البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 226-265

كتاب الوصايا

صفحات 226-265
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وإن قلنا: يعتق الموهوب أو الموصى به من الثلث.. قدم عتق الأول في الثلث، وفي الموهوب أو الموصى به وجهان: أحدهما: لا يعتق ويرثه ورثة الموهوب.
والثاني: لا تصح هبته ولا الوصية له به.
والله أعلم.

باب جامع الوصايا

إذا أوصى لجيرانه.. فإنه يصرف إلى أربعين دارا من كل جانب وقال أبو حنيفة: (يكون ذلك للجار الذي يلاصقه) وقال أبو يوسف: (هو لأهل الدرب).
قال أحمد: (هو لأهل المسجد والجماعة ممن يسمع النداء والإقامة).
دليلنا: ما روت عائشة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن حد الجوار؟ فقال: " أربعون دارا، هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، يمينا وشمالا وقداما وخلفا ". وبعضهم يرويه: أربعون ذراعا».

مسألة أوصى لقراء القرآن

وإن وصى لقراء القرآن.. كان ذلك لمن يحفظ جميع القرآن.
وهل يدخل فيه من يحفظ بعضه؟ فيه وجهان: أحدهما: يدخل فيه؛ لعموم قوله.
والثاني: لا يدخل فيه؛ لأنه لا يطلق هذا الاسم في العرف إلا على من يحفظ جميعه.
وإن وصى للفقهاء.. صرف إلى الفقهاء دون الأصوليين والنحاة، وأهل اللغة والطب.
ولا يدخل فيه من يسمع الحديث ولا يعرف طرقه؛ لأنه لا يطلق اسم الفقيه إلا على الفقهاء.
وإن وصى إلى العلماء.. صرف إلى كل عالم بأصول الشريعة وفروعها دون غيرهم.

فرع أوصى لأعقل الناس

وإن وصى لأعقل الناس.. قال الشافعي: (صرف ذلك إلى أورع الناس وأزهدهم؛ لأن العقل: المنع، وأعقل الناس: أمنعهم عن المحارم).
قال أصحابنا: وعلى هذا القياس إذا وصى لأجهل الناس وأسفلهم.. صرف ذلك إلى من يسب الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وإلى أهل الذمة؛ لأنهم أجهل الناس لمخالفتهم الدلائل الواضحة.

فرع أوصى لمسجد أو سقاية

وإن وصى بثلثه لمسجد أو لسقاية، أو لبناء مسجد أو بناء سقاية، أو أوصى بأن يوقف ذلك عليه.. قال الشيخ أبو حامد: صح ذلك؛ لأنه وصية في طاعة.

وإن وصى بثلثه لمفاداة أسارى المشركين من أيدي المسلمين: قال ابن الصباغ: صحت الوصية؛ لأن المفاداة جائزة فصحت الوصية له.
قال الشافعي: (وإن وصى بمصحف لذمي.. فالوصية باطلة).
قال أصحابنا: هذا على أحد القولين، إذا قلنا: لا يصح شراؤه له.

مسألة أوصى للأيتام

وإن أوصى للأيتام.. صرف إلى الصغار الفقراء ممن لا أب له؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يتم بعد الحلم».
ولأن اليتم في بني آدم: فقد الأب، وفي البهائم: فقد الأم.
وهل يدخل فيه من كان صغيرا غنيا لا أب له؟ فيه وجهان: أحدهما: يدخل فيه؛ لأنه يتيم بفقد الأب.
والثاني: لا يدخل فيه؛ لأن هذا الاسم لا يطلق في العادة إلا على الفقير الصغير الذي لا أب له.

فرع أوصى للأرامل

وإن وصى للأرامل.. دخل فيه كل امرأة فقيرة لا زوج لها.
وهل يدخل فيه من لا زوج لها إذا كانت غنية؟ على الوجهين في الصغير الغني.
وهل يدخل فيه من لا زوجة له من الرجال؟ فيه وجهان:

أحدهما: لا يدخل؛ لأنه لا يطلق هذا الاسم في العرف على الرجال.
والثاني: يدخل فيه؛ لأنه قد يسمى من لا زوجة له من الرجال أرمل.

مسألة أوصى للشيوخ

قال الشيخ أبو إسحاق: وإن وصى للشيوخ.. أعطي من جاوز الأربعين سنة.
وإن وصى للفتيان والشباب.. أعطي من جاوز البلوغ إلى الثلاثين.
وإن وصى للغلمان والصبيان.. أعطي من لم يبلغ؛ لأن هذه الأسماء لا تطلق إلا على من ذكرناه.

مسألة أوصى للفقراء والمساكين

الفقراء والمساكين صنفان: فالفقير أمس حاجة من المسكين.
و (الفقير) هو الذي: الذي لا شيء له، أو له شيء لا يقع موقعا من كفايته، مثل أن كان يحتاج في كل يوم إلى عشرة دراهم، ولا يجد إلا درهما أو درهمين.
و (المسكين) هو: الذي لا يجد ما يكفيه ويجد ما يقع موقعا من كفايته، بأن كان يجد في كل يوم ثمانية دراهم، وهو يحتاج إلى عشرة.
فإذا أوصى بثلثه للمساكين.. جاز أن يصرف إلى المساكين والفقراء.
وإن وصى.
للفقراء.. جاز أن يصرف إلى الفقراء والمساكين؛ لأن معناه أنه للمحتاجين، والفقراء والمساكين محتاجون.
وحكى أبو إسحاق المروزي: أن الشافعي قال: (إذا أوصى للفقراء.. لم يجز أن يدفع منه شيء على المساكين؛ لأن الفقراء أمس حاجة من المساكين).
والمشهور هو الأول.
وإن وصى للفقراء والمساكين.. وجب أن يصرف النصف إلى الفقراء، والنصف إلى المساكين؛ لأن الجمع بينهما في الوصية يقتضي الجمع بينهما في العطية.
ويصرف ذلك إلى فقراء بلد الموصي ومساكينه؛ لأن كلام الآدمي يحمل على المعهود في الشرع، فلما كانت صدقة المال تختص بفقراء البلد ومساكينه، فكذلك الوصية لهم.
فإن نقل عنهم إلى بلد آخر.. كان على الخلاف في نقل الصدقة.
قال الشافعي: (وإن فضل شيء من الثلث عن فقراء بلده.. نقل إلى أقرب البلدان إليه).
وأقل ما يجزئ: أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف، غير أن المستحب أن يعم من في البلد من الصنف الموصى له إن أمكنه، كما قلنا في الزكاة.

فرع أوصى لغير الفقراء والمساكين ممن يستحق الزكاة

وإن وصى للمؤلفة قلوبهم أو للرقاب أو للغارمين أو لسبيل الله أو لابن السبيل.. صرف إلى من يصرف إليه الزكاة منهم على ما بيناه في قسم الزكاة؛ لأنه قد ثبت لهذه الأسماء عرف في الشرع، فحمل مطلق كلام الآدمي عليه.

فرع أوصى لمعين من الفقراء

وإن أوصى بثلثه لزيد وللفقراء.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (هو كأحدهم).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال بظاهره، وأن المستحب أن يعم فقراء البلد، ويعطي زيدا كأحدهم.
وأقل ما يجزئ أن يدفع إلى ثلاثة من الفقراء.
وأفاد ما ذكره هاهنا: أنه لا يجوز الإخلال به.

وهل يشترط على هذا أن يكون زيد فقيرا؟ فيه وجهان.
فمنهم من قال: يجب أن يصرف إلى زيد نصف الثلث، وإلى الفقراء النصف؛ لأنه أضاف الثلث إلى زيد وإلى الفقراء، فصار كما لو قال: هذه الدار لزيد وللفقراء.
ومنهم من قال: يجب أن يصرف إلى زيد ربع الثلث، وإلى الفقراء ثلاثة أرباعه؛ لأن أقل ما يجزئ أن يدفع إلى ثلاثة من الفقراء، فكأنه أوصى لأربعة فقراء.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: إن قال: أعطوا زيدا الفقير والفقراء، أو زيدا المسكين والمساكين.. كان على الأوجه الثلاثة.
وإن قال: أعطوا زيدا والفقراء.. كان في قدر ما يعطى زيد وجهان: أحدهما: النصف.
والثاني: الربع.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: تبطل الوصية لزيد؛ لأنه جعله كأحدهم، فإذا لم يعلم عددهم وتعذر حصرهم.. صار ما يخصه مجهولا، فبطل.

فرع وصى لزيد بدينار

وإن وصى لزيد بدينار وبثلاثة للفقراء، وزيد فقير.. لم يعط غير الدينار؛ لأنه قطع اجتهاد الوصي فيه بتقدير حقه بالدينار.
وإن وصى بثلاثة لزيد وعمرو، فرد عمرو وصيته، وقبل زيد وصيته.. لم يتوفر الثلاثة على زيد، بل يكون لزيد نصف الثلاثة؛ لأنه وصى لكل واحد منهما بنصف الثلاثة، فإذا رد أحدهما وصيته.. كان ذلك للورثة.

