البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 367-406

كتاب الصلاة

صفحات 367-406
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فإن صلى خلفه، وتابعه في الأفعال، ولم ينو الاقتداء به.. فهل تصح صلاته؟ فيه وجهان: وإن نوى الاقتداء به، ولم يعلم الإمام.. صحت صلاته.
وقال الأوزاعي: (لا تصحُّ صلاة المأموم، حتى ينوي الإمام أنه إمامٌ، وليس بشيء).
وأما الإمام: فذكر المسعودي [في " الإبانة " ق 81]، والجويني: أنه لا يصحُّ له فضيلة الجماعة، حتى ينوي أنه إمامٌ، والذي يقتضيه المذهب: أن فضيلة الجماعة تحصل له وإن لم ينو ذلك؛ لأن هذه النية لا تصح منه عند الإحرام.

فرع الائتمام بأكثر من إمام

وإن رأى رجلين يصلِّيان، فنوى الائتمام بهما، أو بأحدهما، لا بعينه.. لم تصحَّ صلاته؛ لأنه لا يمكنه الائتمام بهما، وإن كان أحدهما يصلِّي بالآخر فنوى الائتمام بالمأموم.. لم تصحَّ صلاته؛ لأنه ائتم بمن ليس بإمام.
فإن قيل: فقد روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمَّا وجد في مرضه خفَّة.. خرج يُهادى بين رجلين، فتقدم، فكان يؤم أبا بكر وحده، وأبو بكر يؤم الناس».
قال أصحابنا: فالجواب: إن هذا لا يصح عند أحد من الناس، فيكون تأويل ذلك: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إمامًا لأبي بكر وللناس، وإنما كان أبو بكر يُسمعُهُم التكبير؛ لعجز النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن إبلاغهم ذلك.
وإن رأى رجلين يصلِّيان، فائتم بمن على يسار القبلة، وظنه الإمام؛ لأن السُنَّة أن

يكون ذلك موقف الإمام، ثم بان أنه كان مأمومًا، خالف سُنَّة الموقف.. لم تصح صلاة المؤتم به، لأنه بان أنه ائتم بمن ليس بإمام.
فإن صلَّى رجلان في مكان واحد، واعتقد كل واحد منهما أنه مؤتم بالآخر.. لم تصحَّ صلاتهما؛ لأن كل واحدٍ منهما ائتم بمن ليس بإمام، فإن اعتقد كل واحد منهما أنه إمام للآخر.. صحَّت صلاتهما؛ لأن كل واحد منهما يُصلي لنفسه، ولا يتبع غيره.
وإن فرغا من الصلاة، فشكَّ كل واحد منهما أنه كان الإمام أو المأموم.. لم تصح صلاتهما؛ لأن كل واحدٍ منهما لا يدري هل صحت صلاته، أم لا؟ لأنه إن كان إمامًا.. صحَّت صلاته، وإن كان مأمومًا.. لم تصح صلاته؛ لجواز أن يكون قد نوى الاقتداء بمن ليس بإمام.
وهكذا: لو طرأ الشَّكَّ عليه في أثناء الصلاة أنه إمامٌ، أو مأمومٌ.. بطلت صلاته؛ لأنه لا يدري أنه تابع، أو متبوعٌ.

مسألة أعذار ترك صلاة الجماعة

]: يجوز ترك الجماعة للعذر، سواءٌ قلنا: إن الجماعة فرض على الكفاية، أو سُنَّة.
والعذر في ذلك ضربان: عامٌّ، وخاصٌ.
فأما العامُّ: فمثل: المطر، والريح في الليلة المظلمة، فأما بالنهار: فإن الريح ليس بعذرٍ، لما روى ابن عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأمر مناديه في الليلة المظلمة المطيرة ذات الريح: «ألا صلُّوا في رحالكم».

وأما الوَحَلُ: فقال أصحابنا ببغداد: هو عذرٌ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا ابتلت النعال.. فصلُّوا في الرحال».
وقال الخراسانيون: فيه وجهان: أحدهما: أنع عذرٌ، كالمطر.
والثاني: ليس بعذر؛ لأنه له مُدَّةً.
قال ابن الصباغ: وكذلك الحَرُّ الشديد عذرٌ في ترك الجماعة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اشتد الحر، فأبردوا بالظهر».
وأما الأعذار الخاصة: فذكر الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عشرة أشياء: أحدها: أن يحضر الطعام ونفسه تتوق إليه، فيبدأُ بالأكل، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا حضر العَشَاءُ والعِشَاءُ، وأُقيمت الصلاة.. فابدءوا بالعَشَاء».
ولأن ذلك يمنعه من الخشوع في الصلاة.
فإن كان طعامًا يمكنه أن يستوفيه قبل فوات وقت الصلاة.. استوفاه، وإن كان يخشى فوت الوقت.. أكل منه ما يسد به رمقه لا غير.
والثاني: أن تحضر الصلاة، وهو يدافع الأخبثين أو أحدهما، فيبدأ بقضاء

حاجته؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يُصلِّينَّ أحدكم وهو يدافع الأخبثين».
فإن خالف وصلَّى مع ذلك.. صحَّت صلاته.
وقال أبو زيد المروزي: لا تصحُّ صلاته؛ لعموم الخبر.
والمذهب الأوَّل؛ لأنه غير محدثٍ، والخبر محمول على الاستحباب، كما قلنا في العَشَاء.
الثالث: أن يكون معه مرضٌ يشق القصد؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا مرض العبد.. قال الله لملائكته: ما كان يصنع عبدي؟ فيقولون: كان يصنع كذا وكذا، فيقول: اكتبوا له ثواب ما كان يعمل».
ولأنه يشق عليه القصد.
الرابع: الخوف، وهو أن يكون عليه دين، ولا مال له يُقضى منه، ويخشى أن يحبسه غريمه إن رآه، أو يخشى السلطان ظُلمًا، فله ترك الجماعة؛ لما روي عن ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من سمع النداء، فلم يُجبه.. فلا صلاة له، إلا من عُذر.
قالوا: وما العُذر يا رسول الله؟ قال: خوفٌ، أو مرضٌ».

الخامس: السفر، وهو أن تقام الصلاة، وهو يريد السفر، ويخشى أن ترحل القافلة، ولا يلحقها، فله ترك الجماعة؛ لأن عليه ضررًا بتخلفه عن القافلة.
السادس: خوف غلبة النوم إن انتظر الجماعة، فله أن يشتغل بالنوم؛ لأن النعاس يمنعه من الخشوع في الصلاة، ورُبما انتقضت طهارته.
السابع: أن يكون قيِّمًا بمريض يخاف ضياعه، لأن سبب حفظ الآدمي آكد من حُرمة الجماعة، فإن كان له قيِّم سواه، إلا أنه مشتغل القلب بسببه.. ففيه وجهان: أحدهما: له ترك الجماعة، لأن اشتغال قلبه به يمنعه من الخشوع في الصلاة.
والثاني: ليس له ترك الجماعة به؛ لأن للمريض من يقوم به.
الثامن: أن يكون له قريب منزول به، فله ترك الجماعة، ليقف عنده؛ لأن قلبه يألم بتخلفه عنه.
التاسع: أن يخاف فساد مالهِ أو ضياعه، بأن يكون الخبز على النار، فيخشى من اشتغاله بالجماعة احتراقه، أو يقدم له من سفرٍ أو من موضع مالٌ، فيخشى لو اشتغل بالجماعة تلفه أو ذهاب منه شيء، فله ترك الجماعة؛ لأن عليه ضررًا بذلك.
العاشر: أن يكون قد ضاع له مال، يرجو إن ترك الجماعة وجوده، فيجوز له ترك الجماعة له، لأن قلبه يألم بذهاب ماله.
وذكر القاضي أبو الطيب: إذا أكل بصلاً، أو كرَّاثًا، أو ثُومًا، فإن ذلك عذرٌ في ترك الجماعة؛ لما روي: أن النبي قال: «من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين، فلا يؤذنا في مسجدنا».

