كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والثاني: لا يستقر به المهر؛ لأنه لم يوجد الجماع التام، فهو كما لو لم يسبق ماؤه إلى فرجها.
ولو استدخلت المرأة ماء غير ماء زوجها وظنته ماء زوجها.. لم يثبت له حكم من الأحكام؛ لأن الشبهة تعتبر في الرجل.
مسألة الفرقة بعد الدخول أو قبله باعتبار المهر
وإن تزوج رجل امرأة ودخل بها ثم افترقا.. لم ترجع إلى الزوج بشيء من المهر، سواء كانت الفرقة من جهة الزوج، أو من جهة الزوجة، أو من جهتهما، أو من جهة أجنبي؛ لأن المهر قد استقر بالدخول، فلم تؤثر الفرقة، وهذا لا خلاف فيه.
وإن أصدقها تعليم سورة من القرآن ودخل بها، ثم طلقها قبل أن يعلمها، فإن كان الصداق تحصيل التعليم.. لم يتعذر ذلك بالطلاق، بل يستأجر لها امرأة أو محرما لها ليعلمها.
وإن كان الصداق على أن يعلمها بنفسه.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن التعليم لا يتعذر بذلك، بل يعلمها من وراء حجاب، كما يجوز أن يسمع مها أخبار رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وراء حجاب.
والثاني: أن تعليمه لها قد تعذر؛ لأنه يخاف عليهما الافتتان، ويخالف سماع الأخبار؛ لأنا لو لم نجوز ذلك.. لضاع ما عندها من الأخبار.
فإذا قلنا بهذا.. كان كما لو تلف الصداق قبل القبض، فترجع في قوله الجديد إلى مهر مثلها، وفي قوله القديم إلى أجرة التعليم.
وإن وقعت الفرقة بينهما قبل الدخول.. نظرت: فإن بسبب من جهتها، بأن أسلمت، أو ارتدت، أو أرضعته، أو أرضعت زوجة له صغيرة، أو وجد أحدهما بالآخر عيبًا ففسخ النكاح.. سقط جميع المهر؛ لأن البضع تلف قبل الدخول بسبب من جهتها، فسقط ما يقابله، كالمبيع إذا تلف قبل القبض.
وإن كانت بسبب من جهة الزوج، بأن طلقها.. سقط عنه نصف المسمى إن كانت لم تقبضه، ووجب عليها رد نصفه إن كانت قد قبضته؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] [البقرة: 237].
وهكذا: إن أسلم أو ارتد.. فحكمه حكم الطلاق؛ لأن الفرقة من جهته، فهي كالطلاق.
وإن كانت الفرقة بسبب منهما.. نظرت: فإن كانت بخلع.. فحكمه حكم الطلاق؛ لأن المغلب فيه: جهة الزوج؛ بدليل: أنه يصح خلعه مع الأجنبي.
وإن كانت بردة منهما، بأن ارتدا معًا في حالة واحدة.. ففيه وجهان:
أحدهما: حكمه حكم الطلاق؛ لأن حال الزوج في النكاح أقوى، فهو كما لو ارتد وحده.
والثاني: يسقط جميع المهر؛ لأن المغلب في المهر: جهة المرأة؛ لأنها صاحبة الحق وقد أقدمت على ما هو سبب الفرقة، فيسقط حقها.
وإن اشترت المرأة زوجها قبل الدخول.. ففيه وجهان:
أحدهما: حكمه حكم الطلاق؛ لأن البيع تم بالزوجة وسيد العبد، وهو قائم مقام العبد، فهو كالخلع.
والثاني: يسقط جميع المهر، وهو المنصوص؛ لأنه لا صنع للزوج في البيع، فهو كما لو أرضعته وكان صغيرًا.
فإذا قلنا بالأول، فإن كانت الزوجة قد قبضت جميع صداقها من كسب العبدِ.. رجع عليها سيده بنصفه.
وإن كان الصداق في ذمة العبد.. فهل يبقى لها نصفه في الذمة؟ فيه وجهان يأتي بيانهما.
وإن قلنا بالثاني، وكانت قد قبضته.. رجع سيده بجميعه عليها.
وإن كان في ذمة العبد.. سقط جميعه عن ذمته.
مسألة قتل الزوجة نفسها أو بغيرها وسقوط المهر
): وإن كانت المنكوحة أمة فقتلت نفسها، أو قتل السيد قبل الدخول.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (سقط جميع المهر).
وقال في الحرة إذا قتلت نفسها، أو قتلها وليها قبل الدخول: (إنه لا يسقط شيء من المهر).
واختلف أصحابنا فيهما:
فذهب أبو العباس، وبعض أصحابنا إلى: أن فيهما قولين:
أحدهما: يسقط مهرها؛ لأن النكاح انفسخ بسبب من جهتها، فهو كما لو ارتدت.
والثاني: لا يسقط، وهو الأصح؛ لأنها فرقة حصلت بانقضاء أجلها، فهو كما لو ماتت.
وذهب أبو إسحاق، وبعض أصحابنا إلى: أنهما على ظاهرهما، ففي الأمة يسقط، وفي الحرة لا يسقط؛ لأن الحرة مسلمة لنفسها بالعقد، ولهذا: لا يجوز لها السفر بغير إذن الزوج، والأمة غير مسلمة لنفسها، ولهذا: يجوز لسيدها السفر بها بغير إذن زوجها؛ لأن زوج الحرة يغنم ميراثها فجاز أن يغرم مهرها، وزوج الأمة لا يغنم ميراثها فلم يغرم مهرها.
فإذا قلنا: يسقط المهر بذلك.. فإن الحرة لا يسقط مهرها إلا إذا قتلت نفسها قبل الدخول، وإن قتلها وليها أو زوجها أو أجنبي.. لم يسقط مهرها.
وأما الأمة: فإن قتلت نفسها قبل الدخول.. سقط مهرها؛ لأنها هي الزوجة، وإن قتلها سيدها.. سقط مهرها؛ لأن المهر له.
وإن قتل الأمة زوجها أو الأجنبي قبل الدخول.. لم يسقط مهرها.
وقال أبو سعيد الإصطخري: يسقط مهرها إذا قتلها أجنبي؛ لأنها كالسلعة المبيعة، والسلع المبيعة إذا أتلفها أجنبي قبل القبض.. انفسخ البيع وسقط الثمن.
والمذهب الأول؛ لأنها إنما تكون كالسلعة إذا بيعت، فأما في النكاح: فهي كالحرة.
قال الشيخ أبو حامد وأبو سعيد الإصطخري: إنما تخالف في الأمة إذا قتلها الأجنبي لا غير.
قال ابن الصباغ: وحكى بعض أصحابنا: أنها إن ماتت قبل الدخول.. كان كما لو قتلها أجنبي - وهي طريقة صاحب " المهذب " وقد مضى ذكرها - قال ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح؛ لأن الأمة في النكاح كالحرة يصح طلاقها وظهارها والإيلاء منها، فلا تجري مجرى السلعة.
مسألة زوج أمته ثم باعها واعتبار النفقة والمهر
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن باعها حيث لا يقدر عليها.. فلا مهر لها حتى يدفعها إليه).
وجملة ذلك: أنه إذا زوج أمته ثم باعها من آخر.. فقد ذكرنا: أنه يصح البيع ولا يكون طلاقًا، وقد مضى.
فإن كان المشتري يريد السفر بها، أو كان بدويًا وأراد الخروج بها إلى البادية.. كان له ذلك؛ لأن حق المالك للرقبة آكد من حق المالك للمنفعة.
فإن كان الزوج قد دخل بها.. فقد استقر عليه المهر، فيجب عليه دفعه إلى البائع، وإن كان قد دفعه.. لم يسترجعه 0وإن كان ذلك قبل الدخول.. لم يجب على الزوج دفع المهر، وإن كان قد دفعه 00استرجعه؛ لأن المهر إنما يجب بالتمكين من الاستمتاع ولم يوجد ذلك 0 لأن المهر إنما يجب بالتمكين من الاستمتاع ولم يوجد ذلك.
وإن لم يرد المشتري السفر بها وسلمها إلى الزوج ليلًا ونهارًا.. وجب على الزوج جميع نفقتها، ولزمه تسليم مهرها إلى البائع إن لم تكن مفوضة.
وإن قال المشتري: لا أسلمها إلا ليلًا، ولا أسلمها نهارًا.. كان له ذلك؛ لأنه عقد على إحدى منفعتيها وهو الاستماع، فلم يلزمه تسليمها في غير زمان الاستمتاع، كما لو أجرها للخدمة ليلًا.
قال أبو إسحاق: إلا أن تكون صانعة تنسج التِّكَكَ، أو تغزل.. فيلزمه إرسالها إلى الزوج ليلًا ونهارًا، وتعمل ذلك في بيت زوجها.
قال الشيخ أبو حامد: وفي هذا نظر؛ لأنه لا يتعين على السيد استعمالها في تلك الصنعة وحدها.
فإذا سلمها السيد بالليل دون النهار.. فهل يجب على الزوج شيء من النفقة؟ فيه وجهان:
(أحدهما): قال أبو علي بن أبي هريرة: يجب على الزوج نصف نفقتها اعتبارًا بما سلمت إليه من الزمان.
والمذهب: أنه لا يلزمه شيء من النفقة؛ لأنه لم يمكن من الاستمتاع التام بها.
وأما المهر: فحكى ابن الصباغ: أن الشيخ أبا حامد قال: إذا لم يسلمها تسليمًا تامًا ليلا ونهارًا.. لم يلزمه تسليم المهر.
وقال غيره من أصحابنا: يلزمه، وهو الصحيح؛ لأنه يتمكن من وطئها ليلًا، فإذا وطئها.. استقر عليه المهر.
[مسألة الطلاق قبل الدخول وطروّ الزيادة أو النقصان على الصداق]
وإذا طلق الزوج امرأته قبل الدخول وقد قبضت الصداق.. فقد ذكرنا: أن الزوج يرجع عليها بنصفه.
فإن كان الصداق قد تلف بيدها، فإن كان له مثل.. رجع عليها بنصف مثله؛ لأنه أقرب.
وإن كان لا مثل له.. رجع عليها بنصف قيمته؛ لأن ما لا مثل له يضمن بالقيمة.
فإن اختلفت قيمته من حين العقد إلى حين قبضه.. رجع عليها بنصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض؛ لأن قيمته إن كانت حين العقد أقل ثم
ازدادت.. فإن الزيادة حدثت في ملكها، فلا يلزمها ضمانها.
وإن كانت قيمته وقت العقد أكثر ثم نقصت.. فإن النقص مضمون على الزوج لها، فلا تضمنه الزوجة له.
