كتاب الرهن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وذكر القاضي أبو الطيب: أن الإذن شبهة في حق العامة يحتمل صدقهم معه في دعوى الجهالة؛ لأن إذن المالك قد يعتقد به قوم جواز الوطء.
وذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق ": إذا كان المرتهن عالما بأن إذن الراهن لا يبيح له الوطء.. فالحكم فيه كالحكم فيه إذا وطئها بغير إذن، إلا في شيء واحد، وهو أنه إذا وطئها بغير إذنه، وكانت مكرهة على الوطء، أو نائمة.. وجب هناك المهر، قولا واحدا، وهاهنا على قولين.
وإن كان المرتهن جاهلا لا يعلم أن ذلك لا يجوز.. فلا حد عليه، والولد حر ثابت النسب منه.
وأما المهر: فذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: أنها إذا طاوعته.. فلا مهر عليه، قولا واحدا؛ لأن إذن المالك للمنفعة وجد، فهي كالحرة المطاوعة.
وإن كانت مكرهة، أو نائمة.. فهل يجب المهر؟ فيه قولان.
وأما الشيخ أبو إسحاق: فأطلق القولين:
أحدهما: يجب عليه المهر؛ لأنه وطء في غير ملك يسقط به الحد عن الموطوءة، فوجب به المهر وإن حصل به الرضا، كالوطء في النكاح الفاسد بغير مهر.
والثاني: لا يجب، لأن هذا الوطء يتعلق به حق الله تعالى، وحق الآدمي، سقط حق الآدمي بإذنه، كما لو أذن له في قتل عبده، أو أذن له في قتل صيده، وهو محرم.
فإنه لا يجب عليه قيمة العبد والصيد وإن وجبت الكفارة والجزاء.
وأما قيمة الولد.. فقد قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: (تجب قيمته يوم خرج حيا).
فمن أصحابنا من قال: في قيمة الولد قولان، كالمهر، وإنما نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على أحدهما.
ومنهم من قال: تجب قيمة الولد، قولا واحدا.
قال الشيخ أبو حامد: والفرق بينهما: أن المهر بدل عن الوطء، وقد وقع الإذن في الوطء صريحا، فسقط بدله، وليس كذلك الولد؛ لأنه وإن كان من متضمن
الوطء، فليس ببدل عنه؛ لأن الوطء قد يكون ولا ولد منه، ولم يقع الإذن فيه.
فلم يسقط بدله.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا الفرق ليس بصحيح؛ لأنه لو أذن له في قطع أصبع منه، فقطعها، فسرت إلى أخرى.. لم يضمن واحدة منهما.
قال ابن الصباغ: ويمكن أن يقال: لأن إذنه لم يفسد حرية الولد، وإنما شبهة الوطء أتلفت رق الولد، فضمنه بقيمته؛ لأن ذلك ليس بمتولد من المأذون فيه.
مسألة: توكيل الراهن للمرتهن ثم رجوعه
وإن أذن المرتهن للراهن في العتق، فأعتق، أو في الهبة والإقباض، فوهب وأقبض، ثم رجع عن الإذن بعد العتق والهبة.. لم يبطل العتق والهبة؛ لأنهما قد صحا.
وإن رجع المرتهن عن الإذن قبل العتق والهبة، ثم أعتق الراهن، أو وهب بعد علمه بالرجوع عن الإذن.. لم يصح العتق والهبة؛ لأن بالرجوع يسقط الإذن، فصار كما لو لم يأذن، وإن أعتق أو وهب بعد الرجوع، وقبل علمه به.. فهل يصح العتق والهبة؟ فيه وجهان، بناء على القولين في الوكيل إذا باع بعد العزل، وقبل علمه به.
وإن اختلفا: فقال المرتهن: أعتقت بعد رجوعي.
وقال الراهن: بل أعتقت قبل رجوعك.. قال ابن الصباغ: فالقول قول المرتهن؛ لأن الأصل بقاء الرهن.
فرع: إذن المرتهن للراهن في بيع الرهن
وإن أذن المرتهن للراهن في بيع الرهن، فباعه.. نظرت: فإن كان بعد حلول الدين، فباع.. صح البيع، وتعلق حق المرتهن بالثمن؛ لأن مقتضى الرهن أن يستوفي الحق من ثمنه بعد حلوله، ولأن بيع الرهن بعد حلول الدين حق للمرتهن يستحقه على الراهن، بدليل: أن الراهن لو امتنع عن ذلك.. أجبر عليه، فإذا كان مستحقا.. فقد أذن فيما استحق.
وإن كان الدين مؤجلا، فإن كان الإذن من المرتهن مطلقا، فباع الراهن.. صح البيع، وانفسخ الرهن، ولم يتعلق حق المرتهن بالثمن، وبه قال أبو يوسف.
قال أبو حنيفة، ومحمد رحمهما الله: (يكون الثمن رهنا إلى أن يحل الحق).
دليلنا: أنه تصرف في عين الرهن لا يستحقه المرتهن، فإذا أذن فيه المرتهن.. سقط حقه من الوثيقة، كالعتق.
فقولنا: (في عين الرهن) احتراز من العقد على منافع الرهن.
وقولنا: (لا يستحقه المرتهن) احتراز من البيع بعد حلول الحق.
قال في " الأم " [3/128]: (فإن قال المرتهن: إني أردت بإطلاق الإذن أن يكون الثمن رهنا مكانه.. لم يلتفت إلى قوله، وحمل إذنه على الإطلاق، ولا تؤثر الإرادة فيه).. وإن أذن له في البيع، بشرط أن يكون الثمن رهنا، فباعه.
ففيه قولان:
أحدهما: أن البيع صحيح، ويكون ثمنه رهنا، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد، والمزني رحمة الله عليهم؛ لأنه لو أذن له في البيع، بشرط أن يرهنه عينا أخرى مكان هذا الرهن.. لصح ذلك، فكذلك إذا اشترط كون الثمن رهنا، ولأنه لو أذن له بعد المحل بالبيع، بشرط أن يكون الثمن رهنا إلى أن يوفيه الحق.. جاز، فكذلك إذا شرط ذلك قبل المحل.
والقول الثاني: أن البيع لا يصح؛ لأنه بيع بشرط مجهول؛ لأن الذي يباع به الرهن من الثمن مجهول، فلم يصح، كما لو أذن له في البيع، بشرط أن يرهنه عينا مجهولة.
وإن أذن له في البيع، بشرط أن يعجل له حقه، فباعه.. فالمنصوص: (أن البيع باطل).
وقال أبو حنيفة، وأحمد، والمزني رحمة الله عليهم: (يصح، ويكون ثمنه رهنا، ولا يجب التعجيل).
وقال أبو إسحاق: إذا قلنا في المسألة قبلها إذا أذن له بشرط أن يكون الثمن رهنا: إن ذلك يصح.. كان هاهنا مثله.
دليلنا: أنه أذن له بشرط، فإذا لم يثبت له الشرط.. لم يصح الإذن، كما لو شرط في البيع شرطا لم يثبت.. فإن البيع لا يصح.
وإن اختلف الراهن والمرتهن: فقال المرتهن: أذنت لك بشرط أن تعطيني حقي.
وقال الراهن: بل أذنت لي مطلقا.. قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: فالقول قول المرتهن؛ لأنهما لو اختلفا في أصل الإذن.. لكان القول قول المرتهن، فكذلك إذا اختلفا في صفته، ولأن الأصل صحة الرهن، والراهن يدعي ما يزيله ويبطله، فلم يقبل قوله.
مسألة: مؤنة الرهن على الراهن
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وعليه مؤنة رهونه، ومن مات من رقيقه.. فعليه كفنه).
وهذا كما قال: يجب على الراهن ما يحتاج إليه الرهن من نفقة وكسوة وعلف.
وإن كان عبدا فمات.. فإن عليه كفنه ومؤنة تجهيزه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرهن من راهنه، له غنمه، وعليه غرمه».
وهذا من غرمه ولما روى الشعبي، عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من رهن دابة.. فعليه نفقتها، وله ظهرها وحملها»، ولأنه ملكه، فوجب أن تكون نفقته عليه، كما لو لم يكن مرهونا، وإن كان الرهن مما يحتاج إلى موضع يكون فيه، مثل: أن يكون حيوانا يحتاج إلى إصطبل، أو متاعا يحتاج إلى بيت يكون فيه عند العدل.. فإن ذلك يكون على الراهن، وكذلك أجرة حافظه على الراهن.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يجب ذلك على المرتهن).
دليلنا: أن ذلك من مؤنة الرهن، فكان على الراهن، كالنفقة.
فإن كان الراهن حاضرا.. كلف أن يكتري موضعا لذلك.
وإن امتنع من ذلك.. أخذ الحاكم لذلك من ماله.
وإن كان معسرا، فإن أنفق المرتهن بغير إذنه.. كان متطوعا.
وإن أنفق بإذن الراهن ليرجع به عليه.. رجع به عليه إذا أيسر.
وإن أنفق بإذنه ليكون دينا عليه، ويكون الرهن رهنا به وبالدين.. ففيه طريقان، كالعبد إذا جنى وفداه المرتهن بإذن الراهن ليكون دينا عليه، ويكون العبد مرهونا به وبالدين.
وإن كان الراهن غائبا.. رفع الأمر إلى الحاكم، فإن كان للراهن مال.. أنفق عليه من ماله، وإن لم يكن له مال، فإن أنفق المرتهن بإذن الحاكم.. رجع به على الراهن، وإن أنفق عليه بغير إذن الحاكم مع القدرة عليه.. كان متطوعا، ولم يرجع.
وإن لم يقدر على إذن الحاكم، فأنفق.. فهل يرجع بما أنفق؟ فيه وجهان، كما نقول في الجمال إذا هرب وأنفق المكتري.
فإن جني على الرهن، واحتاج إلى مداواة.. كانت المداواة على الراهن، وكذلك إن أبق.. فأجرة من يرده على الراهن.
وقال أبو حنيفة: (إن كانت قيمة الرهن كقدر الدين.. فالمداواة على المرتهن، وإن كانت قيمة الرهن أكثر من الدين.. فأجرة المداواة على الراهن والمرتهن بالقسط على المرتهن بقدر حقه، والزيادة على الراهن).
