البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 504-536

كتاب الحدود

صفحات 504-536
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

دليلنا: أن كل من يلزمه الحد في السرقة.. لزمه حكم قطاع الطريق، في قطع الطريق كالرجل.
وإن كان قطاع الطريق جماعة فأخذوا المال.. اعتبر أن يكون قدر ما أخذه كل واحد منهم يبلغ نصابا، فإن كان فيهم صبي أو مجنون.. فإنه يجب على شريكه في أخذ المال القطع إذا بلغت حصته نصابا، وهل يجب على شريكه في القتل القتل؟ فيه قولان بناء على القولين في عمد الصبي: هل هو عمد أو خطأ؟

فرع: أخذ المحارب المال وما يترتب عليه من قطع

وإذا أخذ المحارب المال ولم يقتل.. قطعت يده اليمنى من مفصل الكوع، ورجله اليسرى من مفصل القدم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: 33] [المائدة: 33].
وهو قول ابن عبَّاس ولا مخالف له.
ولأن المحارب يساوي السارق في أخذ المال على وجه لا يمكن الاحتراز منه فساواه في قطع اليد وزاد عليه في شهر السلاح وإخافة السبيل فغلظ عليه بقطع الرجل.
فإذا قطعت يده اليمنى.. فإنها تحسم بالنار، ثم تقطع رجله اليسرى وتحسم بالنار في مكان واحد؛ لأنهما حد واحد.
فإن لم يكن له إلا إحداهما.. قطعت لا غير.
وإن لم يكن له واحدة منهما.. قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى؛ لأنه قد فقد ما يتعلق به القطع ابتداء، فانتقل إليه ما بعدهما، كما لو سرق ولا يمين له.
فإن أخذ المال وليس له إلا كف يده اليمنى أو قدم رجله اليسرى، أو ليس على أحدهما أنملة من الأصابع.. فهل يقطعان، أو ينتقل عنهما إلى اليد اليسرى والرجل اليمنى؟ فيه وجهان، كما قلنا فيه إذا سرق وليس له إلا كف اليد اليمنى ولا أنملة عليها.

فرع: قتل المحارب وماذا لو عفا ولي المقتول عنه؟

وإن قتل المحارب ولم يأخذ المال.. وجب قتله قودا لولي المقتول ويتحتم قتله

لحق الله تَعالَى، فلا يجوز للإمام تركه؛ فوجوب القتل عندنا حق للآدمي وانحتامه حق لله تَعالَى.
وقال بعض الناس: لا يتحتم القتل، بل إن شاء الولي قتل، وإن شاء عفا عنه، كالقتل في غير المحاربة.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الآية [المائدة: 33].
فعين القتل، فمن قال: إنه على التخيير.. خالف ظاهر الآية.
ولأن الله تَعالَى ذكر القتل هاهنا وأطلقه ولم يضفه إلى ولي المقتول، فلو كان ذلك إلى اختيار ولي المقتول.. لأضافه إليه، كما أضاف إليه القتل في غير المحاربة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33] [الإسراء: 33] فعلم أن المخاطب بالقتل في المحاربة هم الأئمة دون الأولياء.
ورُوِيَ «عن ابن عبَّاس: أنه قال: (نزل جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالحد فيهم: أن من قتل ولم يأخذ المال.. قتل».
والحد لا يكون إلا حتما، ولا مخالف له من الصحابة.
ولأن ما أوجب عقوبة في غير المحاربة.. تغلظت العقوبة فيه بالمحاربة، كأخذ المال.
وإن قتل المحارب من لا يكافئه.. فهل يجب قتله به؟ فيه قولان مَضَى ذكرهما في (الجنايات).
الصحيح: لا يجب.
هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: هل القتل في المحاربة حق لله تَعالَى أو للآدمي؟ فيه قولان: أحدهما: أنه حق لله لا حق للآدمي فيه، إذ لو كان حقا للآدمي.. لسقط بعفوه، ولا خلاف أنه لا يسقط بعفوه.
والثاني: أنه حق للآدمي؛ لأن القصاص في غير المحاربة حق للآدمي.. فلأن يكون له في المحاربة أولى، إلا أن انحتام القتل وجب تغليظا عليه؛ لقطعه الطريق.

ولهذين القولين فوائد: منها: إذا قتل في المحاربة من لا يكافئه.. فإن قلنا: أنه حق لله تَعالَى.. قتل به.
وإن قلنا: أنه حق للآدمي.. لم يقتل به.
الثانية: إذا قتل المحارب جماعة.. فإن قلنا: إنه حق لله تَعالَى.. قتل بجميعهم، ولا شيء للأولياء؛ لأن الحدود تتداخل.
وإن قلنا: أنه حق للآدمي.. قتل بأولهم، ووجب للباقين الدية في ماله.
الثالثة: إذا عفا ولي الدم عن القاتل، فإن قلنا: إن القتل حق لله تَعالَى.. كان كما لو لم يعف، فيقتل ولا شيء لولي المقتول.
وإن قلنا: أنه حق للآدمي.. سقط بعفوه ما كان حقا له؛ وهو قتله قصاصا، ووجبت له الدية في ماله، إلا أن المحارب يقتل لله تَعالَى، كما لو كان عليه قتل قصاص وقتل ردة وعفا ولي القصاص.. فإنه يقتل للردة.

فرع: ارتكاب المحارب جناية لا توجب حدا كقطع مفصل ونحوه

وإن قتل قاطع الطريق رجلا خطأ أو عمد خطأ، أو أخافه عمدا أو خطأ.. فإنه لا يجب عليه القصاص بذلك قولا واحدا؛ لأن هذه الجنايات لا يجب بها القصاص في غير المحاربة، فلم يجب بها في المحاربة.
وإن قطع يده من المفصل، أو جرحه جراحة يثبت بها القصاص.. وجب عليه القصاص، وهل يتحتم قطعه؟ فيه قولان: أحدهما: يتحتم؛ لأن ما أوجب العقوبة في غير المحاربة.. تغلظ بالمحاربة بانحتام القود، كالنفس.
والثاني: لا يتحتم؛ لأن الله تَعالَى ذكر حدود المحاربة؛ وهي: القتل، وقطع اليد والرجل من خلاف، والصلب.
فدلَّ على أن ذلك جميع حدود المحاربة، فلو

كان انحتام القصاص في ما دون النفس من حدود المحاربة.
لذكره كما ذكر غيره.
هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: إن كانت الجناية في المحاربة فيما دون النفس مما يوجب حدا في غير المحاربة، كقطع اليد والرجل.. انحتم القصاص بها في المحاربة بلا خلاف على المذهب؛ لأنها تجب حدا في غير المحاربة، فانحتم القود فيها في المحاربة، كالنفس.
وإن كانت الجناية فيما دون النفس لا توجب حدا في غير المحاربة، كالموضحة وقطع الأذن وما أشبههما.. فهل يتحتم القصاص بها في المحاربة؟ فيه وجهان؛ لأن ذلك لا يوجب حدا في الشَّرع.

