسح عليه في السفر دون الحضر) وهي الصحيحة عنه.
والخامسة: (أنه كره المسح على الخفين).
السادسة: رواية رواها ابن أبي ذئب عنه: (أنه أبطل المسح في آخر أيامه).
كقول الشيعة.
دليلنا: ما روى بلال: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه ومسح على خفيه».
وروى المغيرة بن شعبة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح على الخفين، فقلت: يا رسول الله، أنسيت، لم تخلع الخفين؟ فقال: " بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي عز وجل».
وهذا أمر اختيار، لا أمر إلزام.

وروي عن الحسن البصري، أنه قال: «حدثني سبعون من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه مسح على الخفين».
ولأن الحاجة تدعو إلي لبسه، وتلحقه المشقة في نزعه، فجاز المسح عليه، كالجبائر.
إذا ثبت هذا: فإن الشيخ أبا نصر قال في " المعتمد ": غسل الرجلين أفضل من المسح على الخفين، على قياس قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وقال الشعبي، والحكم، وحماد: المسح على الخفين أفضل من الغسل، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه».
دليلنا: أن الغسل أصل، والمسح بدل منه، فكان أفضل منه.
وأما الخبر: فإنما هو حث على ألا يترك الرخصة رغبة عنها.
ولا يجوز مسح الخفين في الغسل الواجب، كغسل الجنابة، والحيض، لما روى صفوان بن عسال المرادي: قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأمرنا إذا كنا مسافرين ـ أو سفرًا ـ ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول، أو نوم ثم نحدث بعد ذلك وضوءًا»، ولأن الغسل يندر، فلم تدع الحاجة إلى مسح الخفين فيه.

ولا يجوز المسح على الخفين في الغسل المسنون، كغسل الجمعة والعيدين، أي: لا يحكم له بصحة الغسل، لأنه يندر، فهو كغسل الجنابة.

مسألة: توقيت المسح

مسألة: [في توقيت المسح]: روى الزعفراني: أن الشافعي قال في العراق: (يجوز المسح على الخفين من غير توقيت)، وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وبه قال الليث.
ووجهه: ما «روي عن أُبي بن عمارة بكسر العين، من " المؤتلف والمختلف "، وقال في " الاستيعاب ": هو بضم العين عُمارة: أنه قال: يا رسول الله، أمسح على الخف؟ قال: " نعم "، قلت: يومًا، قال: " نعم "، إلى أن بلغ سبعًا، قال: " نعم وما بدا لك».
ولأنه مسح بالماء فلم يتوقت كمسح الرأس.
قال الزعفراني: ورجع الشافعي عن هذا قبل رحلته من عندنا إلى مصر، وقال: (يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن)، وبه قال علي بن أبي

طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وهو قول عطاء، وشريح، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، وهو الأصح، لما روى أبو بكرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرخص للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن»، ولأن المسح على الخفين إنما أجيز لتترفه رجله، ولا حاجة بالمقيم إلى ترك رجله في الخف فيما زاد على يوم وليلة، ولا بالمسافر فيما زاد على ثلاثة أيام ولياليهن، بل الحاجة تدعو إلى كشفها، لتسوية لفائفه وإراحة رجله.

مسألة: ابتداء مدة المسح

]: وابتداء المدة من حين بعد لبس الخفين، لا من حين اللبس، ولا من حين الطهارة بعد الحدث.
وقال الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود: (ابتداء المدة من حين المسح).
دليلنا: ما روي في حديث صفوان بن عسال المرادي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من الحدث إلى الحدث».
ولأن زمان الحدث زمان يستباح به المسح، فكان من وقته كبعد المسح.
إذا ثبت هذا: فأكثر ما يصلي المقيم بالمسح في الوقت خمس صلوات بغير حيلة ولا عذر، وبالحيلة ست صلوات وهو: أن يحدث بعد اللبس بعد أن توسط وقت الظهر ويصليها، ثم يصليها في اليوم الثاني في أول وقتها، ويمكنه أن يصلي سبع صلوات مع الحيلة والعذر، وهو: أن يصلي في اليوم الأول الظهر في آخر وقتها حين أحدث، ويصليها في اليوم الثاني في أول وقتها، ويقدم إليها العصر في المطر.