وإن كان الصداق باقيًا في يدها.. فلا يخلو من أربعة أحوال:
إما أن يكون باقيًا على حالته من حين القبض إلى حين الطلاق، أو يكون ناقصًا من جميع الوجوه عن حالته التي قبضته عليها، أو يكون زائدًا على حالته التي قبضته عليها من جميع الوجوه، أو يكون زائدًا من وجه ناقصًا من وجه.
فإن كان باقيًا على حالته.. رجع بنصفه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]
[البقرة 237] وإن كان ناقصًا من جميع الوجوه، بأن كانت جارية سمينة فهزلت أو مرضت أو ما أشبه ذلك.. فالزوج بالخيار: بين أن يرجع بنصف الصداق ناقصًا ولا شيء له غير ذلك، وبين أن يرجع عليها بنصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] [البقرة: 237] وإذا كان ناقصًا.. فليس هو المفروض.
وإن كان الصداق زائدًا من جميع الوجوه.. فلا تخلو الزيادة: إما أن تكون متميزة، أو غير متميزة:
فإن كانت متميزة، بأن أصدقها بهيمة حائلًا فحملت وولدت ثم طلقها، أو شجرة لا ثمرة عليها فأثمرت وجذت ثم طلقها.. رجع عليها بنصف الصداق دون النماء؛ لأنه نماء حدث في ملكها وتميز، فلم يكن له فيه حق، كما قلنا في المشتري إذا حدث في ملكه نماء متميز ثم وجد بالمبيع عيبًا فرده.
وإن كانت الزيادة غير متميزة، كالسمن، وتعلم القرآن، والعلم، والصنعة، فإن اختارت الزوجة تسليم نصفه.. أجبر الزوج على أخذه؛ لأنه يرجع إليه أكمل مما دفع إليها.
وإن لم تختر تسليم نصفه.. لم تجبر عليه.
وبه قال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وقال محمد بن الحسن: تجبر الزوجة على تسليم نصفه مع زيادته المتصلة.
دليلنا: أن هذه زيادة حدثت في ملكها، فلم يلزمها تسليمها، كما لو كانت الزيادة
متميزة، ويلزمها نصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض.
وإن كان على الزوجة ديون فأفلست وحجر عليها.. فهل للزوج أن يرجع عليها في نصف الصداق مع زيادته المتصلة به؟ فيه وجهان:
(أحدهما): قال أبو إسحاق: يرجع بنصف الصداق مع زيادته المتصلة؛ لأنا إنما لا نوجب الرجوع إلى نصف الصداق مع زيادته إذا كانت غير مفلسة؛ لأن ذمتها عامرة فيتوصل الزوج إلى استيفاء حقه من القيمة، وإذا كانت مفلسة.. فذمتها خربة، فلا يمكنه الوصول إلى استيفاء حقه بالقيمة، فثبت له الرجوع إلى نصفها.
و (الثاني): قال أكثر أصحابنا: لا يرجع الزوج إلى نصف الصداق مع زيادته المتصلة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى؛ ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] [البقرة: 237]، والزائد غير المفروض، ولم يفرق بين المفلسة وغير المفلسة.
وإن كان الصداق زائدًا من وجه ناقصًا من وجه، بأن كان عبدًا فتعلم صنعة ومرض، فإن اتفقا على أن يأخذ الزوج نصفه.. جاز؛ لأن الحق لهما.
وإن طلب الزوج نصفه فامتنعت الزوجة من ذلك.. لم تجبر على ذلك؛ لزيادته.
وإن بذلت المرأة نصفه وامتنع الزوج من أخذه 00لم يجبر على ذلك؛ لنقصانه، ويرجع إلى نصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض.
وإن طلقها قبل الدخول والصداق في يده، فإن كان الصداق بحاله لم يزد ولم ينقص.. كان لها النصف.
وإن كان ناقصًا من جميع الوجوه، بأن مرض في يده أو عمي.. فالزوجة بالخيار: بين أن تأخذ نصفه ناقصًا ولا شيء لها - كالمبيع إذا نقص في يد البائع - وبين أن تفسخ الصداق لأجل نقصه.
فإذا فسخت الصداق.. لم ينفسخ النكاح، وإلى ماذا يرجع؟ فيه قولان، كما لو تلف قبل القبض:
(أحدهما): قوله الجديد: (يرجع إلى نصف مهر المثل).
و (الثاني): قوله القديم: (يرجع إلى بدل نصف الصداق).
وإن كان الصداق زائدًا.. نظرت: فإن كانت زيادة متميزة، كالولد، واللبن، والثمرة.. كان لها نصف أصل الصداق وجميع الزيادة.
وحكى المسعودي (في " الإبانة "): أن أبا حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (للزوج نصف الزيادة المنفصلة الحادثة في يده).
دليلنا: أنها زيادة حدثت في ملكها، فلم يكن للزوج فيها حق، كما لو حدثت في يدها.
وإن كانت الزيادة غير متميزة، كالسِّمَن، وتعليم الصنعة.. فالمرأة بالخيار: بين أن تأخذ نصف الصداق وتدفع إلى الزوج نصفه مع زيادته فيجبر الزوج على قبوله، وبين أن تأخذ جميع الصداق وتدفع إلى الزوج نصف قيمته أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض.
وإن كان الصداق زائدًا من وجه ناقصا من وجه، بأن كانت جارية تعلمت صنعة ونسيت أخرى.. فهي بالخيار: بين أن تأخذ نصفه وتسلم إلى الزوج نصفه فيجبر الزوج على ذلك؛ لأن النقص في يده مضمون عليه، وبين أن تفسخ الصداق لأجل النقص.
فإذا فسخت.. رجعت عليه في قوله الجديد إلى نصف مهر مثلها، وفي قوله القديم إلى نصف بدل الصداق.
فرع وقت تملك الزوج نصف الصداق إذا طلق قبل الدخول
): كل موضع قلنا: يرجع الزوج إلى نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول.. فمتى يملك الزوج ذلك النصف؟ فيه وجهان:
(أحدهما): قال أبو إسحاق: لا يملكه إلا بالطلاق واختيار التملك - وهو قول أبي حنيفة - لأن الملك من غير اختيار لا يقع إلا بالإرث، وهذا ليس بإرث.
والثاني - وبه قال زفر، وهو المنصوص ـ: أنه يملكه بنفس الطلاق وإن لم يختر
التملك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] [البقرة: 237]، ولم يفرق بين أن يختار التملك أو لا يختار.
وما ذكره الأول: أن الإنسان لا يملك شيئاَ غير الميراث إلا باختيار التملك.. غير مسلم؛ فإن الإنسان لو أخذ صيدًا لينظر إليه لا ليتملكه.. لملكه بالأخذ من غير اختيار التملك.
فإن زاد الصداق بعد الطلاق وقبل اختيار التملك، فإن قلنا بقول أبي إسحاق.. كانت الزيادة للزوجة وحدها.
وإن قلنا بالمنصوص.. كانت الزيادة بينهما.
وإن نقص الصداق في يدها بعد الطلاق وقبل الاختيار، فإن قلنا بقول أبي إسحاق.. لم يلزمها ضمان النقص.
وإن قلنا بالمنصوص.. لزمها ضمان النقص.
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (وهذا كله ما لم يقض القاضي بنصفه، فتكون هي حينئذ ضامنة لما أصابه في يدها).
وقال الصيمري: هل يشترط قضاء القاضي في تملك الزوج نصف الصداق؟ فيه وجهان:
(أحدهما): ظاهر كلام الشافعي: أن ذلك شرط.
والثاني - وهو الأصح ـ: أن ذلك ليس بشرط.
وسائر أصحابنا قالوا: لا خلاف أن قضاء القاضي ليس بشرط؛ لأن الرجوع بنصف الصداق ثبت له بنص الكتاب والإجماع، فلم يشترط قضاء القاضي فيه.
فعلى هذا: اختلف أصحابنا في تأويل كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
فمنهم من قال: أراد بقضاء القاضي: إذا اختلفا في وقت ملك الزوج، بأن قال الزوج: ملكته من شهرين ثم نقص بعد ما ملكته، فعليك ضمان النقص.
وقالت: بل ملكته من شهر ونقص قبل أن تملكه، فلا يلزمني ضمان النقص.. فإنهما يترافعان إلى القاضي، فإذا قضى له القاضي بملكه من وقت.. كانت ضامنة لما حدث بعده من النقص.
وقال أبو إسحاق، وأكثر أصحابنا: عطف الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بهذا الكلام عليه إذا
طلقها قبل الدخول وقد نقص الصداق في يدها من جميع الوجوه.. فإن الزوج بالخيار: بين أن يرجع في نصفه ناقصًا ولا أرش له، وبين أن يرجع بقيمة نصفه.
ومتى يملك نصفه؟
على قول أبي إسحاق: يملكه بالطلاق واختيار التملك.
وعلى المنصوص: يملكه بالطلاق، ولا يفتقر إلى قضاء القاضي، وإنما عبر الشافعي عن وقت الملك بقضاء القاضي؛ لأنه أوضح ما يعلم به عود نصف الصداق، فمتى علم وقت عوده إليه ثم نقص بعد ذلك.. وجب عليها ضمان النقص؛ لأنها قبضت الصداق بعقد المعاوضة وقد انفسخت المعاوضة، فكان عليها ضمان ما نقص في يدها، كما لو اشترى سلعة فوجد بها عيبًا ففسخ البيع ثم نقصت في يده.. فإنه يجب عليه ضمان النقص.
وقد نص الشافعي في " الأم " (5/54) على: (أنه إذا طلقها قبل الدخول، والصداق في يدها فمنعته إياه.. كان عليها ضمان ما يحدث فيه من النقص).
فمن أصحابنا من قال بظاهر هذا: وأنها إذا لم تمنعه.. لم يلزمها ضمان النقص، بل هو أمانة في يدها؛ لأنه حصل في يدها من غير تفريط.
ومنهم من قال: يجب عليها ضمان ما نقص في يدها، سواء منعته أم لم تمنعه، وهو الأصح، كما قلنا فيمن اشترى عينًا فوجد بها عيبًا ففسخ البيع، ثم نقصت في يده.. فإن عليه ضمان النقص بكل حال.
وتأولوا كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم " على أنه أراد: ضمان الغصب؛ لأن ضمان الغصب يطرأ على ما هو مضمون بالقيمة، كالعارية إذا منعها صاحبها.
وقال أبو العباس: بل عطف الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بهذا إذا زاد الصداق في يد الزوجة من جميع الوجوه.. فقد قلنا: إن الزيادة كلها لها، فقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ما لم يقض القاضي بنصفه) يعني: ما لم يقض له قاض مالكي بنصفه مع زيادته؛ لأن
مالكًا يقول: (نصف الصداق باق على ملك الزوج إلى أن يدخل بها).