مسألة الوصية لقبيلة

وإن وصى لقبيلة لا ينحصر عددهم، كبني بكر وبني تميم.. ففيه قولان: أحدهما: تصح الوصية، ويجوز أن يصرف إلى ثلاثة منهم فما زاد، كما قلنا في الوصية للفقراء.
والثاني: لا تصح الوصية لهم؛ لأنه لا يمكن حصرهم ولا عرف لما يعطى منهم في الشرع، بخلاف الفقراء.
وإن وصى لزيد ولبني تميم، فإن قلنا: إن الوصية لبني تميم تصح.. ففي قدر ما يستحقه زيد معهم الأوجه التي ذكرناها في الوصية لزيد وللفقراء.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إنه كأحدهم.. بطلت الوصية له هاهنا؛ لأنه لا يعرف عددهم الذين يضم إليهم، فلا يعرف قدر نصيبه، وليس بشيء؛ لأنه يعلم أنه أوصى له بشيء في الجملة.
وإن لم يعرف.. فهو كما لو أوصى له بشيء من ماله.
وإن قلنا: لا تصح الوصية لبني تميم.. ففي قدر ما يستحقه زيد الأوجه في الوصية له وللفقراء، وما زاد على ذلك يرجع إلى الورثة.

فرع الوصية بالثلث دون تعيين

وإن قال: أوصيت بثلث مالي، وأطلق.. صح ذلك، وصرف إلى الفقراء والمساكين؛ لأن المعهود في الشرع أن الصدقات لهم، فحمل مطلق كلام الآدمي عليه.

مسألة ضع ثلثي فيما أراك الله

قال الشافعي في " الأم ": (إذا قال للوصي: ضع ثلثي فيمن يريك الله، أو حيث ترى، أو فيما يقربني إلى الله، أو في جهة البر وجهة الثواب.. صرف ذلك إلى الفقراء والمساكين؛ لأن ذلك جهة البر والثواب).
ويستحب أن يقدم في ذلك من لا يرث

الموصي من أقاربه، وذوي رحمه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صدقتك على ذي رحمك: صدقة وصلة».
فإن لم يكن له ذو رحم من النسب.. فمن الرضاع؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
فإن لم يكن له ذلك.. فإلى جيران الموصي؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى خشيت أنه سيورثه».
ولو دفعه الوصي إلى من يرث الموصي.. لم يصح؛ لأن الوصية للوارث لا تصح.
ولا يجوز للوصي أن يضعه في نفسه، كما لو وكله في البيع.. لم يجز أن يبيع من نفسه.

مسألة وصى لزيد وملك

وإن وصى لزيد ولجبريل بثلث ماله.. كان لزيد نصف الثلث، وتبطل الوصية لجبريل.
وإن وصى لزيد وللرياح بثلث ماله.. ففيه وجهان: أحدهما: أن لزيد نصف الثلث، وتبطل الوصية في النصف، كما قلنا في التي قبلها.

والثاني: أن جميع الثلث لزيد، وذكر الرياح لغو.
هذا ترتيب الشيخ أبي إسحاق وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا أوصى بثلثه لزيد وللملائكة، أو للرياح.. ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن لزيد نصف الثلث، وتبطل في النصف الآخر، كما لو أوصى بثلثه لوارثه ولأجنبي.
والثاني: أن جميع الثلث لزيد.
والثالث: أن لزيد منه ما يقع عليه اسم شيء تخريجا من نص الشافعي: إذا أوصى لزيد ولمن لا يحصى.
وإن وصى بثلثه لحي ولميت.. فللحي نصف الثلث، وتبطل الوصية للميت.
وقال أبو حنيفة: (الثلث كله للحي).
وحكاه المسعودي [في " الإبانة "] قولا آخر لنا، وليس بمشهور.
وإن قال: ثلثي لله ولزيد.. ففيه وجهان: أحدهما: أن جميع الثلث لزيد، واسم الله للتبرك.
والثاني: أن لزيد نصف الثلث، ونصفه للفقراء والمساكين؛ لأن عامة ما يجب لله يصرف إلى الفقراء والمساكين، فصار كما لو قال: ثلثي لزيد وللفقراء.

فرع أوصى لعقب زيد

إذا أوصى لعقب زيد، فمات الموصي وزيد حي، ثم مات زيد.. كانت الوصية لولده.
وإن وصى لأولاد زيد.. صرف إلى أولاده الموجودين يوم عقد الوصية، دون من يولد بعده.
وقال أبو حنيفة: (يصرف إلى الموجودين يوم موت الموصي).
وقبل: إنه قول لنا.

فرع الوصية لدابة فلان

قال في " العدة ": إذا قال: أوصيت لدابة فلان.. سئل: فإن قال: أردت أن الدابة تملك ذلك.. لم يكن شيئا؛ لاستحالة أنها تملك.
وإن قال: أردت به أنها تعلف به.. فهل يشترط قبول مالكها؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يشترط قبوله؛ لأن نفقتها على مالكها، فهو في الحقيقة وصية له كما لو وصى لعمارة دار فلان.. فالقبول إليه.
والثاني: أنه لا يشترط قبوله، كما لو وصى بعمارة مسجد أو قنطرة.
فإذا قلنا بالأول: كان الموصى به لمالك الدابة، إن شاء أنفقه على الدابة، وإن شاء أمسكه على نفسه وأنفق عليها من حيث شاء.
ومن قال بالثاني، قال: ينفق الوصي ذلك على الدابة، فإن لم يكن وصي.. أنفقه رب الدابة عليها؛ لأن الوصي قصد ذلك، ولعله علم أن رب الدابة لا ينفق عليها وأراد إحياء نفسها، وفي ذلك قربة وطاعة.
وإن مات الموصي قبل أن يبين.. رجع إلى ورثته: فإن قالوا: أرد أن تعلف به الدابة.. صحت الوصية.
وإن قالوا: أراد تمليكها.. حلفوا على ذلك، وبطلت الوصية؛ لأن الدابة لا تملك.
وإن قالوا: لا ندري ما أراد.. كان كما لو قال: أوصيت لها، ولا نية له.. فتبطل الوصية؛ لأن الدابة لا تملك.
قال أبو علي السنجي: فعلى هذا: إذا قال: وقفت أرضي هذه على المسجد أو على الكعبة، سئل، فإذا قال: أردت على عمارتها.. صح وإن قال: أردت أن تكون المنافع ملكا للمسجد أو للكعبة، أو قال: لا نية لي.. لم يصح؛ لأن المسجد والكعبة لا يملكان.
وإن مات قبل أن يبين.. رجع إلى ورثته، وإذا صحت الوصية للكعبة.. صرف إلى عمارتها.

وقال أبو حنيفة: (تصرف إلى مساكين مكة) وهو وجه لبعض أصحابنا الخراسانيين.

مسألة أوصى لرجل بقسط من ماله

إذا أوصى رجل لرجل بنصيب من ماله، أو بحظ أو بقسط أو بجزء أو بقليل أو كثير.. فإن شيئا من هذه الألفاظ لا يقدر بشيء مملوك، بل أي شيء أعطاه الوارث جاز؛ لأنه ليس له حد معلوم في اللغة ولا في الشرع، وهذا لا خلاف فيه.
وأما إذا أوصى له بسهم من ماله: فعندنا لا يتقدر ذلك بشيء معلوم، بل أي شيء أعطاه الوارث قبل منه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يدفع إليه مثل نصيب أقل ورثته نصيبا، ما لم يكن نصيب أقل ورثته أقل من الثلث، فإن كان أقل من الثلث.. أعطي الثلث.
وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: (أن له مثل أخس ورثته نصيبا، ما لم يكن أقل من السدس، فإن كان أقل من السدس.. أعطي السدس).
والثانية: (أن له مثل أخس ورثته نصيبا، ما لم يزد على السدس، فإن زاد على السدس.. كان له السدس).
دليلنا: أن السهم لا يتقدر في اللغة ولا في الشرع بشيء معلوم.
ولهذا يقال: له في هذه الدار سهم، وقد يكون قليلا، وقد يكون كثيرا، فهو كما لو أوصى له بحظ أو نصيب من ماله.

مسألة أوصى لرجل بمثل نصيب وريثه الوحيد

إذا كان لرجل ابن لا غير فأوصى لرجل بمثل نصيب ابنه.. كانت الوصية بنصف المال، فتلزم الوصية بالثلث، وتوقف الوصية بالسدس على إجازة الوارث.
وبه قال أبو حنيفة.

وقال مالك: (تكون الوصية بجميع المال، فيلزم في الثلث ويوقف في الثلثين على إجازة الوارث).
دليلنا: أن قوله: أوصيت بمثل نصيب ابني، يحتمل أنه أراد: بمثل نصيب ابني لو لم أوص، فتكون الوصية بجميع المال.
ويحتمل أنه أراد: بمثل نصيب ابني لو كان معه وارثا، فتكون الوصية بالنصف، فإذا احتمل هذين.. كانت الوصية بالنصف؛ لأنه يقين، ولأنه قد جعل لابنه نصيبا، وهذا يقتضي اشتراكهما.
وإن كان له ابنان، فقال: أوصيت لفلان بمثل نصيب ابني، أو أحد ابني.. كانت الوصية بالثلث؛ لأن معناه مع دخول الموصى له مع ولديه ووجوب حقه في تركته فصار المال بينهم أثلاثا.