وأكثر ما يمكن للمسافر أن يصلي بالمسح من صلوات في وقتها: خمس عشرة صلاة من غير حيلة، ولا عذر، ومع الحيلة ست عشرة صلاة، وبالحيلة والعذر: سبع عشرة صلاة، كما ذكرنا في المقيم.
وإن كان السفر معصية، لم يجز له أن يمسح ما زاد على يوم وليلة، لأنه مستفاد بالسفر، والعاصي لا يجوز له الترخص برخص المسافرين.
وهل له أن يمسح يومًا وليلة؟ فيه وجهان، حكاهما في " الفروع "، المشهور: أنه يستبيح ذلك.

[مسألة: شأن من مسح حضرًا ثم سافر]

]: وإن لبس الخف في الحضر، ثم سافر قبل أن يحدث، ثم أحدث في السفر، فله أن يسمح مسح مسافر، بلا خلاف، لأن ابتداء مدة المسح وابتداء فعله وجد في السفر.
وإن أحدث في الحضر، ثم سافر قبل أن يمسح، وقبل أن يخرج وقت الصلاة، ثم مسح في السفر، فإنه يمسح مسح مسافر.
وقال المزني: لا يجوز له أن يمسح مسح مسافر، بل يمسح مسح مقيم؛ لأنه قد اجتمع السفر والحضر في وقت المسح.
دليلنا: أنه سافر قبل أن يتلبس بالعبادة في وقتها، فكان الاعتبار بفعلها لا بدخول وقتها، كالصلاة.
وإن أحدث في الحضر وخرج وقت الصلاة، ثم سافر ومسح في السفر... ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: لا يستبيح مسح مسافر، بل يمسح مسح مقيم لا غير؛ لأن المقيم لو خرج عنه وقت الصلاة في الحضر، ثم سافر، فإنه يلزمه إتمام الصلاة، كما لو أحرم بالصلاة في الحضر، ثم سافر فإنه يلزمه أن يتم، فإذا كان خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزلة التلبس بالصلاة في الحضر في وجوب إتمامها، فكذلك خروج وقت الصلاة عنه في الحضر بمنزله تلبسه بالمسح في الحضر.

و [الثاني]: قال أبو علي بن أبي هريرة: له أن يمسح مسح مسافر.
وهو الصحيح؛ لأنه سافر قبل التلبس بالمسح، فكان له أن يمسح مسح مسافر، كما لو سافر قبل خروج وقت الصلاة.
ويخالف الصلاة، فإنه يأتي بها بعد الوقت قضاء، والمسح يأتي به أداء في وقته.
وإن أحدث في الحضر ومسح، ثم سافر، أتم مسح مقيم لا غير، وبه قال أحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة، والثوري: (له أن يمسح مسح مسافر).
دليلنا: أنها عبادة تتغير بالحضر والسفر، فإذا تلبس بها في الحضر، ثم سافر كان الاعتبار بحكم الحضر، كما لو أحرم بالصلاة في الحضر، ثم سافر.
وإن أحدث في السفر ومسح، ثم أقام، أتم مسح مقيم لا غير، فإن أقام بعد استكمال مدة مسح المقيم، نزع الخفين.
وإن أقام قبل استكماله، كان له أن يتم مسح مقيم لا غير.
وقال المزني: يمسح ثلث ما بقي له من المدة من حين الإقامة.
دليلنا: أنها عبادة تتغير بالحضر والسفر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر، كالصلاة.

فرع: نية الإقامة في الصلاة

]: قال في " الأم " [1/30]: (ولو مسح المسافر يوما وليلة، ثم دخل في الصلاة فنوى الإقامة في الصلاة، بطلت صلاته)؛ لأنه قد استكمل مسح المقيم، فإذا نوى الإقامة بطل مسحه، فبطلت صلاته.

فرع: الشك في ابتداء المسح

]: وإذا سافر، ثم شك: هل ابتدأ المسح في السفر، أو في الحضر؟ بنى الأمر على أنه بدأ في الحضر؛ لتكون طهارته صحيحة بيقين، ولا يجوز له

المسح بعد ذلك؛ لأنه شك في إباحته.
فإن ذكر بعد ذلك أنه كان ابتداء المسح في السفر، أتم مسح مسافر.
فإن صلى بالمسح بعد يوم وليلة مع شكه، ثم تيقن بعد ذلك أن ابتداء المسح كان في السفر، لزمه إعادة ما صلى بالشك؛ لأنه صلاها وهو يعتقد أنه على غير طهارة، فلم يصح.
وإن شك: هل كان حدثه وقت الظهر أو وقت العصر؟ بنى الأمر على أنه كان حدثه وقت الظهر؛ ليرجع إلى اليقين.