فرع: أخذ المحارب المال مع القتل وما يترتب عليه من الحد

وإذا أخذ المحارب المال وقتل.. فقد ذكرنا: أنه يقتل ويصلب.
وخرج أبُو الطيب ابن سلمة قولا آخر: أنه تقطع يده ورجله، ثم يقتل، ثم يصلب.
وحكى ابن القاص في " التلخيص " عن الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنه قال: (يصلب قبل القتل ثلاثا، ثم ينزل ويقتل).
ومن أصحابنا من قال لا يقتل، بل يصلب حيا حتى يموت جوعا وعطشا؛ لأن الصلب يراد للزجر، ولا ينزجر بصلبه بعد موته.
وقال أبُو يوسف: يصلب حيا ثلاثا، فإن مات، وإلا.. قتل وهو مصلوب.
والمذهب الأول، وما حكاه ابن القاص لا يعرف للشافعي؛ لأن كل معصية توجب عقوبة في غير المحاربة.. غلظت تلك العقوبة في المحاربة تغليظا واحدا، كما قلنا فيه إذا أخذ المال ولم يقتل.. فإنه تقطع يده ورجله، فكذلك إذا أخذ المال وقتل.. فإنه يغلظ بالقتل والصلب.
وقول أبي الطيب: إنه يقطع ثم يقتل.. لا يصح؛ لأن القتل يحصل به من النَكَال أكثر من القطع.
وقول من قال: يصلب حيا حتى يموت.. باطل أيضا؛ لـ: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن تعذيب الحيوان».
وهذا حيوان، وقال: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا قتلتم.. فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته».
وقوله: إن الصلب يراد لزجره.. غير صحيح؛

إنما يراد لزجر غيره، وذلك يحصل بصلبه بعد موته.
إذا ثبت أنه يصلب بعد موته.. قال الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فإنه يصلب على خشبة ثلاثة أيام، ثم ينزل ويغسل ويكفن ويصَلَّى عليه ويدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه مسلم قتل بحق، فهو كالمقتول في القصاص).
قال: القاضي أبُو الطيب: قال الماسرجسي: إنما نص الشافعيُّ، على صلبه ثلاثا في البلاد الباردة أو البلاد المعتدلة، فأما في البلاد الحارة.. فإنه إذا خيف تغيره قبل الثلاث.. فإنه يحنط ليمكن غسله وتكفينه.
وقال أبُو عليّ ابن أبي هُرَيرَة: يصلب حتى يسيل صديده، ولا يحنط أبدا.
وليس بشيء؛ لأن هذا يؤدي إلى إبطال وجوب غسله وتكفينه ودفنه.
هذا نقل أصحابنا البغداديين، وقال الخراسانيون: يصلب ثلاثا، وهل ينزل بعد الثلاث إن لم يسل صديده؟ فيه قولان: أحدهما: لا ينزل حتى يسيل صديده؛ لأن الصلب إنما يسمى صلبا بسيلان صديد المصلوب، وهو الودك، فما لم يتغير لا يذوب صديده.
والثاني: ينزل بعد الثلاث؛ لئلا يتغير فيتأذى به الناس.
فإذا قلنا بهذا: فخيف تغيره قبل الثلاث.. فهل ينزل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا ينزل؛ لأن التنكيل لا يحصل بدون الثلاث.
والثاني: ينزل؛ لأنا إنما ننزله بعد الثلاث حتى لا يتغير على الصليب، فإذا خيف ذلك قبل الثلاث.. أنزل.
وإن مات قبل أن يقتل.. فهل يجب صلبه بعد موته؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبُو إسحاق: أحدهما - وهو قول الشيخ أبي حامد: أنه لا يصلب؛ لأن الصلب صفة للقتل وتابع له، وقد سقط القتل بالموت فسقط الصلب.

والثاني - وهو قول القاضي أبي الطيب: إنه يصلب بعد موته؛ لأنهما حقان، فإذا تعذر أحدهما.. وجب الآخر.

مسألة: اجتماع حد محاربة وقصاص

إذا لزمه قتل في المحاربة وقصاص فيما دون النفس في غير المحاربة، فإن عفا من وجب له القصاص فيما دون النفس.. ثبت له الدية في ماله وقتل في المحاربة.
وإن اختار أن يقتص منه فيما دون النفس.. اقتص منه، ثم قتل في المحاربة حتما.
ويقدم القصاص في الطرف، سواء تقدم القتل عليه أو تأخر.
فإن لزمه القصاص فيما دون النفس في المحاربة، وقتل في المحاربة.. فإنه يقتص منه فيما دون النفس، ويقتل في المحاربة.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يدخل الجرح في القتل).
دليلنا: أنهما حقان مقصودان لآدميين، فلم يتداخلا، كما لو وجبا في غير المحاربة.
وإن قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى من رجل في غير المحاربة، وأخذ المال في المحاربة ولم يقتل.. فمن قطعت يده ورجله بالخيار: بين أن يعفو عنه، وبين أن يقتص.
فإن عفا عنه.. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى؛ لأخذ المال في المحاربة.
وإن اختار به القصاص.. قدم القصاص على القطع في المحاربة، سواء تقدم أخذ المال أو الجناية؛ لأن حق الآدمي آكد، فإذا اقتص منه.. لم يقطع للمحاربة حتى يبرأ من قطع القصاص؛ لأنهما حقان يجبان بسببين مختلفين.
وإن قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى من رجل في المحاربة، وأخذ المال في المحاربة ولم يقتل، فإن قلنا: إن القصاص فيما دون النفس لا يتحتم في المحاربة؛ فإن عفا عن القصاص.. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى؛ لأخذ المال في المحاربة.
وإن اختار القصاص، أو قلنا: إنه يتحتم.. قدم القطع للقصاص في اليد اليسرى

والرجل اليمنى على القطع في المحاربة، سواء تقدمت الجناية أو أخذ المال؛ لأن حق الآدمي آكد، ولكن لا يقطع للمحاربة حتى يبرأ من قطع القصاص؛ لأنهما حقان يجبان بسببين مختلفين.
وأمَّا إذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى من رجل في غير المحاربة، وأخذ المال في المحاربة ولم يقتل، فإن اختار المجني عليه العفو عن القصاص وعفا.. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى للمحاربة.
وإن اختار القصاص.. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في القصاص، وسقط القطع للمحاربة؛ لأن العضو الذي تعلق به القطع قد فات.
وإذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى من رجل في المحاربة، وأخذ المال في المحاربة ولم يقتل، فإن قلنا: إن القصاص فيما دون النفس لا يتحتم في المحاربة.. فهو كما لو قطعها في غير المحاربة، وقد مَضَى.
وإن قلنا: يتحتم.. قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى للقصاص، وسقط القطع للمحاربة؛ لأن القصاص حق آدمي، والقطع في المحاربة حق لله تَعالَى.. فقدم حق الآدمي عليه.
هكذا ذكر الشيخ أبُو حامد وابن الصبَّاغ.
وذكر الشيخ أبُو إسحاق: أنه إذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في المحاربة، وأخذ المال ولم يقتل، وقلنا: يتحتم القصاص فيما دون النفس في المحاربة.. نظرت: فإن تقدم أخذ المال.. سقط قطع المحاربة؛ لما مَضَى.
وإن تقدمت الجناية.. لم يسقط القطع للمحاربة، بل تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى؛ لأن اليد اليمنى والرجل اليسرى استحقا بالجناية قبل أخذ المال، فيصير كمن أخذ المال بالمحاربة وليس له يد يمنى ولا رجل يسرى، فتعلق قطع المحاربة باليد اليسرى والرجل اليمنى.