وكذا قال في أجرة من يرده: (تكون بقدر الأمانة على الراهن، وبقدر الضمان على المرتهن).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرهن من راهنه، له غنمه، وعليه غرمه».
وهذا من غرمه، ولأنه من مؤنة الرهن، فكان على المالك، كالنفقة، والكسوة.
وإن مرض الرهن واحتاج إلى دواء.. فإن الراهن لا يجبر عليه؛ لأنه لا يتحقق أنه سبب لبقائه، وقد يبرأ بغير علاج، بخلاف النفقة عليه؛ لأنه لا يبقى من غير نفقة.
مسألة: جناية العبد المرهون
وإن جنى العبد المرهون.. لم يخل: إما أن يجني على أجنبي، أو على سيده، أو على من يرثه سيده، أو على عبد سيده.
فإن جنى على أجنبي أو أتلف له مالا.. تعلق حق الجناية وغرم المال في رقبته، وكان مقدما على حق المرتهن؛ لأن حق المجني عليه يقدم على حق المالك، فلأن يقدم على حق المرتهن أولى، ولأن أرش الجناية تعلق برقبة العبد بغير اختيار المجني عليه، وحق المرتهن تعلق برقبة العبد باختيار المرتهن، والحق المتعلق بغير اختيار من له الحق آكد من الحق الذي يثبت له اختياره، كالميراث، والبيع، ألا ترى أن ما ملكه بالميراث.. ملكه بغير اختياره؟ فلذلك لم يلحقه الفسخ، وما ملكه بالبيع.. ملكه باختياره؟ فلذلك يلحقه الفسخ.
إذا ثبت هذا: فإن كانت الجناية عمدا على النفس، فاقتص منه الولي.. بطل الرهن.
وإن كانت عمدا فيما دون النفس، واقتص منه المجني عليه.. بقي الرهن في الباقي.
وإن كانت الجناية خطأ، أو عمد خطأ، أو عمدا، وعفا المجني عليه على مال، فإن لم يختر السيد أن يفديه.. بيع العبد في الجناية إن كان الأرش يستغرق قيمته، وإن كان الأرش لا يستغرق قيمته.. بيع منه بقدر أرش الجناية، وكان الباقي منه رهنا.
إلا أن يتعذر بيع بعضه فيباع جميعه، ويكون ما بقي من الثمن عن قدر الأرش رهنا، وإن فداه السيد أو أجنبي، أو أبرأه المجني عليه من حقه.. كان العبد رهنا؛ لأن الجناية لم تبطل الرهن، وإنما قدم الأرش على حق المرتهن، فإذا سقط حق المجني عليه.. بقي الرهن كما كان، كما قلنا في حق المرتهن والمالك.
وإن فداه المرتهن بغير إذن الراهن.. لم يرجع عليه بما فداه به.
وإن فداه بإذنه ليرجع به عليه.. رجع به عليه.
وإن فداه بإذنه، ولم يشترط الرجوع.. فهل يرجع به عليه؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما في الجراح.
وإن فداه على أن يرجع بما فداه به، ويكون العبد رهنا به وبالدين الأول، ورضي السيد بذلك.. رجع على السيد بما فداه به، وهل يكون العبد رهنا بما فداه به؟ فيه طريقان، مضى ذكرهما.
هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا جنى العبد المرهون.. كان ضمان الجناية على المرتهن، فإن فداه..كان العبد مرهونا كما لو كان، ولا يرجع بالفداء.
وإن بيع في الجناية، أو فداه السيد.. سقط دين المرتهن إن كان قدر الفداء أو دونه).
وبنى هذا على أصله: أن الرهن مضمون على المرتهن، فتكون جنايته مضمونة عليه،
كالغصب.
والكلام معه في ذلك يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وإن جنى العبد المرهون على سيده: فإن كانت على ما دون النفس.. نظرت:
فإن كانت الجناية عمدا.. فللسيد أن يقتص منه بها إن كانت مما يثبت بها القصاص؛ لأن القصاص جعل للزجر، والعبد أحق بالزجر عن سيده.
ولا يلزم قطع العبد بسرقة مال سيده؛ لأن القطع إنما يجب بسرقة مال لا شبهة له فيه، وللعبد شبهة في مال سيده.
فإن أراد السيد أن يعفو عنه على مال.. فذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى: (أنه لا يثبت له المال).
وقال أبو العباس: يثبت له المال، ويستفيد به ببيعه في أرش الجناية وإخراجه من الرهن؛ لأن كل من ثبت له القصاص على شخص.. ثبت له العفو عنه على مال، كغير السيد.
ووجه المذهب: أن السيد لا يثبت له على عبده مال ابتداء.
ولهذا لو أتلف له مالا.. لم يثبت له في ذمته بدله.
ودليل أبي العباس يبطل بعبده الذي ليس بمرهون.
وإن جنى على سيده خطأ فيما دون النفس.. كانت هدرا على مذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وعلى قول أبي العباس يتعلق الأرش برقبته.
وإن جنى العبد المرهون على من يرثه سيده: إما على أبيه، أو ابنه، أو مكاتبه.. نظرت:
فإن كانت الجناية عمدا فيما دون النفس.. فللمجني عليه أن يقتص منه.
وإن كانت خطأ، أو عمدا وعفا المجني عليه على مال.. ثبت المال للمجني عليه؛ لأنه أجنبي منه.
وإن مات المجني عليه قبل القصاص، والجناية عمدا، وكانت الجناية على النفس، وكان وارثه هو السيد، أو عجز المكاتب.. فللسيد أن يقتص منه أيضا.
وإن كانت الجناية خطأ أو عمدا وأراد السيد العفو عنه على مال.. فقد قال الشيخ أبو حامد: يثبت له المال على عبده، كما كان يثبت لموروثه؛ لأن الاستدامة أقوى من
الابتداء، فجاز أن يثبت له على ملكه المال في الاستدامة دون الابتداء.
وقال القفال: يبنى على وقت وجوب الدية، وفيها قولان:
أحدهما: تجب بعد موت المقتول في ملك الورثة؛ لأنها بدل نفسه، فلا تجب في حياته.
فعلى هذا: لا يثبت للسيد المال، كما لو أتلف له مالا.
والثاني: تجب في آخر جزء من أجزاء حياة المقتول، ثم تنتقل إلى ورثته؛ لأنه يقضى منها دينه، وينفذ منها وصاياه.
فعلى هذا: هل يثبت للسيد المال؟ فيه وجهان، بناء على الوجهين فيمن جنى عليه عبد غيره، ثم ملكه المجني عليه.. فهل يستدام عليه وجوب الأرش؟ فيه وجهان.
وإن قتل العبد المرهون سيده عمدا.. فلوارثه أن يقتص منه، كما كان للسيد أن يقتص منه.
فإن أراد الوارث أن يعفو عنه على مال، أو كانت الجناية خطأ.. فهل يثبت لهم المال؟ ذكر الشيخان، أبو حامد، وأبو إسحاق: أنها على قولين:
أحدهما: لا يثبت للوارث المال؛ لأن الوارث قائم مقام السيد، فلما لم يثبت للسيد المال في هذه الجناية.. لم يثبت لمن يقوم مقامه.
والثاني: يثبت للوارث المال؛ لأنه يأخذ المال عن جناية حصلت في غير ملكه، فصار كما لو جنى على من يرثه السيد.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: هذان القولان مبنيان على وقت وجوب الدية:
فإن قلنا: إنها وجبت في آخر جزء من أجزاء حياة المقتول.. لم تثبت الدية للوارث؛ لأنها وجبت لسيده.
وإن قلنا: إنها وجبت بعد موته في ملك الورثة.. ثبتت الدية للوارث؛ لأنها تثبت لغير مولاه بالجناية.
وهذه طريقة القفال.
قال ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح؛ لأنها إذا وجبت بعد موت السيد، فقد وجبت لهم على ملكهم، بل القولان أصل بأنفسهما غير مبنيين على غيرهما.
أصحهما: أنه لا يثبت المال للوارث.
وإن جنى العبد المرهون على عبد لسيده: فإن كان العبد المجني عليه غير مرهون.. فهو كما لو جنى على سيده، فإن كانت الجناية عمدا.. فللسيد أن يقتص منه، إلا أن يكون المقتول ابن القاتل، فلا يقتص منه بابنه.
وإن كانت الجناية خطأ، أو عمدا وأراد السيد العفو عنه على مال.. لم يثبت له المال على قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، ويثبت له على قول أبي العباس.
وإن كان العبد المقتول مرهونا.. نظرت:
فإن كان مرهونا عند مرتهن آخر، فإن كانت الجناية عمدا.. فللسيد أن يقتص من القاتل، إلا أن يكون المقتول ابن القاتل، فلا قصاص له، إذا اقتص السيد.. بطل الرهنان.
وإن كانت الجناية خطأ، أو عمدا وعفا السيد على مال.. ثبت المال لأجل المرتهن الذي عبده المقتول، لا لأجل السيد؛ لأن السيد لو قتل هذا العبد.. لثبت عليه المال، فإذا قتله عبده.. كان أولى أن يثبت عليه المال.
وإن عفا السيد عنه عن جناية العمد على غير مال، أو مطلقا.. فإن قلنا: إن موجب قتل العمد القود لا غير.. لم يثبت له المال.
وإن قلنا: إن موجبه القود، أو الدية.. ثبتت قيمة العبد المقتول في رقبة القاتل؛ لأن العفو عنها إبراء، ولا يصح إبراء السيد منها؛ لأجل حق المرتهن للمقتول.
فإذا تعلقت قيمة المقتول في رقبة القاتل، فإن كانت قيمة القاتل أكثر من قيمة المقتول.. بيع من القاتل بقدر قيمة المقتول، وجعل ذلك رهنا عند مرتهن المقتول، وكان الباقي من رقبة القاتل رهنا عند مرتهنه، وإن لم يمكن بيع بعضه.. بيع جميعه، وكان قدر قيمة المقتول من ثمن القاتل رهنا عند مرتهن المقتول، وما زاد على ذلك مرهونا عند مرتهن القاتل.
وإن كانت قيمة القاتل مثل قيمة المقتول، أو أقل.. ففيه وجهان:
أحدهما: ينقل القاتل إلى يد مرتهن المقتول رهنا، وينفك من رهن مرتهنه؛ لأنه لا فائدة في بيعه.
