كتاب الفرائض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الأصل في الحث على تعلم الفرائض: ما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإنها نصف العلم، وهي أول ما ينسى، وأول شيء ينزع من أمتي».
وروى ابن مسعود: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وسيقبض العلم، وتظهر الفتنة حتى يختصم الرجلان في الفريضة فلا يجدان أحدا يفصل بينهما».
وروي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (إذا لهوتم.. فالهوا بالرمي، وإذا تحدثتم.. فتحدثوا بالفرائض).
وقال علقمة: إذا أردت أن تتعلم الفرائض.. فأمت جيرانك.
إذا ثبت هذا: فإن التوارث كان في الجاهلية بالحلف والنصرة، فكان الرجل يقول للرجل: تنصرني وأنصرك، وترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، وربما تحالفوا على ذلك.
فإذا كان لأحدهما ولد.. كان الحليف كأحد أولاد حليفه، وإن لم يكن له ولد.. كان جميع المال للحليف، فجاء الإسلام والناس على هذا، فأقرهم الله تعالى على ذلك في صدر الإسلام بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] [النساء: 33] وروي: " أن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حالف رجلاً، فمات، فورثه أبو بكر).
ثم نسخ ذلك وجعل التوارث بالإسلام والهجرة، فكان الرجل إذا أسلم وهاجر.. ورثه من أسلم وهاجر معه من مناسبيه دون من لم يهاجر معه من مناسبيه، مثل: أن يكون له أخ وابن مسلمان، فهاجر معه الأخ دون الابن فيرثه أخوه دون ابنه.
والدليل عليه: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] [الأنفال: 72].
ثم نسخ الله ذلك بالميراث بالرحم بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 6] [الأحزاب: 6]، وفسر المعروف بالوصية.
وقال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 7] [النساء: 7] فذكر: أن لهم نصيباً في هذه الآية ولم يبين قدره، ثم بين قدر ما يستحقه كل وارث في ثلاثة مواضع من كتابه، على ما نذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى.
إذا تقرر هذا: فإن الميت إذا مات.. أخرج من ماله كفنه وحنوطه ومؤنة تجهيزه من رأس ماله مقدما على دينه ووصيته، موسراً كان أو معسراً.
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأكثر أهل العلم - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - تعالى.
وقال الزهري: إن كان موسراً.. احتسب ذلك من رأس ماله، وإن كان معسراً احتسب من ثلثه.
وقال خلاس بن عمرو: يحتسب من ثلثه بكل حال.
دليلنا: ما روى خباب بن الأرت قال: «قتل مصعب بن عمير يوم أحد وليس له إلا نمرة، إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر»، ولم يسأل عن ثلث ماله.
وروي: أن الرجل الذي وقص وهو محرم، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما»، ولم يعتبر الثلث.
ولأن الميراث إنما نقل إلى الورثة لاستغناء الميت عنه، وهذا غير مستغن عن كفنه ومؤنة تجهيزه، فقدم على الإرث.
ثم يقضى دينه إن كان عليه دين، ثم تخرج وصاياه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] [النساء: 11].
وأجمعت الأمة: على أن الدين مقدم على الوصية.
وهل انتقل ماله إلى ورثته قبل قضاء الدين؟ اختلف أصحابنا فيه.
فذهب أكثرهم إلى: أنه ينتقل إليهم قبل قضاء الدين.
وقال أبو سعيد الإصطخري: لا ينتقل إليهم حتى يقضى الدين.
هكذا ذكر الشيخان - أبو حامد وأبو إسحاق - عن أبي سعيد من غير تفصيل.
وأما ابن الصباغ: فحكي عنه: أنه إن كان الدين لا يحيط بالتركة.. فإن عند أبي سعيد الإصطخري: لا يمنع الدين من انتقال المال إلى الورثة إلا بقدره، واحتج بأنه لو بيع شيء من مال الميت بعد موته.. لكانت العهدة على الميت دون الورثة، فدل على بقاء ملكه.
فعلى هذا: إذا حدث من المال فوائد قبل قضاء الدين.. كان ذلك ملكا للميت، فيقضى منه دينه وينفذ منه وصاياه.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الدين يحيط بالتركة.. منع انتقال الملك إلى الورثة، وإن كان الدين لا يحيط بالتركة.. لم يمنع انتقال الملك إلى الورثة).