مسألة: توبة قطاع الطرق

وإذا تاب قاطع الطريق.. نظرت: فإن تاب بعد قدرة الإمام عليه.. لم يسقط عنه شيء مما وجب عليه من حدود المحاربة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] [المائدة: 34] فشرط في الغفران وفي سقوط أحكام المحاربة عنهم أن تكون التوبة قبل القدرة عليهم، فدلَّ على أنها إذا كانت بعد

القدرة عليهم.. لم يؤثر ذلك؛ لأن المحارب إذا حصل في قبضة الإمام.. وجب عليه إقامة الحد عليه، وإذا تاب في هذه الحال.. فالظاهر: أنه تاب للتقية من إقامة الحد عليه، فلم يسقط.
فأما إذا تاب قبل قدرة الإمام عليه.. فإنه تسقط عنه الحدود التي يختص وجوبها بالمحاربة قولا واحدا؛ وهي: قطع الرجل، وانحتام القتل عليه، والصلب؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] [المائدة: 34].
ولا تسقط حقوق الآدميين - وهو: حد القذف، وضمان الأموال، والقصاص- بالتوبة بحال، سواء كان محاربا أو غير محارب.
وأمَّا الحدود التي تجب لحق الله تَعالَى ولا يختص وجوبها بالمحاربة؛ كحد الزِّنَى، واللواط، وحد الخمر، والسرقة.. فهل تسقط بالتوبة عن المحارب وغير المحارب؟ فيه قولان: أحدهما: لا تسقط بالتوبة - وبه قال أبُو حَنِيفَة - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] [النور: 2]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] [المائدة: 38].
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من شرب الخمر.. فاجلدوه» ولم يفرق بين أن يتوب وبين أن لا يتوب.
ولأنه حد لا يختص بالمحاربة، فلم يسقط بالتوبة، كحد القذف.
والثاني: يسقط بالتوبة، وهو الأصح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] [المائدة: 34] فأخبر: أن المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه.. غفر له جميع ما كان منه، وقال تَعالَى:

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 39] [المائدة: 38-39] فأخبر: أنه إذا تاب وأصلح.. فإن الله يتوب عليه ويغفر له.
والظاهر: أنه لا يتعلق عليه شيء بعد ذلك.
وقال في الزِّنَى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 16] [النساء: 16].
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التوبة تجب ما قبلها».
ورُوِي: «أن رجلا أتى النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: أنِّي أصبت حدا فأقمه عليّ، فقال: "أليس توضأت فصليت؟ " فقال: بلى، قال: "فلا حد عليك» فالظاهر: أنه إنما سقط عند الحد بصلاح العمل.
ولأنه حد خالص لله، فسقط بالتوبة، كالحد الذي يختص بالمحاربة.
فإذا قلنا بهذا: فإن كانت هذه الحدود وجبت عليه في حال المحاربة.. سقطت عنه بالتوبة، ولا يشترط عليه في سقوط الحد مع التوبة إصلاح العمل.
وإن كانت وجبت عليه في غير المحاربة.. لم تسقط عنه حتى يقرن مع التوبة إصلاح العمل.
والفرق بينهما: أن المحارب مظهر للمعاصي، فإذا تاب.. فالظاهر من حاله أنه لم يتب تقية، وإنما رجع عما كان عليه.
وغير المحارب غير مظهر للمعاصي، فإذا تاب.. فالظاهر: أنه تاب تقية، فلم يحكم بصحة توبته حتى يقترن به إصلاح العمل، ويشترط إصلاحه للعمل مدة يوثق بتوبته فيها.
وأمَّا قطع اليد لأخذ المال في المحاربة.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبُو إسحاق: لا يختص بالمحاربة؛ لأنه لا يجب إلا بأخذ نصاب، فهو كالقطع في السرقة.
وقال أبُو عليّ بن أبي هُرَيرَة، وأبو عليّ الطبري: يختص بالمحاربة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الآية [المائدة: 33] فعلق قطع اليد والرجل

بالمحاربة، فدلَّ على أنهما يختصان معا بالمحاربة.
ولأنه وجب لأخذ المال مجاهرة، وقطع اليد في السرقة يجب لأخذ المال من حرزه على وجه الاستخفاء.. فكانا مختلفين.
فعلى قول أبي إسحاق: إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه.. هل يسقط عنه قطع اليد؟ على قولين.
وعلى قول أبوي عليّ: يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه قولا واحدا.
هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال المسعوديُّ [في " الإبانة "]: إذا تاب قاطع الطريق قبل الظفر به.. فالصحيح: أن ما كان حقا لله تَعالَى كالقطع ونحوه.. فإنه يسقط، وما كان حقا لآدمي، كانحتام القصاص.. لا يسقط.
وقيل: يسقط القصاص أيضا.
وليس بشيء.
وإن تاب بعد الظفر به.. ففيه قولان: أحدهما: حكمه حكم ما لو تاب قبل الظفر به؛ لأن ما يسقط بتوبة أو غيرها لا فرق فيه قبل الظفر به أو بعد الظفر به، كسقوط قطع السرقة الواجب بالإقرار، وعكسه القصاص.
والثاني: لا يسقط؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] [المائدة: 34].
قال: وعلى هذا خرج أصحابنا وجهين في حد الزِّنَى والشرب: هل يسقط بالتوبة؟ وبالله التوفيق

باب حد الخمر

الخمر محرم، والأصل فيه: الكتاب والسنة والإجماع.
والخمر المجمع على تحريمه هو: عصير العنب الذي قد اشتد وقذف زبده.
أما الكتاب: فقوله تَعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219] [البقرة: 219] فأخبر: أن فيهما منفعة وإثما، وأن الإثم أكبر من المنفعة.
وهذا يدل على التحريم.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة: 90] إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] [المائدة: 90-91]. وفي هاتين الآيتين سبعة أدلة: أحدها: أن الله تَعالَى قرن بين الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وقدمه عليها، وهذه الأشياء كلها محرمة، فدلَّ على تحريم الخمر.
والثاني: أن الله تَعالَى سماها رجسا، و (الرجس): اسم للشيء النجس، وكل نجس حرام.

