كتاب الدعاوى والبينات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كتاب الدعاوى والبينات المدعي في اللغة: هو من ادعى شيئا لنفسه، سواء كان في يده أو في يد غيره.
وأما المدعي في الشرع: فهو من ادعى شيئا في يد غيره، أو دينا في ذمته.
والمدعى عليه في اللغة والشرع: هو من ادعي عليه شيء في يده أو في ذمته.
هذا نقل أصحابنا العراقيين، وقال المسعودي [في " الإبانة "]: قال الشافعي في موضع: (المدعي: من يدعي أمرا باطنا، والمدعى عليه: من يدعي أمرا ظاهرا).
وقال في موضع آخر: (المدعي: من إذا سكت.
ترك وسكوته، والمدعى عليه: من لا يترك وسكوته).
قال المسعودي [في " الإبانة "]: وهذا اختلاف في العبارة ولا فائدة له إلا في الزوجين إذا ادعى أحدهما: أنهما أسلما معا قبل الدخول، وادعى الآخر: أن أحدهما أسلم بعد الآخر، وقد مضى ذلك في نكاح المشرك.
إذا ثبت هذا: فإن دعوى المجهول في غير الوصية والإقرار لا تصح؛ لأن المدعى عليه ربما صدقه فيما ادعاه فلا يعلم الحاكم بماذا يحكم عليه.
فإن ادعى عليه شيئا من الأثمان.. فلا بد من أن يذكر الجنس والقدر والصفة
فيقول: لي ألف دينار، ويبين الغرائب؛ فإنها تختلف.
فإن اختلف الوزن في ذلك.. فلا بد من ذكر الوزن.
وإن ادعى شيئا من غير الأثمان، فإن كان مما يضبط بالصفة.. وصفه بما يوصف به في السلم، ولا يفتقر إلى ذكر قيمته مع ذلك؛ لأنه يصير معلوما من غير ذكر قيمته.
فإن ذكر قيمته.. كان آكد.
وإن كان مما لا يضبط بالصفة، كالجواهر.. فلا بد من ذكر قيمته.
وإن كان المدعى تالفا، فإن كان له مثل.. ذكر مثله، وإن ذكر قيمته مع ذلك.. كان آكد.
وإن لم يكن له مثل.. لم يدع إلا بقيمته من نقد البلد؛ لأنه لا يجب له إلا ذلك.
وإن كان المدعى أرضا أو دارا.. فلا بد أن يذكر اسمه، واسم الوادي، والبلد الذي هو فيه، وحدوده التي تليه.
وإن ادعى عليه سيفا محلى بالفضة.. قومه بدنانير من الذهب.
وإن كان محلى بالذهب.. قومه بدراهم من الفضة.. وإن كان محلى بالذهب والفضة.. قومه بالذهب أو الفضة؛ لأنه موضع ضرورة.
وإن ادعى عليه مالا مجهولا من وصية أو إقرار.. صحت الدعوى؛ لأن الوصية والإقرار يصحان في المجهول، فصحت الدعوى بالمجهول منهما.
وإن ادعى عليه دينا في ذمته أو عينا في يده.. فلا تفتقر إلى ذكر السبب الذي ملك به ذلك -قال الشيخ أبو حامد: وهو إجماع - ولأن المال يملك بجهات مختلفة من الابتياع والهبة والإرث والوصية وغير ذلك، وقد يملك ذلك من جهات ويشق عليه ذكر سبب كل درهم.
وإن ادعى قتلا أو جراحا.. فلا بد من ذكر سببه، فيقول: عمدا أو خطأ أو عمد خطأ، ويصف العمد، والخطأ، وعمد الخطأ، ولا بد أن يذكر أنه انفرد بالجناية أو شاركه غيره فيها؛ لأن القصاص يجب بذلك.
فإذا لم يذكر سببه.. لم يؤمن أن يستوفي القصاص فيما لا قصاص فيه.
وإن ادعى عليه جراحة فيها أرش مقدر، كالموضحة من الحر.. لم يفتقر إلى ذكر الأرش في الدعوى.
وإن لم يكن لها أرش مقدر، كالجراحة التي ليس لها أرش مقدر من الحر والجراحات كلها في العبيد.. فلا بد من ذكر الأرش في الدعوى؛ لأن الأرش غير مقدر في الشرع، فلم يكن بد من تقديره في الدعوى.
مسألة ادعاء رجل نكاح امرأة
وإن ادعى رجل على امرأة نكاحا.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه لا تسمع دعواه حتى يقول: نكحتها بولي، وشاهدي عدل، ورضاها).
فاختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه:
فـ[الأول]: منهم من قال: لا يجب ذكر ذلك في الدعوى، وما ذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -.. فإنه ذكره على طريق الاستحباب - وبه قال مالك وأبو حنيفة - كما يستحب له أن يمتحن الشهود إذا ارتاب بهم؛ لأنها دعوى ملك، فلم يفتقر إلى ذكر سببه، كدعوى المال، ولأنه لما لم يفتقر في الدعوى في النكاح إلى أنها خالية من العدة والإحرام والردة.. لم يفتقر إلى ذكر الولي والشاهدين ورضاهما؛ لأن الجميع شرط في صحة النكاح.
و [الثاني]: منهم من قال: يجب ذكر ذلك في دعوى النكاح - وبه قال أحمد - لأن الناس مختلفون في شروط النكاح، فمنهم من شرط الولي والشهود، ومنهم من شرط الولي دون الشهود، ومنهم من لم يشرط الولي والشهود، فلم يكن بد من ذكر الشرائط التي وقع عليها ذكر العقد؛ لئلا يكون النكاح وقع على جهة يعتقد الحاكم بطلانها.
ولأن النكاح يحصل فيه الوطء ولا يمكن تلافيه إذا وقع، فكان كالقتل لا بد من ذكر سببه في الدعوى.
و [الثالث]: منهم من قال: إن كان يدعي عقد النكاح.. وجب ذكر هذه الأسباب؛ لأنها شرط في العقد.
وإن كان لا يدعي العقد وإنما يدعي استدامة النكاح؛ بأن يقول: هي زوجتي.. لم يجب ذكر هذه الأسباب في الدعوى؛ لأن هذه الشرائط لا تشترط في استدامة النكاح، ولأن استدامة النكاح ثبتت بالاستفاضة، والعقد لا يثبت بالاستفاضة.
هذا ترتيب أصحابنا العراقيين، وقال الخراسانيون: هل يستحب ذكر هذه الأسباب في الدعوى في ابتداء النكاح؟ فيه وجهان:
أحدهما: يستحب.
والثاني: يجب.
فإذا قلنا: يجب.. ففيه معنيان:
أحدهما: لاختلاف الناس في هذه الأشياء في عقد النكاح.
والثاني: لأجل الاحتياط في الأبضاع.
وإن ادعى استدامة النكاح.. فهل يجب ذكر هذه الأسباب في الدعوى؟
إن قلنا: إن المعنى في الدعوى في ابتداء النكاح اختلاف الناس فيها.. لم يجب ذكرها هاهنا؛ لأنه لا خلاف بينهم فيها في الاستدامة.
وإن قلنا: المعنى هناك الاحتياط في الأبضاع.. وجب ذكرها في الدعوى في الاستدامة؛ لأن هذا المعنى موجود هاهنا.
فإن ادعى نكاح أمة، وقلنا: يجب ذكر الشروط في الدعوى في النكاح.. فهل يجب عليه أن يذكر في دعوى نكاح الأمة عدم الطول وخوف العنت؟ اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يجب ذكر ذلك؛ لأنهما شرطان في النكاح فوجب ذكرهما، كما قلنا في الولي والشاهدين.
ومنهم من قال: لا يجب ذكرهما، كما لا يجب ذكر خلوها من العدة والردة والإحرام.
والأول أصح.
إذا ثبت هذا: وادعى رجل على امرأة نكاحا.. نظرت:
فإن أقرت له بالنكاح.. ففيه قولان، حكاهما القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والمسعودي [في " الإبانة "]:
[أحدهما]: قال في القديم: (لا يثبت النكاح)؛ لأنها ليست من أهل مباشرة عقد النكاح، فلم يقبل إقرارها به، كالصبي.
قال ابن الصباغ: فعلى هذا: لا يثبت النكاح إلا بالبينة، إلا أن يكون في الغربة لتعذر البينة.
و [الثاني]: قال في الجديد: (يثبت النكاح).
ولم يحك الشيخ أبو حامد وأكثر أصحابنا غيره، وهو الأصح؛ لأنها مقبولة الإقرار، فقبل إقرارها في النكاح، كالرجل.
وأما ما قاله الأول: يبطل بالمحرم؛ فإنه لا يملك عقد شراء الصيد ويصح إقراره بشرائه.
فإن أنكرت النكاح ولا بينة.. كان القول قولها مع يمينها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر».
فإن حلفت له.. سقطت دعواه، وإن نكلت.. ردت اليمين عليه، فإذا حلف.. ثبت النكاح.
فإن قلنا بقوله القديم، وأن النكاح لا يثبت بإقرارها.. فهل تحلف؟ قال ابن الصباغ: لا تحلف؛ لأن اليمين إنما يعرض لتخاف فتقر، ولو أقرت.. لم يقبل إقرارها، فلا فائدة في عرض اليمين.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: وهل تحلف على هذا القول؟ فيه قولان، بناء على أن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه: هل تحل محل إقرار المدعى عليه، أو تحل محل البينة من جهة المدعي؟ فإن قلنا: إنها تحل محل إقرار المدعى عليه.. لم تحلف؛ لأنها إن نكلت وردت اليمين، فحلف.. كانت يمينه كإقرارها، وإقرارها لا يقبل.
وإن قلنا: إن يمينه كبينة يقيمها المدعي.. عرضت عليها اليمين؛ لجواز أن تنكل عن اليمين فيحلف الزوج فتكون كبينة أقامها، وبينته مسموعة.
فرع دعوى امرأة نكاح رجل
وإن ادعت امرأة على رجل نكاحا.. فهل تسمع دعواها؟ ينظر فيها:
فإن ادعت مع النكاح حقا من حقوق النكاح، كالمهر والنفقة أو غير ذلك.. سمعت دعواها، وإن لم تدع غير النكاح.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا تسمع دعواها؛ لأن النكاح حق للزوج عليها؛ لأن الملك له ومن أقر لغيره بملك شيء في يده وأنكر المقر له.. لم يقبل إقراره له.
والثاني: تسمع دعواها؛ لأن النكاح يتضمن وجوب حقوق لها عليه من المهر والنفقة،
فصارت دعواها للنكاح متضمنة لدعواها في هذه الحقوق، فسمعت دعواها.
وكل موضع سمعت دعواها في النكاح.. فهل يجب ذكر شروط العقد في الدعوى؟ على الأوجه التي ذكرناها في دعوى الرجل.
ثم ينظر في الرجل: فإن أقر بالنكاح.. ثبت النكاح، وإن أنكر.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال القاضي أبو الطيب في " شرح المولدات ": إنها تحرم عليه بإنكاره وإن أقامت البينة على النكاح.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يكون إنكاره طلاقا، وهو المنصوص في " الأم "؛ فإنه قال: (إذا أنكر.. كلفت البينة، فإن أقامت البينة.. ثبت النكاح، وإن لم تقم البينة.. فالقول قول الزوج مع يمينه، فإن حلف لها.. سقطت دعواها، وإن نكل.. ردت اليمين عليها، فإن حلفت.. ألزمته النكاح).