فإذا قضى له قاض مالكيٌ بنصفه مع زيادته.. كان بينهما، ولا ينقض حكمه؛ لأنه موضع اجتهاد.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا تأويل حسن، إلا أن الشافعي قال بعده: (فتكون حينئذ ضامنة لما أصابه في يدها)، ولا يمكن حمل هذا على مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأنه يقول: (هو أمانة في يدها، لا يلزمها ضمان النصف ولا زيادته).
[مسألة أصدقها نخلًا، ثم طلقها قبل الدخول]
): وإن أصدقها نخلا لا ثمرة عليها، فأثمرت في يدها، ثم طلقها قبل الدخول.. ففيها ست مسائل:
الأولى: إذا أراد الزوج أن يرجع في نصف النخل بنصف ثمرتها فامتنعت الزوجة من ذلك.. فإنها لا تجبر على ذلك؛ لأن الثمرة إن كانت غير مؤبرة.. فهي زيادة متصلة بالنخل، وإن كانت مؤبرة.. فهي كالزيادة المنفصلة، وقد بينا أن الجميع لها.
الثانية: إذا بذلت له المرأة نصف النخل مع نصف الثمرة.. فهل يجبر على قبوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر على قبوله؛ لأن هذه الزيادة ملك لها، فلا يجبر على قبولها، كما لو وهبت له شيئًا.. فإنه لا يجبر على قبوله.
والثاني - وهو المذهب ـ: أنه يجبر على قبوله؛ لأنها زيادة متصلة بالصداق، فأجبر الزوج على قبولها، كالجارية إذا سمنت.
قال الشيخ أبو حامد في " التعليق ": والوجهان إنما هما في الثمرة المؤبرة، فأما غير المؤبرة: فيجبر الزوج على قبولها وجهًا واحدًا.
وذكر الشيخ أبو إسحاق في " المهذب ": أن الوجهين في غير المؤبرة، ولم يذكر المؤبرة 0 فإذا قلنا: يجبر على القبول.. فإنه يجبر إلا أن يطول النخل طولا يكون عيبا فيها
من الكبر، ويصير قحامًا - وهو: النخل الذي قل سعفه ودق أصله - فلا يجبر الزوج على قبولها؛ لما فيها من النقص بذلك.
الثالثة: إذا قال الزوج لها: اقطعي الثمرة لأرجع في نصف النخل بلا ثمرة.. فلا تجبر المرأة على ذلك؛ لأن في قطع الثمرة قبل أوان قطعها إضرارًا بها، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس لعرق ظالم حق»، وهذه ليست بظالمة.
الرابعة: أن تقول المرأة للزوج: اصبر عن الرجوع حتى تدرك الثمرة فتجذ، ثم ترجع في نصف النخل.. فلا يجبر الزوج على ذلك؛ لأن حقه متعجل فلا يجبر على التأخير، ولأنه لا يؤمن أن يتلف النخل فلا يمكنه الرجوع فيها.
فإن صبر باختياره إلى أن جذت الثمرة أو قطعت المرأة الثمرة قبل أوان جذاذها.. لم يكن للزوج إلا نصف النخل، إلا أن يحدث بها نقص.. فلا يجبر على نصفها.
الخامسة: أن يقول الزوج: أنا أصبر إلى أن تدرك الثمرة فتجذ، ثم أرجع في نصف النخل.. فإن المرأة لا تجبر على ذلك؛ لأن النخل بعد أن يرجع إليه نصفها يكون من ضمانها، فيلزمها الضرر بدخولها في ضمانها، ولأن النخل يزيد فإذا رجع في نصفها بعد ذلك.. رجع في نصفها وفي نصف زيادتها المتصلة الحادثة في يدها، ولأن حقه قد تعلق بالقيمة، فلا ينتقل عنها إلى النخل إلا برضا المرأة.
السادسة: إذا قال الزوج: أنا أرجع في نصف النخل في الحال مشاعًا، وأترك الثمرة لها إلى أن تجذها.. ففيه وجهان:
(أحدهما): قال أبو إسحاق: له ذلك، وتجبر المرأة على ذلك؛ لأنه لا ضرر على المرأة بذلك.
و (الثاني): من أصحابنا من قال: لا تجبر المرأة على ذلك؛ لأن حقه قد صار في القيمة، فلا تجبر على تسليم نصف النخل.
[فرع أصدقها أرضًا فحرثتها ثم طلقها قبل الدخول]
وإن أصدقها أرضًا فحرثتها ثم طلقها قبل الدخول، فإن بذلت له نصفها.. أجبر على قبولها؛ لأن الحرث زيادة من غير نقصان.
وإن امتنعت من بذل نصفها.. لم تجبر على ذلك، وكان له نصف قيمتها؛ لأنها قد زادت في يدها.
فإن زرعتها أو غرستها وطلقها قبل الدخول والزرع والغرس فيها، فإن بذلت له نصف الأرض ونصف الزرع ونصف الغرس، وكانت قيمة الأرض قبل الزرع والغرس كقيمتها بعد الزرع والغرس.. قال الشيخ أبو حامد: أجبر على قبول ذلك على المذهب، كما قلنا فيه إذا بذلت له نصف النخل ونصف الثمرة.
وقال ابن الصباغ: لا يجبر الزوج على قبول ذلك؛ لأن الثمرة لا ينقص بها النخل، والزرع تنقص به الأرض وتضعف، ولأن الثمرة متولدة من النخل، فهي تابعة لها، والزرع والغرس ملك لها أودعته في الأرض، فلا يجبر على قبوله.
وإن نقصت قيمة الأرض بالزرع والغراس 00لم يجبر الزوج على قبول نصفها.
فإن طلقها وقد استحصد الزرع ولم تحصده بعد، فقالت: أنا أحصده وأسلم نصف الأرض فارغة.. أجبر على قبول ذلك إلا أن يحدث بالأرض نقص.
وإن حصدت الزرع ثم طلقها، أو طلقها ثم حصدت الزرع.. كان له الرجوع في نصف الأرض إلا أن تكون قد نقصت بالزرع.. فلا يجبر على قبولها؛ لأن المانع من الرجوع.. الزرع، وقد زال.
[مسألة أصدقها جارية حائلًا فحملت ثم طلقها قبل الدخول]
): وإن أصدقها جارية حائلًا فحملت في يدها، ثم طلقها قبل الدخول وهي حامل.. فإن الحمل زيادة فيها من وجه ونقصان من وجه؛ لأنه يخاف عليها منه.
فإن تراضيا على أن يأخذ نصفها حاملًا.. جاز.
وإن طلب الزوج أن يرجع بنصفها، وامتنعت الزوجة.. لم تجبر الزوجة؛ لزيادة الحمل.
وإن بذلت المرأة له نصفها وامتنع الزوج.. لم يجبر؛ لما يخاف عليها منه.
وإن أصدقها شاة حائلًا فحملت في يدها، ثم طلقها قبل الدخول.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المذهب ـ: أن حكمها حكم الجارية؛ لأنه يخاف عليها منه، كما يخاف على الجارية.
والثاني: أنه زيادة من كل وجه.
فإن بذلت له المرأة نصفها.. أجبر الزوج على قبوله؛ لأنه لا يخاف عليها منه بحال.
والأول أصح.
[مسألة أصدقها شاة حائلًا فولدت في يده وطلقها قبل الدخول]
إذا أصدقها شاة حائلًا فولدت في يده.. فإن الولد ملك لها؛ لأنه متولد من ملكها.
فإن طلقها قبل الدخول، فإن كانا باقيين في يده لم ينقصا.. فإن الزوج يرجع بنصف الأم، وتأخذ الزوجة نصف الأم وجميع الولد.
وإن كانت الأم سالمة، وقد تلف الولد في يد الزوج.. رجع الزوج في نصف الأم، وهل يلزمه ضان الولد؟ ينظر فيه:
فإن طالبته بتسليمه فمنعها.. لزمه ضمانه؛ لأنه صار بالمنع لها كالغصب.
وإن لم تطالبه بتسليمه فهل يلزمه ضمانه؟ فيه قولان، نص عليهما في القديم - ومن أصحابنا من يحكيهما وجهين ـ:
أحدهما: (يلزمه ضمانه)؛ لأنه متولد من عين مضمونة، فهو كولد المغصوبة 0 والثاني (لا يلزمه ضمانه) لأنه حصل في يده بغير تعد، لا على وجه المعاوضة، فكان أمانة، كما لو ألقت الريح إلى بيته ثوبا 0 وإن كان الولد باقيًا في يده إلا أنه قد نقص، فإن كانت قد طالبته بتسليمه فمنعها منه.. لزمه أرش النقص.
وإن لم تطالبه بتسليمه.. فهل يلزمه أرش النقص؟ على هذين الوجهين 0
وإن كانت الأم باقية في يده إلا أنها قد نقصت، فإن كانت قد طالبته بتسليمها فامتنع.. كانت بالخيار: بين أن تطالبه بنصفها ونصف أرش نقصها قولًا واحدًا، وبين أن تفسخ الصداق للنقص.
فإذا فسخت.. كان كما لو تلفت، ولو تلفت قبل القبض.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في قوله الجديد، وبنصف قيمتها في قوله القديم.
وإن لم تطالبه بتسليمها أو عرضها عليها فأقرتها في يده.. ففيه قولان نص عليهما في " لأم ":
أحدهما: (لا يجب عليه أرش النقص)؛ لأنه غير متعد في إمساكها.
فعلى هذا: تكون المرأة بالخيار: بين أن تأخذ نصف الأم ناقصة ولا شيء لها غير ذلك، وبين أن تفسخ الصداق للنقص.
فإذا فسخت.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في قوله الجديد، وبنصف بدل العين في قوله القديم.
والقول الثاني: (أنها تأخذ نصف العين ناقصة، ونصف أرش النقص)؛ لأنه ضامن للعين بعقد المعاوضة، فضمن أرش نقصها في يده.
قال ابن الصباغ: وعندي أن هذا لا يستقيم إلا على القول القديم الذي يقول: (إذا تلف الصداق قبل القبض.. كان مضمونًا عليه بالقيمة).
وأما إذا قلنا بالجديد و: (أنه مضمون ضمان العقد).. فلا فرق بين أن تطالب به أو لا تطالب به، ألا ترى أن البائع إذا نقص المبيع في يده.. فليس للمشتري مطالبته بالأرش، سواء كان قد طالب بتسليمه أو لم يطالب؟.
وكل موضع قلنا: تأخذ نصف الأم ونصف الأرش، أو قلنا: تفسخ ففسخت وقلنا: تأخذ نصف قيمتها.. فإن الولد لها؛ لأنه نماء ملكها.
