كتاب الرضاع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدهما: يرجع عليهما بنصف مهر المثل.
والثاني: يرجع عليهما بجميع مهر المثل.
فنقل أبو سعيد الإصطخري هذا القول إلى جوابه في المرضعة، وخرج فيها قولين:
أحدهما: يرجع عليها بجميع مهر المثل؛ لأنها أتلفت عليه البضع، فرجع عليها بالقيمة.
والثاني: يرجع عليها بنصف مهر المثل؛ لأنه لم يغرم إلا نصف بدل البضع، فلم يجب له أكثر من نصف بدله.
وحملهما أبو إسحاق، وأكثر أصحابنا على ظاهرهما، فجعلوا في الشاهدين قولين، وفي المرضعة للزوج يرجع عليها بنصف مهر المثل، قولًا واحدًا؛ لأن الفرقة في الرضاع وقعت ظاهرًا وباطنًا، والذي غرم الزوج نصف المهر، فلم يرجع عليها بأكثر من بدله، وفي الشاهدين لم تقع الفرقة ظاهرًا وباطنًا، وإنما وقعت في الظاهر، وهما يقران: أنها زوجته الآن، وإنما حالا بينه وبينها، فرجع عليهما بقيمة جميع البضع.
وقال أبو حنيفة: (يرجع على المرضعة بنصف المسمى).
دليلنا: أن هذا تعلق بالإتلاف، فلم يضمن بالمسمى، وإنما يضمن بقيمته، كضمان الأموال.
فإذا قلنا: يرجع عليها بنصف مهر المثل، وهو الأصح، وعليه التفريع، فجاء خمس أنفس، وأرضعوا الصغيرة من أم الزوج كل واحد منهم رضعة.. فإن الزوج يرجع على كل واحد منهم بخمس نصف مهر المثل؛ لتساويهم في الإتلاف.
وإن كانوا ثلاثة، فأرضعها اثنان كل واحد منهما رضعة من لبن أم الزوج، وأرضعها الثالث منها ثلاث رضعات.. ففيه وجهان:
أحدهما: يجب على كل واحد منهم ثلث نصف مهر المثل؛ لأن كل واحد منهم وجد منه سبب الإتلاف، فتساووا في الضمان، كما لو كان عبد بين ثلاثة، لأحدهم النصف، وللآخر السدس، وللثالث الثلث، فأعتق صاحب النصف وصاحب السدس نصيبهما في وقت واحد.
والثاني: يقسط النصف على عدد الرضعات، فيجب على من أرضع رضعة خمس نصف مهر المثل، وعلى من أرضع ثلاث رضعات ثلاثة أخماس نصف مهر المثل؛ لأن الفسخ حصل بعدد الرضعات، فقسط الضمان عليهم.
فرع إرضاع بنات زوجته نساءه الثلاث الصغار
وإن كان لرجل ثلاث زوجات صغار وزوجة كبيرة، وللكبيرة ثلاث بنات من النسب أو الرضاع لهن لبن، فأرضعت كل واحدة من بنات الزوجة الكبيرة واحدة من الثلاث الزوجات الصغار.. نظرت:
فإن وقع رضاعهن دفعة واحدة، بأن اتفقن في الخامسة.. انفسخ نكاح الكبيرة والصغار؛ لأنه لا يجوز الجمع بينهن وبين جدتهن، وإن كان الزوج لم يدخل بالكبيرة.. فإنهن يرجعن عليه بنصف المسمى، ويرجع الزوج على كل واحدة من بنات الكبيرة بنصف مهر مثل الصغيرة التي أرضعت، ويرجع على الثلاث المرضعات بنصف مثل مهر المرأة الكبيرة بينهن أثلاثًا.
ومن أصحابنا من قال: يرجع بنصف مهر كل واحدة من الصغار على الثلاث المرضعات بينهن بالسوية، وبنصف مهر الكبيرة؛ لأنهن اشتركن في إفساد نكاح كل واحدة منهن.