قال: وهذا إذا كان لم يمكنه إزالة هذه الرائحة بغسل فيه، أو بدواءٍ، فأما إذا أمكنه ذلك: لم يكن ذلك عذرًا.
فإن أكلهما مطبوختين.. لم يكن عذرًا في ترك حضور الجماعة؛ لما روي: أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (من أراد أكلهما، فليطبخهما).
قال المسعودي [في " الإبانة " ق 80]: ومن الأعذار أيضًا: أن يكون عاريًا، أو يكون عليه قصاص، ويرجو العفو.

مسألة المشي بسكينة إلى الجماعة

]: والمستحب لمن قصد الجماعة: أن يمشي إليها على سجية مشيه.
وقال أبو إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى.. أسرع؛ لما روي: أن ابن مسعود استدعى إلى الصلاة، وقال: (بادروا حدَّ الصلاة)، يعني: التكبيرة الأولى.
والصحيح هو الأول؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أُقيمت الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن ائتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة».

إذا ثبت هذا: فروى أنس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من صلَّى لله أربعين يومًا في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى.. كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق».
واختلف أصحابنا: متى يكون مدركًا للتكبيرة الأولى؟ على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متى أدركه في الركوع من الأولى.. فإنه يكون مدركًا لها، وإن أدركه بعد الركوع في الأولى.. لم يكن مدركًا لها.
والثاني: ما لم يدرك القيام في الأولى.. لا يكون مدركًا لها.
والثالث: إن كان مشتغلاً بأسباب الصلاة، مثل: الطهارة، وما أشبه ذلك، ثم أدرك الركوع في الأولى.. فإنه يكون مدركًا لها.
وإن كان مشتغلاً بأمر الدنيا، فلا يكون مدركًا لها.. ما لم يدرك القيام فيها.

فرع إذا لم يحضر الإمام

فإن حضر المأمومون ولم يحضر الإمام، فإن كان قريبًا.. بُعث إليه، سواءٌ كان إمام المسجد، أو الإمام الأعظم، فإن جاء، وإلاَّ استخلف؛ لأن في تفويت الجماعة عليه تغييرًا لقلبه.
وإن كان بعيدًا.. نظرت: فإن لم يخافوا فتنته.. قدموا واحدًا يصلَّي بهم، متى خافوا فوات أول الوقت.
وإن خافوا إنكاره وفتنته.. قال الشافعي: (انتظروه لكيلا يفتاتوا عليه، إلا أن يخافوا فوات الوقت، فلا يجوز إخراج الصلاة عن وقتها).
والأصل فيه: ما روي:

«أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج إلى صلح بني عمرو بن عوف، فقدم الناس أبا بكر، فصلَّى بهم».
«وانصرف النبي في غزوة تبوك لحاجة، فقدَّم الناس عبد الرحمن بن عوفٍ، فصلَّى بهم، فرجع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فصلَّى خلفه ركعة، فلمَّا سلَّم.. قام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقضى ما عليه، فلمَّا سلَّم.. قال: أحسنتم، أو أصبتم».
قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (وإن حضر الإمام وبعض المأمومين.. فإن الإمام يصلِّي بهم، ولا ينتظر اجتماع الباقين) وإنما كان كذلك؛ لأنَّ الصلاة في أوَّل الوقت مع الجماعة القليلة أفضل من فعلها في آخر الوقت مع الجماعة الكبيرة.

مسألة تغيير نية الاقتداء

إذا افتتح الرجل صلاة جماعةٍ ثم نقلها على صلاة جماعة أخرى، بأن يحرم بالصلاة خلف محدثٍ أو جُنبٍ لم يعلم بحاله حال الإحرام، فعلم الإمام بجنابته أو حدثه، فخرج وتطهر ورجع، فأحرم بالصلاة، وألحق المأموم صلاته بصلاته ثانيًا، أو جاء آخر وأحرم بالصلاة، فألحق المأموم صلاته بصلاته بعد علمه بجنابة الأول أو حدثه.. قال أصحابنا: فإن ذلك يجوز، بلا خلاف على المذهب، فتكون صلاة المأموم قد انعقدت أولاً جماعة بغير إمام، ثم صارت بعد ذلك جماعة بإمام.
والدليل على ذلك ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افتتح الصلاة بأصحابه وهو جنبٌ، فلمَّا ذكر جنابته في أثناء الصلاة.. أشار إليهم كما أنتم، وخرج فاغتسل، ورجع ورأسه يقطر ماءً، فأحرم بالصلاة بهم، وبنى القوم على إحرامهم الأول، وائتموا بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -).». وكلك إذا أحدث الإمام، واستخلف غيره.
وقلنا: يجوز؛ فإن المؤتم بالإمام الأول والثاني، نقل صلاته من جماعة بإمام، إلى جماعة بإمام، فيجوز ذلك؛ لما ذكرناه في الأول.
وأما إذا نقل صلاة الانفراد إلى الجماعة، بأن أحرم بالصلاة منفردًا، ثم جاء آخر، وأحرم بالصلاة، وألحق الأول صلاته بصلاة الثاني.. فهل يصح؟ فيه قولان: أحدهما: لا يصح، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
ووجهه: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر الإمام.. فكبَّرُوا».
فأمر بالتكبير بعد تكبير الإمام، وهذا كبَّر قبل إمامه.
ولأن هذا كان جائزًا في أول الإسلام - أن يصلي المسبوق ما فاته، ثم يدخل مع الإمام - فنسخ، فلا يجوز فعله.
والثاني: يصحُّ، وهو الأصح؛ لـ: (أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أمَّ الناس، فجاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو في الصلاة، فقدمه أبو بكر، فصار أبو بكر مأمومًا بعد أن كان إمامًا).
ومعلومٌ: أن حكمه وهو إمامٌ مخالف لحكمه وهو مأمومٌ، فكذلك يجوز أن يكون منفردًا ثم يصير مأمومًا.
واختلف أصحابنا في موضع القولين: فمنهم من قال: القولان إذا لم يختلف ترتيب صلاة الإمام والمأموم، مثل: أن يُلحق صلاته بصلاة الإمام قبل أن يركع في الانفراد.
فأما إذا ركع في الانفراد: فلا يصحُّ: قولاً واحدًا؛ لأنه لا يمكنه المتابعة مع اختلاف ترتيب الصلاتين.
ومنهم من قال: القولان إذا اختلف ترتيب صلاتهما، بأن يركع في حال الانفراد.
فأما إذا لم يركع في حال الانفراد: فيصح، قولاً واحدًا.
ومنهم من قال: القولان في الحالتين، وهو الأصح؛ لأن الشافعي لم يفرق.

فإذا قلنا: يصحُّ، وكان المأموم قد صلَّى في حال الانفراد ركعة، أو أكثر.. فإن المأموم إذا بلغ إلى آخر صلاته، وقام الإمام.. لم يجز للمأموم أن يقوم معه؛ لأن ذلك ليس من صلاته، بل يجلس ويتشهد، ثم هو بالخيار: إن شاء طوَّل الدعاء، حتى يفرغ الإمام من صلاته ويتشهد ويسلم، ثم يسلم بعده، وإن شاء أخرج نفسه من صلاة الإمام وتشهد وسلَّم، ولا تبطل صلاته بذلك، لأن ذلك مفارقة للعذر، وقد أجاز النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك في صلاة الخوف.
إذا ثبت هذا: فإن الأولى للمأموم، إذا أراد أن يُلحق صلاته بصلاة الإمام.. أن يسلِّم من صلاة الانفراد، ويحرم بالصلاة خلف الإمام.
وإن دخل في صلاة نافلة، ثم أقيمت صلاة جماعة، فإن لم يخش فوات الجماعة.. أتم النافلة، ثم دخل في الجماعة، وإن خشي فواتها.. قطع النافلة، ودخل في الجماعة؛ لأن صلاة الجماعة أفضل من النافلة.