وكل موضع قلنا: لها فسخ الصداق والرجوع بنصف مهرها، ففسخت.. ففي الولد وجهان:
أحدهما: أن الولد لها؛ لأنه انفصل في ملكها، فهو كما لو اشترى بهيمة حائلًا فولدت في يده، ثم وجد بها عيبًا فردها.
والثاني - وهو المنصوص ـ: (أنه لا شيء لها في الولد)؛ لأنها إذا فسخت الصداق.. ارتفع من أصله، فكأن الولد حدث في غير ملكها.
وإن كانت الأم تالفة والولد باقيًا، وقد تلفت الأم قبل القبض.. فترجع عليه - على قوله الجديد - بنصف مهر مثلها، وعلى قوله القديم بصف قيمتها.
وأما الولد: فإن قلنا بقوله القديم و: (أنها ترجع بنصف قيمتها).. كان الولد لها؛ لأن الأم هلكت على ملكها، والولد نماء ملكها.
وإن قلنا بقوله الجديد و: (أنها ترجع إلى نصف مهر مثلها).. ففي الولد وجهان:
(أحدهما): من أصحابنا من قال: يكون الولد لها؛ لأنه حدث في ملكها، فكانت أحق به، كما لو اشترت بهيمة حاملًا فولدت في يد البائع ثم ماتت قبل القبض.
والثاني - وهو المنصوص ـ: (أنه لا شيء لها في الولد)؛ لأن العقد ارتفع من أصله، فكأن الولد حدث في ملك الزوج.
وإن كانت الأم والولد تالفين، فأما الأم: فإنها ترجع عليه بنصف قيمتها في قوله القديم، وبنصف مهر مثلها في قوله الجديد.
وأما الولد: فإن قلنا بقوله القديم.. فإنه يكون لها، فإن طالبته به فمنعها.. فعليه ضمانه، وإن لم يمنعها منه.. فهل يجب عليه ضمانه؟ على القولين أو الوجهين في التي قبلها.
وإن قلنا بقوله الجديد: و: (أنها ترجع إلى نصف مهر مثلها)، فإن قلنا بالمنصوص، وهو: أنه لا حق لها في الولد.. فلا كلام، وإن قلنا بقول بعض
أصحابنا: إن الولد لها، فإن طالبته به فمنعها.. فعليه ضمانه، وإن لم يمنعها منه.. فهل يضمنه؟ فعلى القولين أو الوجهين.
[مسألة أصدقها جارية حائلًا فحملت في يده وطلقها قبل الدخول]
): وإن أصدقها جارية حائلًا فحملت في يد الزوج من زوج أو زنا، ثم طلقها قبل الدخول وقبل أن تضع الجارية.. فهذا الحمل زيادة من وجه ونقصان من وجه، فتخير المرأة بين ثلاثة أشياء: بين أن ترضى بالنقص وتعطي الزوج نصفها ونصف حملها ويكون لها نصفهما، وبين أن تأخذ الكل لأجل الزيادة ويكون للزوج نصف قيمتها أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، وبين أن تفسخ الصداق لأجل النقص، فإذا فسخت.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في قوله الجديد، وبنصف قيمتها أكثر ما كانت من حين العقد إلى حين الطلاق.
فأما إذا ولدت الجارية في يد الزوج ثم طلقها.. فالحكم فيها حكم البهيمة إذا ولدت في يده - وقد بيناه في التي قبلها - إلا في شيء واحد، وهو: أن الزوج هاهنا لا يرجع في نصف الأم إذا كان الولد صغيرًا؛ لأنه يكون تفرقة بينها وبين الولد، فيرجع الزوج في نصف قيمة الأم؛ لأن التفرقة إذا لم تجز بين الولد وبين جميعها.. فكذلك بين الولد وبين نصفها؛ لأنه يؤدي إلى التفرقة بينه وبينها في بعض الزمان.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن البويطي قال: وفيه قول آخر: أنهما يباعان فيكون لها ثمن الولد ونصف ثمن الأم، وللزوج نصف ثمن الأم.
والأول هو المشهور.
فرع: (أصدقها جارية حاملًا فولدت في يده وطلقها قبل الدخول):
وإن أصدقها جارية حاملًا من زوج أو زنا فولدت في يده، ثم طلقها قبل الدخول، فإن لم تنقص بالولادة عما كانت عليه.. كانت الأم بينهما.
وإن نقصت، فإن كانت قد
طالبته بها قبل الولادة فمنعها من أخذها.. كان عليه أرش النقص، وإن لم يمنعها.. ففيه قولان:
أحدهما: أنها بالخيار: بين أن تأخذ نصفها ناقصة ولا شيء لها، وبين أن تفسخ الصداق وترجع إلى نصف قيمتها في القديم، وبنصف مهر مثلها في الجديد.
والقول الثاني: أنها تأخذ نصفها ونصف أرش النقص.
فإن قيل: أليس الرجل إذا باع سلعة فنقصت في يد البائع قبل القبض.. لم يكن للمشتري أرش النقص، بل له الخيار: بين أن يفسخ البيع، أو يجيزه ولا شيء له؟
قلنا: الفرق بينهما: أن في البيع إذا فسخ.. رجع المشتري إلى الثمن، فلا معنى لأن يعطى الأرش، وهاهنا إذا فسخ الصداق.. لا ينفسخ النكاح، فكان لها أخذ الأرش.
وأما الولد: فإن قلنا: إن الحمل لا حكم له.. قال الشيخ أبو حامد: كان الولد للمرأة ولا حق للزوج فيه؛ لأنه حدث في ملكها.
قلت: وينبغي على هذا أن لا يثبت للزوج الرجوع في نصف الأم، وإنما يرجع في القيمة؛ لئلا يؤدي ذلك إلى التفرقة بينهما، كما قلنا فيه إذا أصدقها جارية حاملًا فولدت في يد الزوج ثم طلقها قبل الدخول.
وإن قلنا: للحمل حكم.. فقد تناول العقد الجارية وولدها، إلا أن الولد قد زاد بالولادة، فإن رضيت الزوجة بأن يرجع الزوج في نصف الأم ونصف الولد.. أجبر الزوج على ذلك، وإن لم ترض بذلك.. لم يكن له أن يرجع في نصف الأم؛ لأنه تفرقه بينها وبين ولدها الصغير، ويكون له نصف قيمة الأم.
وهل يلزمها نصف قيمة الولد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمها نصف قيمة الولد؛ لأن حال العقد لا يمكن تقويمه، وحال
الانفصال قد زاد في ملكها فلا يجوز تقويمه عليها.
والثاني: يلزمها نصف قيمته يوم الوضع؛ لأن العقد تناوله ولا يمكن تقويمه حال العقد، فقوم حال الانفصال؛ لأنه أول حالة إمكانه، كما قلنا في ولد المغرور.
[فرع أصدقها خشبًا أو فضة أو ذهبًا فصنعته ثم طلقها قبل الدخول]
): وإن أصدقها خشبًا، فشقتها أبوابًا، فزادت قيمتها بذلك، ثم طلقها قبل الدخول.. لم تجبر المرأة على تسليم نصفها؛ لزيادة قيمتها.
وإن بذلت له نصفها بزيادته 00لم يجبر الزوج على قبوله؛ لأنها كانت تصلح وهي خشب لما لا تصلح له الآن0 وإن أصدقها فضة أو ذهبا، فصاغتها آنية، فزادت قيمتها بذلك، ثم طلقها قبل الدخول.. لم تجبر المرأة على تسليم نصفها؛ لزيادتها.
وإن بذلت النصف بزيادته.. أجبر الزوج على القبول؛ لأنه يصلح وهو مصوغ لجميع ما كان يصلح له قبل ذلك.
هكذا ذكر الطبري في " العدة ".
وعندي: أنا إذا قلنا: لا يجوز اتخاذ آنية الذهب والفضة.. أن المرأة تجبر على تسليم نصفها وإن كانت قيمتها زائدة؛ لأن صنعتها لا قيمة لها.
[فرع أصدقها حليًا أو قدحًا زجاجًا فكسرته ثم أعادته ثم طلقها قبل الدخول]
): وإن أصدقها حليًا فكسرته، ثم أعادت صياغته كالأولى، ثم طلقها قبل الدخول.. فقد قال ابن الحداد: لا تجبر المرأة على تسليم نصف، بل يرجع الزوج إلى نصف قيمته؛ لأن هذه زيادة حدثت في ملكها لم تدخل في عقد الصداق، فلم يجب عليها تسليم نصفها، كما لو أصدقها ذهبًا غير مصوغ فصاغته.
ومن أصحابنا من خالفه وقال: تجبر المرأة على تسليم نصفه؛ لأن الرجوع بنصف القيمة للإضرار بها، فالإضرار به إذا كان ناقصًا، والإضرار بها إذا كان زائدًا، وهذه الزيادة هي مثل ما أخذته عليه، فلم يكن عليها ضرر.
وهكذا: إذا أصدقها قدحًا من زجاج فكسرته ثم أعادته مثل صنعته الأولى، أو أصدقها جارية سمينة فهزلت في يدها ثم سمنت ورجعت إلى حالتها الأولى، ثم طلقها قبل الدخول.. فهل تجبر المرأة على تسليم نصف العين؟ على هذين الوجهين.
وإن صاغت الحلي أو القدح على غير هيئته الأولى.. رجع الزوج بنصف قيمته وجهًا واحدًا؛ لأنه يجوز أن يكون لها غرض في الصياغة الأخرى.
فإن رضي الزوج بأخذ نصفه.. قال القاضي أبو الطيب: فالذي يقتضيه مذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أن لها أن تمتنع؛ لأن هذا زيادة من وجه ونقصان من وجه - قال - وبهذا يفسد قول من خالف ابن الحداد؛ لأنه قد لا يكون عليها إضرار مع اختلاف الصياغتين إذا كانت الأجرة واحدة والقيمة واحدة، ومع ذلك فلا يجب عليها تسليم نصف العين.
فإن قلنا: يرجع بنصف قيمته، وكانت قيمته تزيد على وزنه، ونقد البلد من جنسه.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يقوم بجنس آخر؛ لئلا يؤدي إلى الربا.
والثاني: يقوم بجنسه؛ لأن الزيادة لأجل الصنعة.
[فرع ذمي أصدق ذمية خمرًا أو جلد ميتة ثم طلقها قبل الدخول]
): وإن أصدق ذمي ذمية خمرًا فقبضتها، ثم طلقها قبل الدخول، فتحاكما إلينا قبل الإسلام، أو أسلما، أو أسلم أحدهما، فإن كانت الخمر باقية.. لم يرجع أحدهما على الآخر بشيء؛ لأن العقد والقبض في حال الكفر لا ينقض، ولا يرجع عليها الزوج بشيء؛ لأن الخمر لا تملك بحكم الإسلام ولا قيمة لها.