الثالث: قَوْله تَعَالَى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: 90]، وما كان من عمل الشيطان فهو محرم.
الرابع: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]، ولا يأمر باجتناب محرم.
الخامس: قَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90] وضد الفلاح الفساد.
السادس: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 91] وما صدَّ عن ذلك فهو محرم.
السابع: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] وهذا أبلغ كلمة في الزجر عن الشيء.
ويدل على تحريمه من الكتاب قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33] [الأعراف: 33] و (الإثم): هو الخمر، قال الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي... كذاك الإثم يذهب بالعقول واختلف الناس في سبب نزول تحريم الخمر: فقيل: إن السبب أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: (لا ينتهى عن هذه الخمور حتى يأتي أحدنا وقد ضرب فجرح وكلم)، فأنزل الله تَعالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219] الآية [البقرة: 219]، فاختلف الناس فيها، فقال بعضهم: هي مباحة لذكر المنفعة فيها.
وقال بعضهم: هي محرمة لذكر الإثم فيها.
فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اللهم بين لنا بيانا شافيا، فأنزل الله تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] [النساء: 43] الآية.
فقالوا: إنما حرم شربها في وقت الصلاة دون غيره، فقال عمر: اللهم بين لنا بيانا شافيا، فأنزل الله تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة: 90] الآيتين إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] [المائدة: 90-91] فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: انتهينا يا ربنا).
وقيل: إن سبب نزول تحريم الخمر: «أن رجلا من الأنصار شوى بعيرا ودعا سعدا، فأكل وشرب معه وسكر، فرمى وجه سعد بلحي البعير، فكسر أنفه، فنزل تحريمها».
وأمَّا السنة: فما رَوَى الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - بإسناده عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من شرب الخمر في الدنيا.. حرمها في الآخرة».
ورَوَى ابن عمر: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لعن الله الخمرة، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه».
ورَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الخمر أم الخبائث».

ورُوِي «عن أنس: أنه قال: (كنت أسقي أبا طلحة وأبي بن كعب وأبا أيوب الأنصاري، فأتاهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبُو طلحة: قم إلى الجرار فاكسرها، فقمت إليها، فضربت أسفلها بمهراس فكسرتها».
ورُوِي: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «شارب الخمر كعابد وثن».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله حرم الكلب وحرم ثمنه، وحرم الخنزير وحرم ثمنه، وحرم الخمر وحرم ثمنها».
وأمَّا الإجماع: فأجمعت الصحابة ومن بعدهم من المسلمين: على تحريمها.
ورُوِي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معد يكرب: أنهما قالا: (هي حلال؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: 93] الآية [المائدة: 93] فقال قدامة: فلنشرب ونتق، فأنكر عليهما الصحابة ذلك، فرجعا عن ذلك).
وأمَّا الآية.. فلها تأويلان:

أحدهما: أنه أراد ذلك قبل تحريمها.
والثاني: أنه أراد: فيما طعموا من المباحات الطيبات.
فمن استحل شربها بعد ذلك.. فهو كافر، وعليه يتأول قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «شارب الخمر كعابد وثن» يعني: إذا اعتقد إباحتها.
إذا ثبت هذا: فمن شرب منها وهو مسلم، عاقل، بالغ، مختار.. وجب عليه الحد، سواء شرب منها قليلا أو كثيرا، سكر أو لم يسكر؛ لما رَوَى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من شرب الخمر.. فاجلدوه، فإن عاد.. فاجلدوه، فإن عاد.. فاجلدوه، ثم إن عاد.. فاقتلوه» والقتل في الرابعة منسوخ؛ لما روى قبيصة بن ذؤيب: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي برجل شرب الخمر فجلده، فأتي به ثانيا وقد شرب فجلده، فأتي به ثالثا وقد شرب فجلده، فأتي به رابعا وقد شرب فجلده، ولم يقتله».
وأجمعت الأمة: على ذلك أيضا.

مسألة: حرمة ما أسكر كثيره وقليله وأنواعه

وما عدا الخمر من الأشربة المسكرة؛ كعصير العنب المطبوخ، ونبيذ التمر والزبيب والذرة والشعير، وغير ذلك.. فيحرم قليلها وكثيرها، ويجب بشربها الحد.
وبه قال عمر، وعلي، وابن عبَّاس، وابن عمر، وأبو هريرة، وسعد ابن أبي وقاص، وابن مَسعُودٍ، وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ومن الفقهاء: مالك، والأَوزَاعِي، وأحمد، وإسحاق، وقال أبُو حَنِيفَة: (الأشربة على أربع أضرب: أحدها: الخمر - وهو عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده - فيحرم قليله وكثيره، ويجب على شاربه الحد- ولم يشترط أبُو يوسف ومحمد أن يقذف زبده، وقالا: إذا اشتد وغلى.. كان خمرا-.
والثاني: المطبوخ من عصير العنب، فإذا ذهب أقل من ثلثيه.. فهو حرام، ولا حد على شاربه إلا إذا سكر.
وإن ذهب ثلثاه.. فهو حلال إلا ما أسكر منه.
وإن طبخه عنبا.. ففيه روايتان: إحداهما: أنه يجري مجرى عصيره.
والمشهور: أنه حلال وإن لم يذهب ثلثاه.
الثالث: نقيع التمر والزبيب، فإن طبخ بالنار.. فهو مباح، ولا حد على شاربه إلا إذا أسكر، فيحرم القدر الذي يسكر، وفيه الحد.
وإن لم تمسسه النار.. فهو حرام، ولا حد على شابه إلا إذا أسكر.
الرابع: نبيذ الحنطة والذرة والشعير والأرز والعسل ونحو ذلك.. فهو حلال، سواء كان نيئا أو مطبوخا، إلا أنه يحرم المسكر منه، ولا حد على شاربه سكر أو لم يسكر).
دليلنا: ما رَوَى النعمان بن بشير: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا».
ورَوَى أبُو هُرَيرَة: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والكرم».
ورَوَى ابن عمر: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام».
ورُوِي: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «حرمت الخمرة بعينها، والمسكر من كل شراب».
ورُوِي: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما أسكر كثيره.. فقليله حرام».

وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما أسكر الفرق منه.. فملء الكف منه حرام».
و (الفرق) بسكون الراء -: مكيال يسع مائة وعشرين رطلا.
وبنصب الراء: يسع ستة عشر رطلا.
والخبر رُوِيَ بنصب الراء.
ولأن الله تَعالَى حرم الخمر ونبه على المعنى الذي حرمها لأجله؛ وهو: أن الشيطان يوقع فيها العداوة والبغضاء ويصد بها عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه المعاني موجودة في هذه الأشربة، فوجب أن يكون حكمها حكم الخمر في التحريم والحد.
إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في هذه الأشربة: هل يقع عليها اسم الخمر؟ فمنهم من قال: يقع عليها اسم الخمر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من الشعير خمرا، وإن من البر خمرا».
ورُوِي عن عمر وأبي موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنهما قالا: (الخمر ما خامر العقل).
فعلى هذا: يحتج على تحريم هذا الأشربة بالآية.
وقال أكثر أصحابنا: لا يقع عليها اسم الخمر؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حرمت الخمرة بعينها، والمسكر من كل شراب» فلو كان اسم الخمر يطلق على هذه المسكرات.. لاكتفى بقوله: «حرمت الخمرة بعينها».
فعلى هذا: لا يدل على تحريم هذه الأشربة إلا السنة والقياس.

فرع: بيع المسكر

كل شراب مسكر لا يجوز بيعه، وهو نجس.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يجوز بيعه إلا الخمر).
وقال أبُو يوسف ومحمد: لا يجوز بيع نقيع التمر والزبيب، ويجوز بيع باقيها.
دليلنا: أنه شراب فيه شدة مطربة، فلم يجز بيعه، كالخمر.