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا أنكر.. جعل كأنه لا نكاح بينهما، فإن رجع عن الإنكار.. قبل رجوعه، وجعلت زوجة له، وهذا كما لو قال: راجعتك قبل انقضاء العدة، فقالت: لا، بل بعد انقضاء العدة.. فالقول قولها، ويجعل كأنه لا رجعة له فيه، فلو رجعت عن الإنكار.. ثبتت الرجعة.
قال: ونص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على ما يقرب من هذه، وهو: (لو أن حرا تزوج أمة، ثم قال: كنت واجدا للطول عند التزويج.. فرق بينهما، وهل تلك الفرقة تكون طلاقا أو فسخا؟ فيه قولان).
قال القفال: فلو رجع عن قوله وقال: كذبت، بل كنت عادما للطول.. قبل قوله.
فرع ادعاء عقد بيع أو صلح أو هبة في عبد ونحوه
وإن ادعى عليه عقد بيع في عبد أو أرض، أو عقد صلح أو إجارة، وما أشبه ذلك.. فهل يجب فيه ذكر شروط العقد في الدعوى؟
إن قلنا: لا يجب ذكر شروط عقد النكاح في دعوى النكاح.. لم يجب هاهنا.
وإن قلنا: يجب في النكاح.. فهاهنا وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأنه دعوى عقد، فافتقر إلى ذكر شروطه في الدعوى، كدعوى عقد النكاح.
فعلى هذا القول: يقول: عقدنا بثمن معلوم من جائزي التصرف وتفرقنا عن تراض.
والثاني: لا يجب ذكر شروط العقد في الدعوى؛ لأن الدعوى متعلقة بالمال، فلم يفتقر إلى ذكر سبب الملك، كما لو ادعى المال مطلقا.
فإذا قلنا بهذا: وكانت الدعوى في البيع أو الشراء في الجارية.. فهل يفتقر إلى ذكر الشروط في الدعوى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يفتقر؛ لأنه يدعي مالا، فهو كما لو ادعى ذلك في العبد.
والثاني: يفتقر إلى ذكر الشروط في الدعوى؛ لأنه عقد يستباح به البضع، فأشبه عقد النكاح.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: وإذا ادعى عليه أنه وهب منه شيئا أو باع منه شيئا.. فلا تسمع هذه الدعوى حتى يقول المدعي: يلزمه تسليمه إلي؛ لجواز أنه وهب منه شيئا، ثم رجع عن الهبة قبل القبض، أو فسخ البيع بعد القبض.
فرع ادعى القرض أو الغصب أو البيع أو الهبة ونفاه الآخر
وإن ادعى عليه أنه أقرضه أو غصب منه شيئا، فإن قال المدعى عليه: ما أقرضتني، أو ما غصبت منك شيئا.. صح الجواب؛ لأنه أجاب عما ادعى عليه.
وإن قال: لا تستحق علي شيئا، أو لا يلزمني شيء مما ادعيت به علي.. صح الجواب، ولا يكلف الجواب: أنه ما اقترض منه؛ لأنه قد يقترض منه ثم يقضيه أو يبرئه.
فإن أنكره.. كان كاذبا، وإن أقر له بذلك.. احتاج أن يقيم البينة على القضاء أو البراءة، فيستضر بذلك.
وإن ادعى عليه أنه باع منه شيئا أو وهب منه شيئا، فإن قال المدعى عليه: ما بعت منك ولا وهبت منك.. صح الجواب.
فإن قال: لا تستحق ذلك علي، أو لا يلزمني تسليمه إليك.. صح الجواب ولا يستحق؛ لأنه قد يبيعه أو يهبه منه، ثم يفسخ، فلم يكلف الجواب على نفي البيع والهبة.
مسألة ادعى على رجل دينا في ذمته أو عينا في يده فأنكره
وإن ادعى رجل على رجل دينا في ذمته، فأنكره ولا بينة للمدعي.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه؛ لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لو أن الناس أعطوا بدعواهم.. لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم، لكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه»، ولأن الأصل براءة ذمته، فكان القول قوله.
وإن ادعى رجل على رجل عينا في يده، فأنكره ولا بينة للمدعي.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه؛ لما روى وائل بن حجر: «أن رجلا من حضرموت أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعه رجل من كندة، فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: أرضي، وفي يدي أزرعها، ولا حق له فيها، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحضرمي: "ألك بينة؟ " فقال: لا، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لك يمينه"، فقال: إنه فاجر لا يبالي على ما حلف، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ليس لك منه إلا ذلك»، «وروي عن الأشعث: أنه قال: كانت أرض بيني وبين يهودي فجحدني، فأتيت به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: لي: " ألك بينة؟ " فقلت: لا، فقال اليهودي: أحلف، فقلت: إذن يحلف ويذهب بالمال» ولأن اليد تدل على الملك، فكانت جنبته أقوى، فكان القول قوله.
فرع اختلفا في عين أنها لكل ولا بينة
وإن كان في يد رجلين عين، فادعى كل واحد منهما جميعها ولا بينة لأحدهما..
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (حلف كل واحد منهما لصاحبه على نفي ما ادعاه).
قال أصحابنا: ليس هذا على ظاهره؛ لأن كل واحد منهما يدعي جميعها، وليس في يد كل واحد منهما إلا نصفها، بل يجب على كل واحد منهما أن يحلف لصاحبه على النصف الذي هو في يده، فإن حلف كل واحد منهما لصاحبه.. قسمت العين بينهما نصفين؛ لما روى أبو موسى الأشعري: «أن رجلين تنازعا دابة، وليس لأحد منهما بينة، فجعلها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما [نصفين] »، ولا يكون ذلك إلا إذا حلف كل واحد منهما لصاحبه.
فإن حلف أحدهما لصاحبه ونكل الآخر.. ردت اليمين على الحالف، فإن حلف على النصف الذي في يد الناكل.. قضي له بجميعها.
مسألة تداعيا عينا وأقام واحد بينة
وإن تداعيا عينا وأقام أحدهما بينة.. قضي بها لصاحب البينة، سواء كانت العين في يد صاحب البينة أو في يد المدعي الآخر أو في يد ثالث أو لا يد لأحد عليها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر»، فبدأ بالحكم بالبينة، فدل على أنها أقوى حجة، وهذا قد أقام البينة فحكم له بها.
وإن ادعيا عينا في يد أحدهما، وأقام كل واحد منهما بينة.. حكم بها لصاحب اليد.
وبه قال شريح، والنخعي، والحكم، ومالك، وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: (إذا أقام المدعي البينة، ثم أراد المدعى عليه أن يقيم البينة في مقابلته.. نظرت: فإن كانت تشهد بملك مطلق أو بملك مضاف إلى سبب يتكرر ذلك السبب؛ مثل أن تكون الدعوى في آنية تسبك وتصاغ ثانيا وثالثا، أو في ثوب كتان أو صوف ينقض ثم ينسج.. لم تسمع بينته.
وإن كانت بينته تشهد بملك مضاف إلى سبب لا يتكرر؛ مثل أن تكون الدعوى في الدابة وشهدت بينة المدعي أن الدابة له نتجت في ملكه، وشهدت بينة المدعى عليه أنها له نتجت في ملكه.. فهاهنا بينة الذي لا يد له عليها أولى من بينة صاحب اليد).
وقال أحمد: (بينة من لا يد له أولى بكل حال).
دليلنا: ما روي: «أن رجلين اختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في دابة، وأقام كل واحد منهما بينة أنها له نتجت في ملكه، فجعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدابة لمن هي في يده».
ولأن كل واحد منهما معه بينة، ومع أحدهما ترجيح باليد فقدمت بينته، كالخبرين إذا تعارضا ومع أحدهما ترجيح.
إذا ثبت هذا: فهل يجب على صاحب اليد أن يحلف مع بينته؟ حكى أكثر أصحابنا فيها وجهين، المنصوص: (أنه لا يجب عليه أن يحلف مع بينته).
وحكى ابن الصباغ في ذلك قولين، بناء على البينتين إذا تعارضتا، وفيهما قولان: أحدهما: تسقطان.
فعلى هذا: لا بد أن يحلف صاحب اليد.
والثاني: تستعملان.
فعلى هذا: ترجح بينة صاحب اليد بيده، فلا يجب عليه أن يحلف، وإنما تسمع بينة صاحب اليد بعد أن يقيم المدعي الذي لا يد له بينته؛ ليعارض بها بينة الخارج.
فإن أراد صاحب اليد أن يقيم بينته قبل أن يقيم الذي لا يد له بينة.. فهل تسمع بينته؟ فيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي العباس بن سريج -: أنها تسمع؛ لأنها مسموعة في الحكم، فسمعت كما لو أقامها بعد أن أقام خصمه بينته.
والثاني: لا تسمع، وهو ظاهر المذهب؛ لأنه محكوم له بالملك بمجرد
اليد، فلا فائدة في إقامة البينة.
وهل تقبل بينة صاحب اليد بالملك له مطلقا من غير ذكر سبب الملك؟ فيه وجهان، حكاهما بعض أصحابنا قولين:
[أحدهما]: قال في القديم: (لا تقبل حتى يضيفه إلى سبب)؛ لأنها قد تشهد له بالملك لأجل اليد.
و [الثاني]: قال في الجديد: (تقبل مطلقا)، وهو الأصح؛ لأن الظاهر من حالهم أنهم لم يتعمدوا في شهادتهم يدا منازعة، وإنما شهدوا بالملك بأمر عرفوه غير اليد.
فرع إقامة من ليس له يد بينة ثم إقامة صاحب اليد بينة
وإن كانت العين في يد أحدهما، فأقام الذي لا يد له بينة، فحكم له بها وسلمت العين إليه، ثم أقام صاحب اليد بينة أنها له.. نقض الحكم الأول وسلمت العين إلى صاحب اليد الأول؛ لأنا حكمنا لمن لا يد له ظنا منا أنه لا بينة لصاحب اليد، فإذا أقام البينة.. فقد بان أن له يدا وبينة، فقدمت بينته على بينة الآخر.
مسألة ادعيا عينا لا يد لهما عليها أو كانت في يد ثالث
إذا ادعى رجلان عينا في يد ثالث، أو لا يد لأحدهما عليها، وأقام كل واحد من المدعيين بينة أن جميعها له.. ففيه قولان: أحدهما: أن البينتين تسقطان، فيكون كما لو لم تكن معهما بينة - وبه قال مالك - لأن كل واحدة من البينتين أثبتت الملك لمن شهدت له، ولا يمكن أن يكون الشيء ملكا للاثنين في حالة واحدة ولا مزية لإحداهما على الأخرى فسقطتا، ولأنهما أوقعتا إشكالا في حق المالك منهما فسقطتا، كما لو شهدت البينة بملك عين لأحد الرجلين لا بعينه.
والثاني: لا تسقطان، بل تستعملان؛ لأنهما حجتان تعارضتا، فإذا أمكن استعمالهما.. لم يسقطا، كالخبرين إذا تعارضا في الحادثة وأمكن استعمالهما.
فإذا قلنا: تستعملان.. ففي كيفية استعمالهما ثلاثة أقوال:
أحدها: يوقف الأمر إلى أن يصطلحا.