والثاني: يباع؛ لأنه ربما رغب فيه راغب، فاشتراه بأكثر من قدر قيمة المقتول، فتكون الزيادة على قدر قيمة المقتول رهنا عند مرتهن القاتل.
وإن كان العبدان القاتل والمقتول مرهونين عند رجل واحد، فإن كانت الجناية عمدا.
فللمولى أن يقتص منه، فإن اقتص.. بطل الرهنان.
وإن كانت خطأ، أو عمدا وعفا عنه على مال.. نظرت:
فإن رهنا بحق واحد.. كانت الجناية هدرا؛ لأن جميع الدين متعلق برقبة كل واحد منهما، فإذا قتل أحدهما.. بقي الحق متعلقا بالآخر.
وإن كان كل واحد منهما مرهونا بحق منفرد.. نظرت:
فإن كان أحدهما مرهونا بحق معجل، والآخر مرهونا بحق مؤجل.. بيع القاتل بكل حال؛ لأنه إن كان دين المقتول معجلا.. بيع القاتل ليستوفي دينه المعجل، وما بقي منه.. كان رهنا بدينه المؤجل.
وإن كان دين القاتل معجلا.. يبع ليستوفي منه المعجل، وما بقي.. كان مرهونا بدين المقتول.
وإن اتفق الدينان بالحلول والتأجيل.. ففيه ثلاث مسائل:
إحداهن: أن تكون قيمتهما سواء، والحقان سواء، مثل: أن يكون قيمة كل واحد منهما مائة، وكل واحد منهما مرهونا بمثل ما رهن به الآخر، أو من جنس قيمته، مثل قيمة ما رهن به الآخر، فإن الجناية هاهنا هدر؛ لأنه لا فائدة في بيعه ولا في نقله.
قال أبو إسحاق: إلا أن يكون الدين الذي رهن به المقتول أصح وأثبت من دين القاتل، مثل: أن يكون دين المقتول مستقرا، ودين القاتل عوض شيء يرد بعيب، أو صداقا قبل الدخول.. ففيه وجهان:
أحدهما: ينقل إليه؛ لأن في نقله غرضا للمرتهن.
والثاني: لا ينقل؛ لأنهما سواء في الحال.
فإذا قلنا: ينقل.. فهل يباع وينقل ثمنه، أو ينقل العبد من غير بيع؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
المسألة الثانية: أن يختلف الحقان، وتتفق القيمتان، بأن كانت قيمة كل واحد منهما مائة، وأحدهما مرهون بمائتين، والآخر مرهون بمائة، فإن كان ما رهن به القاتل أكثر.. لم ينقل؛ لأنه لا فائدة في نقله، وإن كان ما رهن به المقتول أكثر.. نقل؛ لأن في نقله فائدة، وهو: أن يصير مرهونا بأكثر مما هو مرهون به، وهل يباع وينقل ثمنه، أو ينقل من غير بيع؟ على الوجهين.
المسألة الثالثة: أن يتفق الحقان، وتختلف القيمتان، بأن يكون كل واحد منهما مرهونا بمائة، وقيمة أحدهما مائة، وقيمة الآخر مائتان، فإن كانت قيمة المقتول أكثر.. لم ينقل القاتل؛ لأنه مرهون بمائة، وإذا نقل كان مرهونا بمائة، فلا فائدة في ذلك.
وإن كانت قيمة القاتل أكثر.. بيع منه بقدر قيمة المقتول؛ ليكون رهنا بدين المقتول، ويبقى نصفه رهنا بدينه.
قال ابن الصباغ: وإن اتفقا على تبقيته ونقل الدين إليه.. صار مرهونا بالدينين معا.
فرع: إقرار العبد المرهون جائز
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإقرار العبد المرهون فيما فيه قصاص جائز، كالبينة، وما ليس فيه قصاص.. فباطل).
وهذا كما قال: إذا أقر العبد على نفسه بجناية عمد توجب القصاص.. قبل إقراره مرهونا كان أو غير مرهون؛ لأنه لا يتهم في ذلك، ويكون المجني عليه بالخيار: بين أن يقتص منه، وبين أن يعفو على مال، فيكون كما لو قامت عليه البينة على ما مضى.
وإن أقر المولى عليه بذلك.. لم يصح إقراره؛ لأنه يقبل فيه إقرار العبد، فلم يقبل فيه إقرار السيد، كإقراره عليه بالزنا.
وإن أقر العبد بجناية الخطأ، أو بإتلاف المال.. لم يقبل في حق السيد؛ لأنه متهم
في ذلك، وليكون الغرم متعلقا بذمته، فإن أعتق وأيسر.. طولب به؛ لأنا إنما منعنا من قبول إقراره في حق السيد، وقد زال حق السيد، فثبت إقراره، وقول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وما ليس فيه قصاص.. فباطل)، يعني: في حق سيده.
وإن أقر المولى عليه بجناية الخطأ، أو بإتلاف المال.. صح إقراراه؛ لأنه لما لم يصح إقرار العبد به.. صح إقرار المولى به، كجناية العمد، لما لم يقبل فيه إقرار السيد.. صح فيه إقرار العبد، ولأنه لا تهمة على السيد في ذلك.
مسألة: أمر السيد عبده المرهون بجناية
وإن أمر السيد عبده بالجناية على غيره، فجنى عليه، فإن كان العبد بالغا عاقلا، أو مراهقا مميزا يعلم أن طاعة المولى لا تجوز في المحرمات.. نظرت:
فإن لم يكرهه السيد على القتل.. فحكمه حكم ما لو جنى بغير أمره، إلا القصاص، فإنه لا يجب على من لم يبلغ، ولا يلحق السيد بذلك إلا الإثم؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أعان على قتل امرئ مسلم، ولو بشطر كلمة.. جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله».
وإن أكرهه المولى على القتل.. وجب على السيد القود إن كانت الجناية عمدا، والمجني عليه ممن يستحق القود على المولى، أو الدية إن عفا عنه، كما لو جنى
السيد عليه بيده، وهل يجب القود على العبد إن كان بالغا عاقلا؟ فيه قولان.
فإن قلنا: يجب عليه القود.. كان الولي بالخيار: بين أن يقتلهما، وبين أن يقتل السيد، ويستحق نصف الدية في رقبة العبد، أو يقتل العبد، ويستحق في ذمة السيد نصف الدية، وبين أن يعفو عنهما على مال، فيستحق في ذمة السيد نصف الدية، وفي رقبة العبد نصفها.
وإن قلنا: لا يجب القود على العبد.. تعلق برقبته نصف دية المقتول، ثم الولي بالخيار: بين أن يقتل السيد، وبين أن يعفو عنه على مال، ويستحق في ذمته نصف الدية.
وإن كان العبد صغيرا غير مميز، أو أعجميا غير عارف بأحكام المسلمين، يعتقد أن طاقة المولى تجوز في المحرمات.. فإن الجاني هو السيد؛ لأن العبد كالآلة له، فإن كان السيد موسرا.. أخذ منه الأرش، وإن كان معسرا.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وإن كان العبد صبيا، أو أعجميا، فبيع في الجناية.. كلف السيد أن يأتي بمثل قيمته تكون رهنا مكانه).
واختلف أصحابنا في هذا:
فمنهم من قال: أراد الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بذلك: إن كانت الجناية توجب المال، وكان السيد معسرا.. فإن العبد يباع في الجناية، ثم إذا أيسر السيد.. أخذت منه قيمة العبد، وجعلت رهنا مكانه؛ لأن السيد وإن كان هو الجاني، إلا أن العبد هو الذي باشر الجناية، فبيع فيها عند تعذر أخذ الأرش من السيد.
ومنهم من قال: لا يباع العبد، وهو المذهب؛ لأن الجاني هو السيد، والعبد آلة له، فلم يبع فيها، كما لو رهن سيفا، فقتل به إنسانا.. [لما] وجب بيعه؛ لأنه باشر الجناية ليبع فيها وإن كان السيد موسرا.
وأما ما ذكره الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فله تأويلان:
أحدهما: أن تكون البينة قد شهدت على العبد أنه جنى، فقال السيد: أنا أمرته
بذلك، فأنكر المجني عليه الأمر، فإن قول السيد لا يقبل في حق المجني عليه، ويباع العبد في الجناية، ويقبل إقرار السيد في حق المرتهن، فيجب عليه القيمة.
والثاني: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (فبيع في الجناية).
وليس هذا أمرا منه بالبيع له، وإنما أراد: إذا باعه الحاكم باجتهاده؛ لأن ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد.
مسألة: الجناية على القن المرهون
وإن جني على العبد المرهون.. فالخصم في ذلك الراهن؛ لأنه هو المالك للرقبة، وإنما للمرتهن حق الوثيقة، فإن أراد المرتهن حضور الخصومة.. كان له ذلك؛ لأنه حقه، يتعلق فيما يقضى به على الجاني.
إذا ثبت هذا: فادعى الراهن على رجل أنه قتل عبده المرهون، فأنكر، ولا بينة.. فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، فإن حلف.. فلا كلام، وإن نكل عن اليمين.. حلف الراهن؛ لأنه هو المالك، فإن نكل الراهن.. فهل ترد اليمين على المرتهن؟ فيه قولان، بناء على القولين في المفلس إذا نكل عن اليمين، فهل ترد على الغرماء؟ وفيه قولان:
أحدهما: لا ترد اليمين على المرتهن؛ لأنه غير المدعي.
والثاني: ترد؛ لأن حقه يتعلق فيما يقضى به على الجاني.
وسواء كانت الجناية عمدا أو خطأ.. فإن المرتهن يحلف على أحد القولين؛ لأن العمد قد سقط إلى المال.
وإن أقر الجاني، أو قامت عليه البينة، أو حلف الراهن، أو المرتهن في أحد القولين.. نظرت:
فإن كانت الجناية توجب القود.. فللمولى أن يقتص، وله أن يعفو على المال، فإن اقتص.. بطل الرهن، وليس للمرتهن مطالبة المولى بالعفو على المال؛ لأن
القصاص حق له.
فإن عفا على مال تعلق حق المرتهن به؛ لأنه بدل عن الرقبة.