فرع أوصى بمثل نصيب ابنته الوحيدة

وإن كان له ابنة واحدة، فقال أوصيت لفلان بمثل نصيب ابنتي.. كانت الوصية بالثلث؛ لأن تقدير هذا: أنه يجعل الموصى له كأنه ابنة له أخرى، ولو كان هناك ابنة أخرى.. لكان لهما ثلثا المال ولبيت المال الثلث، فكذلك هاهنا مثله.
فإن كان له ولد خنثى لا غير، فقال: أوصيت لفلان بمثل نصيب ولدي.. أعطي الموصى له الثلث، والخنثى الثلث، ووقف الباقي: فإن بان الخنثى امرأة.. فقد استوفى الخنثى حقه والموصى له حقه.
وإن بان الخنثى رجلا.. علمنا أن الوصية وقعت في النصف، فتعتبر إجازة الابن في السدس.

فرع وصى بنصيب ابنين

وإن قال: أوصيت له بنصيب ابني.. فقد قال أبو حنيفة: (الوصية باطلة).
وقال مالك: (هو كما لو قال: أوصيت له بمثل نصيب ابني) فتكون الوصية عنده بجميع المال.
وليس للشافعي فيها نص.
واختلف أصحابنا فيها: فقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: هو كما قال أبو حنيفة؛ لأنه أوصى له بنصيب ابنه، ونصيبه ما استحقه بوفاة أبيه، فلا تصح الوصية به، كما لو وصى بمال لابنه من غير الميراث.
ويفارق إذا أوصى له بمثل نصيب ابنه؛ لأنه أوصى له بقدر نصيب ابنه.
ومنهم من قال: هو كما لو أوصى له بمثل نصيب ابنه، فيكون موصيا له بالنصف؛ لأن معناه يؤول إلى معنى مثل نصيب ابنه، كما يقال للزوجة: لها مهر مثلها، ولا يكون ذلك لها، وإنما يكون لها مثل مهر مثلها.
وإن أوصى له بمثل نصيب ابنه وليس له إلا ابن قاتل له، أو مملوك.. فالوصية باطلة؛ لأنه أوصى بمثل نصيب من لا نصيب له، فهو كما لو أوصى بمثل نصيب أخيه وله ابن.

فرع أوصى بمثل نصيب أحد أبنائه

وإن كان له أولاد ذكور ونساء، فأوصى لآخر بمثل نصيب أحد أولاده.. فإنه يدفع إليه مثل نصيب بنت؛ لأنها أحد أولاده.
فإن كان له ابنان وبنت.. كان فريضتهم من خمسة، ويزاد للموصى له سهم سادس.
وهكذا لو قال: أوصيت له بمثل نصيب أحد ورثتي.. أعطي الموصى له مثل نصيب أقل الورثة نصيبا، من زوجة أو غيره؛ لأنه اليقين.

مسألة أوصى له بضعف نصيب أحد الورثة

وإن أوصى له بضعف نصيب أحد ورثته.. أعطي الموصى له مثلي نصيب أقل الورثة نصيبا.
فإن خلف بنتا وبنت ابن وأختا لأب وأم.. كان لابنة الابن السدس، سهم من ستة، فيزاد للموصى له مثلا نصيبها - وهو سهمان - فتقسم التركة على ثمانية: للابنة ثلاثة، وللأخت سهمان، ولابنة الابن سهم، وللموصى له سهمان.
وهذا قول كافة العلماء إلا أبا عبيد القاسم بن سلام فإنه قال: الضعف عبارة عن مثل الشيء مرة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: 30] [الأحزاب: 30]: فلما ثبت بالإجماع أنه أراد بذلك حدين.. علم أن الضعفين عبارة عن مثلي الشيء، وأن الضعف عبارة عن مثل الشيء.
ودليلنا: ما روي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أضعف الصدقة على نصارى بني تغلب - أي أخذ منهم مثلي ما يأخذ من المسلمين) فعلم أن الضعف عبارة عن الشيء ومثله.
وأما الآية: فظاهرها أنه كان يجب عليهن ثلاثة حدود، وإنما ترك ذلك بدليل وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: 31] [الأحزاب: 31]: فلما جعل ثوابهن مثلي ثواب غيرهن.. لم يجز أن يكون عذابهن أكثر من مثلي عذاب غيرهن؛ لأن جزاء السيئة لا يجوز أن يكون أكثر من جزاء الحسنة؛ لأن الله أخبر أنه يجازي بالحسنة عشر أمثالها، ويجازي بالسيئة مثلها.

وإن قال: وصيت له بضعفي نصيب أحد ورثتي.. كان له ثلاثة أمثال نصيب أقل ورثته نصيبا.
وقال أبو ثور: (الضعفان عبارة عن أربعة أمثال نصيب أقلهم) وهذا غلط؛ لأن الضعف لما كان عبارة عن الشيء ومثله.. كان الضعفان عبارة عن الشيء ومثليه.

فرع الوصية لجماعة بوصايا مختلفة

إذا أوصى لجماعة بوصايا مختلفة، ثم قال: أوصيت لفلان بمثل ما أوصيت به لأحد الناس.. أعطي مثل أقلهم وصية؛ لأنه يقين، وما زاد فهو مشكوك فيه.

مسألة وصى لرجل بنصف ماله ولأخر بثلثه

إذا أوصى لرجل بنصف ماله، ولآخر بثلث ماله، فإن أجاز الورثة.. قسمت التركة على ستة أسهم، للموصى له بالنصف ثلاثة أسهم، وللموصى له بالثلث سهمان، وللورثة سهم.
وإن لم يجيزوا.. قسموا المال على خمسة عشر سهما، للورثة عشرة ولصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان.
وبه قال الحسن، والنخعي، ومالك، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: (من أوصى له بزيادة على الثلث.. سقطت الزيادة على الثلث، وصارت بالثلث؛ لا غير).
وعلى هذا يكون الثلث بينهما نصفين.
دليلنا: أنها وصايا لو كانت بالثلث فما دون وقسمت.. لقسمت على التفضيل.
فإذا كانت أكثر من الثلث.. قسمت على التفضيل، كالوصايا المرسلة، وهو إذا وصى لرجل بألف درهم، ولآخر بألف، ولآخر بخمسمائة، وكان ماله ألفين.. فإن أبا حنيفة وافقنا إذا لم يجز الورثة أن الثلث يقسم بينهم على التفضيل.

فرع وصى لرجل بنصف ولآخر بثلث ولآخربربع

فرع: [وصى لرجل بنصف ولآخر بثلث ولآخر بربع]: وإذا أوصى لرجل بنصف ماله، ولآخر بثلث ماله، ولآخر بربع ماله: فإن أجاز الورثة الوصايا.. قسمت التركة على ثلاثة عشر سهما، للموصى له بالنصف: ستة أسهم، ولصاحب الثلث: أربعة، ولصاحب الربع: ثلاثة؛ لأن الوصايا ليست بآكد من المواريث ثم التركة إذا ضاقت أعيلت بالسهم الزائد، فالوصايا بذلك أولى.
وإن لم يجيزوا.. قسم الثلث على ثلاثة عشر سهما على ما مضى.
وعند أبي حنيفة: (لا يضارب الموصى له بالنصف إلا بالثلث) فتقسم التركة على أحد عشر سهما، للموصى له بالنصف: أربعة، وللموصى له بالثلث: أربعة، وللموصى له بالربع: ثلاثة.
وقد مض الدليل عليه.
وإن وصى لرجل بجميع ماله، ولآخر بثلث ماله: فإن أجاز الوارث.. قسم المال على أربعة أسهم، للموصى له بجميع المال: ثلاثة، وللموصى له بالثلث: سهم وإن لم يجز الورثة.. قسم الثلث على أربعة.
وعند أبي حنيفة روايتان عند الإجازة: إحداهما: كقولنا، رواها عنه محمد وأبو يوسف.
والأخرى - رواها عنه الحسن بن زياد -: (أن المال بينهما عند الإجازة على ستة أسهم، للموصى له بالجميع: خمسة، وللموصى له بالثلث: سهم).
دليلنا: أن أقل مال له: ثلث ثلاثة، وثلثه: سهم فقسم على أربعة.

فرع أوصى بمثل نصيب ابنه ثم لآخر بمثل نصيبه

فإن كان لرجل ابن واحد لا غير، فأوصى لرجل بمثل نصيب ابنه، ثم أوصى لآخر بمثل نصيبه أيضا:

فإن أجاز الابن لهما.. قسم المال بينهما أثلاثا.
وإن لم يجز لواحد منهم.. قسم الثلث بين الموصى لهما نصفين.
وإن أجاز لأحدهما لا غير.. أعطي من لم يجز له سدس المال، وقسم الباقي بين الابن والموصى له نصفين.
ويصح من اثني عشر سهما، للذي لم يجز له: سهمان، وللابن: خمسة، وللذي أجاز له: خمسة.
فإن أجاز الابن للثاني بعد ذلك: ضم السهمان اللذان في يد الموصى له إلى الخمسة التي بيد الابن فتصير سبعة، وتقسم بين الابن والذي أجاز له ثانيا نصفين.
وتصح المسألة من أربعة وعشرين، للذي أجاز له أولا: عشرة، وللابن: سبعة، وللذي أجاز له آخرا: سبعة.