قال الربيع: وهو الأصح؛ لأن إحداهما صادقة في الباطن والأخرى كاذبة، ويرجى انكشاف الصادقة منهما، فوجب التوقف إلى أن نتبين الصادقة، كما لو زوج المرأة وليان لها من رجلين وسبق أحدهما وأشكل السابق.
والثاني: تقسم العين بين المدعيين - وبه قال ابن عمر وابن الزبير والثوري وأبو حنيفة - لما روى تميم الطائي: «أن رجلين اختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شيء، فأقام كل واحد منهما بينة أنه له، فقسمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما نصفين».
وروى أبو موسى الأشعري: «أن رجلين اختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بعير، فأقام كل واحد منهما بينة أنه له، فقسمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما»، ولأن البينة حجة كاليد، ولو كان لكل واحد منهما يد.. لقسمت العين بينهما، فكذلك إذا كان لكل واحد منهما بينة.
والقول الثالث: أنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة.. حكم له بالعين؛ لما روى سعيد بن المسيب: «أن قوما اختصموا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتساوت بيناتهم في العدالة والعدد، فأسهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهم، وقضى للذي خرج له السهم»، ولأن المدعيين
قد تساويا في الدعوى والبينة فأقرع بينهما، كما لو أعتق رجل في مرض موته عبيدا لا يخرجون من ثلثه.
فإذا قلنا بهذا: فهل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه قولان:
أحدهما: يحلف؛ لأن القرعة ضعيفة، فرجحت باليمين ورجحت بهما البينة، فيكونان بمجموعهما قائمين مقام اليد التي تترجح بها إحدى البينتين.
والثاني: لا يجب عليه أن يحلف، وهو الأصح؛ لأن البينة ترجحت بالقرعة؛ لأن كل دليلين تقابلا ووجد مع أحدهما ترجيح.. قدم ولم يطلب ترجيح آخر، كما لو كان مع إحدى البينتين يد.
والصحيح هو الأول: أنهما تسقطان، وحديث تميم الطائي ضعيف، وحديث أبي موسى الأشعري محمول على أن البعير كان في أيديهما، وحديث ابن المسيب مرسل وعلى أنه لم يذكر عن أي شيء كان، ويحتمل أنه كان في العتق.
فرع زيادة بينة أحدهما على الآخر بعدد أو غيره
وأنواع البينة]: وإن كانت بينة أحدهما شاهدين، وبينة الآخر أربعة أو أكثر.. فنقل أصحابنا البغداديون: أنهما متعارضتان ولا ترجح بكثرة العدد.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "]: أن الشافعي قال في القديم: (ترجح البينة بكثرة عدد الشهود)، وحكى: أنه مذهب مالك.
والمشهور عن الشافعي ومالك وأكثر أهل العلم هو الأول.
وقال الأوزاعي: (تقسم العين بيد المدعيين على عدد الشهود، فيكون لصاحب الشاهدين ثلث العين ولصاحب الأربعة ثلثاها).
دليلنا: أن عدد الشهود أمر مقدر في الشرع، وما قدر في الشرع لا يدخل الاجتهاد فيه كالدية لما قدرت في الشرع.. لم يجز أن يدخل فيها الاجتهاد، باختلاف
المقتول في الطول والعرض والقصر.. وإن أقام كل واحد منهما بينة عادلة إلا أن بينة أحدهما أعلم وأعف وأشهر في العدالة.. فإنها لا تقدم على بينة الآخر فيما تعارضتا فيه.
وقال مالك: (تقدم البينة التي هي أعف وأعلم وأشهر في العدالة).
وحكى المسعودي [في " الإبانة "]: أنه قول آخر للشافعي.
والمشهور عنه هو الأول؛ لأنهما متساويتان في العدالة المعتبرة، فكانتا متعارضتين، كما لو استويا في العدالة.
فإن أقام أحدهما شاهدين، وأقام الآخر شاهدا وأراد أن يحلف معه، أو شاهدا وامرأتين.. ففيهما قولان:
أحدهما: أنهما متعارضتان؛ لأنهما متساويتان في إثبات المال.
والثاني: يقضي لمن معه الشاهدان على من معه الشاهد واليمين، ولمن معه الشاهد والمرأتان على من معه الشاهد واليمين؛ لأنها بينة مجمع عليها، والشاهد واليمين مختلف فيها.
فرع عين في يد رجل وادعى آخر ملك جميعها وثالث ملك نصفها
إذا كانت عين في يد رجل، فادعى رجل ملك جميعها، وأقام على ذلك بينة، وادعى آخر ملك نصفها، وأقام على ذلك بينة.. فإن للذي ادعى جميعها نصفها؛ لأنه لم تعارض بينته فيه بينة الآخر.
وأما النصف الآخر.. فقد تعارض فيه البينتان.
فإن قلنا: إن البينتين إذا تعارضتا، سقطتا.. رجع إلى مَنِ الْعَيْنُ في يده، فإن ادعى ذلك النصف لنفسه.. حلف لكل واحد منهما يمينا.
وإن أقر به لأحدهما.. كان له، وهل يحلف للآخر؟ فيه قولان، يأتي بيانهما.
وإن أقر به لهما.. كان بينهما، وهل يحلف لكل واحد منهما على الربع؟ على القولين.
وإن قلنا: تستعملان، فإن قلنا بالوقف.. وقف ذلك النصف إلى أن يصطلحا عليه.
وإن قلنا: يقسم.. قسم ذلك النصف بينهما نصفين، فيكون لمدعي الجميع ثلاثة أرباع العين،
ولمدعي النصف ربعها.
وإن قلنا بالقرعة.. أقرع بينهما عليه، وهل يحلف من خرجت له القرعة؟ على قولين.
وقال أبو العباس بن سريج: إذا قلنا: إن البينتين تسقطان في النصف الذي تعارضتا فيه.. فهل تسقط بينة مدعي الجميع في النصف الآخر؟ فيه قولان، بناء على أن البينة إذا ردت في بعض شيء.. فهل ترد في الباقي؟ فيه قولان، وهو اختيار القاضي أبي الطيب والمسعودي [في " الإبانة "].
وقال الشيخ أبو حامد: والأول أصح؛ لأن القولين إنما هما إذا ردت الشهادة في بعض الشيء للتهمة، فأما للتعارض.. فلا ترد قولا واحدا، ألا ترى أنا إذا قلنا: يقسم المشهود به.. فقد أسقطنا البينة في بعض ما شهدت به، ولا تسقط في الباقي؟.
فرع في يديهما عين وادعاها كلاهما والآخر ثلثها
وإن كانت العين في يد رجلين، فادعى كل واحد منهما جميعها، وأقام على ما ادعاه بينة.. فقد ذكر الشيخ أبو إسحاق: أن الحكم فيه كما لو ادعى كل واحد منهما جميعها وأقام على ذلك بينة، والعين في يد غيرهما أو لا يد لأحدهما عليها.
وقال الشيخ أبو حامد: تكون العين بينهما، وهل يحتاج كل واحد منهما أن يحلف على النصف الذي في يده مع بينته؟ فيه قولان؛ لأن لكل واحد منهما يدا وبينة على النصف، فهو كما لو أقام كل واحد منهما بينة والعين في يد أحدهما؛ فإنه يقضى بها لصاحب اليد، وهل يحلف مع بينته؟ فيه قولان.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا قلنا: تسقط البينتان عند التعارض.. كان كما لو لم يقيما بينة، فيحلفان وتقسم بينهما.
وإن قلنا: تستعملان.. فيجيء فيه قول القسمة، ولا يجيء فيه قول الوقف؛ لأنه لا معنى للوقف مع ثبوت اليد، وهل تجيء فيه القرعة؟ فيه وجهان.
وإن كانت العين في يد رجلين، فادعى أحدهما جميعها، وادعى الآخر ثلثها، وأقام كل واحد منهما بينة على ما ادعاه.. فإنه يقضى لمدعي ثلثها بثلثها؛ لأن له اليد على نصفها إلا أن بينته لم تشهد له إلا بثلثها، فقضي له بها.
ويقضى لمدعي الجميع بثلثيها؛ لأن له يدا وبينة على نصفها، وله بينة بسدسها وللآخر فيه يد بلا بينة، والبينة مقدمة على اليد.
مسألة دار بيد ثلاثة وادعى كل منهم حصة
قال الشافعي: (ولو كانت الدار في يد ثلاث أنفس، فادعى أحدهم النصف، والآخر الثلث، والآخر السدس وجحد بعضهم بعضا.. فهي لهم على ما في أيديهم، ثلثا ثلثا).
فاعترض معترض على الشافعي، فقال: كيف يجعل لمدعي السدس الثلث وهو لا يدعي إلا السدس؟ فقال أصحابنا: أراد الشافعي بما ذكره: إذا كانت الدار بين ثلاثة، فادعى كل واحد منهم جميع الدار إلا أن أحدهم قال: نصفها ملكي والنصف الآخر وديعة في يدي لرجل غائب أو عارية، وقال الآخر: ثلثها ملكي وثلثاها وديعة عندي أو عارية، وقال الثالث: سدسها ملكي والباقي منها وديعة عندي أو عارية.. فإنه يجعل لكل واحد منهم هاهنا ثلث الدار، كما قال الشافعي؛ لأن يده ثابتة عليه.
والدليل على أنه أراد ذلك: أنه قال: (وجحد بعضهم بعضا)، ولا يتصور التجاحد بينهم إلى على ما ذكرناه.
فأما إذا كانت في أيديهم وادعى أحدهم ملك نصفها لا غير، وادعى الثاني ملك ثلثها لا غير، وادعى الثالث ملك سدسها لا غير، وأقام كل واحد منهم بينة على ما ادعاه.. فإنه يحكم لمدعي الثلث بالثلث؛ لأن له فيه يدا وبينة، ويحكم لمدعي السدس بالسدس؛ لأن له فيه يدا وبينة، وأما مدعي النصف.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: أنه يحكم له بنصف الدار؛ لأن له يدا على الثلث وبينة، وله بينة على السدس في يد مدعي السدس، وليس لمدعي السدس عليه إلا يد ولا يدعيه، فيحكم به لمدعي النصف.
والثاني: أنه يحكم لمدعي النصف بالثلث الذي في يده، ويحكم له بنصف السدس مما في يد مدعي السدس، فبقي في يد مدعي السدس السدس ونصف السدس؛ لأن مدعي النصف إنما يدعي السدس الزائد على الثلث مما في يد مدعي
الثلث ومدعي السدس؛ بدليل: أنه لو لم يكن معه بينة.. لكان له أن يستحلفهما عليه، فإذا كان ذلك مشاعا بينهم.. لم يكن له أن يأخذ شيئا مما في يد مدعي الثلث؛ لأن له فيه يدا وبينة، فلم يبق له إلا نصف السدس مما في يد صاحب السدس.
فرع دار في يد ثلاثة وادعاها أحدهم والثاني نصفها والثالث ثلثها
فرع: [دار في يد ثلاثة وادعاها أحدهم والثاني نصفها ولهما بينة والثالث ثلثها ولا بينة]:
وإن كانت الدار في يد ثلاثة، فادعى أحدهم ملك جميعها وأقام على ذلك بينة، وادعى الثاني ملك نصفها وأقام على ذلك بينة، وادعى الثالث ملك ثلثها ولا بينة له.. فإنه يحكم لمدعي الكل بالثلث الذي في يده؛ لأن له فيه يدا وبينة.