فرع: لا يمسح في مدة الشك

]: قال الشافعي رحمة الله: (فإن تيقن أنه صلى بالمسح ثلاث صلوات، وشك: هل صلى الرابعة أم لا؟ أعاد الرابعة، وأخذ في المسح بالأكثر).
وصورتها: أن يتيقن لابس الخف: أنه صلى العصر والمغرب والعشاء بطهارة المسح، وشك: هل أحدث وقت الظهر، وتوضأ للظهر ومسح وصلاها أم أغفلها ولم يصلها؟ فإن عليه إعادة الظهر؛ لأنه شك: هل صلاها أم لا؟ والأصل: أنه ما صلاها حتى يعلم أنه صلاها بيقين.
وأما المسح: فإنه يحتسب على أنه أحدث في وقت الظهر، فيكون له المسح إلى مثله من الغد، لأن هذا يقين، وما ذاد عليه شك: هل له فيه المسح أم لا؟ والأصل: أنه لا مسح حتى يعلم جوازه.

مسألة: وصف خف المسح

]: ويجوز المسح على كل خف صحيح، يمكن متابعة المشي عليه، وهو: التردد عليه لحوائجه، سواء كان من جلد، أو لبد ثخين، أو خرق طبق بعضها فوق بعض، لأن الحاجة تدعو إلى لبسه.

قال الطبري: فإن لبس خفًا من زجاج، جاز المسح عليه، وإن بدا منه لون الرجل، وليس كمن يستر عورته بشيء من الزجاج يبدو منه لون العورة، فإنه لا يصح؛ لأن القصد ستر العورة، وأن لا تراها أعين الناس، وذلك لا يحصل في الزجاج.
والقصد في الخف: لبس ما يمكن متابعة المشي عليه، وذلك يمكن في الزجاج.
قال الجويني: الواجب في الخف ستر الرجل مع الكعب من الجوانب، ومن أسفلها، ولا يجب سترها من أعلاها؛ لأن ذلك يتعذر، والواجب في العورة سترها من أعلاها ومن الجوانب لا من أسفل؛ لأن ذلك يتعذر.
وإن لبس خفًا لا يمكنه التردد عليه في حوائجه، إما: لرقته، أو لثقله، لم يجز المسح عليه؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه.

فرع: المسح على الخف المخرق

]: وهل يجوز المسح على الخف المخرق؟ ينظر فيه: فإن كان الخرق فوق الكعب.. جاز المسح عليه، لأن عدم ساق الخف لا يمنع من جواز المسح على الخف، فكذلك خرقه.
وإن كان الخرق في محل الفرض، فإن كان الخرق يمنع متابعة المشي عليه، لم يجز المسح عليه، لأن الحاجة لا تدعو إلى لبسه.
وإن كان الخرق لا يمنع متابعة المشي عليه.. ففيه قولان: [الأول]: قال في القديم: (يجوز) لأنه خف يمكن متابعة المشي عليه، فأشبه الصحيح.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يجوز)، وهو الصحيح، لأن ما بدا من الرجل فحكمه حكم الغسل، وما استتر، حكمه حكم المسح، والجمع بينهما لا يجوز، كما لو بدت إحدى الرجلين، واستترت الأخرى.

وقال مالك: (إن كبر الخرق وتفاحش، لم يجز المسح عليه، وإن كان دون ذلك، جاز المسح عليه).
وحكى الشيخ أبو حامد: أن هذا قول الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في القديم، والأول حكاه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ.
وقال أبو حنيفة: (إن تخرق قدر ثلاثة أصابع، لم يجز المسح عليه، وإن كان دونها، جاز المسح عليه، لأن الثلاث أكثر أصابع اليد).
دليلنا: أنه خف غير ساتر لجميع قدميه، فلم يجز المسح عليه، كما لو تخرق منه قدر ثلاثة أصابع.
وإن بقي في الخف مخارق الإشفى ومنافذ الإبر، فإن لم يبن شيء من الرجل، أو اللفافة، جاز المسح عليه، لأن ذلك لا يمكن الاحتراز منه، وإن كان يبين شيء من محل الفرض من الرجل، أو من اللفافة عليها، قال صاحب " الفروع ": لم يجز المسح عليه.
قلت: وهذا إنما يكون على القول الجديد، فأما على القول القديم: فيجوز إذا كان يمكن متابعة المشي عليه.