فرع أوصى بثلث ماله لأجنبي ولوارث

إذا أوصى بثلث ماله لأجنبي ولوارث له: فإن أجاز باقي الورثة وصية الوارث.
قسم الثلث بينهما نصفين.
وإن ردوا وصية الوارث.. كان للأجنبي نصف الثلث؛ لأن الورثة لما أبطلوا وصية الوارث.. صار كأنه لم يوص إلا بالسدس للأجنبي.
فإن كان له ابنان، فأوصى لأحدهما بثلث ماله، ولأجنبي بثلث ماله: فإن أجاز الابن الآخر الوصيتين.. كان للأجنبي الثلث، وللابن الموصى له الثلث بالوصية، وفي الثلث الباقي وجهان: الصحيح: أنه بين الابن الموصى له وبين الثاني نصفين.
والثاني: أنه للابن الذي لم يوص له.
وإن رد الابن الوصية في أحد الثلثين، وأجاز الآخر.. كان الثلث الباقي بين الأجنبي والابن الموصى له نصفين؛ لأنه إذا أوصى لكل واحد منهما بثلث ماله.. لم تقل: إن كل واحد من الثلثين موصى به لأحدهما، بل كل ثلث من الثلثين موصى به لهما.
فإذا لم تصح الوصية في غير ذلك الثلث كان بينهما نصفين؛ لأنه موصى به لهما.

فإن رد الابن أحد الثلثين ونصف الآخر في حق الابن الآخر.. بطلت الوصية فيه، وبقي للأجنبي السدس لا غير.
هكذا ذكرها الشيخ أبو حامد في " التعليق "، والمحاملي في " المجموع ". وإن رد الابن الوصية في الثلث الذي للابن.. فكم يستحق الأجنبي؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما ـ وهو قول القاضي أبي الطيب ـ أنه لا يستحق إلا السدس فقط؛ لأن الابن الموصى له يزاحمه عند الإجازة، فيكون له السدس، وللأجنبي السدس، فإذا رد الابن وصية أخيه.. بقي للأجنبي السدس.
والثاني ـ وهو قول أبي العباس ابن سريج، ولم يذكر في " الإبانة " و " العدة " غيره -: أن له الثلث.
قال الشيخ أبو حامد: كنت أجد أن له السدس، ثم رأيت ظاهر كلام الشافعي أن له الثلث؛ لأن الموصي لم يرض بإخراج دون الثلث، فلا يملك الوارث إسقاط حقه من الثلث، ولأن المزاحمة بالباطل لا تمكن، وما للأجنبي وحده لم يجاوز الثلث، فتم له ذلك.
فإن أوصى لأجنبي بثلث ماله، ولكل واحد من ابنيه بثلث ماله، وأجاز كل واحد منهما لصاحبه، ولم يجيزا للأجنبي.. فالصحيح أن للأجنبي ثلث ماله، ولا معنى لقولهما: لا نجيز.
وفيه وجه آخر: أن الأجنبي ليس له إلا ثلث الثلث؛ لأن الثلث كان بينهم أثلاثا.
وإن أوصى لأجنبي بنصف ماله، ولأحد ابنيه بالنصف، فأجاز الابنان الوصية للأجنبي، وأجاز الابن الذي لم يوص له لأخيه.. ففيه وجهان، حكاهما القفال: أحدهما: أن للأجنبي النصف، وللابن الموصى له الثلث ونصف السدس ـ وهما: خمسة من اثني عشر ـ ويبقى للابن الذي لم يوص له نصف السدس، وهو:

سهم من اثني عشر ـ لأنه لم يوص إلا للأجنبي.. لاستحق الثلث بغير إجازة منهما، واستحق كل واحد من الاثنين الثلث، فلما وصى للأجنبي بالنصف، وللابن بالنصف.. علمنا أنه وصى للأجنبي بسدس لا يستحقه إلا بالإجازة من حق الابنين الموصى له وغير الموصى له، فاستحقه الأجنبي بإجازتهما له ذلك.
وعلمنا أنه وصى لابنه بسدس زائد على ثلثه المستحق له بالإرث من حق أخيه، وقد أجازه، فإذا أجاز للأجنبي نصف السدس.. ولأخيه السدس.. بقي له نصف السدس.
والوجه الثاني: ـ ولم يذكر ابن اللبان غيره ـ: أن النصف للأجنبي، وللابن الموصى له النصف، ولا شيء للابن المجيز، كما لو لم يكن له إلا ابن واحد وأوصى لأجنبيين، لكل واحد منهما بنصف ماله، وأجاز الابن الوصيتين.
قال القفال: وأصل هذين الوجهين إنما هما إذا قلنا: تجوز الوصية للوارث.
فلأي معنى جازت؟ فيه وجهان: أحدهما: لأنه ألحقها بالأجنبي.
والثاني: لأنه قصد تفضيله على سائر الورثة.
فإذا قلنا: لأنه ألحقه بالأجنبي.. استحق الابن الموصى له هاهنا النصف، والأجنبي النصف.
وإذا قلنا: لأنه قصد تفضيله.. استحق هاهنا ثلثا ونصف سدس، واستحق الذي لم يوص له نصف سدس، وقد حصل له التفضيل بالثلث.
قال القفال: وهكذا لو أوصى لأحد ابنيه بنصف ماله، وأجاز له أخوه: فإن قلنا: لأنه ألحقه بالأجنبي.. كان النصف له بالوصية، والنصف الآخر بينه وبين أخيه.
وإن قلنا: لأنه قصد تفضيله.. فلا فائدة له في هذه الوصية.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: بل يجب أن يقاسمه بالنصف الباقي هاهنا على المعنيين؛ لأنه لا يحصل التفضيل إلا بذلك.

وإن أوصى لأحد ابنيه بثلثي ماله، وأجاز له الآخر: فإن قلنا: لأنه ألحقه بالأجنبي.. استحق الثلثين بالوصية، وقاسم أخاه بالثلث الباقي.
وإن قلنا: لأنه قصد تفضيله.. لم يقاسم أخاه في الثلث الباقي؛ لأن التفضيل قد حصل.
وإن كان له ابن وابنة، فأوصى لابنته بنصف ماله، وأجاز الابن الوصية لها: فإن قلنا: لأنه ألحقها بالأجنبي.. استحقت النصف بالوصية، وقاسمت أخاها في النصف الثاني، فيحصل لها ثلثا المال.
وإن قلنا: لأنه قصد تفضيلها.. لم تقاسم أخاها في النصف الثاني.
قال ابن اللبان: فإن أوصى لأحد ابنيه بالنصف، ولأجنبي بالنصف، فأجاز الابن الذي لم يوص له الوصيتين، ولم يجز الابن الموصى له للأجنبي.. كان للأجنبي ثلث المال بغير إجازة، وله نصف السدس بإجازة الابن المجيز له، وللابن الموصى له بالنصف النصف بالوصية، ونصف سدس من النصف الموصى به للأجنبي من حقه، فيصير له سبعة من أثنى عشر.
وهذا بناء على أصله.
قال ابن اللبان: ولو أوصى للأجنبي بثلث ماله، ولوارث بجميع ماله، فأجاز الورثة.. فللأجنبي الثلث كاملا؛ لأنه أحق به، ولوارث الموصى له الثلثان.
وإن لم يجز الورثة ما جاوز الثلث.. فالثلث كله للأجنبي، ولا شيء للوارث الموصى له.
قال: وإن أوصى لأجنبي بنصف ماله، ولوارث بجميع ماله، فأجاز الورثة.. فللأجنبي الثلث؛ لأنه أحق به من الوارث، ويبقى من وصيته السدس يضرب به في الثلثين، ويضرب الموصى له في الثلثين بنصيبه - وهو: ستة أسهم - فيقتسمان الثلثين على سبعة أسهم، للوارث: ستة أسباع الثلثين، وللأجنبي سبع الثلثين.
وتصح الفريضة من أحد وعشرين.

قال: فإن أوصى لأحد ابنيه بنصف ماله، ولأجنبي بنصف ماله، ولأجنبي آخر بثلث ماله، وأجاز الابنان.. فإن ثلث التركة للأجنبيين لا يضاربهما فيه الوارث، ويبقى من وصيتهما النصف، وللابن الموصى له مثل ما بقي لهما، فيضاربهما الابن الموصى له في ثلثي التركة نصفين، فيحصل للابن الموصى له ثلث، وللأجنبيين ثلث، فيضمانه إلى الثلث الأول، فيحصل لهما الثلثان، ويقتسمان ذلك على قدر وصيتهما - وهي: خمسة أسهم - للموصى له بالنصف: ثلاثة أسهم، وللموصى له بالثلث: سهمان.
وتصح المسألة من خمسة عشر، للابن الموصى له: خمسة، وللموصى له بالنصف: ستة، وللموصى له بالثلث: أربعة.