فرع عدم الاشتغال عند الإقامة بغير الفريضة

]: وإن حضر المأموم، وقد أُقيمت الصلاة.. لم يشتغل عنها بنافلة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أُقيمت الصلاة.. فلا صلاة إلا المكتوبة».
وإن أدرك الإمام في القيام، وخاف أن تفوته القراءة.. لم يشتغل عنها بدعاء الاستفتاح؛ لأنه نفل، فلا يشتغل به عن الفرض.
وإن قرأ بعض الفاتحة، ثم ركع الإمام قبل أن يتم المأموم الفاتحة.. ففيه وجهان: أحدهما: أنه يركع، ويترك باقي الفاتحة، وهو ظاهر النَّص في " الأمِّ "؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإذا ركع.. فارْكعوا».
ولأنه لو دخل، فركع الإمام قبل أن يقرأ.. لزمته متابعته في الركوع، فكذلك هذا مثله.

والثاني: يلزمه أن يتم الفاتحة؛ لأنه لما لزمه بعض القراءة.. لزمه إتمامها.
وإن أدركه راكعًا، فركع معه، واطمأن.. فقد أدرك هذه الركعة؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أدرك الرُّكوع من الرَّكعة الأخيرة يوم الجمعة.. فليصف إليها أُخرى، ومن لم يدرك الرُّكوع.. فليصل الظهر أربعًا».
ولأنه قد أدرك معظم هذه الركعة، فاحتسب له بها.
وإن رفع الإمام رأسه من الركوع، قبل أن يركع المأموم.. لم يحتسب له بهذه الركعة؛ لحديث أبي هريرة، لأنه لم يدرك معظمها.
وإن هوى المأموم للركوع، فتحرك الإمام في الرفع من الركوع، فإن بلغ المأموم في ركوعه موضع الإجزاء في الركوع - وهو بقدر أن يقبض بيديه على ركبته- واطمأن قبل أن خرج الإمام عن حد الإجزاء في الركوع.. اعتد للمأموم بهذه الركعة؛ لأنه قد أدرك معه الركوع.
وإن لم يبلغ المأموم أول حد الإجزاء، حتى خرج الإمام عن حد الركوع.. لم يعتد للمأموم بهذه الركعة، كما لو أدركه بعد الرفع من الركوع.

فرع نسيان التسبيح في الركوع

: [نسيان التسبيح في الركوع]: فإن ركع الإمام، فنسي التسبيح في الركوع، فرفع رأسه، ثم رجع إلى الركوع، ليُسبح.. فظاهر كلام الشافعي: أن صلاة الإمام لا تبطل بذلك.
قال الربيع: وفيه قولٌ آخر: (أن صلاته تبطل).
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين:

فحيث قال: (لا تبطل) أراد: إذا كان الإمام جاهلاً بتحريم ذلك؛ لأنه زاد في صلاته زيادة من جنسها جاهلاً.
وحيث قال: (تبطل) أراد إذا كان عالمًا بتحريم ذلك.
فإن أدركه المأموم في هذا الركوع الثاني، في موضع لا تبطل فيه صلاة الإمام.. لم يحتسب له بهذه الركعة.
ومن أصحابنا من قال: يحتسب له بهذه الركعة، كما لو أدرك معه الركعة الخامسة.
والمذهب الأول؛ لأن هذا الركوع لا يحتسب للإمام به، ويخالف إذا أدركه في الخامسة؛ لأن المأموم قد أتى بأفعال الركعة كلَّها، وها هنا لم يأت بكمال الركعة، والذي أدركه مع الإمام، فليس من صلب صلاته، فوزان هذا من مسألتنا: أن يدركه المأموم في الركوع في الخامسة، فإنه لا يحتسب له بهذه الركعة أيضًا، وهذا كما نقول فيمَنْ صلَّى خلف جُنُبٍ، لم يعلم بحاله، فإن صلاة المأموم تجزئه؛ لأنه قد أتى بها كاملة، ولو أدرك الجنب في الركوع.. لم يعتد له بهذه الركعة؛ لأن القراءة إنما تسقط بفعل إمام صحيح.

[فرع إدراك الإمام ساجدًا]

وإن أدرك الإمام ساجدًا.. فإنه يكبر للافتتاح قائمًا، ثم يخرُّ على السجود من غير تكبير.
ومن أصحابنا من قال: يخرُّ بتكبير، كما لو أدركه راكعًا.
والمذهب الأول؛ لأن هذا ليس بسجود معتد به للمأموم، بخلاف ما لو أدركه راكعًا.
وإن أدرك مع الإمام السجدة الأخيرة.. لم يعد الأولى.
قال في "الفروع": وقد قيل: يعيد الأولى.
وليس بشيء.

وإن أدركه قاعدًا للتشهد.. فإنه يخرُّ إلى الجلوس من غير تكبير، وجهًا واحدًا، وقد نص الشافعي عليه في " البويطي ". والفرق بينه وبين الركوع والسجود: أن الجلوس عن القيام في الصلاة لم يشرع بحال، فلم يكبر له بخلاف الركوع والسجود.
وهل يتشهد مع الإمام؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه يتشهد معه) كما يقعد، وإن لم يكن موضع قعوده.
والثاني: لا يتشهد، لأن هذا ليس بموضع تشهده.
فإذا قلنا: يتشهد.. فإنه لا يكون واجبًا عليه؛ لأنه إنما يلزمه متابعة الإمام في الأفعال، دون الأذكار.
فإن كان هذا في التشهد الأول.. فإن الإمام إذا قام.. فإن المأموم يقوم معه بتكبير؛ لأنه يقوم على ابتداء ركعة.
وإن كان أدركه في التشهد الأخير، فسلَّم الإمام.. فإن المسبوق يقوم من غير تكبير، لأن هذا ليس بابتداء ركعةٍ له، وإنما هو أثناء ركعةٍ، وليس له إمامٌ مُكبرٌ، فيتبعه، وإذا قام، فإنه يبتدئ بالقراءة، ولا يُسن له الابتداء بدعاء الاستفتاح؛ لأن دعاء الاستفتاح قد فات محله؛ لأنه إنما يؤتى به عقيب تكبيرة الافتتاح.

فرع حكم ما أدركه المسبوق

وما أدرك المأموم مع الإمام، فهو أول صلاة المأموم فعلاً وحُكمًا، وبه قال عُمر وعليٌّ، وأبو الدرداء، ومن التابعين: ابن المسيب، والحسن

البصري، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وإسحاق، ومحمد بن الحسن.
وقال مالك، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو يوسف: (ما أدركه مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه بعد سلام الإمام هو أول صلاته).
وأبو حنيفة يقول: (هو آخر صلاته حُكمًا، وأوَّلها فعلاً، وما يقضيه بعد سلام الإمام، هو أول صلاته حكمًا، وآخرها فعلاً).
وحجَّتُهم: قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وما فاتكم فاقضوا».
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أدركتم.. فصلُّوا، وما فاتكم.. فأتموا».
وحقيقة الإتمام هو: البناء على ابتداء تقدم.
وأما قوله "فاقضوا": فلا حُجَّة فيه؛ لأنَّ القضاء يُستعمل في ابتداء الفعل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 103] [النساء: 103]، أي: فإذا فعلتم، فيكون معناه: فاقضوا آخر صلاتكم.
فعلى هذا: إذا أدرك معه الأخيرة من الصبح.. أعاد القنوت في الركعة الثانية.