وإن عفا مطلقا، أو عفا على غير مال، فإن قلنا: إن موجب العمد القود لا غير، وإنما يثبت المال بالشرط في العفو.. صح عفوه، والثمن للمرتهن.
وإن قلنا: إن موجب العمد أحد الأمرين.. ثبت المال على الجاني، وتعلق به حق المرتهن.
وإن قال الراهن: لا أقتص ولا أعفو.. فهل للمرتهن أن يطالب بإجباره على أحدهما؟ فيه طريقان:
[أحدهما]: قال أبو علي بن أبي هريرة: للمرتهن أن يطالب بإجباره على أحدهما؛ لأن له حقا في المال.
و [الثاني]: قال أبو القاسم الداركي: فيه قولان:
[أحدهما]: إن قلنا: إن الواجب بقتل العمد القود لا غير.. لم يكن للمرتهن مطالبته بإجباره؛ لأنه إذا ملك إسقاطه.. فلأن يملك تأخيره أولى.
و [الثاني]: إن قلنا: إن الواجب بقتل العمد أحد الأمرين.. كان له المطالبة بإجباره على أحدهما؛ لأن له حقا في أحدهما، فأجبر على تعيينهما.
فإن عفا الراهن على مال، أو كانت الجناية خطأ، أو كان الجاني عليه ممن لا يقتص منه له، كالحر.. ثبت المال.
وإن أسقط المرتهن حقه من الوثيقة.. سقط، كما يسقط حقه بإسقاطه مع بقاء الرهن.
وإن أبرأ المرتهن الجاني من الأرش.. لم يصح إبراؤه؛ لأنه لا يملك ما أبرأه عنه، وهل يبطل حقه من الوثيقة لهذا الإبراء؟ فيه وجهان، حكاهما في " المهذب ":
أحدهما: يبطل؛ لأن ذلك يتضمن إسقاط حقه من الوثيقة.
والثاني: لا يبطل؛ لأن إبراءه لم يصح، فلم يصح ما تضمنه الإبراء.
وإن أبرأ الراهن الجاني من الأرش.. لم يصح إبراؤه لتعلق حق المرتهن به.
فإن قضى الدين من غير الرهن، أو أبرأه المرتهن من الدين، أو أسقط حقه من
الوثيقة.. فهل يحكم بصحة إبراء الراهن من الأرش؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحكم بصحته؛ لأنه وقع باطلا، فلا تتعقبه الصحة.
والثاني: يحكم بصحته؛ لأن المنع من صحته لحق المرتهن، وقد زال حق المرتهن، فحكم بصحته.
وليس بشيء.
فإن أراد الراهن أن يصالح الجاني عن الأرش بعوض بغير رضا المرتهن.. لم يصح الصلح؛ لتعلق حق المرتهن بالأرش، فإن أذن المرتهن بالصلح على حيوان.. صح الصلح، ويكون الحيوان رهنا، فإن كان له ظهر أو لبن أو نماء.. كان ذلك للراهن، كأصل الرهن.
فرع: رهن جارية حاملة
وإن كان الرهن جارية حاملا، فضربها ضارب، فأسقطت جنينا ميتا.. وجب على الضارب عشر قيمة الأم، ويكون خارجا من الرهن؛ لأنه بدل عن الولد، والولد خارج من الرهن.
وإن نقصت قيمة الجارية بالولادة.. لم يجب لأجل النقص شيء؛ لأنه يدخل في بدل الجنين.
وإن حصل بها أثر من الضرب نقصت به قيمتها.. وجب على الضارب أرش ذلك، ويكون رهنا.
وإن كان الرهن بهيمة، فضربها ضارب، فأسقطت جنينا ميتا.. وجب عليه ما نقص من قيمة الأم بذلك؛ لأن الجنين إنما يضمن ببدل مقدر من الآدميات، ويكون ذلك رهنا؛ لأنه بدل عن جزء من الأم.
وإن أسقطت البهيمة بالضرب جنينا حيا، ثم مات.. ففيه قولان:
أحدهما: تجب قيمة الولد حيا؛ لأنه يمكن تقويمه، ولا يكون رهنا؛ لأن الولد غير داخل في الرهن، فكذلك بدله.
والثاني: يجب أكثر الأمرين من قيمة الولد، أو ما نقص من قيمة الأم بالإسقاط؛ لأنه وجد سبب ضمان كل واحد منهما، ولم يجتمعا؛ لأن النقصان كان سببه انفصال
الولد الذي تعلق به ضمانه، فسقط أحدهما عند ثبوت الآخر؛ لأنه لا يتميز كل واحد منهما عن الآخر، ويتعذر معرفته، فإن كانت قيمة الولد أكثر.. كان خارجا من الرهن، وإن كان ما نقص من قيمة الأم أكثر.. كان رهنا.
مسألة: الجناية على الرهن
فإن جنى على الرهن، ولم يعرف الجاني، فجاء رجل، فقال: أنا قتلته، فإن كذبه الراهن والمرتهن.. لم يكن لهما مطالبته بشيء؛ لأنه يعترف لمن كذبه.
وإن صدقاه.. كان كما لو قامت عليه البينة في جميع ما ذكرناه، إلا إذا كانت الجناية خطأ.. فإن العاقلة لا تحملها، قولا واحدا؛ لأن العاقلة لا تحمل ما يثبت باعتراف الجاني.
وإن صدقه الراهن، وكذبه المرتهن.. سقط حق المرتهن مما يجب على المقر، فيأخذ الراهن القيمة من المقر، ولا يكون رهنا؛ لأن المرتهن أسقط حقه عنها بتكذيبه.
وإن صدقه المرتهن دون الراهن.. تعلق حق المرتهن بالأرش، فإذا حل الحق، ولم يقضه الراهن.
استوفى حقه من القيمة.
وإن قضاه الراهن، أو أبرأ المرتهن الراهن من الدين أو الوثيقة.. ردت القيمة إلى المقر؛ لأن الراهن أسقط حقه منها بتكذيبه.
مسألة: جواز رهن العصير
إذا رهنه عصيرا.. صح رهنه؛ لأنه يتمول في العادة، فجاز رهنه، كالثياب، ولأن أكثر ما فيه أنه يخشى تلفه، بأن يصير خمرا، وينفسخ الرهن فيه، وذلك لا يمنع صحة الرهن به، كالحيوان يجوز رهنه وإن جاز أن يموت.
فإذا رهنه عصيرا، فاستحال خلا، أو ما لا يسكر كثيره.. فالرهن فيه بحاله؛ لأنه تغير إلى حالة لا تخرجه عن كونه مالا، فلم تخرجه من الرهن، كما لو رهنه عبدا شابا، فصار شيخا.
وإن استحال خمرا.. زال ملك الراهن عنه، وبطل الرهن فيه.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (لا يزول ملك الراهن عنه، ولا يبطل الرهن به)؛ لأنه يجوز أن يصير له قيمة.
دليلنا: أن كونه خمرا يمنع صحة التصرف فيه، والضمان على متلفه، فبطل به الملك والرهن، كموت الشاة.
إذا ثبت هذا: فإنه يجب إراقته، فإن أتلف.. فلا كلام، ولا خيار للمرتهن في البيع إن كان شرط رهنه فيه إذا كان انقلابه بيده؛ لأن التلف حصل بيده.
وإن استحال الخمر خلا بنفسه من غير معالجة.. عاد الملك فيه للراهن بلا خلاف، وعاد الرهن فيه للمرتهن؛ لأنا إنما حكمنا بزوال ملك الراهن عنه، وبطلان الرهن بحدوث الشدة المطربة، وقد زالت تلك الشدة من غير نجاسة خلفتها، فوجب أن يعود إلى الملك السابق كما كان.
فإن قيل: أليس العقد إذا بطل.. لم يصح حتى يبتدأ، والرهن قد بطل، فكيف عاد من غير تجديد عقد؟
فالجواب: أنا إنما نقول ذلك، إذا وقع العقد فاسدا، فأما إذا وقع العقد صحيحا، ثم طرأ عليه أمر أخرجه عن حكم العقد، فإنه إذا زال ذلك المعنى.. عاد العقد صحيحا، كما نقول في زوجة الكافر إذا أسلمت، فإن وطأها يحرم عليه، فإذا أسلم الزوج قبل انقضاء العدة.. عاد العقد كما كان، وكذلك إذا ارتد الزوجان أو أحدهما.
فإن استحال الخمر خلا بصنعة آدمي.. لم يطهر بذلك، بل تزول الخمرية عنه، ويكون خلا نجسا لا يحل شربه، ولا يعود ملك الراهن فيه، ولا الرهن.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يكون طاهرا يحل شربه، والرهن فيه بحاله).
دليلنا: ما «روى أبو طلحة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزل تحريم الخمر.. قلت: يا رسول الله، إن عندي خمرا لأيتام ورثوه، فقال: "أرقه"، قلت: أفلا أخلله؟ قال: "لا».
فنهاه عن التخليل.
وظاهر هذا يقتضي التحريم.
فإن كان مع رجل خمر فأراقه، فأخذه آخر، فصار في يده خلا، أو وهبه لغيره، فصار في يد الموهوب له خلا.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: يكون لمن أراقه؛ لأنه يعود إلى الملك
السابق، والملك للمريق، فهو كما لو غصب من رجل خمرا، فصار في يده خلا.
والثاني: يكون ملكا لمن هو بيده؛ لأنه إذا أراقه صاحبه، فقد رفع يده عنه، فإذا جمعه الآخر.. صارت له يد عليه.
والأول أصح.
فرع: رهنه عصيرا فاستحال قبل قبضه خمرا
قال ابن الصباغ: إذا رهنه عصيرا، فصار في يد الراهن قبل القبض خمرا.. بطل الرهن فإن عاد خلا.. لم يعد الرهن، ويخالف إذا كان بعد القبض؛ لأن الرهن قد لزم، وقد صار مانعا للملك.
وكذلك: إذا اشترى عصيرا، فصار خمرا في يد البائع، وعاد خلا.. فسد العقد، ولم يعد لملك المشتري بعوده خلا.
والفرق بينه وبين الرهن: أن الرهن عاد تبعا لملك الراهن، وهاهنا يعود ملك البائع لعدم العقد.