فرع: خرق الظهارة

فرع: [في خرق الظهارة]: قال في " الأم " [1/29]: (وإن تخرقت ظهارة الخف وبقيت بطانته، جاز المسح عليه).
قال أصحابنا: أراد: إذا كانت البطانة صفيقة يمكن متابعة المشي عليها، فأما إذا كانت رقيقة بحيث لا يمكن متابعة المشي عليها، فإن المسح عليها لا يجوز.
وقال في " الأم " [1/31]: (وإن كان في الخف شرج ـ بفتح الراء وبعده جيم ـ العرى، فوق الكعب، لم يمنع جواز المسح عليه، وإن كان الشرج تحت الكعب، فإن كان محلولا، لم يجز المسح على الخف، سواء بانت منه الرجل، أو لم تبن، لأنه إذا مشى بانت منه الرجل، وإن كان مشدودًا، فإن كان في الشد خلل، بحيث إذا مشى بان شيء من الرجل أو اللفافة، لم يجز المسح عليه، وإن لم يكن فيه خلل، جاز المسح عليه).

فرع: المسح على الجورب

]: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لا يمسح على جوربين، إلا أن يكون الجوربان مجلدي القدمين إلى الكعبين، حتى يقوم مقام الخف).
قال أصحابنا: والجوارب على ضربين: فـ[الأول]: منه ما يمكن متابعة المشي عليه، بأن يكون ساترًا لمحل الفرض صفيقًا، ويكون له نعل، فيجوز المسح عليه.

قال ابن الصباغ: فأما تجليد القدمين: فليس بشرط، إلا أن يكون الجورب رقيقًا.. فيقوم تجليده مقام صفاقته وقوته، وإنما ذكر الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - التجليد لأن الغالب من الجوارب الرقة.
و [الثاني]: إن كان الجورب لا يمكن متابعة المشي عليه، مثل: أن لا يكون منعل الأسفل، أو كان منعلا، لكنه من خرق رقيقة، بحيث إذا مشى فيه تخرق، لم يجز المسح عليه.
هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال أحمد: (يجوز المسح على الجورب الصفيق، وإن لم يكن له نعل).
وروي ذلك عن عمر، وعلي، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد، وداود.
دليلنا: أنه لا يمكن متابعة المشي عليه، فلم يجز المسح عليه، كالرقيق.

فرع: لبس الجرموق

]: وإن لبس الجرموق فوق الخف، قال صاحب " المذهب ": وهو خف كبير فوق خف صغير ـ فإن كان الأسفل مخرقًا والأعلى صحيحًا، جاز المسح على الأعلى، لأن الأسفل بمنزلة اللفافة تحت الخف.
وإن كان الأعلى مخرقًا، والأسفل صحيحًا.. لم يجز المسح على الأعلى؛ لأن الأعلى بمنزله اللفافة فوق الخف.
وإن كانا صحيحين بحيث إذا انفرد كل واحد منهما، جاز المسح عليه، فهل يجوز المسح على الأعلى؟ فيه قولان: [الأول]: قال في القديم، و " الإملاء ": (يجوز المسح عليه)، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والمزني، لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح على الموق».

و (الموق): الجرموق، ولأنه خف يمكن متابعة المشي عليه، فجاز المسح عليه، كالمنفرد.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يجوز المسح عليه) وبه قال مالك، وهو الصحيح، لأن حاجة عامة الناس لا تدعو إلى لبسهما، وإنما تدعو إليها حاجة خواص الناس، في مواضع مخصوصة، وهي: المواضع التي يكثر فيها المطر والوحل، والبرد الشديد، فلم تتعلق به رخصة عامة، كما لو لبس جبيرة فوق جبيرة، فإنه لا يجوز المسح على العليا.
وأما الخبر: فالمراد به الخف المنفرد، ولم ينقل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبس الجرموق.
فإذا قلنا: يجوز المسح على الجرموق، فعن ماذا يكون بدلا؟ فيه ثلاثة أوجه، خرجها أبو العباس ابن سريج: أحدها: يكون بدلا عن الخف، والخف يكون بدلا عن الرجل.
والثاني: يكون الجرموق بدلا من الخف، ويكون الخف بدلا من اللفافة.
والثالث: أن الجرموق بمنزلة طاقات الخف، وتأتي فوائد ذلك.
فإن لبس الجرموق في رجل واحدة، فهل يجوز المسح عليه؟ على القول القديم، فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق\39].