ويحكم لمدعي النصف بالثلث الذي في يده؛ لأن له فيه يدا وبينة.
وأما الثلث الذي في يد الثالث.. فإنه يحكم بنصفه -وهو السدس- لمدعي جميعها؛ لأن له فيه بينة لا تعارضها فيه بينة الآخر.
وأما السدس الباقي في يد مدعي الثلث.. فقد تعارضت فيه بينة مدعي الجميع وبينة مدعي النصف، فإذا قلنا: تسقطان.. رجع فيه إلى قول من هو في يده.
وإن قلنا: تستعملان: فإن قلنا بالوقف.. وقف، وإن قلنا: بالقسم.. قسم بينهما، وإن قلنا بالقرعة.. أقرع بينهما.
فرع دار في يد أربعة أو يد غيرهم وادعى كل منهم حصة
وإن كانت دار في يد أربعة رجال، فادعى أحدهم ملك جميعها، وادعى الثاني ملك ثلثيها، وادعى الثالث ملك نصفها، وادعى الرابع ملك ثلثها، فإن لم تكن مع واحد منهم بينة.. فالقول قول كل واحد منهم مع يمينه في الربع الذي في يده وتقسم بينهم أرباعا.
وإن أقام كل واحد منهم بينة بما ادعاه.. قضي لكل واحد منهم بالربع الذي في يده؛ لأن له فيه يدا وبينة.
وإن كانت الدار في يد غيرهم، فإن لم يقم أحد منهم بينة.. فالقول قول من الدار في يده مع يمينه.
وإن أقام كل واحد منهم بينة بما ادعاه.. فإنه يحكم لمدعي الجميع بثلث الدار؛ لأن له فيه بينة لا تعارضها فيه بينة.
وأما الثلثان: ففيه تعارض بالسدس الذي بين النصف والثلثين، تعارض فيه بينتان؛ بينة مدعي الجميع وبينة مدعي الثلثين.
والسدس الذي بين النصف والثلث تعارض فيه ثلاث بينات؛ بينة مدعي الجميع، وبينة مدعي الثلثين، وبينة مدعي النصف.
والثلث الباقي تعارض فيه الأرب البينات، فيبنى على القولين في البينتين إذا تعارضتا.
فإن قلنا: تسقطان.. صار كما لو لم تكن بينة في الثلثين، فيكون القول قول من الدار في يده مع يمينه، فإن أنكرهم.. حلف لكل واحد منهم، وإن أقر به أو بشيء منه لبعضهم.. قبل إقراره له وهل يحلف للباقين؟ فيه قولان.
وإن قلنا: إن البينتين إذا تعارضتا استعملتا.. ففي كيفية الاستعمال الأقوال الثلاثة.
فإن قلنا بالوقف.. وقف الثلثان بينهم إلى أن يصطلحوا عليه.
وإن قلنا بالقسمة.. قسم السدس الذي بين النصف والثلثين: بين مدعي الجميع ومدعي الثلثين نصفين، ويقسم السدس الذي بين النصف والثلث: بين مدعي الجميع ومدعي الثلثين ومدعي النصف أثلاثا، ويقسم الثلث الباقي بين الأربعة أرباعا، فتصح من ستة وثلاثين سهما؛ لمدعي الجميع عشرون؛ اثنا عشر سهما منها ثلث الدار الذي لا ينازعه فيه غيره، وثلاثة أسهم هي نصف السدس الذي بين النصف والثلثين، وسهمان: ثلث السدس الذي بين النصف والثلث، وثلاثة أسهم هي ربع الثلث.
ويحصل لمدعي الثلثين ثمانية أسهم؛ ثلاثة: نصف السدس الذي بين النصف والثلثين، وسهمان: ثلث السدس الذي بين النصف والثلث، وثلاثة أسهم: ربع الثلث الباقي.
ويحصل لمدعي النصف خمسة أسهم؛ سهمان: ثلث السدس الذي بين النصف والثلث، وثلاثة: ربع الثلث الثالث الباقي.
ويحصل لمدعي الثلث ثلاثة أسهم لا غير، وهي ربع الثلث.
وإن قلنا بالقرعة.. فعلى هذا: يقرع في ثلاثة مواضع:
أحدها: في السدس الذي بين النصف والثلثين، بين مدعي الجميع ومدعي الثلثين.
والثاني: في السدس الذي بين النصف والثلث، بين مدعي الجميع ومدعي الثلثين ومدعي النصف.
والثالث: في الثلث الباقي بين الأربعة.
فمن خرجت قرعته على شيء من ذلك.. كان ذلك الشيء له.
مسألة عين في يد رجل أو يد أحدهما وشهدت البينة بملك متقدم لأحدهما
وإن كانت عين في يد رجل، فادعى رجل ملكها وأقام بينة على أنها ملكه منذ سنتين لا يعلم أنه زال عنه إلى الآن، وادعى آخر أنها ملكه وأقام بينة أنها ملكه منذ سنة لا يعلم أنه زال عنه إلى هذه الحالة.. ففيه قولان: أحدهما: يحكم لمن شهدت له البينة بالملك المتقدم - وبه قال أبو حنيفة والمزني - وهو الأصح؛ لأن البينة أثبتت له الملك في وقت لا تعارضها فيه البينة الأخرى؛ ولهذا: يجب له على المشهود عليه نماء تلك العين وأجرتها في تلك
المدة، وإنما تعارضتا في إثبات الملك فيما بعد ذلك، فإذا سقطتا فيما تعارضتا فيه.. بقي إثبات الملك له فيما قبل ذلك، فوجب استدامته.
والثاني: أنهما سواء؛ لأن الاعتبار بالبينة إثبات الملك في الحال وهما متساويتان في ذلك.
فإذا قلنا بهذا: فهما متعارضتان، فإن قلنا: تسقطان عند التعارض.. كان القول قول من العين في يده، فإن ادعاه لنفسه.. حلف لكل واحد منهما يمينا، وإن أقر بها لأحدهما.. كانت له، وهل يحلف للآخر.. فيه قولان.
وإن أقر بها لهما.. قسمت بينهما، وهل يحلف لكل واحد منهما على النصف؟ فيه قولان.
وإن قلنا: لا تسقطان، بل تستعملان، فإن قلنا بالوقف.. وقفت العين بينهما إلى أن يصطلحا عليها، وإن قلنا بالقسمة.. قسمت بينهما، وإن قلنا بالقرعة.. أقرع بينهما.
فإن كانت بحالها وشهدت بينة أحدهما أنها ملكه في الحال، وشهدت بينة الآخر أنها ملكه منذ شهر إلى هذه الحال.. فقال أكثر أصحابنا: هي على قولين كالتي قبلها.
ومن أصحابنا الخراسانيين من قال: هما سواء قولا واحدا.
وإن كانت العين في يد أحد المتداعيين، وشهدت بينة أحدهما أنها ملكه منذ سنة إلى هذه الحال، وشهدت بينة الآخر أنها ملكه منذ شهر إلى هذه الحال.. نظرت: فإن كانت الدار في يد من شهدت له البينة بالملك المتقدم.. حكم له بالعين قولا واحدا؛ لأن معه ترجيحين باليد والشهادة بتقادم الملك.
وإن كانت في يد الآخر.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبو إسحاق: يبنى على القولين فيها إذا كانت العين في يد غيرهما.
فإن قلنا هناك: إنهما متعارضتان من جهة البينة ومع الآخر ترجيح.. فحكم بها لصاحب اليد؛ لأن البينتين قد تساويتا وانفرد صاحب اليد باليد، فحكم له بها.
وإن قلنا: إنه يحكم بها لمن شهدت له البينة بالملك المتقدم.. حكم له بها هاهنا أيضا؛ لأن معه ترجيحا من جهة البينة، ومع الآخر ترجيحا من جهة اليد،
والترجيح من جهة البينة يقدم على الترجيح من جهة اليد.
ومن أصحابنا من قال: يحكم بها لصاحب اليد قولا واحدا، وهو ظاهر المذهب؛ لأنهما متساويان في إثبات الملك في الحال، ولأحدهما مزية في إثبات الملك المتقدم، وللآخر مزية باليد الموجودة، واليد الموجودة أولى من إثبات الملك المتقدم.
ألا ترى أنه لو كان في يد رجل عين وادعاها آخر وأقام بينة أنها كانت له منذ سنة.. فإنه لا يحكم له بها؟ فكذلك هذا مثله.
فرع دابة أو زرع في يد رجل فادعاهما آخران وتقديم بينة الملك على اليد
وإن كانت دابة في يد رجل، فادعاها رجلان، وأقام أحدهما بينة أنها ملكه في هذه الحال، وأقام الآخر بينة أنها ملكه في هذه الحال وأنها نتجت في ملكه.. فاختلف أصحابنا فيه: فقال أبو العباس: فيه قولان، كما لو شهدت بينة أحدهما بملك متقدم:
أحدهما: أنهما سواء، فتكونان متعارضتين، والحكم في المتعارضتين ما ذكرنا فيما مضى.
والثاني: أن الذي شهدت بينته بالملك المتقدم أولى، فتقدم هاهنا بينة من شهدت له بالنتاج؛ لأن الشهادة بالنتاج كالشهادة بالملك المتقدم.
وقال أبو إسحاق: يحكم بها لمن شهدت البينة له بالنتاج قولا واحدا؛ لأن التي شهدت بالملك المتقدم لا تنفي أن يكون الملك لغيره فيما قبل هذه المدة ويجوز أن يكون الملك فيها لخصمه، والتي شهدت له بالنتاج في ملكه نفت أن يكون الملك فيها لغيره قبل النتاج.
وإن ادعيا زرعا في يد غيرهما، فأقام أحدهما بينة أنه ملكه في هذه الحال، وأقام الآخر بينة أنه ملكه في هذه الحال وأنه زرعه في ملكه.. ففيه طريقان، كما قلنا فيمن شهدت له بينة بالملك وشهدت للآخر بينة بالملك والنتاج.
قال في " الأم ": (وإن ادعى رجل دابة، وأقام بينة أنها ملكه منذ عشر سنين، فنظر الحاكم إلى الدابة فإذا لها سنتان.. لم يحكم للمدعي بالدابة؛ لأنه بان كذب بينته فيما شهدت به؛ لأن الدابة التي لها سنتان لا يجوز أن تكون ملكه منذ عشر سنين).
وإن كان في يد رجل عين وادعاها آخر وأقام بينة أنها له منذ سنة، وأقام صاحب اليد بينة أنها في يده منذ سنتين.. قدمت بينة الخارج؛ لأنها تشهد بالملك، وبينة الآخر تشهد باليد، والملك مقدم على اليد.
فرع عين في يد رجل وادعاها زيد وأقام بينة وسلمت له ثم ادعاها عمرو
إذا كانت عين في يد رجل، فجاء زيد فادعاها وأقام عليها بينة، فحكم له بها وسلمت إليه، ثم جاء عمرو فادعاها وأقام عليها بينة.. قال أبو العباس: فقد تعارضت البينتان، فإن قلنا: تسقطان.. كان كما لو لم يكن بينة.
