البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 103-143

كتاب النكاح

صفحات 103-143
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

كتاب النكاح النكاح جائز، والأصل في جوازه: الكتاب، والسنة، والإجماع.
فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] الآية [النساء: 3].
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] [النور: 32].
وأما السنة: فقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط».

وفي السقط ثلاث لغات: بفتح السين، وضمها، وكسرها.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أحب فطرتي.. فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح».
وتزوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهذا يدل إلى الجواز.
وأجمعت الأمة: على جواز النكاح.
إذا ثبت هذا: فروي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: (كانت مناكح أهل الجاهلية على أربعة أقسام: أحدها: مناكح الرايات، وهو أن المرأة العاهرة كانت تنصب على بابها راية لتعرف أنها عاهرة، فيأتيها الناس.
والثاني: أن الرهط من القبيلة أو الناحية كانوا يجتمعون على وطء امرأة،

لا يخالطهم غيرهم، فإذا جاءت بولد.. ألحق بأشبههم به.
والثالث: نكاح الاستنجاب، وهو: أن المرأة كانت إذا أرادت أن يكون ولدها كريماً.. بذلت نفسها لعدة من فحول رجال القبائل، ليكون ولدها كأحدهم.
والرابع: النكاح الصحيح، وهو: الذي قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولدت من نكاح لا من سفاح».

وتزوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خديجة بنت خويلد قبل النبوة من ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان الذي خطبها له عمه أبو طالب، فخطب وقال: (الحمد لله الذي جعله بلداً حراماً، وبيتا محجوجاً، وجعلنا سدنته، وهذا محمد قد علمتم مكانه من العقل والنبل، وإن كان في المال قل، إلا أن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وما أردتم من المال.. فعلي، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك) فزوجها منه عمها.

مسألة أهلية النكاح

ولا يصح النكاح إلا من حر، بالغ، عاقل، مطلق التصرف.
فأما العبد: فلا يصح نكاحه بغير إذن المولى، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه.. فهو عاهر ". وروي: فنكاحه باطل»

و (العاهر): الزاني.
ويصح منه بإذن مولاه، للخبر.
وأما الصبي والمجنون: فلا يصح نكاحهما، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
ولأنه عقد معاوضة، فلم يصح من الصبي والمجنون، كالبيع.
وأما السفيه: فلا يصح نكاحه بغير إذن الولي، لأنه حجر عليه لحفظ ماله، وفي النكاح يستحق عليه المال.
ويصح منه بإذن الولي، لأنه لا يأذن له إلا فيما له فيه مصلحة من ذلك.

مسألة حكم النكاح

]: النكاح مستحب غير واجب عندنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلم.
وقال داود: (هو واجب على الرجل والمرأة، فإن كان الرجل واجداً لمهر حرة.. وجب عليه الترويج بحرة أو التسري بأمة، وإن كان عادماً لمهر حرة.. وجب عليه التزويج بأمة).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] الآية [النساء: 3].
فعلقه بالاستطابة، وما كان واجباً.. لا يتعلق بالاستطابة.
وروى أبو أيوب الأنصاري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أحب فطرتي.. فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح».
فعلقه على المحبة، وسماه سنة، وإذا أطلقت السنة.. اقتضت المندوب إليه.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خير الناس بعد المائتين، خفيف الحاذ " قيل: يا رسول الله، ومن خفيف الحاذ؟ قال: " الذي لا أهل له ولا ولد»، ويقال: رجل خفيف الحاذ: إذا كان قليل لحم الفخذين.
وروي: «أن امرأة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: يا رسول الله، ما حق الزوج على المرأة؟ فبين لها ذلك، فقالت: لا والله! لا تزوجت أبدا».
فلو كان النكاح واجباً.. لأنكر عليها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وروي: أن جماعة من الصحابة ماتوا ولم يتزوجوا، ولم ينكر عليهم.
إذا ثبت هذا: فالناس في النكاح على أربعة أضرب: ضرب: تتوق نفسه إليه، ويجد أهبته- وهو المهر والنفقة وما يحتاج إليه.
فيستحب له أن يتزوج، لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة.. فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع.. فعليه بالصوم، فإنه له وجاء».

وقال أبو عبيد: (الباءة): ممدود، وأصل الباءة الجماع، والمراد بالباءة المذكورة في الخبر: المال الذي يملك به الجماع- وهو المهر، والنفقة - فسماه باسم سببه.
وأراد: من استطاع منكم المال الذي يتوصل به إلى الباءة.. فليتزوج، لأنه قال: «ومن لم يستطع.. فعليه بالصوم» أي: ومن لم يستطع المال، ونفسه تتوق إلى الجماع.. فعليه بالصوم، ليكون له وجاء.
يقال للفحل إذا رضت أنثياه: قد وجئ وجاء، يعني: أنه قطع النكاح، لأن الموجوء لا يضرب، فلو كان المراد بالباءة المذكورة في الخبر الجماع.. لم يأمر بالصوم من لا يستطيعه ليكون له وجاء، لأنه لا يحتاج إلى ذلك.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج بنساء كثيرة، ومات عن تسع».