فإن أسلمت الزوجة.. أريقت الخمر، وإن لم تسلم.. لم يتعرض لها.
وهكذا الحكم لو استهلكت الخمر.
وإن صارت الخمر خلا في يدها بغير علاج، ثم طلقها قبل الدخول والخل في يدها.. قال ابن الحداد: رجع عليها بنصفه.
فمن أصحابنا من خالفه وقال: لا يرجع عليها بشيء؛ لأن الصداق زاد في يدها، والصداق إذا زاد في يدها.. سقط حقه من العين إلى القيمة، والقيمة تعتبر أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، والصداق كان ذلك الوقت خمرًا، والخمر لا قيمة لها.
ومنهم من نصر ابن الحداد وقال: إنما يسقط حقه من العين إلى القيمة إذا أمكنه الرجوع إلى القيمة، وهاهنا لا يمكنه الرجوع إلى القيمة، فلم يسقط حقه من الرجوع بالعين لأجل زيادته، كما لو وهب لولده عينًا، فزادت في يد الولد، ورجع الأب فيها.. فإنه يرجع في العين وفي زيادتها.
فإن استهلكت المرأة الخل، ثم طلقها قبل الدخول.. لم يرجع الزوج عليها بشيء وجهًا واحدًا؛ لأن العين إذا هلكت.. سقط حقه إلى القيمة أقل ما كانت من حين العقد إلى حين القبض، ولا قيمة للصداق في ذلك الوقت.
وإن صارت الخمر خلًا في يده قبل التسليم، ثم طلقها قبل الدخول.. قال ابن الحداد: يكون الخل بينهما نصفين.
وخالفه هاهنا من خالفه في الأولى وقال: يكون الخل له، وترجع عليه بنصف مهر مثلها؛ لأن القبض لم يحصل.
وإن ترافعا قبل القبض وكان فاسدًا.. أفسدناه وأوجبنا مهر المثل.
وهكذا: إذا أصدقها جلد ميتة فدبغته، ثم طلقها قبل الدخول.. فالحكم فيه كالحكم في الخمر إذا تخللت.
فرع أصدقها تعليم سورة ثم طلقها قبل الدخول
وإن أصدقها تعليم سورة، فعلمها السورة ثم طلقها قبل الدخول.. رجع عليها بنصف أجرة التعليم.
وإن طلقها قبل الدخول وقبل التعليم.. فقد سقط عنه نصف التعليم وبقى عليه
النصف، فإن قلنا: إنه يجوز أن يعلمها من وراء حجاب.. علمها نصف السورة.
وإن قلنا: لا يجوز أن يعلمها من وراء حجاب.. رجعت عليه بنصف مهر مثلها في القول الجديد، وبنصف أجرة التعليم في القول القديم.
فرع أصدقها خياطة ثوب معين ثم طلقها قبل الدخول
): إذا تزوج امرأة وأصدقها خياطة ثوب بعينه، فهلك الثوب قبل الخياطة.. فهل لها أن تأتيه بثوب مثله ليخيطه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لها ذلك، كما لو اكترى دابة ليركبها إلى مكان، فمات قبل أن يركبها.. فلوارثه أن يركبها إن كان مثل مورثه، أو يركبها مثله.
فعلى هذا: لو أتته بثوب مثله ليخيطه مع بقاء الثوب.. لزمه ذلك.
والثاني: لا يلزمه أن يخيطه؛ لأنه جعل صداقها إيقاع منفعة في عين بعينها، فإذا تلفت تلك العين.. بطل العقد ولا يقوم غيرها مقامها، كما لو استأجرته ليحصد لها زرعًا بعينه، فتلف الزرع قبل الحصاد.. فإن الإجارة تبطل، ولا يجوز أن يقال: يحصد لها زرعًا مثله.
فعلى هذا: ترجع عليه بمهر مثلها في قوله الجديد، وبأجرة الخياطة في قوله القديم.
وإن كان الثوب باقيًا، فطلقها قبل الدخول وبعد الخياطة.. رجع عليها بنصف أجرة الخياطة.
وإن طلقها قبل الخياطة وقبل الدخول، فإن كان يمكنه أن يخيط نصفه وينضبط ذلك.. لزمه أن يخيط نصفه.
وإن لم تنضبط خياطة نصفه.. كان كما لو تلف الصداق قبل القبض، فترجع عليه بنصف مهر مثلها في القول الجديد، وبنصف أجرة الخياطة في القول القديم.
وهكذا ذكره أكثر أصحابنا.
قال ابن الصباغ: وعندي: أن الزوج إذا اختار خياطة جميعه.. لا يكون لها المطالبة بغير ذلك.
[مسألة أصدقها عينًا فتصرفت بها ثم طلقها قبل الدخول]
): وإن أصدقها عينًا، فقبضتها، ثم باعتها أو وهبتها وأقبضتها، ثم طلقها قبل الدخول.. رجع عليها بنصف بدلها؛ لأن ملكها قد زال عنها، فهو كما لو تلفت في يدها.
فإن رجع إليها ما باعته أو وهبته ببيع أو هبة أو إرث، ثم طلقها قبل الدخول.. فإن المسعودي قال (في " الإبانة "): هل يرجع إلى نصف العين أو إلى نصف القيمة؟ فيه وجهان، كالوجهين فيمن وهب لولده عينًا، فخرجت عن ملك الولد ثم رجعت إليه.
وقال أصحابنا البغداديون: يرجع الزوج إلى نصف العين وجهًا واحدًا.
والفرق بين الزوج والأب على الصحيح من الوجهين: أن الصداق لو تلف في يد الزوجة.. لرجع الزوج عليها بنصف بدله، فكان له الرجوع بنصف العين إذا وجدت في ملكها، والعين لو تلفت في يد الولد.. لم يرجع الأب عليه ببدلها، فلم يرجع عليه بها إذا خرجت من ملكه ثم عادت إليه، على الصحيح.
[فرع أصدقها عبدًا فدبرته أو تصرفت بالصداق بما لا يلزمها ثم طلقها قبل الدخول]
): إذا أصدقها عبدًا فدبرته، ثم طلقها قبل الدخول وقبل أن ترجع في التدبير.. فقد روى المزني: أنه لا يرجع في نصفه؛ لأن الرجوع لا يكون إلا بإخراجها إياه عن ملكها.
واختلف أصحابنا فيه على ثلاث طرق:
فـ (الطريق الأول): منهم من قال: فيه قولان:
إن قلنا: إن التدبير وصية00رجع إلى نصفه؛ لأنه باق على ملكها، فهو كما لو وصت به.
وإن قلنا: إنه عتق بصفة.. لم يكن له الرجوع بنصفه؛ لأنه لا يمكن الرجوع فيه إلا بإزالة الملك.
وحمل النص على هذا القول.
و (الطريق الثاني): منهم من قال: لا يرجع بنصفه، وإنما يرجع بنصف قيمته قولًا واحدًا، وهو ظاهر النص؛ لأن العبد قد ثبت له حق الحرية، وفي الرجوع إلى نصف القيمة جمع بين الحقين، فكان أولى، كما لو وهبته وأقبضته.
و (الطريق الثالث): منهم من قال: له أن يرجع بنصف العبد قولًا واحدًا؛ لأن على القول الذي يقول: (التدبير وصية).. فهو تصرف غير لازم، فلا يمنع الرجوع.
وعلى القول الذي يقول: (هو عتق بصفة).. يصح الرجوع فيه بما يزيل الملك، ودفعها لنصفه إلى الزوج يزيل ملكها عنه، فهو كالبيع.
إذا ثبت هذا - وقلنا: له أن يرجع إلى نصفه ـ: فإن الشيخ أبا حامد قال في " التعليق ": تجبر المرأة على الرجوع بنصفه بالقول، إذا قلنا: (إن التدبير وصية).
قال ابن الصباغ: فإذا قلنا: يرجع الزوج إلى نصفه.. كان الزوج مخيرًا: بين أن يرجع إلى نصفه، وبين أن يرجع إلى قيمة نصفه؛ لأن العبد إذا كان نصفه مدبرًا.. نقصت قيمة النصف الثاني؛ لأنه لا يأمن أن يرافعه إلى حاكم حنفي، فيحكم بتدبير جميعه، فيسقط حقه.
وإن دبرته ثم رجعت في التدبير بالقول - إذا قلنا: (إنه وصية) - أو بإزالة الملك، ثم رجع إليها، ثم طلقها قبل الدخول.. ثبت له الرجوع بنصفه.
وإن طلقها وهو مدبر، وقلنا: لا يكون له الرجوع بنصفه، فقبل أن يأخذ نصف قيمته رجعت في التدبير بالقول والفعل، ورجع إلى ملكها.. فقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم " (5/60): ليس له الرجوع بنصفه؛ لأنه رجع إلى ملكها، وقد تعلق حقه بنصف قيمته).
ومن أصحابنا من قال: يرجع إلى نصفه؛ لأن المانع من رجوعه إلى نصفه هو التدبير وقد زال، وقد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على مثل هذا في النخل حيث قال: (ولو طلقها وقد أثمرت، فلم يرجع في القيمة حتى جذت.. كان حقه في نصف النخل).
وإن وهبت الصداق لرجل ولم تقبضه، أو وصت به ثم طلقها الزوج قبل الدخول.. رجع الزوج بنصفه؛ لأن ذلك تصرف غير لازم، وإنما هو بمنزلة الوعد.
هكذا ذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ".
وقال القاضي أبو حامد: إذا وهبته ولم تقبضه.. ففيه قولان:
أحدهما: لا تجبر الزوجة على الرجوع عن الهبة؛ لأنه عقد عقدته في ملكها في وقت لم يكن للزوج فيه حق.
والثاني: تجبر؛ لأن الهبة قبل القبض ليست بلازمة لها، ولو أرادت أن تسلم إلى الزوج نصفه.. كان لها، وإذا امتنعت من ذلك.. أجبرت عليه.
قال القاضي أبو حامد: وهكذا إذا باعته بشرط الخيار، ثم طلقها الزوج قبل الدخول وقبل انقضاء الخيار.. فعلى هذين القولين.
فرع أصدقها جارية فزوجتها أو تصرفت بالصداق بما يلزمها ثم طلقها قبل الدخول
): وإن أصدقها جارية فزوجتها، ثم طلقت المولاة قبل الدخول.. كان زوجها بالخيار: بين أن يرجع بنصف الأمة، وبين أن يرجع بنصف قيمتها؛ لأنها قد نقصت بالتزويج.