مسألة أوصى لفلان برقيق

إذا قال: أوصيت لفلان برأس من رقيقي، أو قال: أعطوه رأسا من رقيقي - وله رقيق - أعطاه الوارث ما شاء منهم صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، سليما أو معيبا؛ لأن اسم الرقيق يقع عليه.
وهل يجوز أن يدفع إليه خنثى مشكلا؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن اسم الرقيق يقع عليه.
والثاني: لا يجوز؛ لأن إطلاق اسم الرقيق لا ينصرف إليه.
فإن أراد الوارث أن يشتري له رأسا من الرقيق، ويدفعه إليه، ويتملك ما خلفه الموصي.. لم يكن له ذلك؛ لأن الوصية تعينت في رقيق الموصي.
فإن مات رقيق الموصي إلا واحدا منهم.. لزم الوارث دفعه إلى الموصى له وإن كان أنفس الرقيق؛ لأنه تعين للوصية.
وإن ماتوا كلهم قبل موت الموصي أو بعد موته من غير تفريط من الوارث.. بطلت الوصية؛ لأنهم إذا ماتوا قبل موت الموصي.. فقد جاء وقت لزوم الوصية ولا رقيق له، وإذا ماتوا بعد موته.. فقد تلفوا على الوارث وعلى الموصى له بغير تفريط من أحد، فهو كالمال بين الشريكين.

وإن قتلوا كلهم: فإن كان قبل موت الموصي.. بطلت الوصية؛ لأنه جاء وقت لزوم الوصية ولا رقيق له.
وإن كان بعد موت الموصي.. لم تبطل الوصية، وكان للوارث أن يعين له قيمة أيهم شاء وإن كان أقلهم قيمة؛ لأن القيمة تقوم مقامهم.
وإن قتلوا إلا واحدا منهم قبل موت الموصي.. قال أبو إسحاق: لزم الوارث تسليمه إلى الموصى له وإن كان أفضلهم؛ لأنه تعين للوصية، فهو كما لو ماتوا إلا واحدا منهم.
فإن قتلوا بعد موت الموصي إلا واحدا منهم، فقال الوارث: أنا أعطيه قيمة واحد منهم ولا أسلم الباقي منهم.. لم يكن له ذلك؛ لأن الموصي إنما أوصى له برأس من رقيقة، فما دام هناك واحد منهم.. فاسم الرقيق موجود فيه، فلا يجوز العدول عنه إلى القيمة.
وإن قال: أعطوه رأسا من رقيقي، فمات ولا رقيق له، أو قال: أعطوه عبدي الحبشي، وليس له عبد حبشي.. لم تصح الوصية؛ لأنه أوصى له بما لا يملكه.
وإن قال: أعطوه رأسا من الرقيق، أو من مالي، فمات ولا رقيق له.. اشتري له رأس من الرقيق؛ لأنه لم يضف ذلك إلى رقيقه، وإنما أضافه إلى ماله، وما اشترى من ثلثه.. فهو من ماله.

مسألة وصى بعتق أحد رقيقه

إذا قال: أعتقوا عني أحد رقيقي، وله رقيق.
أعتق عنه الوارث ما شاء منهم، وإن كان أقلهم قيمة.
وإن قال: أعتقوا عني عبدا.. اشترى له من ثلثه عبد وأعتق عنه، صغيرا كان أو كبيرا، مسلما أو كافرا.
ولا يجوز عتق أمة ولا خنثى مشكل؛ لأنه لا يقع عليهما اسم العبد.

وإن كان هناك خنثى مشكل زال إشكاله، وبان أنه رجل.. فهل يجزئ عتقه عن الوصية؟ فيه وجهان: أحدهما: يجزئ؛ لأنه عبد.
والثاني: لا يجزئ؛ لأنه لا يدخل في إطلاق اسم العبيد.
وهل يجزئ إطلاق عبد معيب لا يجزئ في الكفارة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجزئ؛ لأن العتق في الشرع له عرف، وهو: السليم، فحمل مطلق كلام الآدمي عليه.
والثاني: يجزئ، وهو المشهور؛ لأنه يقع عليه اسم العبد، فهو كالوصية بالعبد لرجل.

فرع أوصى بعبد قيمته مائة ولا مال له غيره

): وإن كان له عبد قيمته مائة، لا مال له غيره، فأعتقه في مرض موته، أو أوصى أن يعتق عنه.. لزم العتق في ثلثه، فإن أجاز الورثة العتق في ثلثيه.. عتق جميعه.
فإن قلنا: إن إجازة الورثة تنفيذ لما فعله مورثهم.. كان ولاء جميع العبد للموروث.
وإن قلنا: إن إجازتهم ابتداء عطية منهم.. كان ولاء ثلث العبد للموروث، وولاء ثلثيه للورثة.
هذا قول عامة أصحابنا.
وقال ابن اللبان: يحتمل أن يكون ولاء جميع العبد للموروث على القولين؛ لأنا وإن قلنا: إنه ابتداء عطية من الورثة، فإنهم أعتقوه عن الميت بإذنه، ومن أعتق عبدا عن غيره بإذنه.. كان ولاؤه للمعتق عنه.
فإن ظهر بعد ذلك على الميت مائة دين عليه.. قال الشيخ أبو حامد: بطل العتق في جميع العبد؛ لأن الوصية إنما تنفذ في ثلث ما يفضل بعد الدين، فيرق العبد ويباع في الدين.

وإن ظهر على الميت خمسون دين.. بطل العتق في نصف العبد لأجل الدين ولزم العتق في نصفه؛ لأن الوارث قد أجازه.
وإن لم يجز الورثة العتق في ثلثيه.. عتق ثلثه، ورق ثلثاه للورثة.
فإن ظهر على الميت من الدين مائة.. بطل العتق في ثلثه، وبيع في الدين.
وإن ظهر عليه من الدين خمسون.. بيع نصفه في الدين، وعتق سدسه، ورق للورثة ثلثه.

فرع أوصى بشراء عبد وعتقه بماله ثم وجد دين مستغرق

وإن كان له مائة درهم لا يملك غيرها، فأوصى أن يشترى له عبد بمائة ويعتق، وأجاز الورثة الوصية، فأشترى الوصي له عبدا بمائة وأعتقه عنه، ثم ظهر على الميت مائة دين، فإن كان الوصي قد اشترى العبد بعين الدراهم.. بطل الشراء؛ لأنه اشترى لغيره ما لا يقع له فوقع لنفسه؛ لأنه اشتراه بمال تعلق به حق الغرماء، ولم يصح العتق؛ لأنه على ملك البائع.
وإن اشتراه الوصي بمائة في ذمته، ونقد المائة التي خلفها الموصي في ثمن العبد.. صح الشراء؛ لأنه اشتراه في ذمته، ووقع العتق عن الميت؛ لأنه أعتقه عنه بإذنه ويضمن الوصي المائة التي نقدها من مال الميت؛ لأنه نقدها، وحق الغرماء متعلق بها فضمنها للغرماء.

فرع أوصى بعتق رقاب

إذا أوصى أن يعتق عنه رقاب.. أعتق عنه ثلاث؛ لأن الرقاب اسم جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
فإن لم يحتمل الثلث عتق ثلاث رقاب، واحتمل عتق رقبتين لا غير، أو أقل.. أعتق عنه ما احتمله الثلث.
وإن بقي من الثلث شيء بعد الرقبتين: فإن لم يمكن أن يشتري بما بقي بعض الثالثة.. زيد في ثمن الرقبتين.
وإن أمكن أن يشترى بما بقي بعض الثالثة.. ففيه وجهان.
(أحدهما): قال أبو إسحاق: يشتري به جزءا من رقبة ثالثة؛ لأنه أقرب إلى العدد الموصى به.

(والثاني): قال أبو العباس وأكثر أصحابنا: بل يزاد ذلك في ثمن الرقبتين، وهو المذهب؛ لما روى: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن أفضل الرقاب؟ فقال: " أكثرها ثمنا، وأنفسها عند أهلها».
فإذا قلنا بهذا: فأشترى أنفس رقبتين بثمن، وبقي من الثلث بقية لا تبلغ ثمن الثالثة: قال المسعودي (في " الإبانة "): بطلت الوصية في البقية، وردت إلى الورثة.
إذا ثبت هذا: فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (قال لي قائل: الاسترخاص مع الاستكثار أحب إليك، أم الاستغلاء مع الاستقلال؟ قلت: الاسترخاص مع الاستكثار).
ومعناه: أنه إذا أمكنه أن يشتري خمسة أوساط بثمن ثلاثة جياد.. كان الخمس أولى؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أعتق رقبة مؤمنة.. أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه» ومعلوم أنه إذا أعتق خمس مرات من النار.. كان خيرا مما دونها.

مسألة كاتب أو أوصى بالمكاتبة عند موته

وإن كاتب عبدا له في مرض موته، أو أوصى أن يكاتب.. اعتبرت قيمة العبد من الثلث؛ لأن ما يأخذه منه من العوض من كسب عبده، فهو كما لو اعتقه، أو أوصى بعتقه بغير عوض.
إذا ثبت هذا: فإن وصى أن يكاتب عبد.. لم تكاتب أمة، ولا خنثى مشكل.
وإن وصى أن تكاتب أمة.. لم يكاتب عبد، ولا خنثى مشكل.
وإن أوصى أن يكاتب أحد رقيقه.. جاز أن يكاتب عبدا أو أمة من رقيقه.. وهل يجوز أن يكاتب خنثى مشكلا؟ قال المزني: يجوز وقال الربيع: لا يجوز فمن أصحابنا من قال: الصحيح ما قاله المزني؛ لأن الخنثى يقع عليه اسم الرقيق.
ومنهم من قال: الصحيح ما قاله الربيع؛ لأن الخنثى لا تدخل في إطلاق اسم الرقيق.
فإن أوصى أن يكاتب عبد من عبيده وفيهم خنثى قد زال إشكاله، وبان أنه رجل.. فهل تجوز كتابته؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.