وسأل رجل ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النكاح، فقال: (كان خيرنا أكثرنا

نكاحاً يعني: رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن التبتل» و (التبتل): ترك النكاح.
وقال سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «رد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن لنا.. لاختصينا».
وروي: أن معاذا لما مرض.. قال: (زوجوني زوجوني، لا ألقى الله عزبا).
ولأنه إذا لم يتزوج.. لم يأمن مواقعة الفجور.
والضرب الثاني: من تتوق نفسه إلى الجماع، ولا يقدر على المهر والنفقة.. فالمستحب له: أن لا يتزوج، بل يتعاهد نفسه بالصوم، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ومن لم يستطع.. فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، ولأنه يشغل ذمته بالمهر والنفقة.
والضرب الثالث: من لا تتوق نفسه إلى الجماع، ويريد التخلي لعبادة الله.. فيستحب له أن لا يتزوج، لأنه يلزم ذمته حقوقاً هو مستغن عن التزامها، ويشتغل عن عبادة الله تعالى.
والضرب الرابع: من لا تتوق نفسه إلى الجماع، وهو قادر على المهر والنفقة، ولا يريد العبادة.. فهل يستحب له أن يتزوج؟ فيه قولان، حكاهما في " الفروع ":

أحدهما: لا يستحب له أن يتزوج، لما روي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال لأبي الزوائد: (نكحت؟ قال: لا، فقال: ما يمنعك منه إلا عجز، أو فجور).
وروي: (إلا شح، أو فجور)، ولأنه يشغل ذمته بما لا حاجة به إليه.
والثاني: يستحب له أن يتزوج، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أحب فطرتي.. فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح».
وقال أبو حنيفة: (النكاح مستحب بكل حال)، وبه قال بعض أصحابنا، والأول أصح، لما ذكرناه.

فرع استحباب ذات الدين وغير ذلك من الصفات المرضية

]: ويستحب له أن لا يتزوج إلا ذات دين، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تنكح المرأة لميسمها، ولمالها، ولحسبها، فعليك بذات الدين، تربت يداك».

وفي رواية: «تنكح النساء لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك».
و (الميسم): الحسن، ويقال: رجل وسيم، وامرأة وسيمة، وهو الجمال في الخبر الثاني، و (الحسب): الشرف الثابت في الآباء.
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عليك بذات الدين، تربت يداك»: يقال للرجل إذا قل ماله: ترب، أي: افتقر حتى لصق بالتراب.
قال الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 16] [البلد: 16].
ولم يتعمد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدعاء عليه بالفقر، ولكنها كلمة جارية على ألسنة العرب، يقولونها وهم لا يريدون وقوع الأمر، «كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لصفية بنت حيي، حين قيل له يوم النفر: إنها حائض، فقال: " عقرى، حلقى» أي: عقر الله جسدها، وأصابها بوجع في حلقها، ولم يرد الدعاء عليها.
وقال بعضهم: بل أراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله: " تربت يداك " نزول الفقر به عقوبة له، لتعديه ذات الدين إلى ذات الجمال، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللهم، إنما أنا بشر، فمن دعوت عليه بدعوة.. فاجعل دعوتي له رحمة».
وقال بعضهم: معنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " تربت يداك ": يريد به استغنت يداك.
وهذا خطأ، لأنه لو أراد ذلك.. لقال: أتربت يداك، يقال: أترب الرجل: إذا استغنى، وترب: إذا افتقر.
ويستحب له أن يتزوج ذات العقل، لأن القصد بالنكاح طيب العيش معها، ولا يحصل ذلك مع من لا عقل لها.

ويستحب له أن يتزوج بكراً، لما «روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: تزوجت امرأة، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: " أتزوجت يا جابر؟ " فقلت: نعم فقال: " أبكراً أم ثيباً؟ "، فقلت: بل ثيبا، فقال: " فهلاً جارية بكراً، تلاعبها وتلاعبك» ؟ وروي: «تداعبها وتداعبك "، فقلت: يا رسول الله، إن عبد الله مات - يعني: أباه - وترك تسع بنات - أو سبعاً- فجئت بمن تقوم بهن».
ويستحب أن لا يتزوج إلا من يستحسنها، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما النساء لعب، فإذا اتخذ أحدكم لعبة.. فليستحسنها».
ويستحب له أن يتزوج ذات نسب، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تنكح المرأة لأربع"، فقال: "لحسبها».
و (الحسب): الشرف الثابت في الآباء.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تخيروا لنطفكم».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إياكم وخضراء الدمن " قيل: وما خضراء الدمن، يا رسول الله؟ قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء».
وقال أبو عبيد [في" غريب الحديث " (3/99) ]: أراد: فساد النسب، وهو: أن تكون لغير رشدة، أي: من الزنا، شبهها بالشجرة الناضرة في دمنة البعر، فمنظرها حسن، ومنبتها فاسد.
والأولى: أن يتزوج من غير عشيرته، لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (إذا تزوج الرجل من عشيرته.. فالغالب على ولده الحمق).