والمذهب: أن الدين لا يمنع انتقال الملك إلى الورثة بحال، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12] الآية: [النساء: 12]، ولم يفرق.
ولأنه لا خلاف: في أن رجلاً لو مات وخلف ابنين وعليه دين، فمات أحدهما قبل قضاء الدين وخلف ابنا، ثم أبرأ من له الدين الميت عن الدين.. فإن تركة من كان عليه الدين تقسم بين الابن وبين ابن الابن، فلو كان الدين يمنع انتقال الملك إلى الورثة.. لكانت التركة للابن وحده.
فعلى هذا: إن حصل من التركة فوائد قبل قضاء الدين.. فإنها للورثة لا يتعلق بها حق الغرماء ولا الوصية.
وإن كان الدين أكثر من التركة، فقال الوارث: أنا أدفع قيمة التركة من مالي ولا تباع التركة، وطلب الغرماء بيعها.. فهل يجب بيعها؟ فيه وجهان بناء على العبد الجاني، إذا بذل سيده قيمته، وطلب المجني عليه بيعه، وكان الأرش أكثر من قيمته.. فهل يجب بيعه؟ فيه قولان.
مسألة: أصناف الإرث والوارثين والتعريف بأولي الأرحام
]: ثم يصرف مال الميت بعد قضاء الدين وإخراج وصيته إلى ورثته.
والإرث ضربان: عام وخاص.
فأما (العام): فهو أن يموت رجل من المسلمين ولا وارث له خاص.. فإن ماله ينتقل إلى المسلمين إرثا بالتعصيب، يستوي فيه الذكر والأنثى، وهل يدخل فيه القاتل؟ فيه وجهان.
وأما (الإرث الخاص): فيكون بأحد أمرين: بسبب أو نسب.
فأما (السبب): فينقسم قسمين: ولاء ونكاحاً.
فأما (الولاء): فقد مضى بيانه.
وأما (النكاح): فهو إرث أحد الزوجين من الآخر على ما يأتي بيانه.
وأما (النسب): فهم الوارثون من القرابة من الرجال والنساء.
فالرجال المجمع على توريثهم: خمسة عشر، منهم أحد عشر لا يرثون إلا بالتعصيب، وهم: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأخ للأب والأم، والأخ للأب، وابن الأخ
للأب والأم، وابن الأخ للأب، والعم للأب والأم، والعم للأب، وابن العم للأب والأم، وابن العم للأب، والمولى المعتق.
فكل هؤلاء لا يرث واحد منهم فرضاً، وإنما يرث تعصيباً إلا الأخ للأب والأم.. فإنه قد يرث بالفرض في المشتركة لا غير، على ما نذكره في موضعه.
واثنان من الرجال الوارثين يرثان تارة بالفرض، وتارة بالتعصيب، وتارة بالفرض والتعصيب معا، وهما: الأب، والجد أبو الأب وإن علا.
واثنان لا يرثان إلا بالفرض لا غير، وهما: الأخ للأم، والزوج.
وأما النساء المجمع على توريثهن: فعشر، وهن: الابنة، وابنة الابن وإن سفلت، والأم، والجد أم الأم، والجدة أم الأب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب، والأخت للأم، والزوجة، والمولاة المعتقة.
فأربع منهن يرثن تارة بالفرض وتارة بالتعصيب، وهن: الابنة، وابنة الابن، والأخت للأب والأم، والأخت للأب.
وخمس منهن لا يرثن إلا بالفرض، وهن: الأم، وأم الأم، وأم الأب، والأخت للأم، والزوجة.
وواحدة منهن لا ترث إلا بالتعصيب، وهي: المولاة المنعمة.
والورثة من الرجال والنساء ينقسمون ثلاثة أقسام: قسم يدلي بنفسه، وقسم يدلي بغيره، وقسم قد يدلي بنفسه وقد يدلي بغيره.
فأما (القسم الذي يدلي بنفسه): فهم ستة: الأب، والأم، والابن، والابنة، والزوج، والزوجة.
وهؤلاء لا يحجبون بحال.
وأما (القسم الذي يدلي بغيره): فهو من عدا من ذكرنا من القرابات، وقد يحجبون.