فرع: رهن الشاة فماتت
وإن رهن عند رجل شاة، وأقبضه إياها، فماتت.. زال ملك الراهن، وبطل الرهن فيها؛ لأنها خرجت عن أن تكون مالا، فإن أخذ الراهن جلدها، فدبغه.. عاد ملكه على الجلد بلا خلاف، وهل يعود رهنا؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال ابن خيران: يعود رهنا، كالخمر إذا تخللت.
و [الثاني]: قال أبو إسحاق: لا يعود رهنا؛ لأن الملك إنما عاد بمعالجة ومعنى أحدثه، بخلاف الخمر.
وسئل أبو إسحاق عن رجل ماتت له شاة، فجاء آخر، فأخذ جلدها، فدبغه؟ فقال: إن لم يطرحها مالكها.. فالجلد لمالك الشاة دون الدابغ؛ لأن الملك وإن عاد بمعنى أحدثه الدابغ، إلا أن يد المالك كانت مقرة على الجلد، وجوز له استصلاحه، فإذا غصبه غاصب، ودبغه.. لم تنقل يد المالك، كما لو كان
له جرو كلب يريد تعليمه الصيد، فغصبه إنسان، وعلمه.. فإن المغصوب منه أحق به؛ لأن يده كانت مقرة عليه.
قال: فأما إذا طرح صاحب الشاة شاته على المزبلة، فأخذ رجل جلدها ودبغه.. ملكه؛ لأن المالك قد أزال يده عنها.
قيل له: أليس من تحجر مواتا كان أحق بإحيائها من غيره، ثم جاء آخر، فأحياها..ملكها؟
فقال: الفرق بينهما: أن من تحجر على شيء من الموات.. فقد صار أولى به، بمعنى أثره فيه، وهو التحجر، ويده ضعيفة لا تستند إلى ملك، فإذا وجد سبب الملك، وهو الإحياء.
بطلت يده.
وليس كذلك من ماتت له شاة؛ لأن يده مقرة عليها بالملك.
مسألة: تلف الرهن بيد المرتهن
إذا قبض المرتهن الرهن، فهلك في يده من غير تفريط.. لم يلزمه ضمانه، ولا يسقط من دينه شيء، وبه قال الأوزاعي، وعطاء، وأحمد، وأبو عبيد رحمة الله عليهم، وهم أحد الروايتين عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
وذهب الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إلى: (أن الرهن مضمون على المرتهن بأقل الأمرين من قيمته، أو قدر الدين، فإذا هلك، فإن كان الدين مائة، وقيمة الرهن تسعين.. ضمنه بتسعين، وبقي له من دينه عشرة.
وإن كان الدين تسعين، وقيمة الرهن مائة، فهلك الرهن.. سقط جميع دينه، ولا يرجع الراهن عليه بشيء، وإن تساويا.. سقط الدين).
وروي ذلك عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وذهب إسحاق بن راهويه إلى: أن الرهن مضمون على المرتهن بكمال قيمته، ثم يتردان.
وهي الرواية الثانية عن أمير المؤمنين علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه.
وذهب الشعبي والحسن البصري رحمة الله عليهما إلى: أن الرهن إذا هلك في يد المرتهن.. سقط جميع دينه، سواء كانت قيمته أكثر من قدر الدين، أو أقل، أو كانا متساويين.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إن هلك الرهن هلاكا ظاهرا، مثل: أن كان عبدا فمات، أو دارا فانهدمت.
فهو غير مضمون على المرتهن.
وإن هلك هلاكا خفيا، مثل: أن يدعي المرتهن أنه هلك.. فهو مضمون عليه).
كما قال إسحاق بن راهويه.
دليلنا: ما روى سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يغلق الرهن من راهنه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه».
فلنا من الخبر ثلاثة أدلة:
أحدها: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يغلق الرهن» وله ثلاث تأويلات:
أحدها: لا يكون للمرتهن بحقه إذا حل الحق، بل إذا قضاه من غيره.. انفك.
التأويل الثاني: أن لا يسقط الحق بتلفه.
التأويل الثالث: أي لا ينغلق حتى لا يكون للراهن فكه عن الرهن، بل له فكه، بأن يقضي الدين.
فإن قيل: فهذا حجة عليكم؛ لأن قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يغلق الرهن»، أي: لا يهلك بغير عوض، قال الشاعر، وهو زهير:
وفارقتك برهن لا فكاك له... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
يعني: ارتهن قلبه الحب يوم الوداع، فأمسى وقد غلق الرهن، أي: قد هلك بغير عوض.
قلنا: هذا غلط؛ لأن القلب لا يهلك، وإنما معناه: أن القلب صار رهنا بحبها، وقد انغلق انغلاقا لا ينفك.
الدلالة الثانية من الخبر: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرهن من راهنه»، يعني: من ضمانه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وهذه أبلغ كلمة للعرب في أنهم إذا قالوا: هذا الشيء من فلان.. يريدون من ضمانه).
الدلالة الثالثة من الخبر: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «له غنمه، وعليه غرمه».
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وغرمه: هلاكا وعطبه)، ولأنه مقبوض عن عقد لو كان فاسدا.. لم يضمن، فوجب إذا كان صحيحا، ألا يضمن.
أصله الوديعة، ومال المضاربة، والوكالة، والشركة، وعكسه المقبوض عن البيع، والقرض.
فرع: الرهن أمانة عند المرتهن
إذا سقط حق المرتهن بإبراء أو قضاء.. كان الرهن عنده أمانة؛ لأنه كان عنده أمانة ووثيقة، فإذا سقطت الوثيقة.. بقيت الأمانة.
قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: ولا يلزمه رده عليه حتى يطالبه به؛ لأنه بمنزلة الوديعة، ويفارق: إذا أطارت الريح ثوبا لغيره إلى داره، أو دخلت شاة لغيره إلى داره.. فإنه يلزمه إعلامه؛ لأنه لم يرض بكونه في يده.
قال ابن الصباغ: وينبغي إذا أبرأه المرتهن، ولم يعلم الراهن بذلك أن يعلمه بالبراءة، أو يرده عليه؛ لأنه لم يرض بتركه عنده، إلا على سبيل الوثيقة، ويفارق: إذا علم به؛ لأنه قد رضي بتركه في يده.
فرع: رهن مغصوبا فتلف عند المرتهن
وإذا غصب رجل من رجل عينا، فرهنها عند آخر، وأقبضها للمرتهن، فأتلفها المرتهن، أو تلفت عنده بغير تفريط، فإن كان عالما بأنها مغصوبة.. فللمغصوب منه
أن يرجع بقيمتها على الغاصب أو المرتهن؛ لأن كل واحد منهما يجب عليه الضمان، فإن رجع على الغاصب.. رجع الغاصب على المرتهن؛ لأنه أتلفها، أو لأنه كان عالما بغضبها، فيستقر عليه الضمان؛ لحصول التلف في يده.
وإن رجع المغصوب منه على المرتهن.. لم يرجع المرتهن على الراهن؛ لأن الضمان استقر عليه.
وإن كان المرتهن غير عالم بكونها مغصوبة، وتلفت عنده من غير تفريط.. فللمغصوب منه أن يرجع على الغاصب؛ لأنه أخذها من مالكها متعديا، وهل للمالك أن يرجع على المرتهن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع عليه؛ لأنه أخذها على وجه الأمانة.
والثاني: يرجع عليه؛ لأنه أخذها من يد ضامنة.
فإذا قلنا: يرجع على المرتهن.. فهل للمرتهن أن يرجع بما ضمنه على الراهن؟
قال أبو العباس: لا يرجع؛ لأنه تلف في يده، فاستقر الضمان عليه، وفيه وجه آخر، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " غيره: أنه يرجع عليه؛ لأن المرتهن أمين، فلا يضمن بغير تعد، فيكون تلف الرهن من ضمان الراهن، ويرجع بالقيمة عليه؛ لأنه غره.
فإن بدا المغصوب منه، فضمن الراهن.. فهل يرجع الراهن على المرتهن؟
إن قلنا بقول أبي العباس - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذا ضمن المغصوب منه المرتهن أنه لا يرجع على الراهن.. رجع الراهن هاهنا على المرتهن.
وإن قلنا بما ذكره الشيخ أبو حامد رحمة الله عليه، وأن المرتهن يرجع على الراهن.. لم يرجع الراهن هاهنا.
فرع: اشتراط أخذ الرهن عند الدفع وتركه عند عدمه
قال في " الأم ": (وإن رهنه على أنه إذا دفع الحق وقضاه، أخذ الرهن، وإن لم يقضه، كان له بدينه.. فالرهن والبيع فاسدان).
وهذا صحيح، أما الرهن: فبطل؛ لأنه مؤقت بمحل الدين، ومن شأنه أن يكون مطلقا.
وأما البيع: فبطل؛ لأنه
متعلق بزمان مستقبل.
فيكون هذا الرهن في يد المرتهن إلى أن يحل الحق غير مضمون عليه؛ لأنه مقبوض عن رهن فاسد، وحكم المقبوض في الضمان عن العقد الفاسد كالمقبوض عن العقد الصحيح، فإن تلف الرهن.. لم يضمن، وإذا حل الحق..كان مضمونا على المرتهن؛ لأنه مقبوض عن بيع فاسد، فضمنه، كالمقبوض عن بيع صحيح.
فعلى هذا: إذا تلف في يده.. لزمه ضمانه، سواء فرط فيه، أو لم يفرط.
فإن كان الرهن أرضا، فغرس فيها المرتهن، فإن كان غرسه قبل حلول الحق.. قلع غرسه؛ لأنه متعد بغرسه.
وإن غرسه بعد حلول الحق.. فقد غرس بإذن الراهن؛ لأن البيع وإن كان فاسدا، فقد تضمن الإذن في التصرف.
قال ابن الصباغ: فيكون الراهن مخيرا بين أن يقر غرسه، أو يدفع إليه قيمته، أو يجبره على قلعه ويضمن ما نقص.
وبالله التوفيق
باب اختلاف المتراهنين
إذا ادعى رجل على رجل أنه رهنه عينا بدين له عليه، فقال: ما رهنتكها.
ولا بينة.. فالقول قول من عليه الدين مع يمينه أنه ما رهنه؛ لأن الأصل عدم الرهن.