ويستحب له أن يتزوج الولود الودود، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تناكحوا، تكثروا»، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " تزوجوا الودود الولود "، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سوداء ولود خير من حسناء عقيم».
ويستحب له أن يتزوج في شوال، لما «روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت (تزوجني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شوال، وبنى بي في شوال».
فكانت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تستحب أن يبنى بنسائها في شوال.

مسألة ما يحق للحر جمعه من النساء

]: ويجوز للحر أن يجمع بين أربع زوجات حرائر، ولا يجوز أن يجمع بين أكثر من ذلك.
قال الصيمري: إلا أن المستحب له: أن لا يزيد على واحدة، لا سيما في زماننا هذا.
وقال القاسم بن إبراهيم وشيعته القاسمية: يجوز له أن يجمع بين تسع حرائر، ولا يجوز له أن يجمع بين أكثر من ذلك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] [النساء: 3]، والاثنتان والثلاث والأربع: تسع، ومات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن تسع زوجات.
وذهبت طائفة من الرافضة إلى: أنه يجوز له أن يتزوج أي عدد شاء.
دليلنا: ما روي: «أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أمسك منهن أربعاً، وفارق سائرهن».
«وروي عن نوفل بن معاوية، قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة، فقال لي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أمسك أربعا منهن، وفارق واحدة منهن».

وأما الآية: فالمراد بها التخيير بين الاثنتين والثلاث والأربع، ولم يرد به الجمع، كقوله تعالى في صفة الملائكة: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1] [فاطر: 1].
وكقول الرجل: جاءني القوم مثنى وثلاث ورباع.
وأما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فإنه كان مخصوصاً بذلك.
وقد روي: أنه جمع بين أربع عشرة

زوجة، وما روي أن أحداً من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - جمع بين أكثر من أربع زوجات.

فرع ما يجوز للعبد جمعه من النساء

]: وأما العبد: فلا يجوز له أن يجمع بين أكثر من امرأتين، وبه قال من الصحابة: عمر، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ومن التابعين: الحسن، وعطاء.
ومن الفقهاء أهل الكوفة: ابن شبرمة، وابن أبي ليلي، وأبو حنيفة وأصحابه، وبه قال الليث وأحمد وإسحاق.
وقال أهل المدينة - الزهري، وربيعة، ومالك رحمة الله عليهم-: (يجوز له أن يجمع بين أربع، كالحر).
وبه قال الأوزاعي، وداود، وأبو ثور.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: 28] [الروم: 28].
فظاهر الآية يقتضي: أن العبيد لا يساوون الأحرار في حكم من الأحكام إلا ما خصه الدليل.
وروي عن الحكم بن عتيبة: أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أن العبد لا ينكح أكثر من امرأتين.

مسألة ما يجوز للخاطب من النظر

]: وإذا أراد الرجل خطبة امرأة.. جاز له النظر منها إلى ما ليس بعورة منها - وهو

وجهها وكفاها - بإذنها وبغير إذنها.
ولا يجوز له أن ينظر إلى ما هو عورة منها، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وحكي عن مالك: أنه قال: (لا يجوز له ذلك إلا بإذنها).
وقال المغربي: لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها.
وقال داود: (يجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها، إلا إلى فرجها).
دليلنا - على المغربي -: ما رواه أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن رجلا ذكر للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنه أراد تزويج امرأة من الأنصار، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "انظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا».
وروي: " سوءا ". «وروي عن المغيرة بن شعبة: أنه قال: أردت أن أنكح امرأة من الأنصار، فذكرت ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: "اذهب، فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".
قال: فذهبت، فأخبرت أباها بذلك، فذكر أبوها ذلك لها، فرفعت الخدر، وقالت: إن كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أذن لك أن تنظر.. فانظر، وإلا.. فإني أحرج عليك إن كنت تؤمن بالله ورسوله».
وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يؤدم بينكما " أي " يصلح.

وأما الدليل: - على داود -: فقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] [النور: 31].
قيل في التفسير: الوجه والكفان.
فظاهر الآية يقتضي: أنه لا يجوز للمرأة أن تبدي إلا وجهها وكفيها.
وروى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أراد أحدكم أن يتزوج امرأة.. فلينظر إلى وجهها وكفيها»، فدل على: أنه لا يجوز له النظر إلى غير ذلك.
ولأن ذلك يدل على سائر بدنها.
إذا ثبت هذا: فله أن يكرر النظر إلى وجهها وكفيها، لما روى أبو الدرداء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا قذف الله في قلب امرئ خطبة امرأة.. فلا بأس أن يتأمل محاسن وجهها».
ولا يمكنه تأمل ذلك إلا بأن يكرر النظر إليها.
قال الصيمري: وإذا نظر إليها ولم توافقه.. فالمستحب له: أن يسكت، ولا يقول: لا أريدها.