مسألة أوصى بشاة لرجل

إذا قال: أوصيت لفلان بشاة من مالي، أو قال: أعطوا فلانا شاة من مالي.. أعطاه الوارث شاة، صغيرة كانت أو كبيرة، ضائنة كانت أو ماعزة، سليمة أو معيبة لأن اسم الشاة يقع عليها.
قال الشافعي: (ولا يعطي كبشا ولا تيسا؛ لأن اسم الشاة إنما يعرف للإناث دون الذكور).
ومن أصحابنا من قال: يجوز؛ لأن هذا الاسم للجنس يقع على الذكر

والأنثى، كالإنسان يقع على الرجل والمرأة.
قال الشافعي: (ولا يعطى ظبيا؛ لأنه وإن وقع عليه اسم الشاة إلا أن الإطلاق لا ينصرف إليه).
إذا ثبت هذا: فإن كان للموصي غنم.. فإن الوصية لا تنصرف إلى غنمه، بل الوارث بالخيار: بين أن يعطي من غنمه، وبين أن يشتري له شاة؛ لأنه اعتبر خروجها من ماله، وإذا اشتري له من ثلثه.. فقد أخرجها من ماله.
وإن قال: أعطوه شاة من غنمي، وله غنم.. أعطي واحدة منها، وليس للوارث أن يمتنع عن دفع واحدة منها ويشتري له؛ لأنه أضاف ذلك إلى غنمه.
فإن كانت غنمه كلها إناثا، أو كلها ذكورا.. أعطاه واحدة منها.
وإن كانت ذكورا وإناثا.. فعلى قول الشافعي لا يعطي إلا أنثى، وعلى قول من خالفه من أصحابنا يجوز أن يعطى ذكرا منها.
وإن لم يكن له غنم، أو كانت فماتت قبل موت الموصي، أو بعد موته، من غير تفريط من الورثة.. بطلت الوصية، كما قلنا في الرقيق.
وإن قال: أوصيت له بشاة من شياهي وله ظباء مملوكة.. أعطاه الوارث واحدا منها؛ لأنه لا شياه له إلا الظباء، وهي مما يقع عليها اسم الشاة.

فرع أوصى بذكر فلا يعطى أنثى ولا عكسه

وإن وصى له بجمل.. لم يعط ناقة.
وإن وصى له بثور.. لم يعط بقرة.
وإن وصى له بناقة أو بقرة.. لم يعط جملا ولا ثورا.
وإن وصى له ببعير.. فالمنصوص: (أنه يعطى جملا ولا يعطى ناقة؛ لأن البعير إنما ينصرف إلى الذكر دون الأنثى).
ومن أصحابنا من قال: يجوز أن يدفع إليه ناقة؛ لأن البعير يقه على الذكر

والأنثى، كالإنسان يقع على الرجل والمرأة.
ولهذا يقول الإنسان: حلبت بعيري، وشربت لبن بعيري.
وإن قال: أوصيت له بعشرة من الإبل، أو بعشر من الإبل.. فللورثة أن يعطوه ما شاؤوا من نوق أو جمال؛ لأن المزني نقل: (بعشرة) بثبوت الهاء، ونقل الربيع: (بعشر من الإبل) بغير هاء؛ لأن للوارث أن يعطيه ما شاء وإن كان ثبوت الهاء في عدد العشر وما دونها يدل على التذكير، وسقوطها يدل على التأنيث.
إلا أن الشافعي لم يعتبر فرق العربية مع ذكر الجنس - وهو: الإبل - لأن اسم الجنس يقع على الذكور والإناث، وكذلك اسم البقر يقع على الذكور والإناث، وإنما يتخصص البقر إذا كانت فيها هاء بواحدة أنثى.
وإن قال: أعطوه عشر أينق، أو عشر بقرات.. لم يعط ذكرا.
وإن قال أعطوه رأسا من الغنم، أو رأسا من الإبل، أو رأسا من البقر.. جاز أن يدفع إليه الوارث ما شاء من ذكر أو أنثى؛ لأن ذلك يعم الجنس.

مسألة أوصى بدابة

قال الشافعي: (وإن قال: أعطوه دابة من مالي.. فمن الخيل أو البغال أو الحمير).
واختلف أصحابنا في ذلك: فقال أبو العباس: إنما قال الشافعي هذا على عادة أهل مصر؛ لأنهم يطلقون اسم الدابة على الأجناس الثلاثة.
فأما أهل العراق وغيرهم: فلا يطلقون اسم الدابة إلا على الخيل.
فعلى هذا: إن كان الموصي بـ مصر.. أعطي الموصى له واحدا من الأجناس الثلاثة.
وإن كان بغيرها من البلاد.. لم يعط إلا من الخيل.
وقال أبو إسحاق، وأبو علي بن أبي هريرة: بل يعطى الموصى له واحدا من الثلاثة في جميع البلاد؛ لأن اسم الدابة ينصرف إطلاقه إلى جميع هذه الأجناس، ولأن

ما ثبت له عرف في بلد.
ثبت له ذلك العرف في جميع البلاد، ولا خلاف أنه لا يحمل على غير هذه الأجناس الثلاثة من الغنم والإبل والبقر وإن كان الدابة اسما لكل ما دب على الأرض حقيقة، بل يصرف إلى ما يتعارفه الناس فقط.
وإن قال: أعطوه دابة من دوابي، وله الأجناس الثلاثة، أو كان عنده جنسان وأحدهما من الخيل: فعلى قول أبي إسحاق: يعطيه الوارث ما شاء، وعلى قول أبي العباس: إن كان الموصي بـ مصر.. أعطاه الوارث مما شاء من الثلاثة، وإن كان بغيرها.. لم يعط إلا من الخيل.
وإن لم يكن عنده إلا واحد من الأجناس الثلاثة.. أعطاه الوارث مما عنده واحدا؛ لأنه أضافه إلى دوابه، وليس عنده إلا ذلك.
قال أبو إسحاق: وإنما نخير الوارث بين الثلاثة الأجناس إذا لم يكن في كلام الموصي ما يدل أنه أراد أحد الأجناس.
فأما إذا قال: دابة ليقاتل عليها، أو لينتفع بدرها وظهرها.. لم يعط إلا الخيل.
وإن قال لينتفع بظهرها ونسلها.. لم يعط إلا الخيل والحمير، دون البغال.
قال في " المهذب ": وإن قال: ليحمل عليها.. أعطي بغلا أو حمارا، ولا يعطي فرسا.

فرع أوصى له بدابة وعنده غنم وبقر

وإبل]: وإن قال: أعطوه دابة من دوابي، وليس عنده أحد الأجناس الثلاثة - الخيل والبغال والحمير - وإنما عنده الغنم والإبل والبقر.. فلا أعلم نصا فيها، والذي يقتضيه القياس: أن الوارث يعطيه واحدا منها؛ لأنه يقع عليها اسم الدابة، وقد أضاف الوصية إلى دوابه، وليس دوابه إلا ذلك، كما قال أصحابنا إذا قال: أعطوه شاة من شياهي، وليس عنده إلا الظباء.. أعطاه الوارث واحدا، منها، فكذلك هذا مثله.

مسألة أوصى له بكلب

إذا قال: أعطوه كلبا من مالي، أو وصى له بكلب، ولا كلاب له.. لم تصح الوصية؛ لأنه لا يصح أن يشتري له كلبا.
وإن قال أعطوه كلبا من كلابي، وله كلاب.. نظرت: فإن كانت كلابا لا ينتفع بها بصيد ولا حرث ولا ماشية، بل هي كلاب الهراش.. فالوصية باطلة؛ لأنه لا ينتفع بها، ولا تقر اليد عليها.
وإن كانت كلابا ينتفع بها بشيء مما ذكرناه.. صحت الوصية، وأعطاه الوارث ما شاء منها إلا أن يقرن الموصي به بصيد، أو حرث، أو ماشية، وهو عنده.. أعطي ذلك دون غيره.
قال الشيخ أبو حامد: وإن قال: أوصيت له بكلب من مالي، وله كلاب ينتفع بها.. صحت الوصية؛ لأن الكلاب وإن لم تكن مالا فإن قوله من مالي يحمل على المجاز، ومعناه: مما لي، وفي يدي.

فرع أوصى له بأحد كلابه

وإن كان له ثلاثة أكلب ينتفع بها، فوصى بها لرجل، ولا مال له، ولم يجز الورثة.. ففيه أربعة أوجه: أحدهما: يأخذ الموصى له من كل كلب ثلثه، كسائر الأعيان.
والثاني: يعطيه الوارث واحدا منها بالقرعة؛ لأنه ليس بعضها بأولى من البعض والثالث: يعطيه الوارث واحدا منها باختياره.
والرابع: تقدر لو كانت متقومة كم كانت قيمة كل واحد منها؛ لأنه لما لم يمكن تقويمها بأنفسها.. اعتبرت بما يتقوم.