فرع: المسح على الخف تحت الجرموق

]: فإذا قلنا: لا يجوز المسح على الجرموق، فأدخل يده في ساقه، ومسح على الخف، فهل يصح؟ فيه وجهان: [أحدهما]: قال الشيخ أبو حامد: لا يصح، لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (نزع الجرموقين، ومسح على الخفين)؛ ولأن الخف بدل ضعيف، فلم يجز مسحه مع استتاره.
و [الثاني]: قال القاضي أبو الطيب: يصح، واختاره ابن الصباغ، كما لو أدخل يده تحت العمامة، ومسح على الرأس، ولأنه لو غسل رجله، وهي في الخف، صح، فكذلك إذا مسح على الخف، وهو في الجرموق، وما ذكره الشافعي، فليس ذلك على سبيل الشرط.
وإن قلنا: يجوز المسح على الجرموقين، فهل له أن يدخل يده في ساقه ويمسح على الخف؟ قال القاضي أبو الطيب: يحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز، لأنه إذا جاز المسح على الظاهر، لم يجز المسح على الباطن، كما لو أدخل يده في الخف ومسح على الجلد الذي يلي رجله.
والثاني: يجوز المسح ـ وهو اختيار ابن الصباغ ـ لأن كل واحد منهما محل للمسح، فجاز المسح على ما شاء منهما، كما لو مسح بشرة الرأس تحت الشعر.

فرع: الجبيرة تحت الخف

]: وإن احتاج إلى وضع الجبيرة على رجليه فوضعها، ثم لبس فوقها الخف، فهل يجوز المسح عليه؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يجوز، لأنه ملبوس فوق ممسوح، فلم يجز المسح عليه، كالعمامة.
والثاني: يجوز.
وبه قال أبو حنيفة، لأنه خف صحيح، يمكن متابعة المشي عليه، فجاز المسح عليه، كما لو لبسه على رجليه ولا جبيرة عليهما.
فإن لبس الخف في إحدى الرجلين، والأخرى مريضة لا يجب غسلها، لم يجز المسح على الخف في الرجل الصحيحة.
إن قطعت إحدى الرجلين، جاز أن يلبس الخف في الرجل الباقية، ويمسح

عليه إذا لم يبق من محل الفرض المقطوع شيء، وإن بقى شيء من محل الفرض، لم يجز المسح حتى يخففهما، لأن الرخصة إنما تتعلق بلبس الخفين في الرجلين مع وجودهما، لا يلبسه في إحداهما.

فرع: المسح على الخف المغصوب

]: وإن لبس خفًا مغصوبًا، فهل يجوز المسح عليه؟ فيه وجهان: [أحدهما] قال ابن القاص: لا يجوز، لأن لبسه معصية، فلم يجز المسح عليه، كما لو لبس خفًا من جلد كلب.
و [الثاني]: قال عامة أصحابنا: يجوز؛ لأنه خف طاهر يمكن متابعة المشي عليه، فهو كما لو كان ملكه.
وأما المعصية: فلا تختص باللبس، فلم تمنع صحة العبادة، كالصلاة في الدار المغصوبة، ويخالف الخف من جلد الكلب، لأن المعصية هنالك لمعنى في الخف، فهو كالصلاة في ثوب نجس.

مسألة: الطهارة شرط لمسح الخف

]: ولا يجوز المسح على الخف، إلا أن يلبسه على طهارة كاملة.
فإن غسل إحدى الرجلين، وأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل الأخرى، وأدخلها في الخف، لم يجز المسح حتى ينزع الخف الذي لبسه قبل كمال الطهارة.
وهل يشترط نزع خف الرجل الأخرى فيه وجهان: الصحيح: أنه لا يشترط، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والمزني، وأبو ثور، وداود: (يجوز المسح).

دليلنا: ما روى أبو بكرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، إذا تطهر، فلبس خفيه أن يمسح عليهما».
وهذا يقتضي تقدم الطهارة على اللبس.
وروى المغيرة بن شعبة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، فأهويت لأنزع خفية، فقال: " دعهما، فإني لبستهما وهما طاهرتان»، ومسح عليهما.
فعلل بأنه لبس خفيه، ورجلاه طاهرتان، فعلم أن المسح يتعلق بهذا التعليل.

فرع: يشترط لبس الجرموقين على طهارة

]: وإن لبس الخفين على طهارة، ثم لبس الجرموقين عليهما من غير حدث بينهما، وقلنا: يجوز المسح عليهما، جاز المسح هاهنا عليهما.
وإن لبس الخفين على طهارة ثم أحدث، ثم لبس الجرموقين قبل المسح، لم يجز المسح عليهما قولا واحدًا؛ لأنه لبسهما على حدث.
وإن لبس الخفين على طهارة، فأحدث، ومسح عليهما، ثم لبس الجرموقين، فهل يجوز المسح عليهما هاهنا؟ فيه وجهان، بناء على القولين في المسح على الخف هل يرفع الحدث؟ فإن قلنا: إنه يرفع الحدث، جاز المسح هاهنا.
وإن قلنا: لا يرفع الحدث، لم يجز المسح هاهنا.