قال الصيمري: وقد جرت عادة الرجال في وقتنا هذا أن يبعثوا امرأة ثقة، لتنظر إلى المرأة التي يريدون خطبتها، وهو خلاف السنة.
وذكر في " الإفصاح ": «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لتنظر إلى وجه امرأة أراد أن يتزوجها، فرجعت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وقالت: لم تمرض قط، فلم يرغب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها».
فإذا ثبت هذا الخبر.. كان مبطلاً لقول الصيمري.

فرع نظر المرأة المخطوبة للخاطب

فرع: [جواز نظر المرأة المخطوبة للخاطب]: قال الشيخ أبو إسحاق - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ويجوز للمرأة إذا أرادت أن تتزوج برجل أن تنظر إليه، لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها، ولهذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (لا تزوجوا بناتكم من الرجل الدميم، فإنه يعجبهن منهم ما يعجبهم منهن).

فرع الأمر بغض البصر عن الأجنبيات وعكسه

]: وإذا أراد الرجل أن ينظر إلى امرأة أجنبية منه من غير سبب.. فلا يجوز له ذلك، لا إلى العورة، ولا إلى غير العورة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] [النور: 30ٍ].
وروى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أردف الفضل بن العباس خلفه في حجة الوادع، فأتت امرأة من خثعم إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فلوى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنق الفضل، فقال العباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لويت عنق ابن عمك، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " رجل شاب، وامرأة شابة، خشيت أن يدخل الشيطان بينهما».
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليس لك الأخرى "، أو قال: وعليك الأخرى»

وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نظر الرجل إلى محاسن امرأة لا تحل له سهم من سهام الشيطان مسموم، من تركها خوفا من الله، ورجاء ما عنده.. أثابه الله بها».
قال ابن الصباغ، والمسعودي [في " الإبانة "]، والطبري: إذا لم يخف الافتتان بها.. فله أن ينظر منها إلى الوجه والكفين بغير شهوة، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليس لك الأخرى».
ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبي، لا إلى العورة منه، ولا إلى غير العورة من غير سبب، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31] [النور: 31].

وروي: «أن ابن أم مكتوم دخل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعنده أم سلمة، وميمونة - وقيل: عائشة، وحفصة - فقال: " احتجبا عنه " فقالا: إنه أعمى لا يبصرنا! فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أفعمياوان أنتما؟! أليس تبصرانه؟».
ولأن المعنى الذي منع الرجل من النظر لأجله، هو خوف الافتتان، وهذا موجود في المرأة، لأنها أسرع إلى الافتتان، لغلبة شهوتها، فحرم عليها ذلك.

فرع بروز المسلمة أمام الكتابية أو غيرها من الكافرات

]: وهل يجوز للمرأة المسلمة أن تبرز للمرأة الكتابية، أو غيرها من الكافرات؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه لا يخاف عليها الافتتان بذلك.
والثاني: لا يجوز، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] [النور: 31]، وهذه ليست من نسائهن.
وهل يجوز للرجل أن ينظر إلى الطفلة الصغيرة الأجنبية؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "].
ولا خلاف: أنه لا يجوز له النظر إلى فرجها.

فرع نظر المراهق والخصي والمتخنث إلى الأجنبية

فرع: [حكم نظر المراهق والخصي والمتخنث إلى الأجنبية]: واختلف أصحابنا في الصبي المراهق مع المرأة الأجنبية: فمنهم من قال: هو كالرجل البالغ الأجنبي معها، فلا يحل لها أن تبرز له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: 31] [النور: 31].
ومعناه: لم يقووا على الجماع، والمراهق يقوى على الجماع، فهو كالبالغ.
ومنهم من قال: هو معها كالبالغ من ذوي محارمها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] [النور: 59].
فأمر بالاستئذان إذا بلغوا الحلم، فدل على: أنه قبل أن يبلغوا الحلم يجوز دخولهم من غير استئذان.
ولا يجوز للرجل الخصي أن ينظر إلى بدن المرأة الأجنبية، وقال ابن الصباغ: إلا أن يكبر، ويهرم، وتذهب منه شهوته.
قال: وكذلك المخنث، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: 31] [النور: 31].
وروي: «أن مخنثا كان يدخل على أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال لعبد الله بن أبي أمية - أخي أم سلمة -: إن فتح الله علينا الطائف غداً.. دللتك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا أراك تعقل هذا، لا يدخل هذا عليكن».
وإنما لم يمنع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من دخوله قبل هذا، لأنه كان يظن أنه من غير أولي الإربة من الرجال، فلما وصف من المرأة ما وصف.. علم أنه ليس من أولئك، فمنع من دخوله.