وأما (القسم الثالث الذي قد يدلي بنفسه مرة وبغيره أخرى): فهو من يرث بالولاء، وقد يحجب أيضاَ.
وقد ورد الشرع بتوريث جميع من ذكرنا، على ما يأتي بيانه.
وأما (ذوو الأرحام) وهم: ولد البنات، وولد الأخوات، وبنات الإخوة، وولد الإخوة للأم، والخال، والخالة، والعم للأم، والعمة، وبنات الأعمام، وكل جد بينه وبين الميت أم، ومن يدلي بهؤلاء.
فاختلف أهل العلم في توريثهم على ثلاثة مذاهب:
فـ[الأول]: ذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى: أنهم لا يرثون بحال.
وبه قال من الصحابة: زيد بن ثابت وابن عمر.
وهي إحدى الروايتين عن عمر، ومن الفقهاء: الزهري ومالك والأوزاعي وأهل الشام وأبو ثور.
و [الثاني]: ذهبت طائفة إلى: أنهم يرثون ويقدمون على المولى والرد.
وذهب إليه من الصحابة: علي بن أبي طالب وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء، وهو الصحيح عن عمر.
[والثالث]: ذهب الثوري وأبو حنيفة إلى: (أن ذوي الأرحام يرثون ولكن يقدم عليهم المولى والرد، فإن كان له مولى منعم.. ورث، وإن لم يكن له مولى منعم، وهناك من له فرض كالابنة والأخت.. كان الباقي لصاحب الفرض بالرد، وإن لم يكن هناك أحد من أهل الفروض.. ورث ذوو الأرحام)، وبه قال بعض أصحابنا إن لم
يكن هناك إمام عادل، وهي إحدى الروايتين عن علي إلا أنها رواية شاذة، ولا سلف لأبي حنيفة في مذهبه غير هذه الرواية الشاذة.
دليلنا: ما روى أبو أمامة الباهلي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث».
فظاهر الخبر يقتضي: أنه لا حق في الميراث لمن لم يعطه الله شيئا، وجميع ذوي الأرحام لم يعطهم الله في كتابه شيئاً، فثبت: أنه لا ميراث لهم.
وروى أبو سلمة، عن أبي هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن ميراث العمة والخالة، فقال: " لا أدري حتى يأتي جبريل "، ثم قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أين السائل عن ميراث العمة والخالة؟ أتاني جبريل فسارني: أن لا ميراث لهما».
وروى عطاء بن يسار، عن ابن عمر: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأتي قباء على حمار أو حمارة، يستخير الله في ميراث العمة والخالة، فأنزل الله عز وجل: أن لا ميراث لهما».
ولأن كل من لم يرث مع من هو أبعد منه.. لم يرث إذا انفرد، كابنة المولى، لأن ابنة المولى لما لم ترث مع ابن ابن المولى - وهو أبعد منها - لم ترث أيضاً إذا انفردت.
وكذلك العمة لما لم ترث مع ابن العم - وهو أبعد منها - لم ترث أيضا إذا انفردت.
ولأن ابنة الأخ لما لم ترث مع أخيها.. لم ترث إذا انفردت، كابنة المولى، وعكسه الابنة والأخت، لأنهما لما ورثتا مع أخيهما.. ورثتا إذا انفردتا.
فرع: لا توارث بالموالاة عندنا
]: مولى الموالاة لا يرث عندنا بحال، وهو أن يقول رجل لآخر: واليتك على أن ترثني وأرثك، وتنصرني وأنصرك، وتعقل عني وأعقل عنك.
ولا يتعلق بهذه الموالاة عندنا حكم إرث ولا عقل ولا غيره.
وبه قال زيد بن ثابت.
ومن التابعين: الحسن البصري والشعبي.
ومن الفقهاء: الأوزاعي ومالك.
وذهب النخعي إلى: أن هذا العقد يلزم بكل حال، ويتعلق به التوارث والعقل، ولا يكون لأحدهما فسخه بحال.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (مولى الموالاة يرث، ولكنه يؤخر عن المناسبين والمولى، وهو عقد جائز، لكل واحد منهما فسخه ما لم يعقل أحدهما عن الآخر، فإذا عقل.. لزمه ذلك ولم يكن له سبيل إلى فسخه).