والأول أصح.
وتحرم عليه الكبيرة على التأبيد، وأما الصغار: فلا يحرمن عليه، بل يجوز له ابتداء عقد النكاح على كل واحدة منهن، ويجوز له الجمع بينهن؛ لأنهن بنات خالات.
وإن كان قد دخل بالكبيرة.. حرمن جميعًا على التأبيد، والكلام في مهور الصغار
على ما مضى، وأما مهر الكبيرة: فإنه يرجع بجميعه على الثلاث المرضعات بينهن أثلاثًا.
وقال ابن الحداد: لا يرجع عليهن بمهر المثل؛ لأنه قد وطئها، فلو ثبت له الرجوع.. لكانت في معنى المرهونة.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن المهر يرجع به على غيرها، فلا تكون في معنى المرهونة.
وإن تقدم إرضاع بعضهن على بعض.. فإن الأولى من بنات الكبيرة لما أرضعت واحدة من الصغار.. انفسخ نكاح الصغيرة والكبيرة، ورجع الزوج على المرضعة بنصف مهر مثل الصغيرة، وبنصف مهر مثل الكبيرة إن لم يدخل بها، وبجميع مهرها إن دخل بها - على الأصح - وحرمت الكبيرة على التأبيد، وأما الصغيرة: فإن لم يدخل بالكبيرة.. لم تحرم على التأبيد، وإن دخل بها.. حرمت على التأبيد.
فلما أرضعت الثانية الصغيرة الثانية، وأرضعت الثالثة الصغيرة الثالثة، فإن كان الزوج قد دخل بالكبيرة.. انفسخ نكاحهما؛ لأنهما بنتا ابنة امرأته المدخول بها، والكلام في مهرهما على ما مضى، وإن كان لم يدخل بالكبيرة.. لم ينفسخ نكاحهما؛ لأنهما بنتا ابنة امرأته التي لم يدخل بها.
فرع إرضاع زوجتين كبيرتين لضرة صغيرة
إذا كان له ثلاث زوجات: كبيرتان وصغيرة، فأرضعتها كل واحدة من الكبيرتين أربع رضعات، ثم حلبت كل واحدة منهما لبنًا منها، وخلطتاه، وسقتاه الصغيرة معًا.. انفسخ نكاح الكبيرتين والصغيرة، وعلى الزوج للصغيرة نصف المسمى، وللزوج على الكبيرتين نصف مهر مثل الصغيرة بينهما نصفين.
وأما مهر الكبيرتين: فإن كان قد دخل بهما.. فلهما عليه المهر المسمى، ويرجع الزوج على كل واحدة منهما بنصف مهر مثل صاحبتها؛ لأن كل واحدة منهما أتلفت عليه نصف بضع صاحبتها، ونكاح كل واحدة منهما انفسخ بفعل نفسها وفعل
صاحبتها، فلا تضمن كل واحدة منهما من مهر صاحبتها إلا ما قابل فعلها.
وإن كان لم يدخل بهما.. فلكل واحدة منهما ربع مهرها المسمى على الزوج؛ لأنه لو لم يكن من جهتها سبب في فسخ النكاح.. لاستحقت نصف مهرها المسمى، ولو انفسخ نكاحها بفعلها.. سقط جميع مهرها، فإذا انفسخ نكاحها قبل الدخول بفعلها وفعل صاحبتها.. فما قابل فعل نفسها، لا ترجع به؛ لأن الفسخ إذا كان من قبلها قبل الدخول.. لا مهر لها، وما قابل فعل صاحبتها.. لا يسقط، ويرجع الزوج على كل واحدة منهما بربع مهر مثل صاحبتها؛ لأنه قيمة ما أتلفته من بضع صاحبتها.