وإن أجرت الزوجة الصداق مدة، ثم طلقها الزوج قبل انقضاء المدة.. كان للزوج أن يرجع بنصف قيمته؛ لنقصانه بالإجارة، فإن قالت الزوجة: اصبر حتى تنقضي مدة الإجارة، ثم ترجع في نصفه.. لم يلزمه ذلك؛ لأن حقه تعجل فلا يلزمه تأخيره.
فإن قال الزوج: أنا أصبر حتى تنقضي مدة الإجارة، ثم أرجع في نصف العين.. لم تجبر المرأة على ذلك؛ لأن الصداق يكون في ضمانها ولا تدري: هل يهلك أو يبقى؟
وإن قال الزوج: أنا أرجع في نصف العين في الحال وأقبضه، وأصبر حتى تنقضي مدة الإجارة وآخذها.. لم يكن لها أن تمتنع من ذلك؛ لأنه لا ضرر عليها في ذلك.
وقد ذكرنا: أنه إذا أصدقها نخلًا فأثمرت في يدها، فقال الزوج: أرجع في نصفها في الحال، وأتركها إلى أن تجذ الثمرة وجهين:
أحدهما: له ذلك.
والثاني: ليس له ذلك.
والفرق بينهما على هذا: أن في النخل يؤدي إلى اشتراك الأيدي في الثمرة التي لها، ولا يوجد ذلك هاهنا.
وإن رهنت الصداق وأقبضته، ثم طلقها قبل الدخول.. رجع الزوج بنصف قيمته؛ لأن حق المرتهن متعلق برقبة الرهن.
[مسألة أصدقها نخلًا مثمرًا أو غير مثمر ثم اجتناها ودبسها]
إذا أصدقها نخلًا مثمرًا وشرط أن الثمرة للمرأة، أو نخلًا عليه طلع مؤبر، فلما بدا الصلاح في الثمرة.. اجتنى الزوج الثمرة وجعلها في قوارير - يعني: براني - وجعل عليها شيئًا من الذي يسيل من الرطب - ويسمى: الرُّبَّ والدبس بعد الطبخ، يفعل ذلك ليحفظ رطوبة الثمرة - فقد خلط الصداق بعضه ببعض، فإن لم تنقص قيمتهما بذلك في الحال ولا في الثاني، أو زادت قيمتهما بذلك.. فإن الزوجة تأخذ الثمرة وما جعل
عليها مما سال منها، ولا شيء على الزوج، وإن نقصت قيمتهما في الحال أو في الثاني.. فقد نقص الصداق في يد الزوج.
فإن قلنا بقوله الجديد: (إنه إذا تلف في يد الزوج قبل القبض ورجعت إلى مهر المثل).. كانت المرأة بالخيار: بين أن تأخذهما ناقصين ولا شيء لها على الزوج، وبين أن تردهما على الزوج وتأخذ مهر مثلها.
وإن قلنا بقوله القديم.. كانت بالخيار: بين أن تأخذهما ناقصين وأرش نقصهما، وبين أن ترجع بمثل الثمر إن كان قد شمسه؛ لأن له مِثلًا، وإن جعله قبل التشميس.. رجعت بقيمته.
وأما ما سال من الثمرة، فإن كان قد أغلاه.. رجعت عليه بقيمته؛ لأنه لا مثل له، وإن لم يغله.. رجعت عليه بمثله؛ لأنه من ذوات الأمثال.
وإن قالت الزوجة: أنا آخذ النخل، وأرد الثمرة وما سال منها، وأرجع عليه ببدله.. فهل لها ذلك؟ فيه قولان، بناء على القولين في تفريق الصفقة.
وإن جعل عليها الزوج الدبس من نخله.. فهي كالأولى إلا في شيء واحد وهو: أنه لا يعتبر النقص في الدبس؛ لأنه ملكه.
وإن أصدقها نخلًا لا ثمرة عليها، فأثمرت في يده، فلما بدا صلاحها اجتناها الزوج وجعلها في قوارير وجعل عليها شيئًا مما سال من ثمرتها أو ثمرته.. فهو بمنزلة من غصب من غيره ثمرة ودبَّسها وخلطهما؛ لأن عقد الصداق لم يتناولهما.
فرع أصدقها جارية فوطئها
وإن أصدقها جارية فوطئها وأحبلها، فإن أقر: بأنه يعلم بتحريمه، أو ادعى الجهالة ومثله لا يخفى عليه ذلك 00فهو زنًا، فيجب عليه الحد، ولا يلحقه نسب الولد، ويكون الولد مملوكًا لها.
فإن أكره الجارية على الوطء.. وجب عليه المهر، وإن طاوعته.. فوجهان، المنصوص: أنه لا يجب عليه المهر.
وإن كان جاهلًا بتحريم الوطء؛ بأن نشأ في بادية لا معرفة له في الأحكام، أو قريب العهد بالإسلام، أو كان يعتقد مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أن المرأة لا تملك جميع الصداق إلا بالدخول).. فهو وطء شبهة، فلا يجب عليه الحد، ويكون الولد حرًا، ويلحقه نسبه، ويلزمه قيمته يوم الوضع، ويجب عليه المهر، ولا تصير الجارية أم ولد له في الحال.
فإذا ملكها.. فهل تصير أم ولد له؟ فيه قولان.
[مسألة ارتداد المرأة قبل الدخول أو طلقها وكان صداقها صيدًا ثم أحرم]
): وإن ارتدت المرأة قبل الدخول.. فقد ذكرنا: أن جميع الصداق يعود إلى الزوج؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، والحكم فيه في الزيادة والنقصان حكم النصف الذي يعود إليه بالطلاق على ما مضى.
إذا ثبت هذا: فقال ابن الحداد: إذا أصدقها صيدًا بريًا وهما حلالان، ثم ارتدت المرأة قبل الدخول والزوج محرم.. رجع الزوج بالصيد؛ لأنه دخل في ملكه بغير اختياره.
قال القاضي أبو الطيب: هذا على القول الذي يقول: إن الحلال إذا اصطاد صيدًا وأحرم.. لا يزول ملكه عنه، فأما إذا قلنا: يزول ملكه عنه.. فلا يرجع في الصيد وإنما يرجع في قيمته؛ لأنه كالمعدوم.
فإذا قلنا: يرجع إلى الصيد.. قال ابن الحداد: دخل في ملكه ويلزمه إرساله.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا الذي ذكره ابن الحداد مخالف لما ذكره أصحابنا بالعراق؛ فإنهم قالوا: إذا قلنا: لا يزول ملكه عنه.. يجوز له التصرف فيه بالبيع والهبة والإمساك، وإنما لا يجوز له ذبحه.
وأما إذا طلقها قبل الدخول، فإن قلنا بقول أبي إسحاق: إن نصف الصداق لا يدخل في ملك الزوج إلا بالطلاق واختيار التملك.. لم يجز له هاهنا أن يختار تملك نصف الصيد، وإنما يرجع إلى نصف قيمته.
وإذا قلنا بالمنصوص من: (أنه يدخل في ملكه بالطلاق)، فإن قلنا: يزول ملكه عنه بالإحرام.. لم يكن له أن يرجع في نصفه، وإنما يرجع في نصف قيمته.
وإن قلنا: لا يزول ملكه عنه.. رجع بنصفه.
قال القاضي أبو الطيب: ويقال لابن الحداد: إذا كان الصيد واحدًا، ورجع إليه نصفه، وأنت توجب عليه الإرسال.. فكيف يرسل نصفه ولا سبيل إلى إرسال نصيب الشريك؟
وكذلك: إذا كان صيد بين رجلين، فأحرم أحدهما، وقلنا: يزول ملك المحرم عن الصيد.. فإنه يجب عليه إرساله إذا كان منفردًا به.. وأما إذا كان مشتركًا بينه وبين غيره.. لم يجز إرسال نصيب الحلال، وقد قال بعض أصحابنا: سقط الإرسال هاهنا للضرورة، ولكن تزال يد المحرم عنه.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا لا بأس به عندي.
مسألة زوج ابنه أو تزوج بنفسه ثم ارتدت الزوجة أو طلقت قبل الدخول
وإذا زوج ابنه الصغير وكان الابن موسرًا.. فإن الصداق يجب على الابن؛ لأن النكاح حصل له، فلا يجب على الأب إلا إن ضمنه عن ابنه الصغير.
وإن كان الابن معسرًا.. قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: فلا خلاف: أن الصداق يجب للزوجة في ذمة الابن؛ لأن النكاح له، ولكن هل يجب الصداق على الأب بالضمان؟ فيه قولان: (أحدهما): قال في القديم: (يجب عليه)؛ لأنه لما زوجه مع العلم بإعساره.. كان رضًا منه بوجوب ضمانه عليه.
و (الثاني): قال في الجديد: (لا يجب عليه)، لأن النكاح للصغير، فلا يجب على الأب المهر، كما لو كان الابن موسرًا، ولو أن رجلًا معسرًا وكل رجلًا موسرًا ليتزوج له، فتزوج له.. لم يجب على الوكيل ضمان المهر، فكذلك هذا مثله.
فإن قلنا: يجب على الأب بالإطلاق أو ضمنه.. فللمرأة مطالبة الأب به.
فإن ارتدت المرأة قبل الدخول، أو بلغ الابن وطلقها قبل الدخول، فإن كان الأب لم يدفع الصداق إليها، بل هو في ذمته.. سقط جميعه بردة الزوجة، وسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول، وكان لها مطالبته بالنصف.
وإن كان الأب قد دفعه إليها من ماله، أو كان الابن الصغير موسرًا فتطوع الأب بدفع الصداق عنه.. فإن ذمة الابن تبرأ بذلك، كما لو قضى عن رجل دينًا بغير إذنه، ويكون ذلك هبة منه لابنه.
فإذا
ارتدت، أو طلقها الابن قبل الدخول.. فإن جميع الصداق يعود إلى الابن بردتها قبل الدخول، ونصفه بالطلاق قبل الدخول.
وهل للأب أن يرجع بذلك على الابن؟ ينظر فيه: فإن رجع إلى الابن بدل الصداق.. لم يرجع به الأب عليه، كما لو وهب لابنه شيئًا فأتلفه، أو أتلفه متلف.. لم يرجع الأب عليه ببدله.
وإن رجع إلى الابن الصداق بعينه.. فهل للأب أن يرجع به عليه؟ فيه وجهان، كالوجهين فيما إذا وهب له عينا فخرجت من ملكه ثم رجعت إليه.
وإن كان الأب أصدقها عينا من ماله، فطلقها الابن قبل الدخول والعين في يد الأب.. فللابن أن ينزع نصفها من الأب؛ لأنه قد عاد إليه بالطلاق، ولأن ملك المرأة كان ثابتًا عليه.
فإذا انتزعه الابن.. فهل للأب أن يرجع به عليه؟ على الوجهين في التي قبلها.