دليلنا: ما روي: «أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أرادت أن تشتري بريرة، فامتنع أهلها من بيعها إلا على أن يكون الولاء لهم، فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اشتري واشترطي لهم الولاء "، فاشترتها واشترطت لهم الولاء، فصعد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المنبر، فقال: " ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ كل شرط ليس في كتاب الله.. فهو باطل، كتاب الله أحق، وشرطه أوثق، والولاء لمن أعتق»، فجعل جنس الولاء للمعتق فلم يبق، ولا يثبت لغيره.
ولأن كل سبب لم يورث به مع وجود السبب.. لم يورث به مع فقده، كما لو أسلم رجل على يد رجل.
ولأن عقد الموالاة لو كان سبباً يورث به.. لم يجز فسخه وإبطاله، كالنسب والولاء.
مسألة: الكافر والمسلم لا يتوارثان
]: لا يرث الكافر من المسلم بلا خلاف، وأما المسلم: فلا يرث الكافر عندنا.
وبه قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وزيد بن ثابت.
وهو مذهب الفقهاء كافة.
وقال معاذ ومعاوية: (يرث المسلم من الكافر).
دليلنا: ما روى أسامة بن زيد الليثي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم».
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يتوارث أهل ملتين شتى»، الإسلام والكفر ملتان شتى، فوجب أن لا يتوارثا.
ِِ
فرع: يتوارث أهل الملة وحكم من دخل إلينا من أهل الحرب
]: ويرث الكافر من الكافر إذا اجتمعا في الذمة أو في الحرب.
فيرث اليهودي من النصراني، ويرث النصراني من اليهودي، وكذا المجوسي إذا جمعتهم الذمة أو كانوا حربا لنا.
فأما أهل الحرب وأهل الذمة: فإنهم لا يتوارثون وإن كانوا من اليهود أو النصارى.
وبه قال من الصحابة: عمر وعلي وزيد بن ثابت.
ومن الفقهاء: مالك والثوري وأبو حنيفة.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 375]: الذمي هل يرث الحربي؟ فيه قولان: أحدهما: يرثه؛ لأن ملتهما واحدة.
والثاني: لا يرثه، لأن حكمنا لا يجري على الحربي.
هذا مذهبنا، وذهب الزهري والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق إلى: (أن اليهودي لا يرث من النصراني، ولا النصراني من اليهودي وإن جمعتهما الملة، وإنما يرث النصراني من النصراني، واليهودي من اليهودي).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يرث المسلم الكافر».
دليله: أن غير المسلم يرث الكافر.
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ولا الكافر المسلم».
دليله: أنه يرث غير المسلم.
ويرث أهل الحرب بعضهم بعضاً إذا تحاكموا إلينا وإن اختلفت دارهم وكان بعضهم يرى قتل بعض.
وحكم من دخل إلينا بأمان أو رسالة أو تجارة.. حكم أهل الذمة، ويرث بعضهم من بعض.
ومتى كانت امرأة الكافر ذات رحم منه من نسب أو رضاع.. لم يتوارثا بالنكاح، وإن كانت غير ذات رحم محرم منه ممن لو أسلما أقرا على ابتداء النكاح.. أقرا على نكاحهما، وتوارثا بالنكاح وإن عقدا بغير ولي ولا شهود.
فرع: ميراث المرتد لبيت المال عندنا
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وميراث المرتد لبيت المال).
وجملة ذلك: أن العلماء اختلفوا في إرث مال المرتد بعد موته على أربعة مذاهب:
فـ[الأول]: ذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلى: أن ماله لا يورث، بل يكون فيئا لبيت المال، سواء في ذلك ما اكتسبه في حال إسلامه أو في حال ردته، وسواء قلنا: إن ملكه يزول، أو لا يزول، أو موقوف.
وبهذا قال ابن عباس، وهي إحدى الروايتين عن علي.
وبه قال ربيعة ومالك وابن أبي ليلى وأحمد.
[والثاني]: ذهب ابن مسعود إلى: (أن جميع ما يخلفه لورثته، سواء كسبه قبل الردة أو بعدها).