وإن كان له مال- وإن قل - فوصى بالأكلب الثلاثة لرجل، أو كان له كلب واحد ومال، فوصى بالكلب لرجل.. ففيه وجهان: أحدهما: ليس للموصى له إلا ثلث ما أوصى له به من الكلاب أو الكلب؛ لأنه لا يحصل للموصى له شيء إلا ويحصل للورثة مثلاه، والكلاب لا يمكن اعتبارها من المال؛ لأنه لا قيمة لها، فاعتبرت بأنفسها.
والثاني: أن الكلاب أو الكلب للموصى له؛ لأن أقل جزء من المال خير من كلب.
وإن وصى لرجل بكلب له، ولا مال للموصي، ولم يجز الورثة.. أعطي الموصى له ثلث الكلب، وللورثة ثلثاه، كغيره من الأعيان.

مسألة أوصى بطبل

وإن قال: أعطوه طبلاً من طبولي: فإن كان له طبل الحرب.. صحت الوصية؛ لأن استعماله مباح، وهو آلة للحرب فهو كالسلاح.
قال الشافعي: (فإن كان لا يسمى طبلاً إلا بجلد.. ألزم الوارث أن يسلمه بجلده، وإن كان يسمى طبلاً بلا جلد.. كان للوارث أن يعطيه إياه بلا جلد).
وإن لم يكن له إلا طبل اللهو- قال الشيخ أبو حامد - مثل طبول المخنثين- فإن كان يصلح لمنفعة مباحة وهي على تلك الهيئة من غير نقص.. صحت الوصية بها؛ لأنه يمكن الانتفاع بها.
وإن كان لا يصلح لمنفعة مباحة إلا بعد تفصيلها وخروجها عن كونها طبولاً.. لم تصح الوصية بها؛ لأنها حال ما تسمى طبولاً.. لا تصلح لمنفعة مباحة، وحال ما تصلح لمنفعة مباحة.. لا يقع عليها اسم الطبول.
وإن كان له طبل الحرب، وطبل اللهو: فإن كان طبل اللهو لا يصلح لمنفعة مباحة.. أعطاه الوارث طبل الحرب، وإن كان طبل اللهو يصلح لمنفعة مباحة مع كونه يسمى طبلاً.. أعطاه الوارث ما شاء منهما.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\414]: الطبول ثلاثة، طبل الحرب، وطبل

اللهو وطبل العطر: وهو سفط من خيرزان يضع فيه العطار العطر.
فإن كان في ملكه طبل الحرب وطبل العطر.. أعطاه الوارث ما شاء منهما.
وإن كان عنده الطبول الثلاثة، وكان طبل اللهو يصلح لمنفعة مباحة مع كونه يسمى طبلاً.. أعطاه الوارث أي الطبول الثلاثة شاء.
وإن قال: أعطوه طبلاً من مالي.. اشتروا له طبلاً تصح الوصية به على ما ذكرناه.

فرع الوصية بدف

وإن قال: أوصيت له بدف من دفوفي وله دفوف، أو بدف من مالي.. صحت الوصية؛ لأن ضرب الدف في النكاح والختان جائز، لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدفوف».

مسألة أوصى له بعود

وإن وصى له بعود من عيدانه: " فاسم العود يقع على عود اللهو الذي يضرب به، وعلى العود الذي يصلح للقوس وعلى العود الذي يصلح للبناء- وهي: الأخشاب- فإن كانت عنده هذه العيدان الثلاثة.. نظرت: فإن كان عود اللهو يصلح لمنفعة مباحة وهو على هيئته يقع عليه اسم العود.. انصرفت الوصية إلى عود اللهو؛ لأن إطلاق اسم العود إليه أسبق.
وللوارث أن يعطيه عود اللهو بلا مضراب، ولا وتر، ولا ملاو؛ لأن هذه الأشياء لا تصلح على العود إلا للهو، ولأنه يسمى عوداً وإن أمسكت عنه.
هذا نقل البغداديين.

وقال المسعودي [في " الإبانة " ق\415]: يعطيه الوارث أي العيدان شاء.
فإن كان عود اللهو لا يصلح لمنفعة مباحة مع كونه يسمى عوداً.. لم تصح الوصية به؛ لأنه لا يصلح لمنفعة مباحة.
قال الشيخ أبو حامد: ويعطيه الوارث ما شاء من عود القوس، أو عود البناء وجها واحداً؛ لأن الوصية تمليك، فإذا لم تصح بما يطلق الاسم عليه.. انصرف الإطلاق إلى ما يصح أن يملك، كما قلنا في الطبل.
وذكر في " المهذب " فيها وجهين: أحدهما: هذا، والثاني: أن الوصية باطلة، وهو المذهب؛ لأن العود لا يطلق إلا على عود اللهو فإذا كان لا يصلح لمنفعة مباحة.. كان وصية بمحرم، بخلاف الطبل فإنه يقع على طبل الحرب وطبل اللهو.
قال في " المهذب ": وإن وصى له بعود من عيدانه وليس عنده إلا عود القوس، وعود البناء.. أعطي منها؛ لأنه أضافه إلى ما عنده، وليس عنده سواه.
قال: وهذا يدل على صحة ما ذكره الشيخ أبو حامد في التي قبلها.

فرع الوصية بمزمار

]: وإن قال: أوصيت لفلان بمزمار من مزاميري: فإن كان المزمار يصلح لمنفعة مباحة على هيئته.. صحت الوصية به.
قال الشافعي: (ويدفع إليه الوارث المزمار دون المجمع) الذي يترك في الفم عند الزمر؛ لأن المجمع لا يصلح إلا للهو، ولأنه يسمى مزماراً وإن لم يكن فيه مجمع.
وإن كان المزمار لا يصلح لمنفعة مباحة على هيئته، وإذا صلح لمنفعة مباحة لم يقع عليه اسم المزمار.. لم تصح الوصية؛ لأنها وصية بمحرم.

مسألة أوصى بقوس من قسيه

وإن وصى له بقوس من قسيه: فالقسي خمسة أجناس: القسي العربية: التي يرمي عنها بالنبل.
والقسي العجمية: التي يرمي عنها النشاب.
وقسي الحسبان: قال الشيخ أبو حامد: وهي خشبة فيها حفيرة طولاً، أو قصبة يوضع فيها سهم، ثم يرمى بالسهم عنها.
وقوس الجلاهق: وهي قسي يرمى عنها الطير ببنادق الطين.
وقوس الندف.
فإذا أوصى له بقوس من قسيه وعنده هذه الأجناس الخمسة.. أعطاه الوارث ما شاء من الأجناس الثلاثة الأولى دون قوس الجلاهق والندف؛ لأن اسم القوس إليها أسبق، ولا يعطيه إلا قوساً قد نحتت؛ لأنها لا تصلح للرمي إلا بعد النحت.
وهل يلزم الوارث أن يعطيه معها الوتر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأن اسم القوس يقع عليها من غير وتر، وإنما الوتر للتمكن من الانتفاع، فلم يجب دفعه، كسرج الدابة.
والثاني: يلزمه؛ لأن القوس يراد للرمي، ولا يمكن الرمي عنه إلا بالوتر.
وإن قال: أعطوه قوساً ليندف بها القطن، أو الصوف.. لم يعط إلا قوس الندف.
وإن قال: ليرمي بها الطير.. لم يعط إلا قوس الجلاهق؛ لأن القرينة تدل عليه.
وإن قال: أعطوه قوساً من قسيي، وليس عنده إلا قوس الندف والجلاهق.. فاختلف الشيخان فيه:

فقال الشيخ أبو إسحاق: يعطى قوس الجلاهق؛ لأن الاسم إليه أسبق.
وقال الشيخ أبو حامد: يعطيه الوارث ما شاء منهما؛ لأنه أضافه إلى ما عنده، وليس إحداهما بأولى من الأخرى.