قال الشيخ أبو حامد: إذا كانت بحالها إلا أن إحداهما انفردت بإيجارها اللبن المخلوط منهما.. انفسخ نكاح الجميع، وللصغيرة على الزوج نصف المسمى، ويرجع الزوج على الموجرة بنصف مهر مثل الصغيرة؛ لأنها هي انفردت بالإتلاف.
وأما مهر الكبيرتين: فإن كان الزوج لم يدخل بالتي لم توجر.. كان لها على الزوج نصف المسمى، ويرجع الزوج على الموجرة بنصف مهر مثل التي لم توجر.
وإن كان قد دخل بالتي لم توجر.. فلها على الزوج جميع ما سمى لها، ويرجع الزوج على الموجرة بجميع مهر مثل التي لم توجر، وأما مهر الموجرة: فإن كان ذلك قبل الدخول بها.. فلا شيء لها، وإن كان بعد الدخول عليها.. فلها عليه جميع المسمى، ولا يسقط عنه شيء منه، وتحرم الكبيرتان عليه على التأبيد بكل حال.
وأما الصغيرة: فإن دخل بالكبيرتين أو بإحداهما.. حرمت عليه على التأبيد، وإن لم يدخل بواحدة منهما.. جاز له ابتداء العقد على الصغيرة.
[فرع إرضاع كبيرة صغيرة أربعًا ثم تزوجهما رجل فأرضعتها الخامسة]
وإن أرضعت امرأة كبيرة صغيرة أربع رضعات، ثم تزوج رجل الكبيرة والصغيرة، ثم أرضعتها الكبيرة الخامسة.. انفسخ نكاحهما، وتحرم الكبيرة على التأبيد، وإن كان قد دخل بالكبيرة.. حرمت الصغيرة أيضًا على التأبيد، وإن لم يدخل بها.. لم تحرم الصغيرة على التأبيد.
وأما المهر: فإن لم يدخل بالكبيرة.. فلا شيء لها على الزوج، وإن كان قد دخل بها.. فلها جميع مهرها عليه، وأما الصغيرة: فلها على الزوج نصف المسمى.
قال الشيخ أبو حامد: ويرجع الزوج على الكبيرة بنصف مهر مثل الصغيرة، ولا يقسط على عدد الرضعات؛ لأن الرضاع إنما تكامل عند الخامسة، والتحريم إنما وقع بها وهي في ملك الزوج.
فرع ارتضاع زوجة صغيرة من أم زوجها
وإن تزوج صغيرة، فارتضعت من أم الزوج خمس رضعات متفرقات والأم نائمة.. انفسخ نكاحها، ويسقط مهرها؛ لأن الفسخ جاء من قبلها قبل الدخول.
فإن ارتضعت من الأم رضعتين وهي نائمة، ثم أرضعتها الأم ثلاث رضعات متفرقات.. انفسخ نكاحها.
قال الشيخ أبو إسحاق: وفي قدر ما يسقط عنه من نصف المسمى وجهان:
أحدهما: يسقط نصفه وهو الربع، ويجب عليه الربع.
والثاني: يقسط على عدد الرضعات، فيسقط من نصف المسمى الخمسان، ويجب ثلاثة أخماسه.
فإذا قلنا بالأول.. وجب على الأم للزوج ربع مهر المثل.
وإذا قلنا بالثاني.. وجب على الأم ثلاثة أخماس نصف مهر المثل.
وإن تقاطر من لبن أمه في حلق زوجته الصغيرة، فوصل إلى جوفها خمس رضعات.. انفسخ النكاح، ووجب عليه للصغيرة نصف المسمى، ولا يرجع الزوج على الأم بشيء؛ لأنه ليس من جهة إحداهما فعل.