وهي إحدى الروايتين عن علي، وبه قال الأوزاعي وأبو يوسف ومحمد.
و [الثالث]: ذهب قتادة وعمر بن عبد العزيز إلى: أن ماله يكون لأهل الملة التي انتقل إليها، فإن انتقل إلى اليهود..كان ماله لهم، وإن انتقل إلى النصارى.. كان ماله لهم.
و [الرابع]: قال أبو حنيفة والثوري: (ما اكتسبه قبل الردة.. ورث عنه، وما اكتسبه بعد الردة.. يكون فيئاً).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»، والمرتد كافر.
ولأنه لا يرث بحال، فلم يورث كالكافر.
والجواب على أبي حنيفة هو: أن كل من لم يرث المسلم ما اكتسبه في حال إباحة دمه.. لم يرث ما اكتسبه في حال حقن ٍدمه، كالذمي إذا لحق بدار الحرب.
إذا ثبت هذا: فهل يخمس مال المرتد؟ فيه قولان، يأتي بيانهما في موضعهما إن شاء الله تعالى.
مسألة: لا يرث العبد أقاربه الأحرار ولا يرثهم عندنا
]: إذا مات العبد وفي يده مال.. لم ترثه قراباته الأحرار، لأن من الناس من يقول: إنه لا يملك المال، ومنهم من يقول: إنه يملك المال، ومنهم من يقول: إنه يملكه إذا ملكه السيد ولكنه ملك ضعيف يزول بزوال ملك سيده عن رقبته.
ولهذا: إذا باعه.. زال ملك العبد عنه.
وإذا مات العبد.. فقد زال ملك العبد عن المال، فيصير كمن مات ولا مال له.
وأما إذا مات للعبد مناسب يملك المال.. فإن العبد لا يرثه عندنا.
وبه قال كافة أهل العلم.
وقال ابن مسعود: (يشتري نفسه ببعض التركة فيعتق، ثم يدفع إليه الباقي).
وقال طاووس: يرث العبد ويدفعه إلى مولاه.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] [النحل: 75]، فنفى أن يقدر العبد على شيء، والإرث شيء.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم: 28] [الروم: 28]، فثبت بهذا: أن العبد لا يرث، لأن الميراث مما رزقه الله للأحرار، وهو يشارك الحر فيما رزقه الله.
ولأن العبد لا يملك المال، فلم يرث، كالبهيمة.
وحكم المكاتب والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة.
حكم العبد في الميراث، لأنهم ناقصون بالرق.
فرع: إرث المبعض
]: وأما من نصفه حر ونصفه مملوك: فإنه لا يرث بنصفه الحر.
وحكى المسعودي [في " الإبانة " ق \ 375] عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وابن أبي ليلى، وعثمان البتي، والمزني: أنهم قالوا: (يرث بنصفه الحر).
وهذا غلط، لأنه ناقص بالرق، ولهذا لا تقبل شهادته ولا يتزوج أربعا ولا يطلق ثلاثاً، هو كما لو لم يعتق شيء منه.
وهل يرث عنه ورثته الأحرار ما جمعه بنصفه الحر؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في الجديد، (يرثه ورثته المناسبون، فإن لم يكن له مناسب.
كان كمن أعتق نصفه)، لأنه مال ملكه بما فيه من الحرية، فورثه ورثته المناسبون، كالحر.
و [الثاني]: قال في القديم: (لا يرثه ورثته المناسبون)، لأنه ناقص بالرق، فلم يرثه المناسبون له، كالعبد.
ولأنه لا يرث بحال، فلم يورث كالمرتد.
فإذا قلنا بهذا: فلمن يكون ما جمعه بما فيه من الحرية؟ فيه وجهان: أحدهما - وهو المنصوص -: (أنه يكون لمالك نصفه)، لأنه لا يجوز أن يكون لمناسبه، لأن المناسب يأخذ المال إرثا وهذا لا يورث، ولا يجوز أن يكون لمولاه الذي اعتق نصفه بالولاء، لأن الولاء أضعف من النسب، فإذا يستحقه المناسب.. فالمعتق أولى، فلم يبق إلا أن يكون لمن يملك نصفه.