وقوله (تقبل بأربع) يعني: أربع عكن في مقدم بطنها.
قوله: (تدبر بثمان): لأن الأربع محيطة ببطنها وجنبيها، فلها من خلفها ثمانية أطراف، من كل جانب أربعة أطراف.

فرع النظر لأجل الشهادة والمداواة وإلى الأمرد

ويجوز للرجل أن ينظر إلى وجه المرأة الأجنبية عند الشهادة، وعند البيع منها والشراء، ويجوز لها أن تنظر إلى وجهه كذلك، لأن هذا يحتاج إليه، فجاز النظر لأجله.
ويجوز لكل واحد منهما أن ينظر إلى بدن الآخر إذا كان طبيباً وأراد مداواته، لأنه موضع ضرورة، فزال تحريم النظر لذلك.
وأما أمة غيره: فإذا لم يكن هناك سبب.. فهي كالحرة الأجنبية مع الأجنبي.
فإن أراد أن يشتريها.. فيجوز له أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها، وقد مضى بيان عورتها في الصلاة.
قال الشيخ أبو حامد: وحكى الداركي: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (لا يجوز النظر إلى وجه الأمرد، لأنه يفتن).
قال: ولا أعرفه للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. والأول اختيار الشيخ أبي إسحاق.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: ويحل للرجل النظر إلى الخنثى.

مسألة النظر إلى المحارم والرجل للرجل والمرأة للمرأة

ويجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة من ذوات محارمه، وكذلك يجوز لها النظر إليه من غير سبب ولا ضرورة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] [النور: 31] الآية.
وفي الموضع الذي يجوز له النظر إليه منها وجهان، حكاهما المسعودي [في "الإبانة "]:

أحدهما - وهو قول البغداديين من أصحابنا- أنه يجوز له النظر إلى جميع بدنها، إلا ما بين السرة والركبة، لأنه لا يحل له نكاحها بحال، فجاز له النظر إلى ذلك، كالرجل مع الرجل.
والثاني - وهو اختيار القفال -: أنه يجوز له النظر إلى ما يبدو منها عند المهنة، لأنه لا ضرورة به إلى النظر إلى ما زاد على ذلك.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وهكذا الوجهان في النظر إلى أمة غيره، إذا لم يرد شراءها، وهذا خلاف نقل البغداديين من أصحابنا فيها، وقد مضى.
ويجوز للرجل أن ينظر إلى جميع بدن الرجل، إلا ما بين السرة والركبة، من غير سبب ولا ضرورة.
ويجوز للمرأة أن تنظر إلى جميع بدن المرأة، إلا ما بين السرة والركبة، من غير سبب ولا ضرورة، لأنه لا يخاف الافتتان بذلك.

فرع نظر العبد لمولاته والخلوة بها

وإذا ملكت المرأة عبداً.. فهل يكون كالمحرم لها في جواز النظر والخلوة به؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يصير محرماً لها في ذلك.
قال في " المهذب ": وهو المنصوص، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31] [النور: 31] فعده مع ذوي المحارم.
وروت أم سلمة: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «إذا كان مع مكاتب إحداكن وفاء.. فلتحتجب منه»، فلولا أن الاحتجاب لم يكن واجباً عليهن قبل ذلك.. لما أمرهن به.

وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - غلاماًَ، فأراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يدخل عليها، ومعه علي والغلام، وهي أفضل - أي: ليس عليها إلا ثوب واحد- فأرادت أن تغطي به رأسها ورجليها فلم يبلغ، فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا بأس عليك إنما هو أبوك وزوجك وخادمك».
ولأن الملك سبب تحريم الزوجية بينهما فوجب أن يكون محرماً لها، كالنسب والرضاع.
والثاني: لا يكون محرماً لها.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح عند أصحابنا، لأن الحرمة إنما تثبت بين شخصين لم تخلق بينهما شهوة، كالأخ والأخت، والعبد وسيدته شخصان خلقت بينهما الشهوة، فهو كالأجنبي.
وأما الآية: فقال أهل التفسير: المراد بها الإماء، دون العبيد.
وأما الخبر: فيحتمل أن يكون الغلام صغيراً.

مسألة النظر للزوجة وملك اليمين

]: وإذا تزوج الرجل امرأة، أو ملك أمة يحل له الاستمتاع بها.. جاز لكل واحد منهما النظر إلى جميع بدن الآخر، لأنه يملك الاستمتاع به، فجاز له النظر إليه.
وهل يجوز له النظر إلى الفرج؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز، لأنه موضع يجوز له الاستمتاع به، فجاز له النظر إليه، كالفخذ.
والثاني: لا يجوز، لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «النظر على الفرج يورث الطمس».
ولأن فيه دناءة وسخفاً.
قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: يعني

بـ: (الطمس): العمى، أي: في الناظر.
وقال الطبري في" العدة ": أي: أن الولد بينهما يولد أعمى.
وإذا زوج الرجل أمته.. كانت كذوات محارمه، فلا يجوز له أن ينظر منها إلى ما بين السرة والركبة، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا زوج أحدكم أمته.. فلا ينظر منها إلى ما بين السرة والركبة».
ولأنه إذا زوجها.. فحكم الملك ثابت بينهما، وإنما حرم عليه الاستمتاع بها، فصارت كذوات المحارم.