فرع تعداد الجماعة في المسجد

إذا كان للمسجد إمامٌ راتبٌ، مثل مساجد المحال والدُّروب، فأُقيمت فيه الجماعة.. كُره إقامة الجماعة فيه مرة أخرى.
قال الشافعي: (لأن السلف من الصحابة والتابعين لم يفعلوا هذا، بل قد عابه بعضهم)، ولأنه قد يكون بين الإمام، وبعض الجيران شيءٌ، فيقصد إلى أن يصلِّي بعده جماعة في ذلك المسجد مغايظة للإمام، فيؤدي ذلك إلى تفريق كلمتهم، وتأكد عداوتهم.
وحكى في " الإبانة " [ق 79] وجهًا آخر: أنه يُنْدَب إلى إقامة الجماعة بكل حال.

وبه قال عطاء، والحسن، والنخعي، وقتادة، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، والمشهور هو الأول.
وأما إذا كان المسجد ينتابه الناس من كل جهة، مثل مساجد الأسواق، والجوامع.. فإنه لا تكره إقامة الجماعة فيه مرارًا؛ لأنه لا يؤدي إلى تفريق الكلمة، وتأكيد العداوة.
ويستحب لمن صلَّى ثم رأى رجلاً يصلِّي وحده أن يصلِّي معه؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبصر رجلاً يصلِّي وحده، فقال: «ألا رجلٌ يتصدق عليه، فيصلي معه».

مسألة استحباب إعادة الصلاة

]: إذا صلَّى صلاة، ثم أدركها في جماعة.. فالمستحب: أن يعيدها مع الجماعة، سواءٌ كان قد صلَّى الأولى منفردًا، أو في جماعة.
وبه قال عليٌّ، وحذيفة، وأنس بن مالك، إلا أن الصحابة قالوا في المغرب: (إذا أعادها، وسلم الإمام.. أضاف إليها أخرى وسلم).
وبه قال محمد.
وعندنا: لا يضيف إليها.
ومن أصحابنا من قال: يعيدها إذا كان قد صلاَّها منفردًا، وإن كان صلاَّها في جماعة.. لم يعدها؛ لأن فضيلة الجماعة قد حازها.
ومن أصحابنا من قال: يعيد الصلوات كلَّها، إلا الصبح والعصر، فإنه لا يعيدهما؛ لأنه نُهي عن النافلة بعدهما.
وبه قال الحسن البصري.

وذهب آخرون إلى أنه يعيد كل صلاة صلاها، إلا المغرب، فإنه لا يعيدها؛ لئلا تصير شفعًا.
ذهب إليه ابن مسعود، ومن الفقهاء: مالك، والأوزاعي، والثوري.
وقال أبو حنيفة: (لا يعيد إلا الظهر والعشاء).
دليلنا: ما روى يزيد بن الأسود العامري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلَّى صلاة الصبح، فلما فرغ من صلاته.. رأى رجلين في آخر القوم لم يُصليا معه، فقال: "عليَّ بهما"، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ "، فقالا: يا رسول الله، قد كنا صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة.. فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة».
ولم يفرق بين الصلوات، ولا بين أن يصلي وحدهُ، أو في جماعة.
إذا ثبت هذا: فما ينوي الثانية؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة " ق 79]: أحدهما: ينويها فرضًا.
والثاني: أنه بالخيار بين أن ينويها فرضًا، وبين أن يطلق.
وبم يسقط عنه الفرض؟ فيه قولان: [الأول]: قال في الجديد: (يسقط عنه الفرض بالأولى).
وبه قال أبو حنيفة.
و [الثاني]: قال في القديم: (يحتسب الله له بأيَّتهما شاء؛ لأنه إنما استحب له إعادة الفريضة؛ ليكملها بالجماعة).
فلو كانت الثانية نافلة.. لم يستحب له الجماعة.
وقال الشعبي، والأوزاعي: (الجميع فرضه).

والأول أصحُّ؛ لحديث يزيد بن الأسود، ولأنه لا يجب عليه الإعادة مع الجماعة، فدلَّ على أن الفرض قد سقط عنه بفعل الأولى.

مسألة ما يستحب للإمام

ويستحب للإمام ألا يكبر حتى يلتفت يمينًا وشمالاً، ويقول: سوُّوا صفوفكم، لما روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: «سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة».
وروي عن أبي مسعود البدري: أنه قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: استووا، ولا تختلفوا، فتختلف قلوبكم».
قال ابن الصباغ: ومعناه: إذا اختلف القوم، فتقدم بعضهم على بعض.. تغير قلب بضعهم على بعض، وذهب عن الصلاة.
وروي: (أنه كان لعمر قومٌ يأمرهم بتسوية الصفوف، فإذا رجعوا.. كبَّر).
ويستحب له أن يخفِّف في القراءة والأذكار،؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا صلَّى أحدكم بالناس.. فليخفف، فإن فيهم السقيم، والضعيف، وذا الحاجة، فإذا صلَّى لنفسه.. فليطول ما شاء»

فإن صلَّى وحده.. طوَّل ما شاء؛ للخبر، وكذلك إذا صلَّى بقوم، يعلم أنهم يؤثرون التطويل.. فلا بأس بالتطويل.

فرع تطويل الإمام للحوق المصلين

إذا كان يصلِّي في مسجد، جرت العادة بأن الجماعة إذا أقيمت فيه.. أتاه الناس فوجٌ بعد فوج، كمساجد الأسواق، فأراد الإمام أن يطول فيه الصلاة لكي تكثر الجماعة.. قال أصحابنا: فلا خلاف على المذهب أن هذا الانتظار مكروه؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أمَّ أحدكم.. فليُخفف».
وهكذا: إذا طوَّل الإمام الصلاة؛ لحضور رجل له محل، لِدِينه، أو علمه، أو دنياه.. فلا خلاف أن هذا الانتظار مكروهٌ، لما ذكرناه في الأول.
فأما إذا ركع الإمام، فأحس في ركوعه برجل دخل المسجد، يريد الصلاة.. فهل ينتظره؟ فيه قولان: أحدهما: ينتظره، وبه قال أبو حنيفة.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الأصحُّ؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي، وقد أجلس الحسن بن عليٍّ بين يديه، فلمَّا سجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.. ركب الحسن ظهره، فانتظره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى نزل، فلمَّا فرغ من صلاته.. قيل له: لم أطلت السُّجود؟ فقال: إن ابني كان ارْتحلني، فأطلت السُّجود؛ ليقضي وطره».

فإذا كان هذا الانتظار لغير من هو في الصلاة، فلمن يريد الصلاة أوْلى.
ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بقتل الحية والعقرب في الصلاة، ومعلومٌ: أن حال من يقتل الحيَّة والعقرب مشغول عن الصلاة، فلأن ينتظر رجلاً مسلمًا؛ ليلحق معه الصلاة أولى.
والثاني: لا ينتظره، قال في "الفروع": وهو الأصحُّ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمَّ أحدكم فليخف».
ولم يفرق.
ولأن كل من لم ينتظره في غير الركوع، لم ينتظره في الركوع، كما لو أحس به قبل أن يدخل المسجد.
ولأن الجماعة كلّما كثرت كان أفضل، فلمَّا لم يكن للإمام أن يطول لتكثر الجماعة فالرجل الواحد أولى ألا يطوَّل له.
ولأنه إذا لم ينتظره، وفوت عليه الركعة كان ذلك زجرًا له، وتأديبًا له عن التأخر عن الجماعة.
ومن قال بهذا: قال: إنما انتظر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نزول الحسن؛ لأنه خاف سقوطه.
ومن أصحابنا من قال: ينتظره يسيرا، ولا ينتظره كثيرا.
ومن أصحابنا من قال: إن كان هذا الداخل له عادة بحضور المسجد وملازمة الجماعة جاز انتظاره، وإن كان غريبًا لم يجز.
وحكى صاحب " الإفصاح ": أن مِنْ أصحابنا مَنْ قال: إن كان الانتظار لا يضرُّ بالمأمومين، ولا تدخل عليهم مشقة، كانتظار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لنزول الحسن عن ظهره، وكرفعه لأمامة بنت أبي العاص، ووضعه؛ جاز قولاً واحدًا.
وإن كان ذلك ممَّا يطوِّل ففيه قولان.
واختلف أصحابنا في موضع القولين:

فقال الشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا: لا يحرم هذا الانتظار، ولا يستحب ولا تبطل به الصلاة، وإنما القولان في الكراهة.
وقال القاضي أبو الطيب: القولان في الاستحباب لا في الكراهة.
وقال أبو إسحاق المروزي: فيه قولان: أحدهما: يكره.
والثاني: يستحب.
وهذه طريقة الشيخ أبي إسحاق في " المهذب ". وحكى صاحب " الإبانة " [ق \ 79]: أن من أصحابنا من قال: القولان في البطلان.
وإن أحس به، وهو في التشهد قبل السلام بجزءٍ فهل ينتظره؟ فيه قولان؛ لأنه يدرك الجماعة.
وإن أحس به في غير ذلك من أحوال الصلاة لم ينتظره، قولاً واحدًا؛ لأنه إن كان قبل الركوع فهو يدرك الركعة في الركوع، وإن كان بعد الركوع، فقد فاتته الركعة، فلا معنى لانتظاره.