وإن اختلفا في عين الرهن، فادعى المرتهن أنه ارتهن منه هذا العبد، وقال الراهن: ما رهنتك هذا العبد، وإنما رهنتك الجارية.. حلف الراهن أنه ما رهنه العبد.
وخرج العبد عن أن يكون رهنا بيمين الراهن، وخرجت الجارية عن أن تكون رهنا بإنكار المرتهن لها.
وإن اختلفا في قدر الرهن، مثل: أن يقول المرتهن: رهنتني هذين العبدين بمائة، وقال الراهن: بل رهنتك أحدهما بمائة، أو اختلفا في قدر الدين المرهون به، مثل: أن يقول المرتهن: رهنتني هذا العبد بمائة لي عليك، وقال الراهن: بل رهنتكه بخمسين منها.
فالقول قول الراهن مع يمينه في المسألتين، وبه قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (القول قول من الظاهر معه، فإن كان العبد الذي أقر الراهن برهنه في المسألة الأولى يساوي مائة أو دونها، ويرهن مثله بمائة فالقول قول الراهن.
وإن كان لا يساوي مائة، ولا يرهن مثله بمائة في العادة.. فالقول قول المرتهن، وكذلك في الثانية القول قول المرتهن في قدر الدين إن كانت قيمة العبد مائة.
وإن كانت قيمته أكثر من المائة.. فالقول قول الراهن مع يمينه).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر».
وهذا الراهن منكر فيهما، ولأنهما لو اختلفا في أصل العقد.. لكان القول قول الراهن، فكذلك إذا اختلفا في قدر المعقود عليه.
وإن كان له عليه ألف مؤجلة، وألف معجلة، فرهنه عبدا بألف، ثم اختلفا: فقال المرتهن: رهنتنيه بالألف الحال.
وقال الراهن: بل رهنتكه بالألف المؤجل.. فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لما ذكرناه في المسألة قبلها.
مسألة: رهن أرضا واختلفا على وجود نخل فيها
وإن رهنه أرضا، ووجد فيها نخلا أو شجرا، فقال المرتهن: كان هذا موجودا وقت الرهن، فهو داخل في الرهن، وقال الراهن: بل حدث بعد الرهن، فهو خارج من الرهن، فإن كان ما قاله المرتهن غير ممكن، مثل: أن يكون النخل صغارا، وقد عقد الرهن من مدة بعيدة لا يجوز أن يكون هذا النخل موجودا وقت العقد.. فالقول قول الراهن من غير يمين؛ لأنه لا يمكن صدق المرتهن.
وإن كان ما قاله الراهن غير ممكن، وما قاله المرتهن ممكنا، مثل: أن يكون لعقد الرهن مدة لا يجوز أن يحدث هذا النخل بعدها، مثل: أن يكون النخيل كبارا، ومدة الرهن شهر، أو ما أشبهه.. فالقول قول المرتهن بلا يمين؛ لأن ما يقوله الراهن مستحيل غير ممكن، فلم يقبل قوله.
وإن كان يمكن صدق كل واحد منهما، مثل: أن يكون هذا النخيل يمكن أن يكون موجودا حال العقد، ويمكن أن يحدث بعده.. قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (فالقول قول الراهن مع يمينه).
وقال المزني: القول قول المرتهن؛ لأنه في يده.
والمذهب الأول؛ لأن المرتهن قد اعترف للراهن بملك النخل، وصار يدعي عليه عقد الرهن، والراهن منكر ذلك، فكان القول قول الراهن، كما لو ادعى عليه عقد الرهن في النخل منفردا عن الأرض.
وأما اليد: فلا يرجح بها في دعوى العقد، وإنما يرجح بها في دعوى الملك.
فإذا حلف الراهن.. نظرت:
فإن كان الرهن في القرض، أو كان متطوعا به في الثمن غير مشروط في البيع..
بقي الرهن في الأرض ولا كلام.
وإن كان الرهن مشروطا في عقد البيع.. فإن هذا الاختلاف يوجب التحالف، وقد حلف الراهن، وخرج النخل عن الرهن، فإن رضي المرتهن بذلك.. فلا كلام، وإن لم يرض.. حلف المرتهن: أن النخل كان داخلا في عقد الرهن، وهل ينفسخ البيع والرهن بنفس التحالف، أو بالفسخ؟ على الوجهين في التحالف.
فإن قلنا: لا ينفسخ، فتطوع الراهن بتسليم النخل رهنا.. لم يكن للمرتهن فسخ البيع.
مسألة: اختلفا على أي عقد كان الرهن
وإن رهنه عبدا، فاختلفا، فقال الراهن: رهنته بمائة بعقد، ثم زادني مائة أخرى، فعقدت له الرهن بها على العبد قبل فسخ العقد الأول، وقلنا: لا يجوز ذلك، وقال المرتهن: بل ارتهنته مائة بالمائتين بعقد واحد.. ففيه وجهان:
أحدهما: القول قول الراهن مع يمينه؛ لأنهما لو اختلفا في أصل العقد.. لكان القول قوله، فكذلك إذا اختلفا في صفته.
والثاني: القول قول المرتهن مع يمينه؛ لأنهما اتفقا على عقد الرهن، والراهن يدعي معنى يقتضي بطلانه، والأصل عدم ما يبطله.
فرع: إقرار الراهن بعبد للمرتهن بألف
إذا قال رجل لغيره: هذا العبد الذي في يدي هو لك، رهنتنيه بألف لي عليك، فقال المقر له: هذا العبد وديعة عندك لي، وإنما رهنتك بألف عليّ لك عبدا آخر، فقتلته، وأنا أستحق عليك قيمته.. فالقول المقر له مع يمينه: أنه ما رهنه هذا العبد.
أو القول قول المقر مع يمينه: أنه ما قتل له عبدا، ولا شيء له عليه من القيمة؛ لأن الأصل براءة ذمته.
وأما المقر له بالعبد.. فعليه الألف؛ لأنه مقر بوجوبها.
فرع: اختلف الراهن والمرتهن على مقدار الرهن
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " الأم ": (إذا قال الرجل لغيره: رهنتك عبدي هذا بألف درهم لك علي، فقال المرتهن: بل رهنتنيه وزيدا بألفي درهم، ألف درهم لي، وألف درهم لزيد، وادعى زيد ذلك.. فالقول قول الراهن: أنه ما رهن زيدا شيئا، فإذا حلف.. كان العبد رهنا عند الذي أقر له به).
قال الشيخ أبو حامد: وهذا لا يجيء على أصل الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ لأن المالك أقر للمرتهن برهن جميع العبد، وهو لا يدعي إلا رهن نصفه، وإنما ادعى زيد نصفه، وقد حلف له المالك، فوجب أن لا يبقى عند المقر له إلا نصف العبد مرهونا.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (فأما إذا قال لغيره: رهنتك عبدي هذا بألف درهم لك علي، فقال المرتهن: هذا الألف الذي أقررت أنه لي رهنتني به هذا العبد هو لي ولزيد.. قبل ذلك؛ لأنه إقرار في حق نفسه، فقبل، فيكون الألف بينه وبين زيد).
وقال الشيخ أبو حامد: ولم يذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - حكم الرهن هاهنا، ولكن يكون العبد رهنا بالألف؛ لأن المرتهن اعترف بالألف الذي ارتهن به أنه له ولغيره، فقبل إقراره في ذلك، كما لو كان له ألف برهن، فقال: هذا الألف لزيد.. كان له الألف بالرهن، كذلك هذا مثله.
مسألة: إرسال شخص برهن
ذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في باب (الرسالة) من " الأم " [3/155] أربع مسائل:
الأولى: إذا دفع رجل ثوبا، وأرسله ليرهنه له عند رجل، فرهنه له، ثم اختلف الراهن والمرتهن، فقال المرتهن: أذنت له ليرهنه عندي بعشرين، وقد أعطيته العشرين، ورهنني الثوب بها.
فقال المرسل: ما أمرته أن يأخذ إلا عشرة ويرهن بها، فإن صدق الرسول الراهن المرسل.. فالقول قول الرسول، فيحلف: إنه
ما رهنه إلا بعشرة، ولا يمين على المرسل؛ لأن الرسول هو الذي باشر العقد.
قال ابن الصباغ: وعندي: أن المرتهن إذا ادعى على المرسل: أنه أذن له في ذلك، وقبض منه عشرين بإذنه.. أن له أن يحلفه؛ لأن المرسل لو أقر بذلك.. لزمه ما قاله، فإذا أنكره.. حلف.
المسألة الثانية: إذا صدق الرسول المرتهن.. فالقول قول المرسل: أنه لم يأذن له في رهنه بعشرين، ولم يلزم المرسل إلا عشرة لا غير، ويلزم الرسول عشرة؛ لأنه أقر بقبض العشرين.
قال ابن الصباغ: وعندي: أن المرتهن إذا صدق الرسول أن الراهن أذن له في ذلك.. لم يكن له الرجوع على الرسول؛ لأنه يقر أن الذي ظلمه هو المرسل.
المسألة الثالثة: إذا دفع إليه ثوبا وعبدا، وأمره أن يرهن أحدهما عند رجل بشيء يأخذه له منه، فرهن الرسول العبد، ثم قال المرسل: إنما أذنت لك برهن الثوب، وأما العبد: فوديعة، وقال الرسول أو المرتهن: إنما أذنت في رهن العبد.. حلف المرسل: إنه ما أذن له برهن البعد، وخرج العبد عن الرهن بيمينه، وخرج الثوب عن الرهن؛ لأنه لم يرهن.
المسألة الرابعة: إذا قال المرسل: أمرتك برهن الثوب، ونهيتك عن رهن العبد.
وأقام على ذلك بينة، وأقام الرسول بينة أنه أذن له في رهن العبد.
فبينة الرسول أولى؛ لأنه يحتمل أن يكون قد أذن له في رهن العبد، ثم نهاه عن رهنه، فلا يصح رهنه، ويحتمل أن يكون قد أذن له في رهن الثوب، ونهاه عن رهن العبد، ثم أذن له في رهن العبد، فيصح، وإذا احتمل هذا وهذا، فقد وجد من الرسول عقد الرهن على العبد، والظاهر أنه عقد صحيح.. فلا يحكم ببطلانه لأمر محتمل).