وإن قلنا: تستعملان.. فهل يحتاج زيد إلى إقامة بينة ليعارض بها بينة عمرو؟ يبنى على القولين في البينتين إذا كانت إحداهما تشهد في ملك متقدم: فإن قلنا: إن التي شهدت بالملك المتقدم تقدم على الأخرى.. لم يحتج زيد إلى إعادة بينة؛ لأنها ثابتة له في الحال وفيما قبل، فيكون كما لو أقامها في الحال.
وإن قلنا: إن البينة التي شهدت بالملك المتقدم تساوي البينة الأخرى.. فهل يحتاج زيد إلى إعادة بينته؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يحتاج إلى إعادتها - وبه قال أبو حنيفة - لأنها قد أثبتت الملك له يوم الشهادة، والأصل بقاء ذلك الملك إلى أن يعلم خلافه.
والثاني: يحتاج إلى إعادة بينته؛ لأن حكم التعارض في الملك في الحال، وبينة زيد لم تشهد له بالملك في الحال، وإنما شهدت له بالملك في وقت متقدم، فلا بد أن يثبت له الملك في الحال؛ لتعارض البينة التي شهدت لعمرو بالملك في الحال.
مسألة ادعى عينا في يد آخر مع بينة أنها له فأنكرها الخصم
مسألة: [ادعى عينا في يد آخر مع بينة أنها له أمس فأنكرها الخصم أو أقر أنها كانت في يده]:
وإن كان في يد رجل عين وادعاها آخر، فأنكر من هي في يده، وأقام المدعي بينة أنه كانت في يده أمس.. فقد نقل المزني والربيع: (أنه لا يحكم له بهذه الشهادة)، ونقل البويطي: (أنه يحكم بها).
ولا فرق بين أن تشهد له باليد أو بالملك، إلا أن الشافعي لم ينص إلا على اليد، واختلف أصحابنا فيها على طريقين: فقال أبو العباس: فيه قولان، قال: وأصلهما القولان في الرجلين إذا ادعيا عينا في يد غيرهما، وأقام أحدهما بينة أنها ملكه منذ سنة إلى هذه الحال، وأقام الآخر بينة أنها ملكه منذ شهر إلى هذه الحال: فإذا قلنا: إنهما سواء.. لم يحكم بهذه البينة.
وإن قلنا: إن التي شهدت بالملك المتقدم أولى.. حكم بهذه البينة.
فإذا قلنا: يحكم بها - وهو اختيار البويطي وأبى العباس - فوجهه: أن البينة أثبتت له اليد أو الملك أمس، والأصل بقاء ذلك إلى أن يعلم خلافه.
وإذا قلنا: لا يحكم له بها -كما قال الشيخان: أبو حامد وأبو إسحاق - وهو الأصح.. فوجهه: أنه ادعى الملك في الحال، والبينة إنما شهدت له باليد أو بالملك أمس، فلم يحكم له بذلك، كما لو ادعى دارا وشهدت له بينة بغيرها.
ولأنه لو ادعى أن هذه الدار كانت ملكا له أمس، ولم يدع ملكها في هذه الحال.. لم تسمع هذه الدعوى، فكذلك: إذا شهدت له البينة بملكها أمس ولم تثبت الملك له في هذه الحال.. فإنها لا تسمع، كالدعوى والشهادة بالمجهول.
قال أبو إسحاق: لا يحكم بها قولا واحدا - لما ذكرناه- وما ذكره البويطي.. فهو مذهبه لا مذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقد حكى الربيع في "الأم" ما يدل على صحة ذلك؛ لأنه حكي عن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيها: (أنه لا يحكم بالبينة)، ثم قال: وقال أبو يعقوب البويطي: أنه يحكم بها، فتبين أنه مذهب البويطي، ويخالف الشهادة بالملك المتقدم؛ لأنهما قد شهدتا بالملك في الحال، وإنما انفردت إحداهما بإثبات الملك في زمان ماض فرجحت بذلك، وهاهنا لم تثبت البينة في الحال، فلم يحكم بها.
فإن شهدت البينة أنها كانت في يد المدعي أو في ملكه أمس، وأن فلانا أخذها منه أو قهره عليها أو غصبها منه، أو كانت العين عبدا فأبق.. قال أصحابنا: فإنه يحكم
بهذه البينة قولا واحدا؛ لأنه لو علم أن سبب يد الثاني من جهته، فكان موجب قولها: (إن فلانا أخذها منه) أن له اليد لهذا، أو أن يد الثاني بغير حق، ويخالف إذا لم يذكر السبب؛ لأن اليد تدل على الملك والاستحقاق.
قال أبو العباس: وإن ادعى رجل دارا في يد غيره، فأقر المدعى عليه أن هذه الدار كانت في يد المدعي، فإن قلنا: إن البينة إذا قامت له بذلك تقبل.. حكم له بها هاهنا بالإقرار.
وإن قلنا: لا تقبل في البينة.. فهل يحكم له بها بالإقرار؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحكم له بها، كما لو قامت البينة بذلك.
والثاني: يحكم له بها؛ لأن البينة لا تنفي أن تكون في يد غيره قبل ذلك، فقد تعارضت البينتان في الوقت المتقدم، وانفرد من بيده الدار بيد موجودة في هذه الحال، فحكم له بها، فأسقط حكم البينة.
وليس كذلك إذا أقر أن الدار كانت في يد المدعي؛ لأن بإقراره أسقط يد نفسه فجعلت اليد للمدعي، والأصل بقاؤها إلى أن يعلم زوالها.
قال أبو العباس: إذا قال المدعى عليه: إنها كانت للمدعي.. فإنه يحكم بها للمقر له وجها واحدا؛ لأنه إذا أقر أنها كانت في يده.. لم يتضمن الإقرار بملكها، وإذا أقر أنها كانت في ملكه.. فلأنه أثبت الملك لغيره، فأسقط حق نفسه منها، فحكم بها للمقر له، وجها واحدا.
فرع ادعى عينا موروثة في يد رجل فأنكره آخر فأقام بينة
إذا ادعى رجل عينا في يد آخر فأنكره، فأقام المدعي بينة أنها ملك أبيه إلى أن مات وخلفها موروثة وهو وارثه.. فاختلف أصحابنا المتأخرون فيها: فمنهم من قال: هو كما لو أقام بينة أنها كانت في يده أو في ملكه أمس.
ومنهم من قال: يحكم بها، وهو الأصح عندي مذهبا وحجاجا.
أما (المذهب): فلأن المزني والربيع نقلا: (لو أقام بينة أن أباه هلك وترك هذه الدار ميراثا له ولأخيه الغائب.. أخرجتها من يد من هي في يده).
ونقل المزني والربيع: (أنها إذا شهدت أنها كانت في يده.. لا تسمع).
ولم يقل أحد من أصحابنا المتقدمين: أنهما نقلا أن البينة بالملك بالأمس تسمع، بل أضافوا ذلك إلى البويطي.
وأما (الحجاج): فلأنه روي: أن الحضرمي «قال: يا رسول الله، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن هذا غلبني على أرض ورثتها من أبي - وروي: أنه قال: كانت لأبي- فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ألك بينة؟ " فقال: لا» فدل على أنه لو أقام بينة على ما ادعاه.. لسمعت.
ولأنه لو أقام بينة أنه اشتراها من مالكها.. حكم له بها، فلأن يحكم له بها إذا أضافها إلى الميراث أولى؛ لأنه أقوى.
فرع في يديهما شاتان وادعى كل شاة صاحبه
أو ادعاهما وماذا لو كانت شاة مسلوخة بينهما؟]:
إذا كان في يد رجلين شاتان في يد كل واحد منهما شاة، فادعى كل واحد منهما الشاة التي في يد صاحبه وأنها بنت الشاة التي في يده، وأقام كل واحد منهما البينة بذلك.. فإن البينتين متعارضتان في النتاج دون الملك، فيقضى لكل واحد منهما بالشاة التي في يد صاحبه؛ لأنه قد يملك الشاة ولا يملك أمها؛ بأن يوصى له بما في بطنها.
وإن كان في يد رجل شاتان، سوداء وبيضاء، فادعاهما رجل وأن السوداء ولدت البيضاء وأقام على ذلك بينة، وادعى آخر ملكهما وأن البيضاء ولدت السوداء وأقام على ذلك بينة.. فقد تعارضت البينتان في النتاج والملك، فإن قلنا: إن البيتين إذا تعارضتا سقطتا.. رجع فيهما إلى قول من هما في يده.
وإن قلنا: تستعملان.. فعلى الأقوال الثلاثة.
وإن كان في يد رجل شاة مسلوخة، وفي يد آخر جلدها وسواقطها، فادعى كل واحد منهما ملك الشاة، وأقام على ذلك بينة.. حكم لكل واحد منهما بما في يده.
وقال أبو حنيفة: (يقضى لكل واحد منهما بما في يد الآخر).
دليلنا: أن لكل واحد منهما يدا وبينة بما معه، ولصاحبه فيه بينة بلا يد.. فحكم لمن اجتمعت له اليد والبينة في شيء واحد.
فرع عند عمرو شاة حكم له بها وادعاها زيد
إذا كان في يد عمرو شاة، فادعاها زيد، فقال عمرو: هذه لي حكم لي بها حاكم وسلمها إلي، وأقام على ذلك بينة، وأقام زيد بينة أنها له.. قال أبو العباس: نظر
كيف وقع الحكم بها لعمرو؟ فإن كان قد حكم بها لعمرو على زيد؛ لأن البينة قامت لعمرو ولم تقم لزيد بينة وكانت في يد زيد.. فإنه ينقض ذلك الحكم؛ لأنه بان أن لزيد فيها يدا وبينة، ولعمرو فيها بينة بلا يد، فيقضى بها لصاحب اليد والبينة.
وإن كان حكم بها لعمرو؛ لأن بينة عمرو عادلة، وبينة زيد غير عادلة.. أقرت في يد عمرو.
وإن كان حكم بها لعمرو؛ لأنها كانت في يد زيد وقد أقام كل واحد منهما بينة، وكان الحاكم يرى الحكم ببينة الجارح.. لم ينقض حكمه؛ لأنه حكم بما يسوغ فيها الاجتهاد.
وإن كان الحاكم حكم بها لعمرو بأنه سبق بالبينة، فقال: لا أسمع بينة بعدها.. نقض الحكم؛ لأنه حكم مخالف للإجماع.
وإن لم يعلم كيف حكم بها الحاكم لعمرو.. قال أبو العباس: فيه وجهان:
أحدهما: أنه ينقض الحكم؛ لحصول بينة زيد.
والثاني: لا ينقض، وهو الأصح؛ لأن الظاهر أنه حكم بها لعمرو حكما صحيحا.
فرع ادعى ثوبا في يد آخر فأنكره وأقام البينة أنه غصب منه
قطنا ثم غزله ثم نسجه]:
قال أبو العباس: وإن ادعى رجل ثوبا في يد رجل فأنكره، فأقام المدعي بينة أنه غصب منه قطنا وغزل منه غزلا ونسج منه هذا الثوب.. حكم له بذلك؛ لأنه قد أثبت بالبينة أن هذا عين ماله وإنما تغيرت صفته، ثم يقابل بين قيمة القطن والغزل والثوب، فإن كان الثوب أكثر قيمة.. أخذ المغصوب منه الثوب ولا شيء للغاصب بزيادة قيمة الثوب.