مسألة: لبس المستحاضة ونحوها الخف

]: إذا دخل على المستحاضة وقت الصلاة المفروضة، فتوضأت، لبست الخفين، وصلت تلك الفريضة، جاز لها أن تصلي بتلك الطهارة ما شاءت من النوافل.
فإن أحدثت بغائط أو بول أو نوم بعد أداء الفريضة، جاز لها أن تتوضأ، وتمسح على الخفين، وتصلي به ما شاءت من النوافل.
فإن دخل عليها وقت الفريضة الثانية، فأرادت أن تتوضأ، وتمسح على الخفين، وتصلي به تلك الفريضة الثانية، لم يكن لها ذلك.
والفرق بين النافلة والفريضة الثانية: أنها حين توضأت للفريضة الأولى، استباحت بذلك الوضوء الفريضة الأولى، وما يتبعها من النوافل، فكانت في حكم الطاهرات في حق الفريضة الأولى، وما يتبعها من النوافل، فلذلك: استباحت النافلة بالمسح، ولا تستبيح أن تصلي بالطهارة الأولى الفريضة الثانية، فكانت في حكمها محدثة، فكذلك لم تستبحها بطهارة المسح.
وأما إذا توضأت للفريضة الأولى بعد دخول وقتها، ولبست الخفين، فقبل أن تصليها طرأ عليها حدث غير حدث الاستحاضة، كالغائط والبول والنوم والمس واللمس، فلها أن تتوضأ وتمسح على الخفين، وتصلي به تلك الفريضة، وما شاءت من النوافل، ولا تصلي به فريضة أخرى.
وقال زفر: لها أن تصلي به يومًا وليلة.
دليلنا: أن الطهارة التي لبست عليها الخفين لا تستبيح بها أكثر من فريضة واحدة، فلم تستبح بالمسح عليها أكثر منها، وإنما استباحت تلك الفريضة؛ لأنها كانت في حقها حين لبست الخف في حكم الطاهرات.
فإن انقطع دمها قبل أن تصلي تلك الفريضة، أو بعد ما صلتها وقبل أن تصلي النوافل، بطلت طهارتها، ووجب عليها نزع الخفين، واستئناف الطهارة؛ لأنها طهارة ضرورية، فإذا زالت الضرورة قبل التلبس بالصلاة، بطلت.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.

وقال المسعودي [في " الإبانة ": ق\39]: إذا توضأت للفريضة، ولبست الخفين قبل أن تصليها، طرأ عليها حدث غير حدث الاستحاضة، فهل لها أن تمسح على الخف لهذه الفريضة؟ فيه وجهان، بناء على أن طهارة المستحاضة: هل ترفع الحدث السابق؟ فإن قلنا: ترفعه، استباحتها بطهارة المسح.
وإن قلنا: لا ترفعه، لم تستبحها بطهارة المسح.
وإن تيمم للفريضة لعدم الماء، ولبس الخفين، ثم وجد الماء قبل الصلاة، ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو العباس: يجوز له أن يتوضأ ويمسح على الخفين، ويصلي به فريضة، كما قلنا في المستحاضة.
والثاني ـ وهو المنصوص ـ: (أنه لا يجوز المسح على الخفين)؛ لأنه لبسهما من غير غسل الرجلين؛ ولأن برؤيته للماء، بطل التيمم، فصار كالمستحاضة إذا انقطع دمها.

مسألة: هيئة مسح الخف

]: وإذا أراد أن يمسح على الخف، قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فأحب أن يغمس يديه في الماء، ثم يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمر اليمنى إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف أصابعه).
وبه قال ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، وابن المبارك.
وقال الثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وأحمد: (المستحب: أن يمسح أعلى الخف، دون أسفلة).
وروي ذلك عن أنس، وجابر.

دليلنا: ما روى المغيرة بن شعبة: قال: «وضأت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوة تبوك، فمسح أعلى الخف وأسفله»؛ ولأنه خارج من الخف يحاذي محل الفرض، فكان المسح عليه مسنونًا كأعلى الخف.