مسألة سبق الإمام

]: ينبغي للمأموم ألا يتقدم الإمام بشيء من أفعال الصلاة؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، فإذا سجد، فاسجدوا، ولا ترفعوا قبله».
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أما يخشى أحدكم الذي يرفع رأسه والإمام ساجد أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار».

فإن كبَّر للإحرام معه أو قبله، ونوى الاقتداء به لم تنعقد صلاته؛ لأنه نوى الاقتداء بغير مُصلٍّ، مع العلم به، فلم تصحَّ صلاته، كما لو نوى الاقتداء بمحدث، مع العلم بحاله.
فإن سبقه بركن، بأن ركع قبله، أو سجد قبله، فقد قال: بعض أصحابنا: يستحب له أن يعود إلى القيام؛ ليركع مع الإمام من قيام.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن الشافعي قال: (يلزمه أن يعود إلى متابعته؛ ليكون مُتَّبعًا لإمامه، فإن لم يفعل لم تبطل صلاته؛ لأنه يسير).
فإن ركع قبل الإمام، أو سجد عامدًا، فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان: [الأول]: قال الشيخ أبو حامد: لا تبطل؛ لأن الشافعي لم يفرق بين السهو والعمد، وعلل: بأنه يسير.
و [الثاني]: من أصحابنا من قال: تبطل؛ لأنه فارق الإمام بغير عذر، فإن ركع قبل الإمام، فلمَّا أراد الإمام أن يركع رفع المأموم رأسه، فلمَّا أراد الأمام أن يرفع رأسه سجد المأموم، فقد سبقه بركنين، فإن فعل هذا عامدًا بطلت صلاته؛ لأن ذلك مفارقةٌ كثيرة.
وإن فعل ذلك جهلاً لم تبطل صلاته، ولا تحتسب له بهذه الركعة؛ لأنه لم يتبع الإمام معظمها.
فإن ركع قبل الإمام، ورفع رأسه، وأدركه الإمام في حال الرفع فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان، حكاهما في " الإبانة " [ق \ 79]. وإن ركع قبل الإمام، ثم وقف حتى ركع الإمام، ثم رفع رأسه من الركوع قبل الإمام، ثم وقف حتى رفع الإمام رأسه، ثم سجد قبل الإمام، وأدركه الإمام، ثم رفع

رأسه قبل الإمام، وفعل ذلك في صلاته كلها، قال الشيخ أبو حامد: بطلت صلاته.
وإن سجد قبل الإمام سجدتين ففيه وجهان: أحدهما: تبطل صلاته أيضًا؛ لأنه سبقه بركنين، وهما السجدتان، والجلسة بينهما.
والثاني: لا تبطل؛ لأن السجدتين والجلسة بينهما، ركن واحد.

فرع تسبيح المقتدي

وإن سها الإمام في فعل سبح له المأموم، فإن وقع له السهو عمل بقوله.
وإن لم يقع له أنه سها فاختلف أصحابنا فيه: فقال أكثرهم: يعمل على يقين نفسه، ولا يرجع إلى قولهم؛ لأن من شكَّ في فعل نفسه لم يرجع إلى قول غيره، كالحاكم إذا نسي حُكمًا حكم به، فشهد شاهدان عليه أنه حكم به، وهو لا يذكره.
وقال أبو عليٍّ في " الإفصاح ": إن كان خلف الإمام جماعة عظيمة، بحيث يعلم أن تلك الجماعة لا يجوز اجتماعهم على الخطأ رجع إليهم، وإن كانت قليلة عمل الإمام فيما يثبت عنده، ولم يلتفت إليهم.
ووجه قوله: حديث ذي اليدين، الذي ذكرناه فيما يفسد الصلاة.

مسألة مفارقة الإمام

]: وإن نوى المأموم مفارقة الإمام، وأتم لنفسه، فإن كان لعذر، مثل: أن ترحل القافلة، ويخشى إن شغل بالصلاة مع الإمام فاتته القافلة، أو وقع الحريق في ماله، أو خاف على مريض له منزول به الموت جاز له ذلك، ولا تبطل به صلاته؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرَّق الناس بذات الرِّقاع فرقتين، فصلَّى بفرقة ركعة، ثم أتموا لأنفسهم».
وهذه مفارقة لعذر.

وإن فارقه لغير عذر، فاختلف أصحابنا فيه: فقال أكثرهم: فيه قولان: أحدهما: تبطل صلاته، وبه قال أبو حنيفة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبَّروا، وإذا ركع فارْكعوا».
فأمر بمتابعة الإمام، فمن خالفه فقد دخل تحت النهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه؛ ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أَمَا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام، أن يحول الله رأسه رأس حمار» فلو كان هذا جائزًا، لما توعده.
ولأنهما صلاتان مختلفتان في الحكم، فلا يجوز أن ينتقل من إحداهما إلى الأخرى، كالظهر والعصر، وفيه احترازٌ ممَّن انتقل من القصر إلى التمام، أو ممَّن خرج عنه وقت الجمعة، فأتم الظهر.
والقول الثاني: لا تبطل صلاته، وهو الأصحُّ؛ لما روى جابر: «أن معاذًا كان يُصلي مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العِشاء، ثم يأتي قومه في بني سلمة، فيُصليها بهم، فلمَّا كان ذات ليلة أخَّر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العِشَاء، فصلَّى معاذ معه، ثم أتى قومه، وافتتح الصلاة بسورة البقرة، فتنحى رجل من خلفه، وصلَّى لنفسه، فقالوا له: نافقت، فقال: لآتين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأتاه، فأخبره بذلك، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أفتَّانٌ أنت معاذ» ولم يأمر الذي انفرد عنه بالإعادة.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا انفراد من غير عذر؛ لأنه لم يكن مسافرًا، ولا يخشى على ماله، وإنما هرب من تطويله.
ولأن الانفراد عن الإمام، لو كان يبطل الصلاة لأبطلها وإن كان لعذر، كالأكل والشرب في الصوم.

وقال أبو سعيد الإصطخري: لا تبطل صلاته، قولاً واحدًا، ولا يُعرف القول الآخر للشافعي، وإنما يكره له ذلك؛ لحديث معاذ.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فذكر أن انفراد الأعرابي عن معاذ لعذر.