فرع ارتضاع زوجته الصغيرة من زوجته الكبيرة
]: وإن ارتضعت زوجته الصغيرة من زوجته الكبيرة خمس رضعات متفرقات والكبيرة نائمة.. انفسخ نكاحهما، وسقط مهر الصغيرة، فإن كان لم يدخل بالكبيرة.. رجعت على الزوج بنصف مهرها المسمى، ورجع الزوج على الصغيرة بنصف مهر مثل الكبيرة، وإن دخل بالكبيرة.. رجعت عليه بجميع مهرها المسمى، ورجع الزوج في مال الصغيرة بجميع مهر مثل الكبيرة، على قول أكثر أصحابنا، ولا يرجع عليها بشيء، على قول ابن الحداد.
فرع أرضعت زوجته الأمة الكبيرة ضرتها الصغيرة
إذا كان لرجل زوجة أمة كبيرة، وله زوجة صغيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة خمس رضعات متفرقات.. انفسخ نكاحهما، وتعلق نصف مهر مثل الصغيرة برقبة الأمة؛ لأنه جناية، وجناية الأمة في رقبتها.
ولو كان لرجل أم ولد؛ وله زوجة صغيرة، فأرضعتها أم ولده.. انفسخ نكاح الصغيرة، وحرمت عليه الأمة على التأبيد، فإن كان قد وطئ الأمة.. حرمت عليه الصغيرة على التأبيد، وإن لم يكن وطئ الأمة إلا أنها استدخلت ماءه، وحملت منه.. فلا تحرم الصغيرة على التأبيد، ويجب للصغيرة على الزوج نصف مهرها المسمى، ولا يرجع الزوج على أم الولد بشيء؛ لأن جنايتها على غيره عليه.
ولو أرضعتها مكاتبته بلبنه، فإن كانت أم ولده.. رجع عليها بنصف مهر مثل الصغيرة؛ لأن السيد يثبت له الحق على مكاتبته.
وإن أرضعتها أم ولد أبيه أو ابنه بلبنه.. انفسخ النكاح، ورجع على أبيه أو ابنه بنصف مهر مثل الصغيرة؛ لأن جناية أم الولد على سيدها.
وإن كانت له أمة لها لبن من غيره، وأرضعت به زوجته الصغيرة خمس رضعات متفرقات.. حرمت عليه الأمة على التأبيد؛ لأنها صارت من أمهات النساء، وهل ينفسخ نكاح الصغيرة؟ ينظر فيه:
فإن كان قد وطئ الأمة.. انفسخ نكاحها؛ لأنها بنت امرأة وطئها.
وإن لم يطأها.. لم ينفسخ النكاح، ولا يرجع السيد على الأمة بشيء من مهر الصغيرة؛ لأن السيد لا يثبت له المال على عبده.
فرع إرضاع زوجة الابن ضرة حماتها الصغيرة
وإن كان له زوجة صغيرة وزوجة كبيرة، وللكبيرة ابن - من غير هذا الزوج - له زوجة لها لبن من ابن الكبيرة، فأرضعت به الصغيرة.. انفسخ نكاح الصغيرة والكبيرة؛ لأن الكبيرة صارت جدة الصغيرة، ولا يجوز الجمع بين المرأة وجدتها، وتحرم الكبيرة على التأبيد، وأما الصغيرة: فإن كان قد دخل بالكبيرة.. حرمت عليه على التأبيد، وإن لم يدخل بالكبيرة.. لم تحرم عليه على التأبيد، ويجب على الزوج للصغيرة نصف المسمى، ويرجع الزوج على زوجته الكبيرة بنصف مهر مثل الصغيرة، وأما الكبيرة: فإن لم يدخل بها.. وجب عليه لها نصف مهرها المسمى، ويرجع على زوجة الابن بنصف مهر مثل الكبيرة، وإن دخل بالكبيرة.. رجعت الكبيرة بجميع مهرها المسمى، ويرجع الزوج على زوجة ابنها بجميع مهر مثل الكبيرة، على قول أكثر أصحابنا، ولا يرجع عليها بشيء هاهنا، على قول ابن الحداد.
وبالله التوفيق