مسألة ما خص به رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (إن الله عز وجل لما خص به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وحيه، وأبان بينه وبين خلقه بما فرض عليهم من طاعته.. افترض عليه أشياء خففها على خلقه، ليزيده بها- إن شاء الله- قربة، وأباح له أشياء حظرها على غيره، زيادة في كرامته، وتبييناً لفضيلته).
وجملة ذلك: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خص بأحكام في النكاح وغيره، ولم يشاركه غيره فيها.
فأما ما خص به في غير النكاح: فأوجب الله تعالى عليه أشياء لم يوجبها على غيره، ليكون ذلك أكثر لثوابه، فأوجب عليه السواك، والوتر، والأضحية، والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثلاث كتبهن الله تعالى علي، ولم تكتب عليكم: السواك والوتر، والأضحية».

وكان يجب عليه إذا لبس لأمة حربه أن لا ينزعها.. حتى يلقى العدو.
والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما كان لنبي إذا لبس لأمة حربه أن ينزعها.. حتى يلقى العدو».
وأما قيام الليل: فمن أصحابنا من قال: كان واجباً عليه إلى أن مات، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: 1] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: 2] [المزمل: 1-2]. والمنصوص: (أنه كان واجباً عليه، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] [الإسراء: 79].
وكان يجب عليه إذا رأى منكراً.. أنكره وأظهره، لأن إقراره لغيره على ذلك يدل على جوازه، وقد ضمن الله تعالى له النصر.
وحرم الله عليه أشياء لم يحرمها على غيره، تنزيهاً له وتطهيراً، فحرم عليه الكتابة، وقول الشعر وتعليمه، تأكيداً لحجته، وبياناً لمعجزته.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48] [العنكبوت: 48].
وذكر النقاش: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما مات حتى كتب).
والأول هو المشهور.
وحرمت عليه الصدقة المفروضة قولاً واحداً.
وفي صدقة التطوع قولان، وقد مضى ذكرهما في الزكاة.
وحرم عليه خائنة الأعين- وهو الرمز بالعين- لما روي: «أن رجلا دخل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأراد قتله، فلما خرج عنه.. قال: " هلا قتلتموه؟ ! " فقالوا: هلا رمزت إلينا؟ فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين»

وحرم عليه أن يمد عينيه إلى ما متع به الناس.
والدليل عليه: ما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرت به إبل، وقد عنست بأبوالها وأبعارها، فغطى عينيه، فقيل له في ذلك، فقال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: 131] [طه: 131] الآية.
وأوعده الله أن يحبط عمله بنفس الردة، وأوعد غيره أن لا يحبط عمله إلا بالردة والموت عليها.
والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] [الزمر: 65] الآية.
وقال في غيره: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: 217] [البقرة: 217]. وأباح الله تعالى لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أشياء لم يبحها لغيره، تفضيلا له واختصاصاً: منها: أنه أباح له الوصال في الصوم، والدليل عليه: «أنه نهى عن الوصال، فقيل له: يا رسول الله، إنك تواصل، فقال: " إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى»، وفي رواية: «إني أبيت عند ربي، يطعمني، ويسقيني».
وأبيح له أخذ الطعام والشراب من الجائع والعطشان، وإن كان من هو معه يخاف على نفسه الهلاك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] [الأحزاب: 6] وعلى كل واحد من المسلمين أن يقي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنفسه.
وأبيح له أن يحمي لنفسه، وأبيح له أربعة أخماس الفيء وخمس الخمس من الفيء والغنيمة.

وأبيح له أن يصطفي من الغنيمة ما شاء، وهو: أن يختار منها ما شاء، وقد اصطفى صفية من سبي خيبر، فلذلك سميت صفية.
وقيل: بل كان ذلك اسمها.
وأكرمه الله تعالى بأشياء: منها: أنه أحل له الغنائم ولأمته، وكانت لا تحل لمن قبله من الأنبياء، بل كانوا يحرقونها.
والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي».
وجعلت الأرض له ولأمته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسجداً وطهوراً، وكان من قبله من الأنبياء لا تصح صلاتهم إلا في المساجد.
والدليل عليه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت الأرض لنا مسجداً، وترابها لنا طهوراً، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة».
وجعلت له معجزات كمعجزات الأنبياء قبله، وزيادة، فكانت معجزة موسى - صلى الله على نبينا وعليه وسلم- العصا، وانفجار الماء من الصخر، وقد انشق القمر للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وخرج الماء من بين أصابعه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وكانت معجزة عيسى صلى الله