والثاني - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أنه يكون لبيت المال، لأنه لا يجوز أن يكون لمناسبه ولا لمن أعتق نصفه، لما ذكرناه في الأول، ولا يجوز أن يكون لمالك نصفه، لأنه ملكه بنصفه الحر، ولا ملك لمالك نصفه في ذلك النصف ولا
ولاء، فلم يبق إلا أنه يكون لبيت المال.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا.
وقال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 375]: إذا قلنا بقوله الجديد فمات، فإن لم يكن بينه وبين سيده مهايأة.. كان لمالك نصفه النصف من الذي في يده، والنصف للوارث.
وإن كان بينهما مهايأة، وقد أعطى السيد حقه وبقي حقه في يده.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لورثته، لأن السيد قد أخذ حقه.
والثاني: أنه بين السيد وبين الورثة نصفان؛ لأنه شخص لا يورث إلا بعض ماله، فلم يكن للورثة إلا بعض ما في يده.
وإن قلنا بقوله القديم ومات وفي يده مال، فإن كان قد أعطى السيد حقه.. كان فيمن يستحق ما بقي بيده وجهان:
أحدهما: أنه لمالك نصفه.
والثاني: أنه لبيت المال.
وإن كان لم يعط السيد حقه من الكسب، بل الجميع في يده.. كان لمالك نصفه نصف ما بيده، وفي النصف الباقي وجهان:
أحدهما: أن جميع ذلك النصف لبيت المال.
والثاني: أن لبيت المال نصف ذلك النصف، والنصف لمالك نصفه.
وإن كان بينه وبين مالك نصفه مهايأة، وكان ما بقي في يده خالص ملكه.. ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لبيت المال.
والثاني: أن نصفه لمالك نصفه.
ونصفه لبيت المال.
[فرع: خلف أولاداً مسلمين أحراراً ومملوكين وكافرين]
]: إذا مات مسلم حر وخلف أولادا أحراراً مسلمين، وأولاداً مملوكين مسلمين، وأولاداً كفاراً.. ورثه الأولاد المسلمون الأحرار.
فإن أسلم الكفار أو أعتق العبيد بعد قسمة الميراث.. لم يشاركوا في الإرث بلا خلاف.
وإن أسلموا أو أعتقوا بعد موت أبيهم وقبل قسمة تركته.. لم يشاركوا في الميراث عندنا، وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال عمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (إذا أسلموا أو أعتقوا قبل القسمة.
شاركوا في الإرث).
دليلنا: أن كل من لم يرث حال الموت.. لم يرث بعد ذلك، كما لو أسلم أو أعتق بعد القسمة.
فرع: دبر أخاه فمات أو علق عتقه على موته
أو آخر جزء من حياته]: وإن دبر رجل أخاه فمات.. عتق، ولم يرث من أخيه شيئاَ، لأنه صار حرا بعد الموت.
قال الشيخ أبو إسحاق: فإن قال: أنت حر في آخر جزء من حياتي المتصل بالموت، ثم مات.. عتق من ثلثه، وهل يرثه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يرثه، لأن العتق في المرض وصية، والإرث والوصية لا يجتمعان.
والثاني: يرثه، ولا يكون عتقه وصية؛ لأن الوصية ما يملك بموت الموصي، وهذا لم يملك نفسه بموته.
وإن قال له في مرض موته: إن مت بعد شهر فأنت اليوم حر، فمات بعد شهر.. عتق يوم تلفظ، وهل يرثه؟ على الوجهين.
مسألة: القاتل لا يرث عندنا
]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (والقاتلون عمداً أو خطأ لا يرثون).
وجملة ذلك: أن العلماء اختلفوا في ميراث القاتل من المقتول.
فذهب الشافعي إلى: أن القاتل لا يرث المقتول، لا من ماله ولا من ديته، سواء قتله عمداً أو خطأ، أو مباشرة أو بسبب، لمصلحة - كسقي الدواء أو بط الجرح- أو لغير مصلحة، متهما كان أو غير متهم، وسواء كان القاتل صغيراً أو كبيراً، عاقلاً كان أو مجنوناً.
وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وعمر بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل.