باب صفة الأئمة

إذا كان الصبي ابن سبع سنين، أو ثمان سنين، وهو مميز من أهل الصلاة؛ صحَّت إمامته للبالغين في الفرض والنفل.
وهل يصحُّ أن يكون إمامًا في الجمعة؟ فيه قولان: أحدهما: لا يصحُّ؛ لأن الإمام شرط في الجمعة، وصلاة الصبي نافلة.
والثاني: يصحُّ؛ لأن من صحَّ أن يكون إماما في غير الجمعة؛ صحَّ أن يكون إمامًا في الجمعة كالبالغ، هذا مذهبنا.
وقال مالك: (يجوز أن يكون إمامًا في النفل دون الفرض).
وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: (أن الصبي لا صلاة له، وإنما يؤمر بفعلها؛ لكي يتعلمها، ويتمرَّن عليها، فإذا فعلها؛ كانت تشبه الصلاة).
فعلى هذه الرواية: لا يكون إمامًا لغيره.
والرواية الثانية: (أن صلاة الصبي صحيحة، وهي نافلة).
فعلى هذه الرواية: يجوز أن يكون إمامًا في النفل دون الفرض.
دليلنا: ما روي «عن عمرو بن سلمة: أنه قال: كنت غلامًا قد حفظت قرآنًا كثيرًا، فانطلق بي أبي وافدًا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في نفر من قومه، فعلَّمهم الصلاة، وقال: "يؤمُّكم أقرؤكم لكتاب الله"، وكنت أُصلِّي بهم، وعلى جنائزهم، وأنا ابن سبع سنين، أو ثمان سنين».

فموضع الدليل من هذا: أن القوم إنما قدموا به على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ ليعرفوه أنه أقرؤهم، فلما عرف ذلك قال: «يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله»، ولا أقرأ هناك غيره، فكأنه قال: يؤمكم هذا.
وروي عن عائشة أنها قالت: "كنا نأخذ الصبيان من الكتاب، ليصلوا بنا قيام رمضان ".

[مسألة إمامة من ليس أهلًا لها]

]: ولا تصح إمامة الكافر؛ لأنه ليس من أهل الصلاة، فإن صلى الكافر، لم يحكم بإسلامه بنفس الصلاة.
وقال القاضي أبو الطيب: إذا صلى الحربي في دار الحرب، حكم بإسلامه.
وقال المحاملي: يحكم بإسلامه في الظاهر، ولكن لا يلزمه حكم الإسلام بذلك.
والمذهب الأول: وقال أبو حنيفة: "إن صلى منفردًا لم يحكم بإسلامه، وإن صلى في جماعة؛ استدللنا بذلك على إسلامه".
وقال محمد بن الحسن: إذا صلى في المسجد حكم بإسلامه، سواء صلى في جماعة أو منفردًا، وكذلك إذا أذن حيث يؤذن المسلمون، أو حج، أو طاف فإنه يحكم بإسلامه.
وقال أحمد: "يحكم بإسلامه بالصلاة بكل حال".
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها».
فمن قال: يحرم قتاله بالصلاة فقد خالف ظاهر الخبر.
وروي: «أن رجلًا مر بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يقسم الغنيمة، فقال: يا محمد، اعدل؛ فإنك لم تعدل.
فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ويلك، إذا لم أعدل، فمن يعدل"، ثم مر الرجل، فوجه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا بكر وراءه ليقتله، فوجده يصلي، فقال: يا رسول الله، وجدته يصلي، فوجه عمر ليقتله، فوجده يصلي، فقال: يا رسول الله، وجدته يصلي، فوجه بعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وقال: "إنك لن تدركه"، فذهب علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فلم يجده».
فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقتله؛ لأنه نسبه إلى الجور، وذلك يوجب كفره، وقد علم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخبر أبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه يصلي، فدل على أنه لا يصير مسلمًا بنفس الصلاة.
ولأنها عبادة من شرطها تقديم الإيمان، فوجب ألا يكون فعلها دلالة على الإسلام، كصوم رمضان، وزكاة المال، وأما إذا أتى الكافر بالشهادتين: فإن أتى بهما على سبيل الحكاية، مثل: أن يقول: سمعت أن فلانًا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لم يكن هذا إسلامًا منه، بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأنه حكى ذلك عن غيره، كما أن من حكى الكفر لا يكون كافرًا.
وإن أتى بهما على وجه الإجابة لاستدعاء غيره، بأن قيل له: قل: أشهد أن لا إله

إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقال ذلك، وبرئ من كل دين خالف الإسلام حكم بإسلامه، بلا خلاف.
وإن أتى بالشهادتين من غير استدعاء، أو أتى بهما في الصلاة، أو في الأذان ففيه وجهان، ذكرناهما في الأذان: أحدهما: يحكم بإسلامه، وهو قول أبي إسحاق، وهو الصحيح؛ لأنه قد أتى بالشهادتين على سبيل الحكاية، فهو كما لو دعي إليهما فأجاب.
والثاني: لا يحكم بإسلامه؛ لأنه متردد بين: أن يكون أراد به الإخبار عن غيره، أو الإسلام.
وروي: (أن أبا محذورة، وأبا سامعة كانا مؤذنين على سبيل الحكاية قبل إسلامهما).

فرع صلاة كافر بمسلم

]: وإذا صلى الكافر بالمسلمين عزر؛ لأنه أفسد على المسلمين صلاتهم، واستهزأ بدينهم.
وحكي عن الأوزاعي: أنه قال: (يعاقب)، ولعله أراد: التعزير.
وهل تجب الإعادة على من صلى خلفه؟ ينظر فيه: فإن علم بحاله قبل الصلاة لزمته الإعادة؛ لأنه علق صلاته بصلاة باطلة مع العلم بها.
وإن لم يعلم بحاله نظرت: فإن كان كافرًا متظاهرًا بكفره، كاليهودي، والنصراني، والمجوسي لزمته الإعادة؛ لثلاثة معان:

أحدها: أنه قد ترك الاستدلال عليه بالعلم الظاهر، وهو الزنار، والغيار، فكان مفرطًا.
والثاني: أن العادة جرت أن الكافر لا يحسن أن يصلي كصلاة المسلمين، إذا لم يتعودها، فأما إذا لم ينبه المسلم لذلك: كان مفرطًا.
والثالث قاله الشافعي: (أنه ائتم بمن لا يجوز له الائتمام به بحال، فلزمته الإعادة، كما لو صلى خلف امرأة).
وإن كان كافرًا مستترًا بكفره، كالزنديق والملحد ففيه وجهان: أحدهما وهو المنصوص: (أن عليه الإعادة)؛ لأنه ائتم بمن لا يجوز الائتمام به بحال.
والثاني: لا إعادة عليه؛ لأنه لم يفرط، فهو كما لو صلى خلف جنب.

فرع الكافر يسلم ويؤم الناس ثم يرتد

]: وإذا أسلم الكافر، وصلى خلفه رجل، فلما فرغ من الصلاة قال الإمام: قد كنت جحدت الإسلام، وارتددت؛ قال الطبري: فإن صلاة المؤتم به لا تبطل؛ لأنه إذا عرف منه الإسلام، لم يزل عن حكمه، إلا بأن يسمع منه الجحود، وقد سمع منه ذلك بعد الصلاة، فلم يحكم ببطلان الصلاة.
فإن كان له حال ردة، وحال إسلام، فصلى خلفه، ولم يدر في أي حالتيه صلى؟ قال الشافعي: (أحببت له أن يعيد، فإن لم يفعل لم يجب؛ لأن الأصل هو الإسلام).
وإن صلى خلف غريب، لا يدري أمسلم هو، أم كافر؟ لم تكن عليه الإعادة؛ لأن الظاهر من أمر من يصلي، أنه مسلم.