فرع: طبخ اللحم أو عجن الدقيق والند بخمر

قال ابن الصبَّاغ: وإن طبخ لحما بخمر وأكل مرقها.. حد.
وإن أكل اللحم.. لم يحد؛ لأن عين الخمر موجود في المرقة وليس بموجود في اللحم، وإنما فيه طعمه.
وإن عجن دقيقا بخمر وخبزه، فأكل الخبز.. لم يحد؛ لأن عين الخمر أكلتها النار.
قال ابن الصبَّاغ: وإن استعطَى الخمر أو احتقن.. لم يحد؛ لأنه ليس بشرب ولا أكل.
وفيما قاله ابن الصبَّاغ نظر؛ لأن حكم الاستعاط والاحتقان حكم الشرب في إبطال الصوم، فكان حكمه حكم الشرب في الحد.
قل ابن الصبَّاغ: وإن ثرد بالخمر وأكله، أو اصطبغ بها.. حد؛ لأنها غير مستهلكة.
وإن عجن الند بالخمر.. كان نجسا، ولم يجز بيعه.
وإذا تبخر به.. فهل ينجس؟ فيه وجهان، بناء على الوجهين في دخان سائر النجاسات.

مسألة: حد الحر أو العبد في شرب الخمر

فإن كان المحدود في الخمر حرا.. جلد أربعين جلدة.
ورُوِي ذلك عن أبي بكر

  • رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وقال مالك وأبو حَنِيفَة والثوريُّ: (الواجب عليه ثمانون جلدة، ولا يجوز النقصان عنه).
    واختاره ابن المنذر.
    دليلنا: ما روى عبد الرحمن بن الأزهر قال: «أتي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بشارب الخمر، فقال: "اضربوه"، فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وحثوا عليه التراب، ثم قال: "بكتوه".. فبكتوه».
    و (التبكيت): أن يقال للرجل: أما خشيت الله، أما اتقيت الله؟ فلما كان زمن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.. أتي بشارب، فسأل من حضر ذلك الضرب، فقومه، فضرب أبُو بكر في الخمر أربعين جلدة، ثم عمر، ثم تتابع الناس في الخمر، فاستشار عمر الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فضربه ثمانين).
    ورَوَى أنس: (أن «النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي بشارب خمر، فأمر عشرين رجلا فضربه كل واحد ضربتين بالجريد والنعال».
    روى أبُو ساسان قال: (شهدت عُثمانَ بن عفان وقد أتي بالوليد بن عقبة وقد شهد عليه حمران وآخر معه بالخمر، فشهد أحدهما أنه شربها وشهد الآخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عُثمانَ: ما تقيأها حتى شربها، فقال لعلي: دونك ابن عمك فاجلده، فقال علي للحسن: اجلده، فقال: ولِّ حارها من تولى قارها- يعني: ولِّ شديدها من تولى هينها ولينها - فقال عليّ: لا، ولكنك ضعفت وعجزت، قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده، فأخذ السوط وجلده وعلي يعد، فلما بلغ أربعين.. قال: «حسبك، جلد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربعين» وجلد أبُو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكلاهما سنة، وهذا أحب إلي).
    وإن كان المحدود عبدا.. فالواجب عليه عشرون جلدة؛ لأنه حد يتبعض، فكان العبد على النصف من الحر، كالجلد في الزِّنَى.
    فإن رأى الإمام أن يحد الحر أكثر من الأربعين إلى الثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرا، أو يحد العبد أكثر من عشرين إلى أربعين، وتكون الزيادة على العشرين تعزيرا.. جاز؛ لما رَوَى أبُو وبرة الكلبي قال: (أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته ومعه عُثمانَ وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير، فقلت: إن خالدا يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه؟ فقال عمر: فما ترون؟ فقال عليّ: إنه إذا شرب.. سكر، وإذا سكر.. هذى، وإذا هذى.. افترى، فيحد حد المفتري، فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال.
    فجلد خالد ثمانين، وجلد عمر ثمانين، وكان عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذا أتي بالرجل المنهمك بالشرب.. جلدة ثمانين، وإذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة.. جلده أربعين)، ويدل عليه قول عليّ: «جلد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربعين» وأبو بكر أربعين

، وعمر ثمانين، وكلاهما سنة، وهذا أحب إلي).
ومعناه: الاقتصار على حد الخمر سنة، وضم التَّعزِير إليه سنة، فإن قيل: فالتَّعزِير لا يبلغ عندكم أربعين؟ قلنا: لا يجوز له أن يبلغ به الأربعين على زلة واحدة، فأما إذا كانت زلات.. فلا يمنع أن يبلغ به أربعين، وهاهنا منه زلات الهذيان والافتراء.

فرع: جلد الشارب فمات

فإن جلد الإمام الحر في الخمر أربعين فمات منه، أو جلد العبد عشرين فمات.. كان دمه هدرا؛ لما رُوِيَ: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لما جلد ابنه عبيد الله في الخمر.. جعل عبيد الله يقول: قتلتني، فقال عمر: (الحق قتلك).
ولأنه مات من حد، فلم يضمنه، كما لو مات من حد الزِّنَى.
وإن رأى الإمام أن يبلغ في الحر ثمانين أو بالعبد أربعين، فبلغ به ذلك فمات.. لم يهدر دمه؛ لما رُوِيَ عن عليّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (ما أحد أقيم عليه حدا فيموت فأجد في نفسي منه شيئا إلا الخمر؛ فإنه شيء أحدثناه بعد موت النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمن مات منه.. فديته في بيت المال، أو على عاقلة الإمام).
وأراد به الزيادة على الأربعين؛ لأنه قد ذكر: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلد في الخمر أربعين».
إذا ثبت هذا: فلا خلاف أنه لا يضمن جميع الدية؛ لأنه مات من حد ومن غير حد، فينظر فيه: فإن جلده ثمانين فمات.. وجب عليه نصف ديته، وهدر نصف ديته.
وإن جلده إحدَى وأربعين جلدة فمات.. ففيه قولان:

أحدهما: يجب نصف ديته ويهدر النصف؛ لأنه مات من مضمون وغير مضمون، فسقط نصف ديته ووجب نصفها، كما لو جرح نفسه جراحات، وجرحه آخر جراحات، ومات من الجميع.
والثاني: أن الدية تقسم على عدد الجلدات، فيسقط من ديته أربعون جزءا، ويجب جزء من واحد وأربعين جزءا؛ لأن السياط تتساوى في الظاهر في السراية والألم، بخلاف الجراحات.
وما وجب من ديته.. فهل يجب في بيت المال، أو على عاقلة الإمام؟ فيه قولان، مَضَى ذكرهما في (الجنايات).
وإن أمر الإمام رجلا، أن يجلد رجلا في القذف ثمانين جلدة، فجلده إحدَى وثمانين جلدة، فمات المحدود.. وجب على الجلاد الضمان.
وكم يجب عليه؟ على هذين القولين: أحدهما: يجب عليه نصف الدية.
والثاني: يجب عليه جزء من واحد وثمانين جزءا من الدية، إلا أن يكون الإمام قد قال للجلاد: اضرب وأنا أعد، فتركه حتى زاد على الثمانين ومات المحدود.. فإن الضمان يجب على الإمام؛ لأنه هو الذي اختار الزيادة؛ إذ لم يأمره بالقطع.
وكم يجب عليه؟ على القولين.
فإذا قال الإمام للجلاد: اضرب ما شئت وما اخترت.. لم يكن له أن يزيد على الحد، فإن زاد عليه.. ضمن.
وإن أمر الإمام الجلاد أن يجلد في الخمر ثمانين، فجلد إحدَى وثمانين جلدة، فمات المحدود، فإن قلنا: تقسم الدية على عدد الجلدات.. سقط من ديته أربعون جزءا من أحد وثمانين جزءا، ووجب على الإمام أربعون جزءا من هذا الأصل، وعلى الجلاد جزء من هذا الأصل.
وإن قلنا: تقسم الدية على أنواع الجلد.. ففيه وجهان: أحدهما: يسقط من ديته الثلث، ويجب على الإمام الثلث، وعلى الجلاد الثلث؛ لأنه اجتمع في الجلد ثلاثة أنواع: حد واجب، وتعزير، ومحرم.

والثاني: يسقط من ديته النصف، ويجب النصف على الإمام والجلاد بينهما نصفين؛ لأن الجلد نوعان: مضمون وغير مضمون، فسقط النصف لأجل ما ليس بمضمون، ووجب النصف لأجل ما هو مضمون، فكان بين الضامنين نصفين.

مسألة: آلة ضرب المحدود

]: وبم يضرب المحدود في الخمر؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول أكثر أصحابنا - أنه يضرب بالنعال والأيدي وأطراف الثياب؛ لما روى عبد الرحمن بن أزهر: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي بشارب فقال: "اضربوه" فضربوه بالنعال والأيدي وأطراف الثياب وحثوا عليه التراب».
وروى أنس: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي بشارب، فأمر عشرين رجلا، فضربه كل واحد منهم ضربتين بالجريد والنعال».
ولأن حد الخمر لما كان أخف من غيره في العدد.. فوجب أن يكون أخف من غيره في الصفة.
والثاني - وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق، واختيار الشيخ أبي حامد -: أنه يضرب بالسوط؛ لما رُوِيَ: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، جلد ابنه عبيد الله بالسوط لما شرب الطلاء).
و: (ضرب عليّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، الوليد بن عقبة بالسوط).
ومن قال بهذا.. تأوَّل الخبرين الأولين: على أن المحدود كان مريضا أو نضو الخلق ضعيفا.
فإذا قلنا: يضرب بالسوط، فضرب به فمات.. لم يجب ضمانه.
وإذا قلنا: يضرب بالنعال والأيدي، فضرب بالسوط فمات.. فهل يضمن؟ فيه وجهان - حكاهما ابن الصبَّاغ مأخوذان من القولين إذا ضربه في شدة حر أو برد: أحدهما: يضمن؛ لأنه فعل ما ليس له.
والثاني: لا يضمن؛ لأنه وقع موقع الحد.
فإذا قلنا: يضمن.. فكم يضمن؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يضمن جميع الدية؛ لأنه تعدى بجميع الضرب، فضمن جميع الدية، كما لو ضربه بما يجرح فمات.
والثاني: يضمن بقدر ما زاد ألم السوط على ألم النعال.

والثالث: يضمن نصف الدية؛ لأن قدر الضرب بالأيدي والنعال مستحق، وما زاد عليه متعد به، فصار بعضه مضمونا وبعضه غير مضمون، فسقط النصف لما هو غير مضمون، ووجب النصف لما هو مضمون.
وهل يجب ذلك في بيت المال، أو على عاقلة الإمام؟ على القولين.

مسألة: الإقرار والشهادة من غير تفسير في الخمر والشم

مسألة: [الإقرار والشهادة من غير تفسير يوجبان الحد في الخمر بخلاف الشم ونحوه]: ولا يجب حد الخمر حتى يقر أنه شرب خمرا، أو أنه شرب مسكرا، أو شرب شرابا يسكر منه غيره، أو تقوم عليه بينة بذلك.
ولا يفتقر في الشهادة عليه إلى أن يقول الشاهد: إنه شرب شرابا مسكرا وهو غير مكره، ولا مع علمه أنه يسكر؛ لأن الظاهر من فعله الاختيار والعلم.
والفرق بينه وبين الشهادة على الزِّنَى حيث قلنا: لا يحكم عليه حتى يفسر الشاهد الزِّنَى.. أن الزِّنَى يعبر به عن الصريح وعن دواعيه، وشرب الخمر لا يعبر به عن غيره.
فإن وجد الرجل سكران، أو شم منه رائحة الخمر، أو تقيأ خمرا أو مسكرا.. لم يقم عليه الحد.
وبه قال أكثر أهل العلم.
ورُوِي عن عُثمانَ: (أنه لما شهد عنده رجلان على الوليد بن عقبة، فشهد أحدهما عليه أنه شرب الخمر، وشهد الآخر أنه تقيأها، فقال: ما تقيأها إلا وقد شربها، فحده).
ورُوِي: (أن ابن مَسعُودٍ، قدم حمص، فسألوه أن يقرأ لهم شيئا من القرآن، فقرأ سورة يوسف، فقال له رجل: ما هكذا أنزلت! فقال ابن مَسعُودٍ: قرأت عليكم كما قرأت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجعل الرجل ينازعه، فشم منه ابن مَسعُودٍ، رائحة الخمر، فقال: أتشرب النجس وتكذب بالقرآن؟! والله لا أبرح حتى أحدك، فحده).

دليلنا: أنه يحتمل أنه أكره على شربها، ويحتمل أنه ظن أنه لا يسكر، فلا يلزمه الحد بالشك.
وما رُوِيَ عن عُثمانَ وابن مَسعُودٍ.
فقد رُوِيَ عن عمر: (أنه شم من ابنه عبيد الله رائحة الشراب فسأله، فقال: شربت الطلاء، فقال عمر: إنِّي سائل عنه، فإن كان مسكرا.. حددتك، فسأل عنه، فقيل: إنه مسكر، فحده، ولم يحده بشم الرائحة).
وكذلك رُوِيَ عن ابن الزبير.

مسألة: تداخل حد الشرب يوجب حدا واحدا وماذا لو تقادم العهد قبل إقامته؟

إذا شرب الخمر، فلم يحد حتى شرب ثانيا وثالثا.. حد للجميع حدا واحدا، كما قلنا في حد الزِّنَى.
وإن شرب الخمر، فمضى عليه زمان ولم يحد ولم يتب.. فإن الحد لا يسقط عنه، وكذلك سائر الحدود.
وقال أبُو حَنِيفَة: (يسقط بتقادم العهد حد الشرب وحد الزِّنَى دون حد القذف).
دليلنا: أنه حد فلم يسقط بتقادم العهد، كحد القذف.