وإن تزوج الابن البالغ الرشيد بنفسه، وأصدقها صداقًا في ذمته، فدفع الأب عنه الصداق إليها من ماله.. برئت ذمة الابن، كما لو قضى عن غيره دينًا.
فإن طلقها الابن قبل الدخول.. رجع إليه نصف الصداق.
فإن كان أخذ بدل الصداق.. لم يرجع به الأب عليه، كما قلنا في الذي دفعه عن الصغير.
وإن رجع إلى الابن الذي دفعه الأب بعينه.. فهل للأب أن يرجع به عليه؟
من أصحابنا من قال: فيه وجهان، كما قلنا فيما دفعه عن الصغير.
ومنهم من قال: لا يرجع به الأب وجها واحد، والفرق بينهما: أن للأب أن يهب للصغير ويقبل الهبة له من نفسه، فيكون دفعه للصداق عنه هبة له.
ولا يملك أن يقبل الهبة للبالغ الرشيد، فيكون دفعه للصداق عنه إسقاط حق عنه، فهو كما لو قضى عن الأجنبي دينًا.
فرع تزوج بصداق في ذمته فأدى عنه آخر ثم طلقها قبل الدخول
): وإن تزوج امرأة بصداق في ذمته، فأدى عنه أجنبي الصداق.. برئ الزوج، سواء كان بإذنه أو بغير إذنه.
فإن طلقها الزوج قبل الدخول.. فهل يرجع نصفه إلى الزوج أو إلى الأجنبي؟ فيه وجهان:
أحدهما: يعود إلى الزوج؛ لأن الأجنبي ملك الزوج إياه بقضائه عنه.
والثاني: يعود إلى الأجنبي؛ لأن الأجنبي لم يملكه إياه؛ لأنه لا يملكه إلا باختيار تملكه، ولم يختر ذلك، وإنما أسقط عنه الحق، فإذا سقط عنه نصف الحق بالطلاق.. رجع النصف إلى الذي دفعه القضاء.
مسألة وهبت له الصداق أو نصفه أو أبرأته فطلقها قبل الدخول
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو وهبت له صداقها قبل القبض أو بعده، ثم طلقها قبل أن يمسها.. ففيه قولان).
وجملة ذلك: أنه إذا أصدقها عينًا، ثم وهبتها من الزوج وأقبضته إياها، ثم طلقها قبل الدخول.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يرجع عليها بشيء، لأنه قد تعجل له ما كان يستحقه بالطلاق قبل محله، فلا يستحقه عند محله، كما لو تعجل دينه المؤجل قبل محله ثم جاء وقت محله.
والثاني: يرجع عليها بنصف مثله إن كان له مثل، أو بنصف قيمته إن لم يكن له مثل، وهو الأصح؛ لأنه عاد إليه بعقد، فلا يمنع ذلك رجوعه عليها ببدل نصفه، كما لو اشتراه منها، أو وهبته لأجنبي ثم وهبه الأجنبي منه.
قال المحاملي وابن الصباغ: وسواء قبضت الصداق، أو لم تقبضه.
وإن كان الصداق دينا، فإن عينه الزوج في شيء وأقبضه إياها، ثم وهبته منه.. فهي كالأولى.
وإن أبرأته منه ثم طلقها قبل الدخول، فإن قلنا: لا يرجع عليها إذا كان عينًا فوهبتها منه.. فهاهنا أولى أن لا يرجع عليها.
وإن قلنا: يرجع عليها في العين..
فهل يرجع عليها في الدين؟ فيه قولان، ومنهم من يقول: هما وجهان:
أحدهما: يرجع عليها بنصفه؛ لأنها قد ملكت الصداق بالعقد، فهو كالعين.
والثاني: لا يرجع عليها بشيء، وهو الصحيح، والفرق بينهما: أن الصداق إذا كان عينا.. فقد ضمنته بالقبض، وفي الدين لم تضمنه بالقبض، فلم يرجع عليها بشيء، ألا ترى أن الصداق لو نقص في يده ثم طلقها قبل الدخول.. لم برجع بالنقص؛ لأنها لم تضمنه؟ هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي (في " الإبانة "): إن قلنا في العين: يرجع عليها.. ففي الدين أولى أن يرجع عليها.
وإن قلنا: لا يرجع عليها في العين.. ففي الدين قولان، والفرق بينهما: أن هناك عاد إليه بعقد جديد، بخلاف هذا.
وإن قبضت نصف الصداق، ثم وهبته النصف الباقي منه، ثم طلقها قبل الدخول، فإن قلنا: يرجع عليها إذا وهبت جميع الصداق له.. رجع عليها هاهنا بالنصف أيضًا.
وإن قلنا هناك: لا يرجع عليها بشيء.. فهاهنا قولان:
(أحدهما): قال في " الأم ": (لا يرجع عليها بشيء؛ لأنه إنما يرجع عليها بالنصف، وقد تعجل له ذلك النصف، فلم يرجع عليها بشيء).
و (الثاني): قال في " الإملاء ": (يرجع عليها بنصف الباقي؛ لأنها لو وهبته جميعه.. لم يرجع عليها بشيء، فإذا وهبته نصفه.. كان ذلك من حقها وحقه؛ لأن حقهما شائع في الجميع).
فإذا قلنا بهذا.. ففي كيفية رجوعه ثلاثة أقوال:
أحدها: يرجع عليها بالنصف الباقي؛ لأنه يستحق عليها النصف، وقد وجده.
والثاني: يرجع عليها بنصف النصف الباقي وقيمة نصف الموهوب؛ لأن حقهما شائع في الجميع، فصار الموهوب كالتالف.
والثالث: أنه بالخيار: بين أن يرجع بالنصف الباقي، وبين أن يرجع بنصف النصف الباقي ونصف قيمة الموهوب؛ لأنه تبعض عليه حقه.
فرع وهبته الصداق أو أبرأته ثم ارتدت قبل الدخول
وإن وهبته امرأته الصداق أو أبرأته منه، ثم ارتدت قبل الدخول.. فحكم الرجوع عليها بجميع الصداق كالحكم في رجوعه عليها بالنصف عند الطلاق؛ لأنه يستحق عليها الرجوع بالجميع عند ردتها، كما يستحق عليها الرجوع بالنصف عند الطلاق.
فرع هبة البائع ثمن العبد للمشتري أو السيد نجوم المكاتب
): وإن اشترى رجل من رجل عبدا بثمن، ثم وهب البائع المشتري الثمن، ثم وجد المشتري بالعبد عيبًا فرده.. فهل يرجع على البائع بالثمن؟ فيه وجهان بناء على القولين في الصداق.
وإن وجد بالعبد عيبًا وقد حدث به عنده عيب آخر.. فهل يرجع عليه بالأرش؟ فيه وجهان.
قال الشيخ أبو حامد: وإن كاتب عبده على نجوم، ثم وهبها السيد منه.. عتق المكاتب.
وهل للمكاتب أن يطالب سيده بالإيتاء؟ على الوجهين.
وإن باع من رجل عبدا بثمن في الذمة، ثم إن المشتري وهب العبد من البائع وأفلس المشتري بالثمن.. فللبائع أن يضرب بالثمن مع الغرماء قولا واحدا؛ لأنه حق تعلق بالثمن دون العبد.
مسألة خالعته على شيء من مهرها قبل الدخول
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو خالعته على شيء مما عليه من المهر، فما بقي.. فعليه نصفه).
وجملة ذلك: أنه إذا خالعها على نصف مهرها قبل الدخول.. نظرت: فإن كان الصداق عينًا، فخالعها على نصفها، فإن قلنا: إن الزوج يملك نصف الصداق بالطلاق.. لم يصح الخلع على نصف ما سماه في الخلع؛ لأن الخلع بمنزلة الطلاق الذي يوقعه ابتداء، فلم يصح خلعها على النصف الذي يملكه الزوج، وهل يصح في نصف ما سماه في الخلع؟ فيه قولان بناء على القولين في تفريق الصفقة.
وما فسد من المسمى في الخلع.. فهل يرجع الزوج عليها ببدله أو بمهر المثل؟ فيه قولان، كما قلنا فيه إذا تلف الصداق قبل القبض.
وإن قلنا: إن الزوج لا يملك النصف إلا بالطلاق واختار التملك.. صح الخلع على النصف المسمى في الخلع، ويرجع عليها بالنصف.
وهل يرجع عليها بجميع النصف الباقي في يدها، أو بنصفه وبنصف قيمته؟ على الأقوال الثلاثة التي مضت في التي قبلها.
وإن كان الصداق ألفًا في ذمة الزوج فخالعها على خمسمائة قبل الدخول.. قال ابن الصباغ: فإن قلنا: إنه يملك نصف الصداق.. فسدت التسمية في الخلع في نصف الخمسمائة، ولا ينصرف ذلك إلى نصيبها من الألف بعد الطلاق؛ لأن وقت التسمية هي مالكة لجميعه، فكان ما سمته من الجملة.
وهل تفسد التسمية في نصفها الباقي؟ على القولين.
وهل يرجع عليها ببدلها أو بمهر مثلها؟ على القولين.
وإن قلنا: إنه لا يملك النصف إلا بالطلاق واختيار التملك.. صح الخلع على ما سمى فيه ويسقط الباقي عن ذمته باختيار التملك.
إذا ثبت هذا: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (فما بقي.. فعليه نصفه).
وظاهر هذا: أن الخلع يصح بخمسمائة، ويسقط عن ذمته من الخمسمائة الباقية مئتان وخمسون.
واختلف أصحابنا في تأويل هذا:
فقال أبو علي بن خيران: أراد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذا تخالعا علي خمسمائة من الألف وهما يعلمان أن الخلع لا يصح إلا على مائتين وخمسين منها؛ لأن نصفها يسقط عنه بالطلاق قبل الدخول، فإذا علما بذلك.. فقد رضيا أن يكون عوض الخلع مائتين وخمسين لا غير، فإذا بقي على الزوج خمسمائة، سقط عنه نصفها بالطلاق قبل الدخول.
وحكي: أن ابن خيران ألزم، إذا باع عبده وعبد غيره بألف وهما يعلمان أن بيع عبد الغير لا يصح، وأن البيع يصح في عبده بالألف، فالتزمه.
ومن أصحابنا من قال: بل أراد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذا قال: اخلعيني بما يخصني من خمسمائة مصرحا بذلك.
وقال أبو إسحاق: تأويلها: أن العقد وقع على جميع الخمسمائة؛ لأنها كانت ملكا للزوجة، وإنما يعود نصفها إلى الزوج بعد الطلاق.