فرع الصلاة خلف الفساق

]: وأما الصلاة خلف الفساق والمبتدعين: فقال الشيخ أبو حامد: المخالفون لنا على ثلاثة أضرب: [الأول]: قوم نخطؤهم ولا نكفرهم، ولا نفسقهم، كأصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، ومن أشبههم، فهؤلاء يجوز الائتمام بهم ولا يكره، إلا أن يعلم أنهم تركوا شيئًا من فروض الطهارة، والصلاة، مثل: ترتيب الطهارة، أو النية، أو قراءة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أو غير ذلك، فلا تصح الصلاة خلفهم؛ لأنهم إذا أتوا بواجبات الطهارة والصلاة لم يؤثر اعتقادهم في كون هذه الأشياء غير واجبة في الصلاة، ولا يأثمون بذلك.
وذكر صاحب " الإبانة " في الائتمام بهم ثلاثة أوجه: أحدها: هذا؛ لما ذكرناه.
والوجه الثاني حكاه في " النهاية "، عن الإمام أبي إسحاق الإسفراييني: أنه لا يصح الائتمام بهم، وإن أتوا بجميع الواجبات في الطهارة والصلاة عندنا؛ لأنهم يعتقدون ذلك نافلة.
والثالث وهو قول القفال: أنه يصح الائتمام بهم، وإن لم يأتوا بشيء من الواجبات عندنا؛ لأنه يحكم بصحة صلاتهم في الشرع، بدليل أنه لا يباح قتلهم، فلو لم يحكم بصحة صلاتهم؛ لوجب قتلهم.
الضرب الثاني: من نكفرهم، وهو من يقول بخلق القرآن، وقد نص الشافعي على كفر من يقول بخلق القرآن، وكذلك الغلاة من الرافضة الذين يقولون: إن عليًّا كان نبيًّا، وإن جبريل غلط.

والجهمية والقدرية كفار، فهؤلاء لا يصح الائتمام بهم.
قيل للشيخ أبي حامد: فمن ينفي الرؤية يحكم بكفره؟ فقال: لا ينفي الرؤية إلا معتزلي.
الضرب الثالث: قوم نفسقهم ولا نكفرهم، وهم الذين يسبون السلف ويكفرونهم، وكذلك من يشرب الخمر ويزني، ويأخذ الأموال غصبًا؛ فتكره الصلاة خلفهم، وإن صلي خلفهم صحت الصلاة.
وقال مالك: من فسق بغير تأويل: كشارب الخمر، والزاني لا تصح الصلاة خلفه، ومن فسق بتأويل كمن يسب السلف ويكفرهم تصح الصلاة خلفه).
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قال: «صلوا خلف كل بر وفاجر»، و (الفاجر): هو الفاسق.

ولما روي: (أن ابن عمر وأنسًا كانا يصليان خلف الحجاج) ولا نشك في فسقه.

فرع إمامة المرأة

]: ولا يجوز أن تكون المرأة إمامًا للرجل ولا للخنثى، وبه قال عامة الفقهاء.
وقال أبو ثور والمزني، ومحمد بن جرير الطبري: (يجوز أن تكون إمامًا للرجل في التراويح، إذا لم يكن قارئ غيرها، وتقف خلف الرجال).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أخروهن من حيث أخرهن الله»، فلو قدمناهن فعلنا ما نهينا عنه.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تؤم امرأة رجلًا».
فإن صلى خلفها، ولم يعلم بحالها ثم علم؛ لزمته الإعادة؛ لأن عليها أمارة تدل على كونها امرأة؛ فلم يعذر في الائتمام بها.

فرع إمامة المرأة بالخنثى

]: ويجوز أن تأتم المرأة بالخنثى المشكل؛ لأنه لا بد أن يكون رجلًا أو امرأة، وصلاة المرأة خلفهما صحيحة، ولا يجوز أن يكون الخنثى إمامًا للرجل، ولا للخنثى؛ لجواز أن يكون الإمام امرأة، والمأموم رجلًا.
فإن صلى الخنثى خلف امرأة؛ فإنا نأمره بالإعادة، فإن لم يعد، حتى بان أنه امرأة، فهل تلزمه الإعادة؟ فيه قولان، حكاهما أبو علي السنجي.
وكذلك إذا صلى الرجل خلف الخنثى، أمر الرجل بالإعادة، فإن لم يعد، حتى بان الخنثى رجلًا، فهل يلزم المؤتم به الإعادة؟ على القولين المحكيين.
وهكذا: إذا صلى الخنثى خلف الخنثى، أمر المأموم بالإعادة فلو لم يعد، حتى بان أنه امرأة، أو بان أن الإمام رجل، أو بانا امرأتين، أو رجلين؛ فهل يلزم المأموم الإعادة؟ على القولين المحكيين على أبي علي السنجي: أحدهما: تلزمهم الإعادة، وهو الصحيح؛ لأنهم استفتحوا الصلاة، وهو شاكون في صحتها، فلم تصح بالتبين، كما لو دخل في الصلاة، وهو شاك بدخول الوقت، وبان أن الوقت كان قد دخل.
والثاني: لا تلزمهم الإعادة؛ لأنا تبينا أنهم صلوا خلف من تصح صلاتهم خلفه.
قال أصحابنا: ولهذه المسألة نظائر: منها: إذا باع الرجل مال أبيه، وهو يظن أنه حي، فبان أنه كان ميتًا؛ فهل يصح البيع؟ فيه قولان.
ومنها: إذا وكل وكيلًا في ابتياع شيء، فباعه على توهم أنه لم يكن اشتراه الوكيل له، وكان قد اشتراه؛ فهل يصح بيعه؟ فيه قولان.

وكذلك القولان، لو كان عبدًا فأعتقه.
وأصلها: إذا كاتب عبده كتابة فاسدة، ولم يعلم بفسادها، ثم باعه، أو وصى برقبته فهل يصح؟ فيه قولان، نص عليهما في " مختصر المزني ".

فرع إمامة المجنون

]: ولا تصح الصلاة خلف المجنون؛ لأنه ليس من أهل الصلاة، وإن كان له حال إفاقة، وحال جنون، فصلى خلفه، ولم يعلم في أي حالتيه صلى، قال صاحب " الفروع ": فالصلاة جائزة قياسًا على ما قاله الشافعي في المرتد، قال: ويحتمل ألا تصح الصلاة؛ لأن المجنون يوقف عليه بأحواله في الأغلب.

مسألة إمامة الجنب

]: ولا تصح الصلاة خلف المحدث والجنب؛ لأنه ليس من أهل الصلاة، فإن صلى خلفه، ولم يعلم بحاله، ثم علم، فإن كان في غير الجمعة لم تلزمه الإعادة، وبه قال عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، ومن التابعين: الحسن،

والنخعي، وابن جبير، ومن الفقهاء: الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور.
وقال الشعبي، وابن سيرين، وحماد، وأبو حنيفة، وأصحابه: (لا تصح صلاة المؤتم به بكل حال).
وقال مالك: (إن كان الإمام عالمًا بحدث نفسه أو جنايته؛ لم تصح صلاة المؤتم به، وإن كان غير عالم به صحت).
وحكى ابن القاص، وصاحب " الفروع ": أن هذا قول آخر للشافعي، وليس بمشهور.
وقال عطاء: إن كان حدث الإمام جنابة لم تصح صلاة المؤتم به، وإن كان حدثه غير جنابة، فإن علم به في الوقت أعاد، وإن خرج الوقت لم يعد.
ودليلنا: ما روى أبو بكرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل في صلاة الفجر، وأحرم الناس خلفه، فذكر أنه جنب، فأومأ إليهم أن مكانكم، ثم خرج، واغتسل، ورجع ورأسه يقطر ماء، وأحرم بالصلاة».
ولم يأمرهم بالإعادة، وإنما أومأ إليهم؛ لأن الكلام إلى المصلي يكره.
وكذلك روي عن أبي بكر وعمر: أنهما فعلا مثل ذلك.

وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا سها الإمام، فصلى بقوم، وهو جنب، فقد مضت صلاتهم، ثم يغتسل هو ويعيد».
وإن كان هو على غير وضوء فمثل ذلك.
ولأنه ليس على حدثه أمارة تدل عليه، فعذر في الصلاة خلفه.
فإن كان هذا في صلاة الجمعة، فإن كان الإمام تمام الأربعين، لم تصح صلاتهم؛ لأنه فقد شرط الجمعة، وهو العدد.
وإن كان زائدًا على الأربعين فحكى صاحب " التلخيص " فيه قولين، ومن أصحابنا من يحكيهما وجهين: أحدهما: لا تصح؛ لأن الإمام شرط فيها، ولم يوجد.
والثاني: يصح، وهو الصحيح؛ لأن العدد قد وجد، وحدث الإمام لا يمنع صحة الجماعة فيها، كما لا يمنع في سائر الصلوات.
إذا ثبت هذا: وعلم المأموم بجناية الإمام، أو حدثه نوى مفارقته، وأتم لنفسه، وإن لم ينو مفارقته بطلت صلاته؛ لأنه يعتقد أنه في غير صلاة، والائتمام بغير مصل لا يصح.
وإن علم الإمام بجنابة نفسه أو حدثه، فإن كان لم يمض من عدد الركعات شيء، وكان موضع طهارته قريبًا أومأ إليهم: كما أنتم، ومضى وتطهر ورجع، وأحرم بالصلاة وتبعوه، كما فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وإن كان موضع طهارته بعيدًا، فقد قال الشافعي في القديم: (يصلون لأنفسهم).

فمن أصحابنا من قال: إنما ذلك في القديم؛ لأن الاستخلاف لا يصح في القديم.
ومنهم من قال: إنما قال ذلك؛ ليخرج من الخلاف؛ لأن الناس قد اختلفوا في صحة الصلاة بإمامين.
وإن ذكر ذلك بعد أن صلى بهم ركعة أو أكثر، فإنهم لا ينتظرونه؛ لأنه إذا عاد وصلى بهم فإنهم يفارقونه، إذا أتموا صلاتهم، وإن كان لا بد لهم من مفارقته، لم ينتظروه.

فرع إمامة المتيمم

]: ويجوز أن يصلي المتوضئ خلف المتيمم.
وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إنه لا يجوز ذلك).
دليلنا: حديث عمرو بن العاص الذي ذكرناه في (التيمم).
وهل تصح صلاة الطاهرة خلف المستحاضة؟ فيه وجهان.
أحدهما: تصح، كما تصح صلاة المتوضئ خلف المتيمم.
والثاني: لا تصح؛ لأن المستحاضة لم تأت بالطهارة عن النجس، ولا بما يقوم مقامها.

مسألة مرض الإمام

]: إذا مرض الإمام، وعجز عن القيام في الصلاة، فالأفضل أن يستخلف من يصلي بهم قائمًا؛ لـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما مرض مرضه الذي توفي فيه، استخلف أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فصلى بالناس سبعة عشر يومًا، وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد يخرج في بعض الأوقات، ويصلي بهم قاعدًا»، وإنما فعل هذا مرة، أو مرتين؛ ليبين الجواز، وأكثر أمره الاستخلاف، فدل على أنه أفضل.
فإن صلى قاعدًا كان على المأمومين أن يصلوا قيامًا، إذا كانوا قادرين على

القيام، فإن صلوا قعودًا مع القدرة على القيام، لم تصح صلاتهم، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأبو ثور.
وقال مالك: (لا تصح صلاة القائم خلف القاعد)، في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى كقولنا.
وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد: (يصلون خلفه قعودًا)، وهو اختيار ابن المنذر.
دليلنا ما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى بالناس في مرضه الأول قاعدًا، والناس خلفه قعود»، ثم: «صلى بهم في مرضه الذي مات فيه قاعدًا، والناس خلفه قيام»، وهذا ناسخ لما قبله.

فرع إمامة المومئ

]: وتصح صلاة القائم والقاعد خلف المومئ.
وقال أبو حنيفة: (لا تصح).
دليلنا: أن المومئ طاهر يسقط فرض نفسه بطهارة كاملة، فجاز أن يأتم به القائم والقاعد، كالقائم.
فقولنا: (يسقط فرض نفسه) احتراز من المصلوب على خشبة، فلا يجوز الائتمام به؛ لأنه لا يسقط فرض نفسه.
وقولنا: (طاهر) احتراز ممن عليه نجاسة لا يقدر على إزالتها.
وقولنا: (بطهارة كاملة) احتراز من الصلاة خلف المستحاضة، في أحد الوجهين.
ولأنه عاجز عن ركن من أركان الصلاة لمرض، فجاز للقادر عليه الائتمام به، كالقيام.
فقولنا: (لمرض) احتراز من المصلوب، ومن الأمي، في أحد القولين.

فإن صلى خلف القاعد، أو المومئ، فقدر الإمام على القيام، أو القعود لزمه ذلك، فإن لم يفعل بطلت صلاته؛ لأنه ترك القيام مع القدرة عليه.
فإن علم المأموم بقدرته على القيام، ولم يقم نوى مفارقته، وإن لم ينو مفارقته قال الشافعي: (بطلت صلاته).
فإن قيل: فكيف يعلم المأموم بقدرته على القيام؟ فالجواب: أن الشافعي لم يتعرض لكيفية العلم، إنما قال: (لو علم)، وقد تكلم على ما يقل وجوده، كقوله: (إذا مات، وخلف مائة جدة)، مع أنه قد يعلم بأن يكون الإمام منقبض الرجل لا يمكنه بسطها وقبضها، ثم رآه المأموم في أثناء الصلاة يبسطها ويقبضها، فيستدل بذلك على قدرته على القيام.

مسألة إمامة الأمي

]: قال الشافعي: (والأمي: من لا يحسن فاتحة الكتاب، وإن أحسن غيرها من القرآن، والقارئ: هو من يحسن فاتحة الكتاب، وإن لم يحسن غيرها من القرآن).
إذا ثبت هذا: ففي صلاة القارئ خلف الأمي قولان منصوصان، والثالث خرجه أبو إسحاق المروزي: أحدها: لا يصح، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله».
فإذا قدموا من لا يحسن الفاتحة، فقد دخلوا تحت النهي، وذلك يقتضي فساد المنهي عنه؛ ولأنه قد يتحمل عنه القراءة، إذا أدركه راكعًا، وهذا ليس من أهل التحمل.

والقول الثاني قاله الشافعي في القديم: (إن كانت الصلاة سرية، صحت صلاة القارئ خلفه، وإن كانت جهرية لم تصح).
لأن القراءة لا تجب على المأموم في الجهرية، بل يتحملها الإمام على القول القديم، وهذا الإمام عاجز عن التحمل، فلم تصح، كالحاكم إذا كان لا يحسن الحكم، فإنه لا يصح حكمه.
وإذا كانت سرية لزمت المأموم القراءة، وهو قادر عليها، فجاز له أن يأتم بمن يعجز عنها، كصلاة القائم خلف القاعد.
والثالث خرجه أبو إسحاق المروزي على هذا التعليل: تصح صلاته خلفه بكل حال؛ لأن على القول الجديد، يلزم المأموم القراءة بكل حال، هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا صلى أمي بقارئ بطلت صلاتهما)، أما صلاة القارئ: فلما ذكرناه، وأما صلاة الأمي: فلأنه كان يمكنه أن يقدم القارئ ويأتم به؛ لأن قراءة الإمام عنده تجزئ عن المأموم، فإذا لم يفعل فقد ترك القراءة مع القدرة عليها، فبطلت صلاته.
وكذلك إذا صلى خلفه أمي بطلت صلاته؛ لأنه علق صلاته بصلاة باطلة، وصلاة المأموم تبطل ببطلان صلاة الإمام عنده.
ودليلنا: هو أن كل من صحت صلاته، إذا ائتم بغيره صحت صلاته، وإن لم يأتم بغيره، كالقارئ خلف القارئ.

فرع المقدم في الإمامة

]: قال الشافعي: (فإن كان هناك رجلان: أحدهما يحسن جميع القرآن غير الفاتحة، والآخر يحسن سبع آيات من القرآن من غير الفاتحة، كان من يحسن جميع القرآن غير الفاتحة أولى ممن يحسن سبع آيات من غير الفاتحة؛ لأنه أكثر قرآنًا)، فإن

جارٍ التحميل