وإن كانت قيمة الثوب أنقص من قيمة القطن أو من قيمة الغزل.. كان للمغصوب فيه الثوب وما نقص من قيمة القطن أو الغزل.
وإن كانت قيمة الغزل أنقص من قيمة القطن، وقيمة الثوب مثل قيمة القطن أو أكثر.. فالذي يقتضي المذهب: أنه يلزمه رد الثوب وما نقص من قيمة الغزل عن قيمة القطن؛ لأن بنقصان قيمة الغزل عن قيمة القطن.. لزم الغاصب ضمان ذلك، فلا يسقط عنه ذلك بزيادة قيمة الثوب.
مسألة ادعى عينا على رجل هي في يده فقال المدعى عليه هي لغيري
وإن ادعى رجل على رجل عينا في يده، فقال من بيده العين: ليست لي، وإنما هي لفلان، فإن كان المقر له حاضرا وصدق المقر أنها له.. انتقلت الخصومة في العين إليه، فإن كان مع المدعي بينة.. حكم له بالعين، وإن لم يكن معه بينة.. كان القول قول المقر له مع يمينه، فإن حلف.. سقطت عنه الدعوى، وإن نكل عن اليمين.. حلف المدعي واستحق العين.
فإن لم تحصل العين للمدعي، وسأل من كانت العين في يده أن يحلف له: ما يعلم أن العين له.. فهل تلزمه اليمين؟ فيه قولان، بناء على من أقر بدار لزيد ثم أقر بها لعمرو.. فإن الدار تسلم إلى زيد ولا يقبل إقراره لعمرو في الدار، ولكن: هل يلزمه أن يغرم قيمة الدار لعمرو؟ فيه قولان.
فإن قلنا: يلزمه أن يغرم.. لزمه هاهنا أن يحلف؛ لأنه قد يخاف من اليمين فيقر بالعين للمدعي، فيغرم له قيمتها.
وإن قلنا: لا يلزمه أن يغرم لعمرو شيئا.. لم يلزمه هاهنا أن يحلف؛ لأنه لو خاف من اليمين فأقر بها للمدعي.. لم يفد إقراره شيئا، فلا فائدة في عرض اليمين.
فإن قال المقر له: ليست العين لي، ولا بينة للمدعي.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الحاكم ينتزعها ممن هي في يده ويحفظها إلى أن يجيء من يدعيها ويقيم عليها البينة؛ لأن من في يده العين قد أسقط حقه منها بالإقرار، والمقر له قد أسقط حقه منها برد الإقرار، ولا بينة للمدعي، فصارت كلقطة لا يعرف مالكها، فكان على الحاكم حفظها.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنها تسلم إلى المدعي؛ لأنه ليس هاهنا من يدعيها غيره.
والثالث - حكاه ابن الصباغ -: أنه يقال له: من أقررت له قد رده، فإما أن تدعيها لنفسك فتكون الخصم، أو تقر بها لمن يصدقك فيكون الخصم، فإن لم تفعل.. جعلناك ناكلا، وحلفنا المدعي وسلمناها إليه.
والأول أصح؛ لأن على ما قال أبو إسحاق: تدفع العين إلى المدعي بمجرد الدعوى، وهذا لا يجوز.
وعلى قول من قال: إن المقر يدعيها لنفسه.. لا يصح؛
لأنه قد أقر أنه لا يملكها، فكيف يقبل قوله بعد ذلك أنه يملكها؟ وإن أقر بها من هي في يده لغائب معروف.. نظرت: فإن لم يكن مع المدعي بينة.. سقطت الخصومة بينه وبين من في يده العين؛ لأنه له حجة له، ويوقف الأمر إلى أن يقدم الغائب.
فإن قال المدعي: يحلف لي من العين في يده: ما يعلم أن العين لي.. فهل يلزمه أن يحلف؟
فيه قولان، مضى ذكرهما.
وإن كان مع المدعي بينة فأقامها، ولا بينة مع من بيده العين.. فإنه يحكم ببينة المدعي، وهل يحتاج إلى أن يحلف مع البينة؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: يحتاج أن يحلف مع البينة؛ لأنه قضاء على الغائب، والقضاء على الغائب لا بد فيه من اليمين.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: لا يجب عليه أن يحلف، وهو ظاهر النص؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (فإذا أقام المدعي البينة.. قضي له على الذي هي في يده)، ولم يذكر اليمين.
ولأنه قضاء على الحاضر.
وإن كان مع المقر بينة أن العين للمقر له وأقامها.. فإنها تسمع، فإن لم يدع المقر أنه وكيل للغائب ولا أن العين في يده وديعة ولا إجارة.. فإن بينة المدعي تقدم على بينة الغائب؛ لأن البينة إنما يحكم بها إذا أقامها المدعي أو وكيله.
فلم يحكم بها كما لو أفلس رجل وأراد الحاكم قسمة ماله بين غرمائه، أو مات رجل وأراد الحاكم قسمة ماله بين ورثته، وشهد شاهدان: أن هذه العين لفلان الغائب.. فإنه لا يحكم بهذه العين للغائب.
فإن قيل: فإذا كانت هذه البينة إذا أقامها المقر لا يحكم له بها.. فلم قلتم: يسمعها الحاكم؟ فالجواب: أن سماعها يفيد أمرين:
أحدهما: أنه ينفي عن نفسه التهمة بالإقرار إذا أقامها.
والثاني: أنه إذا أقامها.. فلا يقضي للمدعي ببينته إلا مع يمينه وجها واحدا؛ لأنه قضاء على الغائب.
وإن ادعى المقر: أن العين في يده رهن أو إجارة من الغائب، وأقام البينة أن العين للغائب.. ففيه وجهان:
أحدهما: تقدم بينة الغائب على بينة المدعي؛ لأنه يدعي حقا لنفسه ومعه يد وبينة، فقدمت على بينة بلا يد.
والثاني - وهو المنصوص -: (أنه لا يحكم ببينة المقر)؛ لأن الرهن والإجارة إنما يثبتان بعد ثبوت الملك للراهن والمؤاجر، ولم يثبت له ملك العين.
وإن ادعى من بيده العين: أنه وكيل للغائب وأقام على ذلك بينة، ثم أقام للغائب البينة بملك العين.. قدمت بينة الغائب على بينة المدعي؛ لأن للغائب يدا وبينة.
وكل موضع حكمنا للمدعي بالبينة على الغائب وسلمت العين إلى المدعي، ثم حضر الغائب وادعى ملك العين وأقام بينة.. فإن العين تنزع من الأول؛ لأنه بان أن للغائب بينة ويدا، فقدمت على من له بينة بلا يد.
وإن أقر بها المدعى عليه لمجهول؛ بأن قال: هي لغيري، ولم يعين المقر له.. قيل له: ليس هذا يسقط عنك الدعوى في العين، فإما أن تقر بها لمعروف ويكون خصما في العين، أو نجعلك ناكلا، وترد اليمين على المدعي ويحلف ويحكم له بالعين.
فإن أقر بها لمعروف.. كان الحكم فيه ما مضى.
وإن ادعاها لنفسه.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل؛ لأنه قد اعترف أنها لغيره، فيتضمن ذلك أنه لا يملكها.
والثاني: يقبل؛ لأن إقراره الأول لم يصح، فلا يمنعه ذلك من أن يدعيها لنفسه.
مسألة ادعى ملك جارية أو ثمرة نخلته وهي في يد غير
هـ]:
وإن ادعى رجل ملك جارية في يد غيره فأنكره المدعى عليه، وأقام المدعي بينة.. نظرت: فإن شهدت البينة: أن الجارية له أو ملكه.. حكم له بها.
وإن شهدت: أنها له ولدتها أمته في ملكه.. حكم له بها؛ لأن هذا آكد من قولها: إنها له.
وإن شهدت بينة: أنها بنت أمته ولدتها في ملكه، أو ادعى ثمرة في يد رجل وشهدت بينة: أنها ثمرة نخلته حملت بها في ملكه.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (حكمت بذلك).
وقال فيمن ادعى عينا وشهدت له البينة: أنها كانت في يده أمس: (إنه لا يحكم بها).
واختلف أصحابنا فيه: فنقل أبو العباس جوابه في كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى، وجعلهما على قولين في الشهادة بالملك المتقدم.
وحملهما أبو إسحاق وسائر أصحابنا على ظاهرهما، فقالوا: يحكم بالبينة هاهنا قولا واحدا، ولا يحكم بها هناك قولا واحدا.
والفرق بينهما: أن الشهادة هاهنا بنماء الملك، والشهادة بنماء الملك لا تفتقر إلى إثبات ملكه في الحال، بل إذا ثبت حدوثها في ملكه.. اكتفى بذلك؛ لأن النماء تابع للأصل.
والشهادة هناك على أصل الملك، فلم يحكم بها حتى يثبت الملك في الحال.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو شهد أن هذا الغزل من قطن فلان.. جعلته له.
وإن شهد أن هذه الجارية بنت أمته، وأن هذه ثمرة نخلته.. لم يحكم له بها).
والفرق بينهما: أن البينة إذا شهدت أن هذا يغزل من قطنه.. فالغزل هو نفس القطن، وإنما تغيرت صفته، فكأنما شهدت أن هذا غزله.
وليس كذلك إذا شهدت أنها بنت أمته أو أنها ثمرة نخلته؛ لأن الأمة قد تلدها وهي في غير ملكه، والنخلة قد تثمر وهي في غير ملكه، ثم يملك الأمة والنخلة، ولا يملك الولد والثمرة؛ لأنه لا يمكن أن يكون الغزل حاصلا قبل حصول القطن له، فإذا أثبتت البينة له ملك القطن.. تضمن ذلك إثبات ما حدث منه، وهو الغزل، فحكم له بملكه.
وليس كذلك إذا شهدت أن هذه الجارية بنت أمته، أو أن هذه الثمرة من نخلته؛ لأنهما قد يحدثان قبل حدوث ملك الجارية والنخلة، فليس فيه إثبات ملك الجارية له.
ولأنه قد يوصي لرجل بما تلد الجارية وتثمر النخلة، فيحدث الولد والثمرة في ملك الموصى له مع كون الجارية والنخلة ملكا لغيره.
قال الشيخ أبو إسحاق: وهكذا إذا ادعى طيرا أو آجرا، فأقام بينة أن الطير من بيضه وأن الآجر من طينه.. فإنه يحكم به له؛ لما ذكرناه في الغزل.
قال أبو العباس: وإن شهد له شاهدان أن هذا الثوب من غزله، وأن هذه الثمرة من نخلته.. حكم له بذلك.
قال الشيخ أبو حامد: وهذا تفريع من أبي العباس على القول الذي اختاره إذا شهدت له البينة: أنه كان في ملكه أمس.. أنه يحكم له بذلك.
مسألة ادعاء شراء عين من غير من هي في يده
إذا كان في يد زيد دار، فادعى عمرو أنها له وأقام بينة أنه اشتراها من خالد.. لم يحكم لعمرو بالدار حتى تشهد بينته: أنه اشتراها من خالد وهو يملكها، أو: أنه اشتراها من خالد وسلمها خالد إليه؛ لأن الظاهر أنه لا يسلم إلا ملكه.
وإن شهدت أنه ملك لعمرو واشتراها من خالد.. حكم له بها؛ لأنها قد أثبتت الملك لعمرو.