فرع: ما يسن مسحه من الخف

]: وهل يسن له أن يمسح على عقب الخف، وهو: الموضع الصقيل؟ ظاهر ما نقله المزني: أنه يسن له ذلك.
وقال القاضي أبو حامد: نص الشافعي في " البويطي ": أنه يمسح على العقب.
ومن أصحابنا من قال فيه قولان: أحدهما: لا يسن له أن يمسح عليه؛ لأنه موضع صقيل يضر به المسح.
والثاني: يمسح عليه، وهو الأصح؛ لأنه خارج من الخف يحاذي محل الفرض؛ فهو كأعلاه.
ومنهم من قال: يمسح عليه قولا واحدًا؛ لما ذكرناه.
وما نقله المزني، يحتمل أن يريد به: أن يضع باطن أصابع يده اليسرى تحت عقب الخف، فتكون راحته على عقبه.

فرع: ما يكفي من المسح

]: وكيفما أتى بالمسح على الخف، أجزأه، سواء كان بيده، أو ببعضها، أو بخشبة، أو بخرقة.
وسواء مسح قليلا أو كثيرًا فإنه يجزئه.
وقال أبو حنيفة: (لا يجزئه، إلا أن يمسح قدر ثلاث أصابع بثلاث أصابع)، فقدر الممسوح وعين الممسوح به، حتى إن عنده: لو مسح قدر ثلاث أصابع بأصبع واحدة لم يجزئه.
وقال زفر: إذا مسح قدر ثلاث أصابع بأصبع واحدة أجزأه، وقال أحمد: (لا يجزئه، إلا أن يسمح أكثر القدم).
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يومًا وليلة»، ولم يفرق.
فإن أصاب الخف بلل المطر، أو نضح عليه الماء، قال الشيخ أبو نصر: فليس للشافعي فيه نص، والذي يجيء على مذهبه: أنه لا يجزئه عن المسح.
وقال الثوري، والأوزاعي: يجزئه ذلك عن المسح.
وقال إسحاق: إن نوى به المسح، أجزأه.
وقال أهل الرأي: إذا خاض الماء، وأصاب ظاهر الخف، أجزأه.

واحتج الشيخ أبو نصر: بأن ما فرضه المسح لم يجز فيه الغسل، كمسح الرأس.
وعندي: أنها على وجهين، كما ذكر أصحابنا فيمن غسل رأسه مكان المسح.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن اقتصر على مسح القليل من أعلى قدم الخف، أجزأه؛ لأنه يقع عليه اسم المسح.
وإن اقتصر على مسح القليل من أسفله، ففيه وجهان: [أحدهما]: قال أبو إسحاق: يجزئه؛ لأنه خارج من الخف يحاذي محل الفرض، فهو كأعلى الخف.
و [الثاني]: قال أبو العباس: لا يجزئه، وهو المنصوص؛ لأنه موضع لا يرى من الخف غالبًا، فلم يجز الاقتصار عليه، كمسح باطن الخف الذي يلي الرجل.
وإن اقتصر على مسح القليل من عقب الخف فهل يجزئه؟ من أصحابنا من قال: إن قلنا: إنه محل لمسنون المسح، جاز الاقتصار عليه.
وإن قلنا: ليس بمحل لمسنون المسح فهل يجوز الاقتصار عليه؟ فيه وجهان.
وقال الشاشي: بل هو بالعكس، فإن قلنا: إنه ليس بمحل لمسنون المسح، لم يجز الاقتصار عليه وجهًا واحدًا، كساق الخف.
وإن قلنا: إنه محل لمسنون المسح، فهل يجوز الاقتصار عليه؟ فيه وجهان، كأسفله.

مسألة: انقضاء مدة المسح

]: إذا انقضت مدة المسح وهو على طهارة المسح، أو خلع خفه في أثناء المدة وهو على طهارة المسح، لم يجز له أن يصلي بتلك الطهارة.
وقال الحسن البصري: لا يبطل المسح، ويجوز له أن يصلي إلى أن يحدث، فإذا أحدث، لم يمسح.

وقال داود: (يجب عليه نزع الخفين، إذا انقضت مدة المسح، ولا يصلي فيهما، فإذا نزعهما، صلى بطهارته إلى أن يحدث).
دليلنا: أنها طهارة انتهت إلى حال لا يجوز ابتداؤها فلم يجز استدامتها، كالتيمم إذا رأى الماء.
وما الذي يصنع في الطهارة؟ قال الشافعي في موضع: (يعيد الوضوء)، وقال في موضع: (يجزئه غسل رجليه).
واختلف أصحابنا: على أي أصل بناها الشافعي؟ فقال أبو إسحاق: بناها على القولين في تفريق الوضوء: فإن قلنا: يجوز التفريق، كفاه غسل الرجلين.
وإن قلنا: لا يجوز التفريق، فعليه استئناف الوضوء.
ومنهم من قال: بناها على هذا، لأنه ذكر في " الأم " [1/31]، وفي (كتاب ابن أبي ليلى): (أنه يستأنف الوضوء).
ومذهبه فيهما: أن تفريق الوضوء جائز، وإنما بناها على أن مسح الخف هل يرفع الحدث عن الرجلين؟ وفيه قولان: [الأول]: فإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث كفاه غسل الرجلين.
و [الثاني]: إن قلنا: إنه يرفعه لزمه استئناف الطهارة، لأن نزع الخف ينقض الطهارة في الرجلين، فإذا انتقضت الطهارة في بعض الأعضاء، انتقضت في جميعها.
ووجه قوله: (إنه لا يرفع الحدث): أنه مسح، فلم يرفع الحدث كالتيمم.
ووجه قوله: (إنه يرفع الحدث): أنه مسح بالماء، فرفع الحدث، كمسح الرأس.
ومنهم من قال: القولان أصل بأنفسهما، غير مبنيين على غيرهما، وهو اختيار ابن الصباغ:

أحدهما: يلزمه استئناف الطهارة.
وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، لأن الطهارة لما بطلت في الرجلين، بطلت في جميع الأعضاء، لأنها لا تتبعض، كما لو أحدث.
والثاني: يكفيه غسل الرجلين.
وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور، والمزني، لأن مسح الخفين ناب عن غسل الرجلين خاصة، فظهورهما، يبطل به ما ناب عنهما دون غيرهما، كما يبطل التيمم برؤية الماء.

فرع: لا يمسح قبل استقرار القدم في الخف

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم " [1/28]: (إذا أكمل الوضوء، ثم أدخل إحدى الرجلين في الخف، ثم أدخل الرجل الأخرى في ساق الخف، فقبل أن تستقر الرجل في قدم الخف أحدث، لم يكن له أن يمسح، لأنه لا يكون متخففًا حتى تقر قدمه في قدم الخف).
وإن أخرج رجله من قدم الخف إلى ساق الخف، ولم يبن شيء من محل الفرض فنص الشافعي في " الأم " [1/31]، والقديم: (أن المسح لا يبطل).
وقال القاضي أبو حامد: يبطل المسح.
وهو اختيار القاضي أبو الطيب، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد وإسحاق، لأن استقرار الرجل في الخف شرط في جواز المسح، فإذا تغير بطل، كما لو أحدث قبل أن تستقر في الخف.
فإذا قلنا بالأول فالفرق بين ابتداء اللبس وبين استدامته: أن في الابتداء يستبيح به المسح، فلم يستبحه إلا بلبس تام، وليس كذلك في الاستدامة؛ فإنه مستبيح للمسح، فلا يزول إلا بنزع تام.

فإن كان الخف طويلا خارجًا عن العادة، فأخرج رجليه إلى موضع لو كان عليه الخف المعتاد، لبان شيء من محل الفرض، بطل مسحه.

فرع: حكم الجرموق في المدة

]: وإن مسح على الجرموقين، وقلنا: يجوز المسح عليهما، ثم نزعهما في أثناء المدة، فإن قلنا: إن الجرموق بدل من الخف، والخف بدل من الرجل، فله أن يمسح على الخفين.
وهل يلزمه استئناف الطهارة؟ فيه قولان.
وإن قلنا: الجرموق بدل من الخف، والخف بدل من اللفافة نزع الخف أيضًا، وهل يلزمه استئناف الطهارة، أو يقتصر على غسل الرجلين؟ فيه قولان.
وإن قلنا: الجرموق بمنزلة طاقات الخف، لم يؤثر نزع الجرموق هاهنا.
وإن نزع الجرموق من إحدى الرجلين: فإن قلنا: إن الجرموق بدل من الخف، والخف بدل عن الرجل، بنى على أحد الوجهين: هل له أن يمسح الجرموق في إحدى الرجلين؟ فإن قلنا: له ذلك، كان له هاهنا أن يمسح على الجرموق الآخر، وعلى الخف في الرجل الأخرى.
وإن قلنا: ليس له ذلك نزع الجرموق الآخر، ومسح على الخفين.
وهل يستأنف الطهارة، أو يقتصر على المسح؟ على قولين.
وإن قلنا: الجرموق بدل من الخف، والخف بدل من اللفافة، نزع الخف من الرجل التي بقي عليها، ونزع الجرموق والخف من الرجل الأخرى، وغسل الرجلين.
وهل يلزمه استئناف الطهارة؟ على قولين.
وإن قلنا: الجرموق بمنزلة طاقات الخف، لم يؤثر نزع هذه الجرموق.
والله أعلم، وبالله التوفيق.

جارٍ التحميل