مسألة إبراء المكاتب في مرض مخوف

وإذا أبرأ مكاتبه من مال الكتابة، أو أعتقه في مرض مخوف: فإن برئ من مرضه.. عتق المكاتب.
وإن مات من مرضه ذلك.. اعتبر من الثلث.
فإن كان مال الكتابة وقيمة العبد يخرج كل واحد منهما من الثلث.. عتق.
وإن خرج أحدهما دون الآخر.. اعتبر الأقل من قيمته أو من مال الكتابة، فأيهما خرج من الثلث.. عتق، مثل أن يكون قيمة العبد مائة ومال الكتابة مائة وخمسين والثلث مائة، فتعتبر القيمة هاهنا.
وإن كانت قيمته مائة وخمسين، ومال الكتابة مائة، والثلث مائة.. اعتبر مال الكتابة هاهنا.
وإنما اعتبرنا الأقل منهما؛ لأن القيمة إن كانت هي الأقل.. اعتبرت؛ لأنها قيمة من أعتقه؛ لأن مال الكتابة ما استقر ملكه عليه؛ لأن للمكاتب أن يسقطه بتعجيز نفسه.
وإن كان مال الكتابة هو الأقل.. اعتبر؛ لأن الكتابة لازمة من جهة السيد ولا يستحق على العبد غيره.
وإن لم يخرج من الثلث أقلهما، وإنما احتمل الثلث النصف من أقلهما، مثل أن يكون الثلث خمسين وقيمة العبد أو مال الكتابة مائة.. عتق نصفه، وكان نصفه باقياً على الكتابة، فإن أدى نصف مال الكتابة.. عتق باقيه.. وإن عجز.. رق نصفه للورثة.
فإن قيل: أليس لو أبرأه السيد في صحته عن نصف مال الكتابة، أو أدى نصف مال كتابته.. لم يعتق شيء منه، فلم أعتقتم نصفه هاهنا، وقد بقي عليه شيء من الكتابة؟

قلنا: الفرق بينهما أن هناك لم تحصل الصفة التي علق عليها العتق- وهو: أداء المال- وهاهنا قد حكمنا ببراءته من الذي خرج من الثلث.
وإنما رددنا العتق في بعضه لحق الورثة.
وإن لم يخرج شيء منهما من الثلث، بأن كان على السيد دين يستغرق ماله.. لم يعتق شيء منه، وأخذ المكاتب بأداء ما عليه، فإن أداه.. عتق، وتعلق حق الغرماء بما أداه.
وإن عجز.. رق وبيع بحق الغرماء.
وإن لم يكن له مال غير العبد، ولا دين عليه، ولم يجز الورثة: فإن كان قد حل عليه مال الكتابة.. عتق ثلثه في الحال، فإن أدى ما بقي عليه من مال الكتابة.. عتق ثلثاه، وإن عجز رق ثلثاه للورثة.
وإن لم يحل عليه مال الكتابة.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يتعجل عتق شيء منه؛ لأنه لا يتنجز للموصى له شيء إلا ويحصل للورثة مثلاه.
والثاني - وهو المنصوص عليه -: (أنه يعتق ثلثه في الحال) لأن حق الورثة في مثلي ثلثه متيقن، إما بالأداء أو بالعجز.
وإن أوصى بعتقه، أو بالإبراء مما عليه.. فحكمه حكم ما لو أعتقه في مرض موته، أو أبرأه مما عليه إلا أن في هذه يوقف العتق على إعتاق الوصي أو إبرائه، وفي التي قبلها لا يحتاج إلى عتق، ولا إلى إبراء من الوصي.

مسألة الوصية بحط أكثر مال الكتابة

إذا قال: ضعوا عن مكاتبي أكثر ما عليه من مال الكتابة.. وضع عنه نصف ما عليه وزيادة على النصف.
وتقدير الزيادة إلى اختيارهم؛ لأن ذلك أكثر ما عليه.

وإن قال: ضعوا عنه أكثر ما عليه ونصفه.. وضع عنه ثلاثة أرباع ما عليه وزيادة، وتقدير الزيادة إليهم.
وإن قال: ضعوا عنه أكثر ما عليه ومثله.. فقد وصى له بأكثر مما عليه؛ لأن قوله: (أكثر ما عليه) يقتضي النصف وزيادة.
وقوله: (مثله) يقتضي نصفا آخر وزيادة، فيوضع عنه جميع مال الكتابة، وتسقط الوصية بالزيادة؛ لأنه لم يبق لها محل.

فرع أوصى بأن يوضع عنه شيء ما

]: روى المزني: (لو قال: ضعوا عنه ما شاء، فشاءها كلها.. لم يكن له إلا أن يبقي شيئا).
وروى الربيع: (إذا قال: ضعوا عنه ما شاء من الكتابة.. لم يجز أن يوضع عنه الكل حتى يبقى شيء منه).
واختلف أصحابنا فيها: فقال أبو علي بن أبي هريرة: الصحيح ما نقله الربيع؛ لأن قوله: (من مال الكتابة) يقتضي البعض، فلا بد أن يبقى شيء.
والذي نقله المزني غلط، بل يجوز أن يوضع عنه جميع مال الكتابة إذا شاء ذلك؛ لأن قوله: (ما شاء) الكل داخل فيه.
وقال أبو إسحاق والقاضي أبو الطيب: ما نقله الربيع صحيح، وما نقله المزني أيضا صحيح، ولا بد أن يبقى شيء فيهما؛ لأن قوله: (ما شاء) يقتضي البعض؛ لأنه لو أراد الجميع.. لقال: ضعوا عنه مال الكتابة.
وإن قال: ضعوا عنه بعض كتابته، أو بعض ما عليه، أو ضعوا عنه ما قل أو ما كثر، أو ضعوا عنه ما يثقل أو ما يخف.. وضع عنه الوارث ما شاء من قليل أو كثير؛ لأن شيئا من ذلك لا يقتضي شيئا مقدراً.
وإن قال: ضعوا عنه نجماً من نجومه.. وضع عنه الوارث أي نجم شاء وإن كان أقلها مالاً.
وإن قال: ضعوا عنه أي نجم شاء.. وضع عنه أي نجم شاء المكاتب وإن

كان أكثرها مالاً.
وإن قال: ضعوا عنه أوسط نجومه.. فقد يكون الأوسط من ثلاث جهات: أوسط من جهة العدد: بأن كان يكاتبه على ثلاثة نجوم، فالأوسط هو الثاني.
وإن كاتبه على أربعة نجوم.. فالأوسط هو الثاني والثالث.
وإن كاتبه على خمسة.. فالأوسط هو الثالث.
وأوسط من جهة الأجل: بأن يكاتبه على ثلاثة نجوم، نجم إلى شهر، ونجم إلى شهرين، ونجم إلى ثلاثة أشهر، فالأوسط من جهة الأجل هو النجم إلى شهرين.
وأوسط من جهة القدر: بأن يكاتبه على ثلاثة نجوم، نجم بعشرة، ونجم بعشرين، ونجم بثلاثين، فالأوسط من جهة القدر هو النجم بعشرين.
فإن اجتمعت هذه الجهات.. وضع عنه الوارث ما شاء منها.
وإن لم تجتمع إلا جهتان.. وضع عنه الوارث أيهما شاء.
وإن قال: ضعوا عنه أكثر نجومه أو أكبر نجومه.. قال ابن الصباغ: انصرف ذلك إلى الأكثر من جهة القدر لا من جهة العدد والأجل.

مسألة كاتبه ثم أوصى بعتقه

وإن كاتب عبده كتابة صحيحة، ثم أوصى برقبته.. لم تصح الوصية؛ لأنه لا يملك بيعه، فلا يملك الوصية به.
فإن عجز ورق.. لم تصح الوصية به؛ لأنها وقعت فاسدة.
وإن أوصى لرجل بمال الكتابة.. صحت الوصية، فإن أدى المال.. كان للموصى له به، وعتق، وكان الولاء للورثة.
وإن عجز.. بطلت الوصية بمال الكتابة، واسترقه الورثة.
فإن حل نجم الكتابة، وعجز عنه، فأراد الورثة تعجيزه ليملكوه، وأراد الموصى له بالمال إنظاره به.. كان للورثة تعجيزه؛ لأن حق الورثة متعلق بعينه، وحق الموصى له متعلق بما في ذمته، فكان حق الورثة آكد.

قال ابن الصباغ: وهذا فيه نظر؛ لأن الحق للموصى له، بدليل: أنه إذا أبرأه.. عتق ولا حق لصاحب الرقبة.

فرع أوصى بمال الكتابة لرجل وبرقبته إن عجز لآخر

وإن أوصى بمال الكتابة لرجل، وبرقبة المكاتب إن عجز لآخر.. صح.
فإن أدى المال.. أخذه الموصى له بالمال، وعتق، وبطلت الوصية بالرقبة.
وإن عجز.. رق، وكان للموصى له بالرقبة، وبطلت الوصية بالمال.
وإن قال: أوصيت لفلان بما يعجله المكاتب، فإن عجل المكاتب شيئاً قبل حلول النجم.. استحقه الموصى له.
وإن لم يعجل حتى حل النجم فأداه.. لم يستحقه الموصى له؛ لأن الوصية معلقة بشرط، فلا يستحقه الموصى له مع فقد الشرط.

فرع كاتبه كتابة فاسدة

وإن كاتب عبده كتابة فاسدة، فأوصى لآخر بما في ذمته.. لم تصح الوصية؛ لأنه لا شيء له في ذمته.
وإن قال: إذا قبضت من المكاتب مالاً فقد أوصيت به لفلان.. فقد قال أبو إسحاق المروزي: تصح الوصية؛ لأنه وإن كان لا يملك في الحال شيئاً في ذمته لكنه إذا قبضه ملكه، فلما أضاف الوصية إلى حال تملك الموصى به.. صح، كما لو أوصى برقبته إذا عجز.
قال الشيخ أبو إسحاق: وفي هذا عندي نظر؛ لأنه لا يملكه بالقبض، وإنما يعتق بحكم الصفة، كما يعتق بقبض الخمر إذا كاتبه عليه، ثم لا يملكه.
وقال ابن الصباغ: ينبغي أن يملكه إذا لم يزد على قدر قيمة العبد؛ لأنهما يتراجعان فيها.
وإن وصى برقبته لرجل، فإن لم يعلم بفساد الكتابة.. فهل تصح الوصية؟ فيه قولان:

جارٍ التحميل