فأما إذا شهدت بينته أنه اشتراها من خالد وأطلقت.. لم يحكم له بها؛ لأنه قد يبيع ما لا يملك بيعه.
فإن قيل: فإذا شهدت أنه اشتراها من خالد وهو يملكها.. فقد حكمتم بالشهادة بملك ماض، وقد قلتم: إن البينة إذا شهدت له أنها كانت في ملكه أمس.. لم يحكم له بها على الصحيح من المذهب.
قلنا: الفرق بينهما: أن ملك المشتري إنما يثبت من جهة البائع، فإذا ثبت ملك البائع.. كان الملك الآن ثابتا للمشتري؛ لأن الأصل بقاؤه، فصار كما لو شهدت له البينة: أنه يملك العين منذ سنة، ويخالف إذا شهدت له البينة: أنها كانت في ملكه أمس؛ لأن ذلك لا يقتضي بقاء ملكه الآن.
فرع ادعى زيد ملك عين في يد رجل أنه ملكها منذ سنة وادعى آخر شراءها منه منذ خمس سنين
وإن ادعى زيد ملك عين في يد رجل وأقام بينة أنها ملكه منذ سنة، وادعى آخر أنه ابتاعها من هذا المدعي منذ خمس سنين وكان مالكا لها وقت البيع.. فإنه يحكم ببينة الابتياع؛ لأن البائع قد أقام بينة أنه يملكها منذ سنة، وثبوت الملك لها منذ سنة لا ينفي الملك قبل ذلك، فإذا أقام المدعي للابتياع بينة بالابتياع.. فقد ثبت أنه ابتاعها هذا من المدعي من مالك، فقدمت على بينة البائع؛ لأن بينة البيع شهدت بأمر حادث خفي على البينة التي شهدت للبائع بأصل الملك فقدمت، كما تقدم بينة الجرح على بينة التعديل.
وهكذا: لو شهدت بينة المدعي: أنه ابتاعها من هذا المدعي فسلمها إليه.. فإنه يحكم بها للمدعي للابتياع؛ لأن بينة البائع قد أثبتت له الملك، وبينة المبتاع قد أثبتت له البيع والتسليم، فثبت أن اليد كانت للبائع في حال البيع.
وهاتان المسألتان وفاق بيننا وبين أبي حنيفة، وأما إذا أقام المدعي للابتياع بينة، فشهدت أنه ابتاعها من زيد فحسب.. فإنه يحكم بها للمبتاع.
وقال أبو حنيفة: (يحكم بها لزيد، ولا يحكم بها للمبتاع إلا أن شهدت البينة أن زيدا باع ما يملكه أو ما في يده؛ لأن البيع المطلق ليس بحجة).
دليلنا: أنه قد ثبتت بالبينة الأولى إزالة يد من الدار بيده، وإثبات الملك لزيد، فإذا قامت البينة على زيد بالبيع.. فالظاهر أنه لا يبيع إلا ما ملكه فحكم بذلك، وصار بمنزلة أن يقيم رجل البينة أن هذه الدار له، وأقام آخر البينة أنه ابتاع الدار منه.. فإنه يحكم بها للمبتاع منه.
فرع ادعى ملك الدار من سنتين وادعى آخر شراءها منه منذ سنتين
قال في " الأم ": (وإن ادعى رجل: أن هذه الدار ملك له منذ سنتين وأقام على ذلك بينة، وادعى آخر: أنه ابتاعها منه منذ سنتين وأقام على ذلك بينة.. حكم بها للمبتاع؛ لأن بينته شهدت بأمر حادث ربما خفي على شاهدي الملك فقدمت، كما تقدم بينة الجرح على بينة التعديل).
فرع في يد رجل دار فادعاها آخر وأنه كان قد أجره إياها
فرع: [في يد رجل دار فادعاها آخر وأنه كان قد أجره أو أودعه إياها أو غصبها منه]: قال أبو العباس: إذا كان في يد رجل دار، فادعاها آخر وأقام بينة أنها له أجرها ممن هي في يده، أو أودعه إياها، أو غصبها منه، فأقام على ذلك بينة، وأقام من في يده الدار بينة أنها ملكه.. قدمت بينة الجارح؛ لأنها شهدت له بالملك واليد، وأثبتت أن يد صاحب الدار نائبة عنه في الإجارة أو الوديعة، وإذا شهدت بالغصب.. فقد شهدت بأمر خفي على بينة الملك فقدمت، كما تقدم بينة الجرح على بينة التعديل.
فرع في يد رجل دار فادعاها اثنان أنه غصبها أو أجراها إياه
فرع: [في يد رجل دار فادعاها اثنان أحدهما أنه غصبها منه والآخر أنه أجره إياها]:
وإن كان في يد رجل دار فادعاها اثنان، وأقام أحدهما بينة أن الذي في يده الدار غصبها منه، وأقام الآخر بينة أن هذه الدار أقر له بها من هي بيده.. حكم للدار للمغصوب منه؛ لأنه قد ثبت بالبينة أن من في يده الدار غاصب لها، وإقرار الغاصب لها غير مقبول.
ولا يلزم المقر أن يغرم للمقر له قيمة الدار قولا واحدا، بخلاف ما لو قال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو.. فإنه يلزمه أن يغرم لعمرو قيمة الدار في أحد القولين.
والفرق بينهما: أنه إذا أقر بها لزيد ثم أقر بها لعمرو.. فقد أتلفها على عمرو بإقراره فيها لزيد وحال بينها وبينه، وهاهنا لم يتلف على المقر له شيئا، وإنما لزمه تسليمها بالبينة.
فإن ادعى رجلان دارا في يد رجل، وأقام أحدهما بينة أنها له أودعها عند من هي في يده، وأقام الآخر بينة أنها له أجرها ممن هي في يده.. فقد تعارضت البينتان: فإن قلنا: يسقطان.. رجع إلى من هي في يده، فإن ادعاها لنفسه.. حلف لكل واحد منهما، وإن أقر بها لأحدهما.. سلمت إليه، وهل يحلف للآخر؟ فيه قولان.
وإن أقر لهما بها.. قسمت بينهما، وهل يحلف لكل واحد منهما على النصف؟ فيه قولان.
وإن قلنا لا يسقطان، وإنما يستعملان.. ففي الاستعمال الأقوال الثلاثة، وقد تقدم ذكرها.
مسألة تنازعا دارا في يد رجل وادعاها كل منهما وأنه اشتراها منه ونقده الثمن
إذا تنازع رجلان دارا، وادعى كل واحد منهما أنه اشتراها من زيد وهو يملكها بثمن معلوم ونقده الثمن، وأقام كل واحد منهما بينة، فإن كانت البينتان مؤرختين تأريخا مختلفا؛ بأن شهدت بينة أحدهما بأنه اشتراها في المحرم، وشهدت بينة الآخر بأنه اشتراها في صفر.. قدمت بينة الذي اشتراها في المحرم؛ لأنه بان أنه باعها في صفر بعد زوال ملكه عنها بالبيع في المحرم، ويطالب البائع برد الثمن للمشتري الثاني الذي قبضه.
وإن كانت البينتان مؤرختين تأريخا واحدا، أو مطلقتين، أو إحداهما مؤرخة
والأخرى مطلقة، فإن كانت الدار في يد أحد المدعيين.. قضي له بها؛ لأنه اجتمع له اليد والبينة.
وحكى المسعودي [في " الإبانة "] وجها آخر: أنه لا يرجح باليد هاهنا؛ لأنهما تقارا على أن اليد كانت قبل ذلك لغيرهما، وكل واحد منهما يدعي أن اليد انتقلت إليه، فلم يقر الثاني أن هذه اليد يده.
والأول هو المشهور.
وإن كانت الدار في يد البائع.. تعارضت البينتان:
فإن قلنا: يسقطان.. رجع إلى البائع، فإن كذبهما.. حلف لكل واحد منهما، وهل لهما استرداد الثمن منه؟ فيه وجهان، حكاهما المسعودي [في " الإبانة "]:
أحدهما: لهما ذلك؛ لأنا قد حكمنا بالبينة أن كل واحد منهما قد سلم الثمن ولم يحصل له المثمن.
والثاني: ليس لهما ذلك؛ لأنا قد حكمنا بسقوط البينتين.
فإن أقر بالبيع لأحدهما.. سلمت الدار إليه بالثمن الذي ادعى أنه ابتاعها به، وهل يحلف للآخر؟ فيه قولان.
وإن أقر بالبيع لهما.. كان لكل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن الذي ادعى أنه ابتاع به، وهل يحلف لكل واحد منهما على النصف الذي للآخر؟ فيه قولان.
وإن قلنا إن البينتين لا تسقطان، وإنما تستعملان، فإن صدق البائع أحدهما.. فهل تقدم بينة من صدقه؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال أبو العباس: تقدم بينته؛ لأن اليد للبائع، فإذا صدق أحدهما.. فكأنه نقل يده إليه، فاجتمعت له اليد والبينة فقدمت، كما لو كانت الدار في يد أحد المتداعيين.
والثاني: لا تقدم بينة المصدق، وهو قول أكثر أصحابنا، وهو الأصح؛ لأن البينتين قد اتفقتا على إزالة يد البائع.
فإذا قلنا بهذا: ولم يصدق البائع أحدهما.. ففي كيفية الاستعمال الأقوال الثلاثة:
أحدها: الوقف، ولا يتأتى الوقف هاهنا؛ لأنهما يتداعيان عقدا والعقد لا يمكن وقفه.
والثاني: القرعة.
فعلى هذا: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة.. حكم له بالدار بالثمن الذي اشتراه به، وهل يحلف مع خروج القرعة له؟ على القولين.
ويرجع الآخر بالثمن الذي دفعه.
والثالث: القسمة.
فعلى هذا: تقسم بينهما الدار، ويكون لكل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن الذي ادعى أنه ابتاعه به، ولكل واحد منهما الخيار في فسخ البيع؛ لأن الصفقة تبعضت عليه.
فإن اختارا جميعا الفسخ وفسخا.. رجعت الدار إلى المدعى عليه، ورجع عليه كل واحد منهما بالثمن الذي دفع.
وإن اختار جميعا الإمساك.. أمسك كل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن الذي ادعى أنه ابتاع به، ورجع على البائع بنصفه.
وإن اختار أحدهما الفسخ واختار الآخر الإمساك.. قال الشيخ أبو حامد: فينظر فيه:
فإن اختار أحدهما الفسخ أولا، ثم اختار الآخر الإمساك.. فإنه يمسك الدار بجميع الثمن الذي ادعى أنه ابتاع به؛ لأنه قد ادعى أنه ابتاع جميع الدار وشهدت له البينة بذلك، وإنما لم يحكم له بالجميع لمزاحمة غيره، فإذا سقط حق غيره.. كان له إمساك الجميع.
وإن اختار أحدهما الإمساك أولا، ثم اختار الآخر الفسخ.. فإن الأول يستقر ملكه على نصف الدار بنصف الثمن الذي ادعى أنه ابتاع به، وليس له أن يأخذ النصف الذي فسخ الثاني البيع فيه؛ لأنه قد أمسك النصف وحكم الحاكم بإمضاء البيع فيه وفسخه في النصف الآخر، فلم ينتقض الحكم فيه، وقال المسعودي [في " الإبانة "]: إذا فسخ أحدهما البيع في نصف الدار.. فهل على البائع تسليم ذلك النصف إلى المدعي الآخر؟ فيه وجهان من غير تفضيل:
أحدهما: عليه ذلك؛ لأنه قد أقام البينة على أنه يستحق جميع الدار، إلا أنه تعذر تسليم الكل إليه لأجل صاحبه، فإذا ارتفع ذلك.. سلم إليه.