فإذا تم الخلع..رجع إلى الزوج نصفها، فيكون هذا النصف كالتالف قبل القبض، فيرجع الزوج إلى بدل هذا النصف في القول القديم، وبدل الدراهم دراهم، فيستحق عليها في ذمتها بدل المائتين والخمسين التي كان يستحقها بالطلاق، ويبقى لها عليه خمسمائة، فيسقط عنه نصفها بالطلاق، ويبقى لها عليه مئتان وخمسون، فيتقاصان، فيكون معنى قوله: (فما بقي.. فعليه نصفه) يعني: الخمسمائة التي لم يقع بها الخلع، فذكر ما بقي لها عليه، ولم يذكر ما له عليها، ولا ذكر المقاصة أيضًا.
قال الشيخ أبو حامد: وهذه طريقة صالحة.
وقال القاضي أبو الطيب: إن الذي قاله الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنما قاله على أن الزوج لا يملك بالطلاق، وإنما يملك بالطلاق والاختيار، فقد صح الخلع بالخمسمائة ويرجع عليها بنصف الباقي وبقيمة نصف ما خالعها به، وإنما لم يذكر نصف ما خالعها به.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يمكن حمل كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - على هذا؛ لأنه قال: (فما بقي.. فعليه نصفه)، ولو أراد: أنه لا يملك إلا بالاختيار.. لقال: فعليه كل ما بقي إلا أن يختار تملك نصيبه.
قال أصحابنا: فإن أرادت الخلاص.. خالعته على خمسمائة في ذمتها، ويسقط عنه خمسمائة من الألف، ويبقى لها عليه خمسمائة فيتقاصان، أو تقول: اخلعني على ما تسلم لي من الألف أو على أن لا يبقى بيننا علقة ولا تبعة.
مسألة العفو عن المهر قبل الدخول ومن بيده عقدة النكاح
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (قال الله تعالى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] [البقرة 237] وجملة ذلك: أنه إذا طلق امرأته قبل الدخول.. جاز لها أن تعفو عن نصف المهر الذي وجب لها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237] البقرة [237]، ولا خلاف: أن المراد به النساء.
وجاز للزوج أن يعفو عن النصف الذي له الرجوع فيه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237] [البقرة: 237]، ولا خلاف: أن المراد بذلك الأزواج.
وفي الذي بيده عقدة النكاح قولان:
(أحدهما): قال في القديم: (المراد به ولي المرأة).
وبه قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، والحسن البصري، والزهري، وطاوس، وربيعة، ومالك، وأحمد رحمة الله عليهم.
فيكون تقدير الآية- على هذا -: إلا أن تعفو الزوجات عن النصف الذي وجب لهن
فيكون جميع الصداق للزوج، أو يعفو الولي عن نصيب الزوجة فيكون الجميع للزوج ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237]، يعني: الأزواج.
فيكون الجميع للزوجة، لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، وهذا ورد فيما بعد الطلاق، والذي بيده عقدة النكاح عليها: هو الولي دون الزوج.
ولأن الكناية ترجع إلى أقرب مذكور قبله، وأقرب مذكور قبل هذا: هو النصف الذي للمرأة.
ولأن الله تعالى ذكر العفو في الآية في ثلاثة مواضع، فإذا حمل هذا على الولي.. حصل لكل عفو فائدة، وإذا حمل على غيره.. جعل أحدهما مكررًا.
و (الثاني): قال في الجديد: (الذي بيده عقدة النكاح: هو الزوج).
وبه قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه، وجبير بن مطعم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وشريح - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، وأهل الكوفة: الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه.
فيكون تقدير الآية: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237]؛ يعني به: الزوجات.
﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، يعني به: الأزواج.
﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237]، يعني أن عفو الأزواج أفضل من عفو الزوجات، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، وعقدة النكاح: عبارة عن معقوده، ومعقود النكاح بيد الزوج دون الولي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237]، وهذه مفاضلة بين عفوين تقدم ذكرهما، ولا يصح ذلك إلا إذا كان المراد بالذي بيده عقدة النكاح هو: الزوج.
ولأن المهر مال للصغيرة، فلا يصح للولي إسقاطه، كسائر أموالها.
فإذا قلنا: إن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي.. لم يصح العفو إلا بخمسة شروط:
أحدها: أن يكون الولي أبا أو جدًا؛ لأنهما لا يتهمان فيما يريان من الحظ.
الثاني: أن تكون المنكوحة صغيرة أو مجنونة، أو سفيهة، فإما البالغة العاقلة الرشيدة: فلا يملكان التصرف في مالها بغير إذنها.
الثالث: أن تكون بكرًا، فأما إذا كانت ثيبًا: فلا يملكان العفو عن مهرها؛ لأن الزوج إن كان قد دخل بها.. فقد استهلك بعضها.
وإن لم يدخل بها.. فقد لحقها ابتذال، فلا يعفوان عن صداقها.
الرابع: أن يكون ذلك بعد الطلاق، فأما قبل الطلاق: فلا يجوز؛ لأن بضعها معرض للتلف.
الخامس: أن يكون ذلك قبل الدخول، فأما بعد الدخول: فلا يجوز للولي العفو عن مهرها؛ لأن بضعها قد استهلك.
فأما إذا زوج ابنه الصغير، فرجع إليه المهر بانفساخ النكاح: برضاع أو بردتها قبل الدخول، أو زوج ابنه الكبير السفيه، فرجع إليه المهر بردتها قبل الدخول، أو نصفه بطلاقه.. فلا يجوز للأب والجد العفو عنه قولا واحدا؛ لأنه أخرجه من مالهما وقد عاد إليهما بخلاف الصغيرة؛ فإن الأب أكسبه إياها بالتزويج.
ولأنه قد يرى لها الحظ في ذلك؛ لأن الناس يرغبون في نكاحها إذا علموا مسامحة الأب وحسن معاملته، بخلاف الابن.
فرع كون الصداق في ذمة أو يد أحدهما ثم طلق قبل الدخول
): وإن كان الصداق دينا في ذمة الزوج وطلقها قبل الدخول، وأرادت المرأة العفو عن النصف الذي لها.. صح عفوها بأحد ستة ألفاظ: بأن تقول: أبرأتك عن كذا، أو وهبت لك، أو ملكتك، أو تركت لك، أو أسقطت عنك، أو عفوت عما لي في ذمتك.
وهل يفتقر إلى قبول الزوج؟ فيه وجهان مضى ذكرهما، المنصوص: (أنه لا يفتقر).
وإن أراد الزوج أن يعفو عن النصف الذي رجع إليه بالطلاق، فإن قلنا: إنه لا يملك ذلك إلا بالطلاق واختيار التملك ولم يختر بعد.. فله أن يسقط حقه، بأن
يقول: عفوت عنك، أو تركت، أو أسقطت حقي، أو تركت حقي من الاختيار وما أشبه ذلك.
وإن قلنا: إنه يملك النصف بالطلاق.. لم يصح عفوه؛ لأن ذمته قد برئت من نصفه بالطلاق.
وإن كان الصداق في ذمتها، بأن سلم إليها الصداق وأتلفته، أو تلف ثم طلقها قبل الدخول، فإن أرادت أن تعفو عن النصف الذي لها.. لم يصح عفوها عنه؛ لأنه قد هلك على ملكها وفي يدها.
وإن أراد الزوج أن يعفو عنها، فإن قلنا: إنه لا يملك النصف إلا بالطلاق والاختيار.. صح عفوه قبل الاختيار بكل لفظ يتضمن إسقاط حقه، كالعفو، والإسقاط، والترك، كما قلنا فيمن له شفعة فأسقطها، ولا يفتقر إلى قبولها وجها واحدًا.
وإن قلنا بالمنصوص، و: (أنه يملك نصفه بالطلاق).. صح عفوه عنها بأحد الألفاظ الستة من الهبة، والتمليك، والإسقاط، والإبراء، والعفو، والترك.
وهل يفتقر إلى قبولها؟ على الوجهين.
وإن كان الصداق عينًا في يد الزوج، وأرادت أن تعفو عن النصف الذي لها.. صح بلفظ الهبة، أو التمليك.
ولا بد من قبول الزوج، ولا بد من مضي مدة القبض.
وهل يفتقر إلى إذنها بالقبض؟ فيه طريقان، مضى ذكرهما في (الرهن).
ولا يصح عفوها بلفظ: الإبراء والإسقاط؛ لأن ذلك إنما يصح عما في الذمم.
وهل يصح بلفظ العفو؟ فيه وجهان، حكاهما في " التعليق "، الصحيح: أنه لا يصح.
وإن أراد الزوج أن يعفو عن النصف الذي له، فإن قلنا بقول أبي إسحاق: إنه لا يملك إلا بالطلاق والاختيار، ولم يختر بعد.. صح عفوه بكل لفظ يتضمن إسقاط الخيار.
وإن قلنا بالمذهب: (إنه يملك بنفس الطلاق).. احتاج إلى شرائط الهبة من الإيجاب، والقبول، والإذن بالقبض، والقبض.
وإن كان الصداق عينًا في يد الزوجة، فأرادت الزوجة أن تعفو عن نصفها.. افتقر إلى شروط الهبة.
وإن أراد الزوج أن يعفو عنها، فإن قلنا: إنه لا يملك إلا بالطلاق والاختيار، ولم يختر بعد.. سقط حقه بما يتضمن إسقاط حقه من الخيار.
وإن قلنا: (إنه يملك بنفس الطلاق).. فهو يهبها شيئًا في يدها، فلا بد فيه من الإيجاب، والقبول، ومضي مدة القبض.
وهل يفتقر إلى إذنه بالقبض؟ فيه طريقان، مضى ذكرهما.
فرع تزوج بمهر حرام أو مجهول
): إذا تزوج امرأة بمهر حرام أو مجهول.. وجب لها مهر مثلها.
فإن أبرأته عنه وكانت تعلم قدره.. صحت البراءة.
وإن كانت لا تعلم قدره وأبرأته عنه.. لم تصح البراءة.
وقال أبو حنيفة: (تصح).
دليلنا: أنه إزالة ملك بلفظ لا يسري، فلم يصح مع الجهل به، كالبيع.
وفيه احتراز من العتق.
وإذا ثبت أن الإبراء في الكل لا يصح.. فهل يصح في قدر ما يتحققه؟
قال الشيخ أبو حامد: المعروف أنه لا يصح.
وقال أبو إسحاق: يصح؛ لأنا إنما منعنا صحة البراءة في الكل لأجل الغرر، وهذا لا يوجد فيما يتحقق أنه لها.
وإن كانت تعلم أن المهر يزيد على مائة ولا يبلغ ألفا، فقالت: أبرأتك من مائة إلى ألف.. صح؛ لأن الغرر قد زال.
مسألة نكاح المفوضة
التفويض- في اللغة-: أن يكل الرجل أمره إلى غيره.
ومنه قول الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم... ولا سراة إذا جهالهم سادوا