مسألة: اجتماع أسباب الحدود

وإن اجتمع عليه حدود بأسباب؛ بأن زنَى وهو بكر، وسرق، وشرب الخمر، وقذف.. فإنها لا تتداخل؛ لأن أسبابها مختلفة.
فإن اجتمع عليه الحد في الزِّنَى، وحد القذف.. قدم حد القذف، سواء تقدم القذف أو تأخر.
واختلف أصحابنا في علته: فقال أبُو إسحاق وغيره: إنما قدم؛ لأنه حق آدمي.
وقال أبُو عليّ بن أبي هُرَيرَة: إنما قدم؛ لأنه أخف.
والأول أصح.

وإن اجتمع حد القذف وحد الشرب.
فعلى تعليل أبي إسحاق: يقدم حد القذف.
وعلى تعليل أبي عليّ بن أبي هُرَيرَة: يقدم حد الشرب.
فإن اجتمع مع ذلك القطع في السرقة.. قدمت هذه الحدود على القطع؛ لأنها أخف.
ولا يقام عليه حد حتى يبرأ ظهره من ألم الحد الذي قبله.
فإن سرق نصابا في غير المحاربة ونصابا في المحاربة.. قطعت يمينه لأحد النصابين، وتقطع رجله لأخذ المال في المحاربة، وهل يوالى بين قطع اليد والرجل؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يوالى بينهما، بل لا يقطع حتى تندمل اليد؛ لأن اليد قد قطعت في السرقة بغير المحاربة، والرجل قطعت لأخذ المال في المحاربة، وهما سببان مختلفان.
والثاني: يوالى بينهما، وهو الأصح؛ لأنهما حد واحد.
فإن اجتمع عليه حد الزِّنَى، وحد القذف، وحد الشرب، والقطع لأخذ المال في المحاربة، والقتل في غير المحاربة.. فإن هذه الحدود تقام عليه على ما مَضَى، ثم تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى.
قال الشيخُ أبُو حامد: فإذا اندملتا.. قتل قصاصا.
وقال ابن مَسعُودٍ: (يقتصر على القتل وحده).
وبه قال النخعي.
دليلنا: الظواهر في وجوب هذه الحدود، ولم تفرق.
وإن اجتمع عليه حد الزِّنَى، وحد القذف والشرب، وأخذ المال في المحاربة، والقتل في المحاربة.. فإن هذه الحدود تقام عليه، ثم يقتل ولا يقطع للمحاربة؛ لأن المحارب إذا أخذ المال وقتل.. لم يلزمه القطع، وإنما يقتل ويصلب.
وهل يجب التفريق بين هذه الحدود؟ فيه وجهان: أحدهما: يجب التفريق بينها؛ لأنه إذا والى بين حدين.. لم يؤمن أن يموت قبل استيفاء ما بعدهما.

و [الثاني]: قال أبُو إسحاق: تجوز الموالاة بينهما؛ لأن القتل في المحاربة متحتم عليه، فلا معنى للتفريق.
والأول أصح.
وإن اجتمعت عليه هذه الحدود، وقتل في المحاربة، وقتل في غير المحاربة.. فإن هذه الحدود تقام عليه على ما مَضَى، ولا تقطع اليد والرجل للمحاربة؛ لما مَضَى.
فإن كان القتل للمحاربة وجب عليه قبل القتل في غير المحاربة.. قتل للمحاربة وصلب، ووجبت الدية في ماله للقتل في غير المحاربة.
وإن كان القتل في غير المحاربة وجب عليه القتل للمحاربة.. فولي المقتول بالخيار: بين أن يقتص منه وبين أن يعفو؛ فإن عفا عنه.. قتل للمحاربة وصلب.
وإن اقتص منه الولي للقتل في غير المحاربة.. صلب للقتل في المحاربة.
وروى الحارث بن سريج البقال عن الشافعيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أنه قال: (لا يصلب؛ لأن الصلب إنما يجب إذا قتل للقتل في المحاربة) وهذا يدل على صحة قول الشيخ أبي حامد إذا مات قاطع الطريق: أنه لا يصلب.
والله أعلم وبالله التوفيق

باب التَّعزِير

التَّعزِير: اسم يختص بالضرب الذي يضربه الإمام أو خليفته؛ للتأديب في غير الحدود.
فأما ضرب الرجل زوجته، وضرب المعلم للصبي.. فلا يسمى تعزيرا، وإنما يسمى تأديبا.
فإذا فعل الإنسان معصية ليس فيها حد ولا كفارة، كوطء الأجنبية فيما دون الفرج، والسرقة فيما دون النِّصَاب أو من غير حرز، أو القذف بغير الزِّنَى، أو الجنايات التي ليس فيها أرش.. فللإمام أن يعزره؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] [النساء: 34] فأجاز للزوج أن يضرب زوجته للنشوز، والنشوز معصية، فدلَّ على: أن كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.. يجوز الضرب لأجلها.
ورَوَى عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا قطع في الثمر المعلق إلا ما آواه الجرين، فإذا آواه الجرين وبلغت قيمته ثمن المجن.. ففيه القطع، وإن لم تبلغ قيمته ثمن المجن.. ففيه الغرم وجلدات نَكَالا».
ورَوَى أبُو بردة بن نيار: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يجلد أحد فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله».
فدلَّ على: أنه يجوز ضرب عشر جلدات في غير الحدود.
ورُوِي: «أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عزر إنسانا».
ورُوِي: (أن معن بن زائدة زور على عمر كتابا، فعزره).
ورُوِي: أن علياً سئل عن قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا خبيث، فقال: (هن فواحش، فيهن تَعزِير، وليس فيهن حد).
إذا ثبت هذا: فإن التَّعزِير غير مقدر، بل إن رأى الإمام أن يحبسه.. حبسه.
وإن رأى أن يجلده.. جلده.
ولا يبلغ به أدنى الحدود؛ فإن كان حرا.. لم يبلغ به أربعين جلدة، بل ينقص منها ولو جلدة.
وإن كان عبدا.. لم يبلغ به عشرين جلدة.
وبه قال أبُو حَنِيفَة ومحمد.
وحكى الشيخُ أبُو حامد: أن من أصحابنا من قال لا يبلغ بتعزير الحر عشرين جلدة.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: ينظر في المعصية التي يعزر لأجلها، فإن كانت من جنس الشرب، مثل أن يكون قد أدار كأس الماء على جماعة على هيئة إدارة كأس الخمر.. عزر دون الأربعين.
وإن كانت من جنس القذف؛ بأن يشتم إنسانا بما ليس بقذف.. فإنه يضرب دون الثمانين.
وإن كانت من جنس الزِّنَى؛ مثل أن يطأ أجنبية فيما دون الفرج أو يقبلها.. فإنه يضرب دون المائة.
وقال أبُو يوسف وابن أبي ليلى: يجوز أن يبلغ بالتَّعزِير خمسا وسبعين، ولا يزاد عليه.
وقال مالك والأَوزَاعِي: (له أن يضرب في التَّعزِير أي عدد شاء على حسب ما يؤدي إليه اجتهاده).
والأول أصح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من بلغ بما ليس بحد حدا.. فهو من المعتدين».