وقال أبو إسحاق: من أصحابنا من قال: إذا كان القاتل غير متهم، بأن كان حاكماًً، فجاء مورثه فأقر عنده بقتل رجل عمداً، فطلب وليه القود، فمكنه الحاكم من قتله، أو اعترف عنده بالزنا وهو محصن فرجمه، أو اعترف بقتل المحاربة فقتل.. فإنه يرثه، لأنه غير متهم في قتله.
ومن أصحابنا من قال: إن كان القتل مضموناً..لم يرث القاتل، لأنه قتل بغير حق.
وإن كان غير مضمون، بأن قتله قصاصاً، أو في الزنا، أو كان باغياً فقتله العادل، وما أشبه ذلك.. ورث؛ لأنه قتله بحق، فلم يمنع الإرث.
وقال عطاء وابن المسيب ومالك والأوزاعي: (إن كان القتل عمداً.. لم يرث القاتل لا من ماله ولا من ديته، وإن كان القتل خطأ.. ورث ماله ولم يرث من ديته).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: (إن قتله مباشرة.. فلا يرثه، سواء قتله عمداً أو خطأ، إلا إن كان القاتل صبياً أو مجنوناً أو عادلا فقتل الباغي.. فإنهم يرثون.
وإن قتله بسبب، مثل: أن حفر بئرا أو نصب سكينا فوقع عليها مورثه، أو كان يقود دابة أو يسوقها فرفسته.. فإنه يرثه).
وإن كان راكبا للدابة فرفست مورثه أو وطئته فمات.. فقال أبو حنيفة: (لا يرثه).
وقال أبو يوسف ومحمد: يرثه.
دليلنا: ما روى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال «لا يرث القاتل شيئاً».
وروى عمر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقاد والد بولده، وليس للقاتل شيء».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يرث القاتل».
وهذه نصوص في أن القاتل لا يرث، ولم تفرق بين العمد والخطأ، والبالغ
والصغير، وعن المضمون وغير المضمون.
ولأنه معني أسقط إرثه من الدية، فأسقط إرثه من المال، كالرق والردة، وعكسه الجنون والصغر.
فإن قيل: إنما لم يرث الدية؛ لأن العاقلة تعقل عنه، فلا يجوز أن تعقل عنه له!
فالجواب: أن العاقلة قد تعقل عنه له، وهو: أن رجلا لو كان له ابنان، فقتل أحدهما أباه خطأ.. ورثه ابنه الذي لم يقتل، فلو مات الأخ الوارث للأب.. ورثه الأخ القاتل وورث الدية التي على العاقلة، وكانت العاقلة تعقل عنه له.
فرع: الشهادة على القتل هل تمنع من الإرث
فرع: [الشهادة على القتل تمنع الإرث] وإن شهد شاهدان على رجل بقتل العمد فقتل بشهادتهما.. لم يرثه الشاهدان؛ لأنه قتل بشهادتهما، فهو كما لو باشرا قتله.
وكذلك إن شهد أربعة على رجل بالزنا وهو محصن فقتل، أو شهد عليه شاهدان بالإحصان وزنا ثم قتل.. لم ترثه الشهود، لما ذكرناه.
مسألة: إرث المطلقة في مرض الموت
] وإذا طلق الرجل امرأته في مرض موته.. وقع الطلاق، وهو إجماع لا خلاف فيه؛ لأن المرض لا يزيل التكليف، فهو كالصحيح.
فإن كان الطلاق رجعيا، فمات وهي في العدة، أو ماتت قبله في العدة.. ورث أحدهما صاحبه بلا خلاف أيضاً، لأن الرجعية حكمها حكم الزوجة إلا في إباحة وطئها، فهي كالحائض.
وإن كان الطلاق بائناً، فإن ماتت قبل الزوج.. لم يرثها الزوج، وهو إجماع أيضا لا خلاف فيه.
وإن مات الزوج قبلها.. فهل ترثه؟ فيه قولان: قال في القديم: (ترثه).
وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ومن الفقهاء ربيعة، ومالك، والأوزاعي، والليث، وسفيان بن عيينة،
وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد.
ووجه هذا: ما روي: أن عمر قال: (المبتوتة في حال المرض ترث من زوجها).
وروي: (أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت أصبغ الكلبية في مرض موته، فورثها منه عثمان بن عفان).
وروي: (أن عثمان لما حوصر طلق امرأته، فورثها منه علي بن أبي طالب، وقال: كان قد أشرف على الموت).