عليه وعلى نبينا وسلم إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وقد سبحت الحصى في كف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وحن الجذع إليه، وهذا أبلغ.
وفضله الله تعالى عليهم، بأن جعل القرآن معجزته، وجعل معجزته فيه باقية إلى يوم القيامة، ولهذا جعلت نبوته مؤبدة، لا تنسخ إلى يوم القيامة، لأن معجزته باقية.
ونصر بالرعب، فكان يخافه العدو من مسيرة شهر.
وبعث إلى كافة الخلق، وقد كان من قبله من الأنبياء يبعث الواحد إلى بعض الناس دون بعض.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تنام عيناي، ولا ينام قلبي».
وكان يرى من خلفه، كما يرى من بين يديه.
وأما ما خص به النبي صلى عليه وسلم من الأحكام في النكاح: فاختلف أصحابنا في المنع من الكلام فيه: فحكى الصيمري: أن أبا علي بن خيران منع من الكلام فيه، وفي الإمامة، لأن ذلك قد انقضى، فلا معنى للكلام فيه.
وقال سائر أصحابنا: لا بأس بالكلام في ذلك، وهو المشهور، لما فيه من زيادة العلم، وقد تكلم العلماء فيما لا يكون، كما بسط الفرضيون مسائل الوصايا، وقالوا: إذا ترك أربعمائة جدة وأكثر.
إذا ثبت هذا: فإنه أبيح للنبي صلى الله وعليه وسلم أن ينكح من النساء أي عدد شاء.
وحكى الطبري في " العدة " وجها آخر: أنه لم يبح له أن يجمع بين أكثر من تسع.

والأول هو المشهور، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3] [النساء: 3].
قيل في التفسير: أن لا تجوروا في حقوقهن، فحرم الزيادة على الأربع، وندب إلى الاقتصار على واحدة، خوفاً من الجور وترك العدل، وهذا مأمون من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج ثماني عشرة امرأة، وقيل: بل خمس عشرة.
وجمع بين أربع عشرة، وقيل: بل بين إحدى عشرة.
ومات عن تسع: عائشة بنت أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وحفصة بنت عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وأم سلمة بنت أبي أمية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وميمونة بنت الحارث، وجويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب، وزينب بنت جحش - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - وأرضاهن.
فهؤلاء ثمان نسوة كان يقسم لهن إلى أن مات - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والتاسعة سودة بنت زمعة: (كانت وهبت ليلتها لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -).
وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا رغب في نكاح امرأة مزوجة، وعلم زوجها بذلك.. وجب عليه أن يطلقها! كامرأة زيد بن حارثة، كما أنه إذا احتاج إلى طعام، ومع إنسان طعام،

لو لم يأكله مات جوعاً.. وجب عليه أن يبذله له.
وأبيح له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يتزوج من غير مهر، لا ابتداء، ولا انتهاء، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 50] [الأحزاب: 50] الآية، والهبة إنما تكون بغير عوض.

فرع نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة

]: وهل كان يحل له النكاح بلفظ الهبة؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه كان يحل له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 50] [الأحزاب: 50] الآية.
وروي: «أن امرأة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: قد وهبت نفسي منك يا رسول الله، فقال: ما لي اليوم في النساء من حاجة»، ولم ينكر عليها قولها: (قد وهبت نفسي منك).
ولأن غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما لا يصح نكاحه بلفظ الهبة، لأنه لا يعرو عن عوض، والهبة لا تتضمن عوضا، ونكاح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصح أن يعرو عن العوض، فلذلك صح بلفظ الهبة.

والثاني: لا يحل له.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الأصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: 50] [الأحزاب: 50] الآية.
فأجاز له العقد بالاستنكاح- وهو لفظ التزويج، أو الإنكاح - فدل على: أن ذلك يشترط في نكاحه.
ولأن لفظ الهبة، ولفظ الإباحة واحد، لأنهما لا يتضمنان عوضاً، فلما لم يصح نكاحه بلفظ الإباحة.. لم يصح بلفظ الهبة.
وإذا قلنا بالأول: فهل يصح قبوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقوله: (اتهبت)، أو لا يصح حتى يقول: (نكحت)، أو: (تزوجت)، وما أشبهها؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في" الإبانه "].

فرع نكاح النبي صلى الله عليه وسلم بلا ولي ولا شهود

وهل كان يصح نكاحه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغير ولي ولا شهود؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لما روي ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين»، ولم يفرق.
ولأن كل ما كان شرطاً في نكاح غيره.. كان شرطاً في نكاحه، كالإيجاب والقبول.