ورَوَى أبُو بردة بن نيار أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يجلد أحد فوق عشر جلدات في غير حد من حدود الله».
وعند المخالف: يجوز أن يجلد مائة في غير الحد.
فإن قيل: فالخبر يدل على أنه لا يجوز الزيادة على العشر في غير الحد؟ قلنا: قد أجمعت الأمة: على أنه يجوز الزيادة على العشر ما لم يبلغ به أدنى الحدود، فيستدل بالإجماع على نسخ ظاهر الخبر.
ورُوِي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه كتب إلى أبي موسى: (أنه لا يبلغ بنَكَال أكثر من عشرين سوطا).
ورُوِي: (ثلاثين سوطا).
ورُوِي: (ما بين الثلاثين إلى الأربعين).
ولأن العقوبة إذا علقت في الشَّرع بجرم.. لم تتعلق بما دونه، كالقطع لما علق بسرقة النِّصَاب لم يتعلق بما دونه.
ويكون الضرب في التعزير بين الضربين، كما قلنا في الحد.
وقال أبُو حَنِيفَة: (الضرب في التَّعزِير يكون أشد من الضرب في الزِّنَى، ثم الضرب في الشرب دون الضرب في الزِّنَى، ثم الضرب في القذف).
وقال الثوريُّ: الضرب في القذف أشد من الضرب في الشرب.
دليلنا: أن التَّعزِير أخف من الحد في عدده، فلا يجوز أن يزاد عليه في إيلامه ووجعه.

[فرع: جواز التَّعزِير وتركه]

قال الشيخُ أبُو إسحاق: إن رأى السلطان ترك التَّعزِير.. جاز تركه إذا لم يتعلق به حق آدمي.
وقال الشيخُ أبُو حامد: التَّعزِير ليس بواجب، بل الإمام بالخيار: إن شاء فعله، وإن شاء تركه.
ولم يفرق بين أن يتعلق به حق آدمي أو لا يتعلق.
وقال أبُو حَنِيفَة: [إن غلب على ظن الإمام أنه لا يصلح الرجل إلا التَّعزِير.. فالتَّعزِير واجب،

ولا يجوز للإمام تركه.
وإن غلب على ظنه أنه يصلحه الجلد وغيره.. فليس ذلك بواجب].
دليلنا: ما رُوِيَ: أن النَّبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أقيلوا ذَوِي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود».
ورُوِي: «أن الزبير ورجلا من الأنصار اختصما إلى النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شراج الحرة- و (الحرة): هي الأرض الملبسة بالحصى، و (الشراج): هي الساقية التي فيها الماء - فقال النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "اسق يا زبير أرضكم، ثم أرسل الماء إلى جارك".
فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟! فغضب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى تبلغ أصول الجدر».
فموضع الدليل: أن الأنصاري اتهم النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قضى للزبير؛ لأنه ابن عمته، وهذا يستحق به القتل فضلا عن التَّعزِير، فترك النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تعزيره.
فمن أصحابنا من قال: إنما أمر النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزبير أن يسقي أرضه إلى أن يبلغ الماء إلى الجدر، وذلك زائد على ما تستحقه من الشرب، تعزيرا للأنصاري حين قال ما قال، وكان ذلك حين كانت العقوبات في الأموال.
ومنهم من قال: بل كان أمر النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للزبير في المرة الأولى أن يأخذ أقل من حقه من السقي، فلما قال الأنصاري ما قال.. أمره النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يستوفي جميع حقه، وهو: أن يبلغ الماء إلى أصول الجدر، وإذا بلغ ذلك.. كان إلى الكعب.
وكان قول الأنصاري هذا يقتضي التَّعزِير، وإنما ترك النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تعزيره على ما مَضَى.
ولأنه ضرب غير محدود، فلم يكن واجبا، كضرب الزوج زوجته، وكما لو غلب على ظن الإمام أنه يصلحه الضرب وغير الضرب.

فرع: موت المعزر يوجب الضمان

إذا عزر الإمام رجلا فمات.. وجب ضمانه.
وحكى الطبري في " العدة " وجها آخر: أن التَّعزِير نوعان: [أحدهما]: نوع واجب، كتعزير من قذف أمة أو ذمية، أو وطئ أجنبية فيما دون الفرج، فإذا عزر فيه الإمام فأدى إلى التلف.. لم يضمنه الإمام.
و [الثاني]: نوع لا يجب؛ مثل: أن يسيء أدبه في مجلس القاضي، فإذا عزره القاضي ومات.. وجب ضمانه.
والأول أصح.
وقال أبُو حَنِيفَة: (إن غلب على ظن الإمام أنه لا يصلحه إلا الضرب، فضربه فمات.. لم يجب ضمانه؛ لأنه تَعزِير واجب.
وإن غلب على ظنه أنه يصلحه الضرب وغيره، فضربه ومات.. وجب ضمانه).
دليلنا: ما رُوِيَ عن عليّ: أنه قال: (ما من أحد أقيم عليه الحد فيموت، فأجد في نفسي منه شيئا إلا حد الخمر - ورُوِي - إلا ما كان من شارب الخمر؛ فإنه شيء أحدثناه بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمن مات منه.. فديته على عاقلة الإمام).
أو قال: (في بيت المال)، والذي أحدثوه بعد النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو الزيادة على الأربعين، وهو التَّعزِير، فثبت أنه إذا مات من التَّعزِير.. وجب ضمانه.
وكذلك في قصة المرأة التي أرسل إليها عمر فأسقطت جنينا ميتا، فحكم عليّ بـ (أن دية الجنين على عاقلة عمر).
ولم يخالفه أحد، فدلَّ على أنه: إجماع.
ولأنه ضرب غير محدود، له عنه مندوحة، فكان مضمونا، كالضرب في النشوز.
فقولنا: (غير محدود) احتراز من الضرب في الحد؛ فإنه محدود.
وقولنا: (له عنه مندوحة) احتراز من ضرب الرائض للدابة؛ فإنه لا مندوحة له عنه؛ لأنه لا يمكن

تأديبها إلا بالضرب، وهذا قد كان يمكنه تأديبه بالزجر بالكلام والحبس.
وهل يجب ذلك على عاقلة الإمام، أو في بيت المال؟ على القولين.

مسألة: أزال السلعة من رجل فمات

إذا كان على إنسان سلعة - وهي: كالجوزة تكون بين الجلد واللحم، تكون على الرأس والبدن، قال ابن الصبَّاغ: وهي بكسر السين، والسلعة - بفتح السين-: هي الشجة - فإن قطعها منه إنسان فمات.. نظرت: فإذا كانت على إنسان غير مولى عليه، فإن قطعها بإذنه.. فلا ضمان عليه.
وإن قطعها بغير إذنه، أو أكرهه على قطعها.. لزمه القود إن كان ممن يجب له عليه القود.
وإن كانت على مولى عليه، فإن قطعها من لا ولاية له عليه.. فعليه القود، أو الدية إن لم يكن ممن يجب له عليه القود.
وإن قطعها ولي عليه، فإن كان أبا أو جدا.. لم يلزمه القود، ووجبت عليه ديته.
وإن كان غيرهما من الأولياء.. ففيه قولان، مَضَى ذكرهما في (الجنايات).
وإن كان القاطع إماما.. فهل تجب الدية في ماله، أو على عاقلته؟ على القولين.
وبالله التوفيق

جارٍ التحميل