مسألة: اختلفا في كون الرهن قرضا أو بيعا
إذا كان في يد رجل عبد لغيره، فقال من بيده العبد للمالك: رهنتني هذا العبد بألف هي لي عليك قرضا، وقال المالك: بل بعتكه بألف هي لي عليك ثمنا.. حلف
السيد: أنه ما رهنه العبد؛ لأن الأصل عدم الرهن، ويحلف من بيده العبد: أنه ما اشتراه؛ لأن الأصل عدم الشراء، ويبطل العقدان، ويسقط المالان، ويرد العبد إلى سيده.
وإن قال من بيده العبد: رهنتني هذا العبد بألف أقبضتكها.
وقال السيد: بل رهنتكه بألف لم أقبضها.. فالقول قول السيد مع يمينه؛ لأن الأصل عدم القبض، فإذا حلف.
بطل الرهن؛ لأن الرهن إنما يكون على حق في الذمة.
وإن قال من بيده العبد: بعتنيه بألف، وقال السيد: بل رهنتكه بألف.. حلف السيد: إنه ما باعه العبد، فإذا حلف.. خرج العبد من يد من هو بيده؛ لأن البيع زال بيمين السيد، وبطل الرهن؛ لأن المالك يقر له به، والمرتهن ينكره، ومتى أنكر المرتهن الرهن.. زال الرهن.
قال الشيخ أبو إسحاق في " المهذب "، والمحاملي في " المجموع ": فإن قال السيد: رهنتكه بألف قبضتها منك قرضا، وقال الذي بيده العبد: بل بعتنيه بألف قبضتها مني ثمنا.. حلف كل واحد منهما على نفي ما ادعي عليه؛ لأن الأصل عدم العقد.
وعلى السيد الألف؛ لأنه مقر بوجوبها.
قلت: والذي يقتضي القياس عندي: أنه لا يمين على الذي بيده العبد؛ لأنه ما ارتهن العبد؛ لما ذكرناه في المسألة قبلها.
مسألة: اختلفا على عين أنها رهن أو إجارة
وإن رهنه عينا فوجدت في يد المرتهن، فقال المرتهن للراهن: قبضتها بإذنك رهنا.
وقال الراهن: لم آذن لك في قبضها، وإنما غصبتنيها، أو أجرتها منك، فقبضتها عن الإجارة.
فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن.
وإن اتفقا على الرهن والإذن والقبض، ولكن قال الراهن: رجعت في الإذن قبل أن تقبض، وقال المرتهن: لم ترجع، ولم تقم بينة على الرجوع.. فالقول قول المرتهن مع يمينه: أنه ما يعلم أنه رجع؛ لأن الأصل عدم الرجوع.
وإن اتفقا على الرهن والإذن، واختلفا في القبض: فقال الراهن: لم تقبض،
وقال المرتهن: بل قبضت.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في موضع: (القول قول الراهن).
وقال في موضع: (القول قول المرتهن).
قال أصحابنا: ليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، فإن كانت العين في يد الراهن.. فالقول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم القبض.
والذي يقتضي المذهب عندي: أنه يحلف أنه ما يعلم أنه قبض؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره.
وإن كانت العين في يد المرتهن.. حلف: إنه قبض؛ لأن الظاهر أنه قبض بحق.
فرع: رجوع الراهن عن إقباض العين للمرتهن
وإن أقر أنه رهن عند غيره عينا، وأقبضه إياها، ثم قال الراهن للمرتهن: لم تكن قبضتها، وأراد منعه من القبض.. لم يقبل رجوعه عن إقراره بالقبض؛ لأن إقراره لازم.
فإن قال الراهن للمرتهن: احلف: أنك قبضتها.. قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أحلفته).
واختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو إسحاق: إن كان المرهون غائبا، فقال: أقررت بالقبض؛ لأن وكيلي أخبرني: أنه أقبضه، ثم بان لي أنه لم يقبضه.. أحلف المرتهن؛ لأنه لا يكذب نفسه، وإنما يدعي أمرا محتملا.
فأما إذا كان الرهن حاضرا، وأقر أنه أقبضه بنفسه، ثم رجع، وقال: لم يقبض.. لم تسمع منه دعواه، ولم يحلف المرتهن؛ لأنه يكذب نفسه.
وقال أبو علي بن خيران، وعامة أصحابنا: يحلف المرتهن بكل حال، وهو ظاهر النص.
أما مع غيبة الرهن: فلما ذكر الشيخ أبو إسحاق.
وأما مع حضوره: فلأنه قد يستنيب غيره بالإقباض، فيخبره: بأن المرتهن قد قبض، ثم تبين له أنه قد خان في إخباره، وأيضا فإنه قد يعده بالإقباض، فيقر له به قبل فعله، فكانت دعواه محتملة.
قالوا: وهكذا: لو أن رجلا أقر: بأنه اقترض من رجل ألفا، ثم قال بعد ذلك: لم
أقبضها، وإنما وعدني أن يقرضني، فأقررت به، ثم لم يفعل.. لم يحلف، واستحلف المقرض؛ لأنه لا يكذب نفسه.
فأما إذا شهد شاهدان: بأنه رهنه عبده وأقبضه، ثم ادعى أنه لم يقبضه، وطلب يمين المرتهن.. لم تسمع دعواه، ولم يحلف المقر له؛ لأن في ذلك قدحا في البينة.
مسألة: البيع بشرط أن يرهن عصيرا
إذا باعه شيئا بشرط أن يرهنه عصيرا، فرهنه العصير، وقبضه المرتهن، فوجده خمرا، فقال المرتهن: أقبضتنيه خمرا، فلي الخيار في فسخ البيع.
وقال الراهن: بل صار خمرا بعد أن صار في يدك، فلا خيار لك.. ففيه قولان:
أحدهما: أن القول قول المرتهن مع يمينه، وهو قول أبي حنيفة، والمزني؛ لأن الراهن يدعي قبضا صحيحا، والأصل عدمه.
والثاني: أن القول قول الراهن، وهو الصحيح؛ لأنهما قد اتفقا على العقد والتسليم، واختلفا في تغيير صفته، والأصل عدم التغيير وبقاء صفته، كما لو باعه شيئا وقبضه، فوجد به عيبا في يد المشتري يمكن حدوثه بيده.. فإن القول قول البائع.
وإن قال المرتهن: رهنتنيه وهو خمر.
وقال الراهن: رهنتكه، وهو عصير، وقبضته عصيرا، وإنما صار خمرا في يدك.. فاختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو علي بن أبي هريرة: القول قول المرتهن، قولا واحدا؛ لأنه لا ينكر أصل العقد.
وقال سائر أصحابنا: هي على قولين كالتي قبلها.
وهو المنصوص في " مختصر المزني ".
فرع: رهن عبدا ملفوفا
وإن رهنه عبدا، وأقبضه إياه ملفوفا في ثوب، فوجد ميتا، فقال المرتهن: أقبضتنيه ميتا.
وقال الراهن: أقبضتكه حيا، ثم مات عندك.. ففيه طريقان:
[أحدهما]: قال عامة أصحابنا: هي على قولين، كالعصير.
و [الثاني]: قال أبو علي الطبري: القول قول المرتهن، قولا واحدا.
والصحيح هو الأول؛ لما ذكرناه في المسألة قبلها.
مسألة: رهنا عبدا على مائتي دينار
إذا كان لرجلين على رجل مائتا دينار، لكل واحد منهما مائة، وله عبد، فادعى عليه كل واحد منهما أنه رهن عنده العبد، وأقبضه إياه، ولا بينة لهما، فإن كذبهما.. حلف لكل واحد منهما يمينا؛ لأن الأصل عدم الرهن، سواء كان العبد في أيديهما، أو في يده؛ لأن اليد لا يرجح بها في العقد.
وإن صدق أحدهما، وكذب الآخر.. حكم بالرهن للمصدق، وسواء كان العبد في يد المصدق أو المكذب، وهل يحلف الراهن للمكذب؟ فيه قولان، بناء على من أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو، هل يغرم لعمرو قيمته؟ فيه قولان:
فإن قلنا: يغرم.. حلف هاهنا؛ لجواز أن يخاف اليمين، فيقر للمكذب، فتثبت له القيمة.
وإن قلنا: لا يغرم.. لم يحلف؛ لأنه لو أقر له بعد الإقرار الأول.. لم يحكم له بشيء، فلا فائدة في تحليفه.
وإن أقر لهما بالرهن والتسليم، فادعى كل واحد منهما أنه هو السابق بالرهن والتسليم.. رجع إلى الراهن، فإن قال: لا أعلم السابق منكما بذلك، فإن صدقاه أنه لا يعلم، ولا بينة لهما.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو المنصوص ـ: (أن الرهن ينفسخ)؛ لأنهما قد استويا في ذلك، والبيان من جهته قد تعذر، فحكم بانفساخ العقدين، كما نقول في المرأة إذا زوجها وليان لها من رجلين، وتعذر معرفة السابق منهما، وكذلك الجمعتان.
والثاني: يقسم بينهما؛ لأنه يمكن قسمته بينهما، ويمكن أن يكون رهن عند كل واحد منهما نصفه.
وإن كذباه، وقالا: بل هو يعلم السابق من العقدين والتسليم فيه.. فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأن الأصل عدم العلم.
قال الشيخ أبو حامد: فيحلف لكل واحد منهما يمينا: أنه لا يعلم أنه السابق، فإذا حلف لهما.. كانت على وجهين، مضى ذكرهما:
المنصوص: (أنه ينفسخ العقدان).
والثاني: يقسم بينهما.
وإن نكل عن اليمين.. عرضنا اليمين عليهما، فإن حلف كل واحد منهما: أن الراهن يعلم أنه هو السابق.. قال ابن الصباغ: كانت على الوجهين الأولين:
المنصوص: (أن الرهنين ينفسخان).
والثاني: يقسم بينهما.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر.. حكم بالرهن للحالف دون الآخر.