والثاني: لا يسلم إليه؛ لأن بينة الذي فسخ شهدت له بالملك، فإذا فسخ البيع.. انتقل الملك فيه إلى المدعى عليه.
مسألة خصمان ادعيا شراء دار كل واحد من بائع
وإن تنازع رجلان دارا، فادعى أحدهما أنه ابتاعها من زيد بمائة وهو يملكها ونقده الثمن ولم يسلم إليه الدار وأقام على ذلك بينة، وادعى الآخر أنه ابتاعها من عمرو بمائة وهو يملكها ونقده الثمن ولم يسلم إليه الدار وأقام على ذلك بينة، فإن كانت الدار في يد أحد المتداعيين.. قضي له بالدار بالثمن الذي ادعى أنه ابتاع به؛ لأنه اجتمع له اليد والبينة.
وإن كانت الدار في يد أحد البائعين أو في يد أجنبي.. فالبينتان متعارضتان؛ لأنه لا يجوز أن تكون جميع الدار ملكا لاثنين ويبيع كل واحد منهما جميعا من واحد.
فإن قلنا: إنهما تسقطان، وكانت الدار في يد أحد البائعين أو كانت في يد أجنبي.. كان القول قول من كانت الدار في يده، فإن ادعاها لنفسه.. حلف لكل واحد منهما يمينا، وإن أقر بها لأحدهما.. سلمت إليه وسلم الثمن الذي ادعى أنه ابتاع به إلى الذي ادعى أنه باعه، وهل يحلف المقر للآخر؟ فيه قولان.
وإن أقر لهما بها.. كان لكل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن الذي ادعى أنه ابتاع به، وهل يحلف لكل واحد منهما على النصف الآخر؟ فيه قولان.
وإن قلنا: إن البينتين تستعملان، وكانت الدار في يد أحد البائعين، فإن صدق الذي ادعى: أنه ابتاع منه.. فهل ترجح بينته بذلك؟ فيه وجهان.
فإذا قلنا: لا ترجح أو لم يصدقه.. استعملتا، ولا يجيء الوقف هاهنا؛ لأن العقود لا توقف.
وإن قلنا بالقرعة.. أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة.. حكم له بالدار بالثمن الذي ادعى أنه ابتاع به، ورجع الآخر بالثمن الذي دفعه.
وإن قلنا بالقسمة.. كان لكل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن الذي ادعى أنه ابتاع به، وثبت لكل واحد منهما الخيار في فسخ البيع؛ لأن الصفقة تبعضت عليه.
فإن اختار الإمساك.. رجع كل واحد منهما بنصف الثمن الذي دفع؛ لأنه لم يسلم له إلا نصف الدار.
وإن اختار الفسخ.. رجع كل واحد منهما بما دفع من الثمن.
وإن اختار أحدهما الفسخ والآخر الإمساك.. قال الشيخ أبو حامد: فإن الذي اختار الفسخ
يرجع بجميع الثمن الذي دفع ولا يسلم هذا النصف الذي فسخ فيه البيع إلى الذي اختار الإمساك.
والفرق بينهما وبين التي قبلها: أن البائع هناك واحد، وكل واحد من المدعيين قد أقام البينة أنه اشترى منه، وإنما لم يمسك جميعه لمزاحمة غيره له، فإذا سقطت المزاحمة.. كان له إمساك، وهاهنا البائع اثنان، والمشتري اثنان، وكل واحد منهما يدعي أنه ابتاع من واحد، فإذا فسخ أحدهما البيع مع بائعه.. لم يكن للآخر أن يأخذه؛ لأنه لا يأخذه من غير بائعه.
وأما إذا ادعى كل واحد من المشتريين: أنه قبض الدار وقامت عليه البينة بذلك.. فالحكم فيه ما ذكرناه إذا لم يقبض الدار إلا في شيء واحد، وهو: أنه لا يرجع على الذي باعه بالثمن الذي دفعه إليه ولا ببعضه؛ لأنه إذا لم يقبض المبيع.. فقد تعذر عليه قبض المبيع، فصار ضمان عهدته على بائعه، فيرجع عليه بالثمن الذي دفعه إليه.
فإذا قبض المبيع.. فقد استقر عليه الثمن وإنما غصب منه الدار بعد ذلك، فلا يلزم البائع ضمان عهدته.
مسألة في يد رجل دار فادعى أحد الخصمين أنه باعها منه بمائة وادعى الآخر مثله
وإن كان في يد رجل دار، فادعى زيد أنه باعها منه بمائة وأقام على ذلك بينة، وادعى عمرو أنه باعها منه بمائة وأقام على ذلك بينة.. نظرت:
فإن كانت البينتان مؤرختين تأريخا واحدا.. فهما متعارضتان؛ لأنه يستحيل أن يكون جميع الدار ملكا لاثنين في وقت واحد.
فإن قلنا: إنهما يسقطان.. رجع إلى المدعى عليه، فإن أنكرهما من الشراء.. حلف لكل واحد منهما يمينا، وإن أقر أنه ابتاع جميع الدار من كل واحد منهما.. لزمه الثمنان؛ لأنه يجوز أن يبتاعه من أحدهما، ثم يخرج من ملكه إلى ملك الآخر ثم يبتاعه منه.
وإن أقر أنه ابتاعه من أحدهما.. لزمه الثمن له وحلف للآخر قولا واحدا؛ لأنه لو أقر أنه ابتاعه منه.. لزمه الثمن له.
وإن قال: ابتعته منكما.. فقد أقر لكل واحد منهما بنصف الثمن الذي ادعى أنه باعه منه، ويلزمه أن يحلف لكل واحد منهما على النصف الآخر قولا واحدا.
وإن قلنا: إنهما يستعملان.. فلا يجيء هاهنا الوقف؛ لأن العقود لا توقف،
ولكن تجيء القرعة أو القسمة.
فإن قلنا بالقرعة.. أقرع بينهما، فإذا خرجت لأحدهما القرعة.. حكم له بالثمن الذي ادعاه، وهل يحلف مع خروج القرعة له؟ على القولين، ويكون للذي لم تخرج له القرعة أن يحلف المشتري؛ لأنه لو أقر له بعد ذلك.. لزمه الثمن له.
وإن قلنا بالقسمة.. لزمه لكل واحد منهما نصف الثمن الذي ادعاه، ولا خيار للمشتري؛ لأن جميع الدار قد حصلت له، ولا فرق بين أن تحصل من واحد منهما أو من اثنين.
ولكل واحد من البائعين أن يحلفه على نصف الثمن؛ لأنه لو أقر لكل واحد منهما.. لزمه ما أقر به له.
وإن كانت البينتان مؤرختين تأريخا مختلفا؛ بأن شهدت بينة أحدهما: أنه باعها منه في المحرم، وبينة الآخر: أنه باعها منه في صفر.. لزمه الثمنان؛ لأنه يجوز أن يبتاعها منه في المحرم، ثم تخرج من ملكه، ثم يبتاعها من الآخر في صفر وهي في ملكه.
وإن كانت البينتان مطلقتين، أو إحداهما مطلقة، والأخرى مؤرخة.. ففيه وجهان:
أحدهما: يلزمه الثمنان؛ لأنه يمكن أن يكون قد اشتراها منهما في وقتين.
والثاني: أنهما تتعارضان، فيكونان كما لو كانتا مؤرختين تأريخا واحدا؛ لأنه يحتمل أن يكونا في وقتين فيلزمه الثمنان، ويحتمل أن يكونا في وقت واحد، فتكونان متعارضتين، والأصل براءة ذمته من الثمنين.
هكذا: ذكر الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ، وأما الشيخ أبو حامد.. فقال: فيه وجهان:
أحدهما: يلزمه الثمنان؛ لما مضى.
والثاني: لا يلزمه إلا ثمن واحد وهو المتيقن وجوبه، ويسقط الثمن الآخر بالشك في وجوبه.
مسألة ادعى ملك عين أو عبد وادعى آخر أنه باعه إياها أو وقفها عليه
وإن ادعى رجل ملك عين وأقام على ذلك بينة، وادعى آخر على هذا المدعي أنه باعه تلك العين أو وقفها عليه، أو كانت العين عبدا فادعى أن المدعي أعتقه وأقام
المدعي الثاني بينة بما ادعاه.. قدمت بينة المدعي الثاني على بينة المدعي الأول؛ لأن بينة الأول شهدت بأصل الملك، وبينة الثاني شهدت بأمر حادث ربما خفي عن بينة الملك فقدمت.
وإن كان في يد رجل عبد، فادعى رجل أنه ابتاع منه هذا العبد وأقام على ذلك بينة، وادعى العبد أن سيده الذي هو في يده أعتقه وأقام على ذلك بينة.. نظرت:
فإن كانت البينتان مؤرختين تأريخا مختلفا.. قضي بالبينة الأولى، سواء كانت بيعا أو عتقا؛ لأن صحة الأول تمنع صحة الثاني.
وإن كانتا مطلقتين أو مؤرختين تأريخا واحدا، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة.. فهما متعارضتان.
فإن كان العبد في يد المشتري.. قدمت بينته؛ لأن له يدا وبينة.
وقال المزني: تقدم بينة العبد؛ لأن يده ثابتة على نفسه.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن العبد لا تثبت له يد على نفسه؛ بدليل: أنه لو كان له عبد في يد رجل فادعاه آخر، وأقام كل واحد منهما بينة، وصدق العبد الخارج.. فإنه لا يحكم له به، فلو ثبت للعبد يد على نفسه.. لكان قد اجتمع للخارج يد وبينة.
وإن كان العبد في يد المدعى عليه، فإن قلنا: إنهما يسقطان.
رجع إليه، فإن كذبهما.. فالقول قوله مع يمينه، فيحلف لكل واحد منهما يمينا.
وإن صدق أحدهما وكذب الآخر.. حكم للذي صدقه بما ادعاه، ولا يحلف للآخر قولا واحدا؛ لأنه لا يلزمه له غرم؛ لأنه إن صدق العبد أولا.. فإقراره بالبيع بعده لا يحكم به، إلا أنه يلزمه رد الثمن إن كان قد قبضه، وإن صدق المشتري أولا.. فإقراره بالعتق لا يصح ولا يلزمه غرم للعبد.
وإن قلنا: إنهما يستعملان، فصدق السيد المشتري أو العبد.. فهل ترجح بينة المصدق منهما؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
فإن قلنا: لا ترجح بينة المصدق منهما، أو لم يصدق أحدهما.. فلا يجيء في الاستعمال هاهنا الوقف؛ لأن الاختلاف بالعقد والعقود لا توقف، ولكن تجيء القرعة أو القسمة.
فإن قلنا بالقرعة.. أقرع بينهما، فإن خرجت القرعة للعبد.. عتق، ورجع المشتري بالثمن على البائع إن كان قد دفعه إليه.
وإن خرجت القرعة للمشتري.. ملك العبد.
وإن قلنا بالقسمة.. حكم للمبتاع بنصف العبد بنصف