والثاني: يصح.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح، لما روي: «أن النبي صلى عليه وسلم لما خطب أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.. اعتذرت إليه بأشياء، منها: أن قالت: ليس لي ولي حاضر فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ليس لك ولي حاضر ولا غائب، إلا وهو يرضاني "، فقالت أم سلمة: قم يا عمر - تعني: ابنها - فزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -».
قال الشيخ أبو حامد: وأصحابنا يروون: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يا غلام، قم فزوج أمك».
والذي أعرفه هو الأول.
فتزوجها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من غير ولي، لأن الابن ليس بولي عندنا، لأن ابنها كان يومئذ صغيراً.
ولأن الولي إنما اشترط في النكاح، لئلا تضع المرأة نفسها في غير كفء، واشترط حضور الشهود عند العقد، ليثبتوا الفراش، فيلحق النسب به، إن جحد الزوج، وذلك لا يوجد في النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

فرع زواجه صلى الله عليه وسلم في الإحرام

وهل كان يصح نكاحه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حال الإحرام؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لِقَوْلِهِ تَعَالَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح».
50

والثاني: يصح، لما روى ابن عباس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج ميمونة وهو- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - محرم».
ولأن المحرم إنما منع من العقد في الإحرام، لئلا يدعوه ذلك على مواقعتها في حال الإحرام، وهذا مأمون منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

فرع زواجه صلى الله عليه وسلم من الكتابيات

وهل كان يجوز نكاحه الحرائر الكتابيات؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] [المائدة: 5] ولم يفرق.
ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبيح في النكاح ما لم يبح لغيره، فلا يجوز أن يحرم عليه منه ما أبيح لغيره.
والثاني- وهو قول أكثر أصحابنا - أنه لا يجوز له نكاحها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] [الأحزاب: 6]، ولا يجوز أن تكون الكافرة أما للمؤمنين.
ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الآخرة»، والكافرة لا تدخل الجنة، فلا تكون زوجة له.

فرع زواجه صلى الله عليه وسلم من الأمة المسلمة ووطؤه لملك اليمين

وأما تزويج الأمة المسلمة: فالمشهور من المذهب: أنه لا يحل له ذلك، لأن تزويجها للحر إنما يكون بشرطين: عدم طول الحرة، والخوف من العنت، وهذان، معدومان في حقه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه كان يحل له ذلك، لما ذكرناه في نكاحه للذمية.
فإذا قلنا بهذا: فما كان حكم ولده منها إذا قلنا: إن ولد العربي من الأمة مملوك؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه رقيق، كولدها من غيره.
والثاني: ليس برقيق، وهو الأصلح، لأنه يستحيل أن يسترق من هو جزء من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وأما وطء الأمة المسلمة بملك اليمين: فكان يحل له، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] [الأحزاب: 52] الآية.
ولأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وطيء مارية القبطية بملك اليمين، وأولد منها إبراهيم عليه والسلام.
وكان يحل له وطء الأمة الكتابية بملك اليمين، لأنه اصطفى صفية بنت حيي من سبي خيبر، وكان يطؤها قبل أن تسلم، فلما أسلمت أعتقها، وجعل عتقها صداقها - وهذا مما خص به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيضا- فتزوجها.

مسألة تخيير النساء خاص به صلى الله عليه وسلم

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فمن ذلك: أن من ملك زوجة.. فليس عليه تخييرها، وأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يخير نساءه، فاخترنه).
وجملة ذلك: أن الله تعالى خير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بين أن يكون نبيا ملكاً وعرض عليه مفاتيح خزائن الدنيا، وبين أن يكون نبياً مسكيناً، فشاور - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،

فأشار عليه بالمسكنة، فاختارها، فلما اختارها وهي أعلى المنزلتين.. أمره الله تعالى أن يخير زوجاته، فربما كان فيهن من تكره المقام معه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الشدة، تنزيها له.
وقيل: إن السبب الذي وجب التخيير لأجله: أن امرأة من زوجاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سألته أن يصوغ لها حلقة من ذهب، فصاغ لها حلقة من فضة، وطلاها بالذهب- وقيل: بالزعفران- فأبت إلا أن تكون من ذهب، فنزلت آية التخيير، وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: 28] الآية [الأحزاب: 28].
وقيل: إنما أمر بتخييرهن امتحانا لقلوبهن، وابتلاء لهن، وإلا.. فلا يختار له إلا الصالحات من النساء، ولكن يعلم بذلك أحكام، فبدأ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعائشة، وقال: «إني مخيرك، ولا عليك أن لا تحدثي أمرا حتى تستأمري أبويك "، ثم قال: " إن الله أنزل علي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: 28] [الأحزاب: 28]، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أفيك أشاور أبوي؟! إني اخترت الله ورسوله.
قالت عائشة: لا تخبر بما صنعت أحداً من أزواجك، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنما بعثت ميسراً، ولم أبعث معسراً"، ثم دخل على باقي أزواجه، فخيرهن، فكن يقلن: ما قالت عائشة، فيقول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اختارت الله ورسوله" فيقلن: اخترن الله ورسوله».
وقيل: إن واحدة منهن اختارت الفراق.
وإنما أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن تشاور أبويها، لأنه كان يحبها، وكان يخاف أن يحملها فرط الشباب على أن تختار فراقه، ويعلم من أبويها أنهما لا يشيران عليها بفراقه.

جارٍ التحميل