وإن اعترف الراهن أنه يعلم السابق منهما، وقال: هذا هو السابق، لم يخل: إما أن يكون الرهن في يد الراهن، أو في يد أجنبي، أو في يد أحد المرتهنين، أو في يدهما، فإن كان الرهن في يد الراهن، أو في يد أجنبي، أو في يد المقر له بالسبق.. حكم بالرهن للمقر له؛ لأنه اجتمع له اليد والإقرار، وهل يحلف الراهن للآخر؟ فيه قولان، وحكاهما الشيخ أبو حامد وجهين:
المنصوص: (أنه لا يحلف له؛ لأنه لو أقر للثاني.. لم ينزع الرهن من يد المقر له، فلا معنى لاستحلافه).
والثاني: يحلف له؛ لأنه ربما خاف من اليمين، فأقر للثاني، فتؤخذ منه القيمة، فتكون رهنا مكانه.
فإذا قلنا: لا يمين عليه.. فلا كلام.
وإن قلنا: عليه اليمين.. نظرت:
فإن حلف للثاني.. انصرف.
وإن خاف من اليمين، فأقر للثاني أنه رهنه أولا، وأقبضه.. لم يقبل هذا الإقرار في حق المقر له أولا بانتزاع الرهن منه، ولكن تؤخذ من المقر قيمة الرهن، وتجعل
رهنا عند الثاني المقر له؛ لأنه حال بينه وبينه بإقراره المتقدم.
وإن نكل عن اليمين.. ردت على الثاني، فإن لم يحلف.. قلنا له: اذهب فلا حق لك.
وإن حلف، فإن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة.. انتزع الرهن من يد الأول، وسلم إلى الثاني.
قال الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ: إلا أن أصحابنا لم يفرعوا على هذا القول، وهذا يدل على ضعفه.
وإن قلنا: إن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالإقرار.. فذكر في " المهذب " هاهنا ثلاثة أوجه:
أحدها ـ ولم يذكر في " التعليق " و " الشامل " غيره ـ: أن الرهن لا ينزع من يد الأول، ويلزم المقر أن يدفع قيمته إلى الثاني المقر له ليكون رهنا عنده؛ لأنه حال بينه وبينه بإقراره الأول.
والثاني: يجعل بينهما؛ لأنهما استويا في الإقرار، ويجوز أن يكون مرهونا عندهما، فجعل بينهما.
والثالث: ينفسخ الرهن؛ لأنه أقر لهما، وجهل السابق منهما.
وإن كان الرهن في يد الذي لم يقر له.. فقد حصل لأحدهما الإقرار، وللآخر اليد، وفيه قولان:
أحدهما: أن صاحب اليد أولى، فيكون القول قوله مع يمينه: أنه السابق، كما لو قال: بعت هذا العبد من أحدهما، وكان في يد أحدهما.. فالقول قوله مع يمينه.
والثاني: أن القول قول الراهن: أن الآخر هو السابق؛ لأنه إذا اعترف أن السابق هو الآخر.. فهو يقر أنه لم يرهن ممن بيده شيئا، ومن بيده يدعي ذلك، فيكون كما لو ادعى عليه أنه رهنه.
فإذا قلنا بهذا: فهل يحلف الراهن لمن هو بيده؟ على القولين فيمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو، على ما مضى من التفريع.
وإن كان الرهن في يد المرتهنين.. فقد اجتمع لأحدهما اليد والإقرار في النصف،
فيكون أحق به، وهل يحلف للآخر عليه؟ على القولين.
وأما النصف الذي في يد الآخر: فهل اليد أقوى، أو الإقرار؟ على القولين الأولين.
فإن قلنا: إن اليد أقوى.. حلف من هو في يده عليه، وكان رهنا بينهما، وهل يحلف المقر لمن لم يقر له على النصف الذي بيد المقر له؟ على القولين.
وإن قلنا: الإقرار أولى.. انتزع العبد، فجعل رهنا للمقر له، وهل يحلف للآخر على جميعه؟ على القولين فيمن أقر بدار لزيد، ثم أقر بها لعمرو والمنصوص هاهنا: (أنه لا يحلف).
مسألة: رهن عبدا أو أقبضه
إذا رهن عند رجل عبدا، وأقبضه إياه، ثم أقر الراهن أنه جنى قبل الرهن على غيره جناية توجب المال، أو أتلف عليه مالا، فإن لم يصدقه المقر له.. لم يحكم بصحة الإقرار؛ لأنه أقر لمن لا يدعيه.
وإن صدقه المقر له، فإن صدقهما المرتهن.. حكم بصحة الإقرار، وكان للمرتهن الخيار في فسخ البيع إن كان مشروطا فيه، وإن كذبهما المرتهن.. ففيه قولان:
أحدهما ـ وهو الضعيف ـ: أن القول قول الراهن؛ لأنه غير متهم في هذا الإقرار؛ لأن المجني عليه يأخذ الأرش، ويبقى حق المرتهن في ذمة الراهن، فلا تهمة عليه فيه، وكل من أقر بما لا تهمة عليه فيه.. قبل، كالزوجة إذا أقرت بقتل العمد.. فإنه يقبل إقرارها، ولأنه لو أجر عبده، ثم أقر أنه جنى قبل الإجارة.. قبل إقراره، فكذلك في الرهن مثله.
والقول الثاني: أن القول قول المرتهن، وهو قول أبي حنيفة، والمزني، وهو الصحيح؛ لأنه معنى يبطل حق الوثيقة من عين الرهن، فلم يملكه الراهن، كما لو باعه، ولأنه متهم؛ لأنه ربما واطأ المقر له ليبطل الوثيقة، ويأخذ العبد، ويخالف
الإجارة، فإن الإجارة عقد على المنفعة، ويمكن استيفاء المنفعة منه، ثم يباع في الجناية.
فإن لم يقر بأنه جنى، ولكن أقر بعد الرهن والإقباض أنه كان غصب هذا العبد، أو باعه، أو أعتقه قبل الرهن، وأنكر المرتهن ذلك.. قال الشيخ أبو حامد: ففيه قولان، كما لو أقر أنه كان جنى.
وقال ابن الصباغ: ينبغي أن يكون في الإقرار بالعتق قول ثالث: إن كان موسرا.. نفذ إقراره، وإن كان معسرا.. لم ينفذ إقراره، ويجري الإقرار به مجرى الإعتاق.
فأما إذا باع عبدا، ثم أقر أنه كان جنى قبل البيع، أو كان أعتقه، أو غصبه، أو باعه من غيره.. لم يقبل في حق المشتري، قولا واحدا؛ لأن البيع يزيل ملكه.
وإن كاتب عبدا، ثم أقر أنه كان جنى قبل ذلك.. لم يقبل أيضا إقراره، قولا واحدا؛ لأن المكاتب بمنزلة من زال ملكه عنه؛ لأن أرش الجناية عليه لا يرجع إليه
وإن كاتبه، ثم أقر أنه كان أعتقه، أو باعه قبل ذلك.. قال الشيخ أبو حامد: عتق في الحال، وسقط المال عنه؛ لأن إقراره بذلك إبراء منه له من مال المكاتبة.
إذا ثبت هذا: رجعنا إلى الرهن، فإن قلنا: القول قول الراهن.. فهل يحتاج أن يحلف؟ من أصحابنا من قال: فيه قولان.
وقال الشيخ أبو حامد: هما وجهان:
أحدهما: أن عليه اليمين، وهو اختيار الشيخ أبي حامد، وهو المنصوص؛ لأن ما قاله يحتمل الصدق والكذب، فلم يكن بد من اليمين، كما لو ادعى دارا في يد غيره، فأنكر.. فلا بد من يمين المنكر؛ لأنه يمكن صدقه وكذبه.
فعلى هذا: إذا حلف.. فإنه يحلف على البت والقطع؛ لأنها يمين إثبات.
والثاني: أنه لا يمين عليه، وهو اختيار القاضي أبي الطيب؛ لأنه لو رجع عن هذا الإقرار.. لم يقبل رجوعه، فلا معنى لعرض اليمين عليه.
فإذا قلنا: عليه اليمين، فحلف، أو قلنا: لا يمين عليه، فإن كانت قيمة العبد بقدر أرش الجناية أو أقل.. بيع العبد لأجل الأرش، ولا كلام.
وإن كان أرش الجناية أقل من قيمة العبد، فإن قلنا: إن رهن العبد الجاني صحيح.. بيع منه بقدر أرش
الجناية، وكان الباقي منه رهنا.
وإن لم يمكن بيع بعضه إلا ببيع جميعه.. بيع جميعه، وكان ما فضل من ثمنه عن أرش الجناية رهنا.
وإن قلنا: إن رهن الجاني باطل.. بطل في قدر أرش الجناية، وهل يبطل فيما زاد على الأرش؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه باطل، فيكون للراهن مطلقا؛ لأن تعلق الأرش بالرقبة وإن قل يبطل الرهن.
والثاني: لا يبطل الرهن فيما يفضل عن أرش الجناية؛ لأن ما زاد على أرش الجناية لا يدعيه المجني عليه، فلم يحكم ببطلان الرهن فيه، كما لو لم يدع المجني عليه الجناية.. فإنه لا يحكم ببطلان الرهن.
فإن اختار السيد أن يفديه، إذا قلنا: القول قوله.. فبكم يفديه؟ فيه قولان:
أحدهما: بأقل الأمرين من قيمته، أو أرش الجناية.
والثاني: بأرش الجناية بالغا ما بلغ، أو يسلمه للبائع، كما لو ثبتت جنايته بالبينة، أو كان غير مرهون.
وإذا قلنا: إن القول قول المرتهن.. فإن عليه اليمين، قولا واحدا؛ لأنه لو اعترف بالجناية.. لصح اعترافه.
فعلى هذا: يحلف: أنه ما يعلم أنه جنى؛ لأنه يحلف على نفي فعل غيره.
فإن حلف المرتهن.. بقي الرهن في العبد بحاله، وهل يلزم الراهن أن يغرم للمجني عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه قد فعل ما يلزمه في الشرع، وهو الإقرار، فإذا منع الشرع من قبول إقراره.. لم يلزمه ضمان.
فعلى هذا: إذا رجع العبد إليه، بأن فكه من الرهن، أو أبرئ من الدين، أو بيع في الدين، فرجع إليه ببيع، أو هبة، أو إرث.. تعلق الأرش برقبته؛ لأنا إنما منعنا من نفوذ إقراره بحق المرتهن، وقد زال.