ولأنه متهم في قطع ميراثها، فغلظ عليه وورثت منه، كالقاتل لما كان متهما في القتل لاستعجال الميراث.. غلظ عليه، فلم يرث.
وقال في الجديد: (لا ترثه).
وبه قال عبد الرحمن بن عوف، وابن الزبير، وأبو ثور، وهو الصحيح، لأنها فرقة تقطع ميراثه عنها فقطعت ميراثها منه، كما لو أبانها في حال الصحة، وعكسه الرجعية.
ولأنها فرقة لو وقعت في الصحة.. لقطعت ميراثها عنه، فإذا وقعت في المرض.. قطعت ميراثها عنه، كاللعان.
ولأنها ليست بزوجة له، بدليل: أنها لا يلحقها طلاقه ولا إيلاؤه ولا ظهاره ولا عدة وفاته، فلم ترثه، كالأجنبية.
وأما ما روي عن عمر وعثمان وعلي: فإن ابن الزبير وعبد الرحمن بن عوف خالفاهم في ذلك، فإن ابن الزبير قال: (أما أنا: فلا أرى أن ترث مبتوتة)، وعبد الرحمن بن عوف إنما طلق امرأته في مرض موته ليقطع ميراثها عنه.
فإذا قلنا بقوله الجديد.. فلا تفريع عليه.
وإذا قلنا بقوله القديم.. فإلى متى ترثه؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: ترثه ما دامت في عدتها منه، فإذا انقضت عدتها منه.. لم ترثه - وبه قال أبو حنيفة وسفيان والليث والأوزاعي، وإحدى الروايتين عن أحمد - لأن الميراث للزوجة إنما يكون لزوجة أو لمن هي في حكم الزوجات، فما دامت في عدتها منه.. فهي في حكم الزوجات، وإذا انقضت عدتها.. فليست بزوجة ولا في حكم الزوجات.
والثاني: أنها ترثه ما لم تتزوج بغيره، فإذا تزوجت بغيره لم ترثه - وبه قال ابن أبي ليلى، وهي الرواية الصحيحة عن أحمد - لأن حقها قد ثبت في ماله، فإذا لم يسقط ببينونتها.. لم يسقط بانقضاء عدتها، وإنما يسقط برضاها، فإذا تزوجت.. فقد رضيت بفراقه، وقطع حقها عنه.
والثالث: أنها ترثه أبدا، سواء تزوجت أو لم تتزوج - وبه قال مالك - لأنها قد ثبت لها حق في ماله، فإذا لم يسقط ببينونتها.. لم يسقط بانقضاء عدتها ولا بتزويجها، كمهرها.
فرع: الإقرار في مرض الموت بطلاق الزوجة في حال الصحة
فرع: [أقر في مرض موته بطلاق زوجته في صحته ثلاثاً]: إذا أقر في مرض موته: [أنه قد كان طلق امرأته في صحته ثلاثاً.. بانت منه.
قال الشيخ أبو حامد: ولا ترثه قولاً واحداً، لأن ما أقر به في مرض موته وأضافه إلى حال الصحة.. كالذي يفعله في الصحة، كما لو أقر في مرض موته: أنه كان وهب ماله في صحته وأقبضه.. فإن ذلك لا يعتبر من الثلث.
وحكى القاضي أبو الطيب عن بعض أصحابنا في ذلك قولين، كما لو طلقها ثلاثا في مرض موته، لأنه متهم في إسقاط حقها فلم يسقط، بدليل: أنه لا يسقط بهذا الإقرار نفقتها ولا سكناها في حال النكاح وإن أضاف ذلك إلى وقت ماض.
[فرع: طلقها بطلبها ثلاثاً في مرض الموت]
]: إذا كان الرجل مريضاً فسألته امرأته أن يطلقها ثلاثاً فطلقها ثلاثاً ومات في مرضه ذلك، أو قال لها في مرض موته: أنت طالق ثلاثاً إن شئت، فقالت: شئت.. طلقت، وهل ترثه؟ اختلف أصحابنا فيه:
فقال أبو علي بن أبي هريرة: هي على قولين، لأن الأصل في هذا قصة عثمان في توريثه تماضر من زوجها عبد الرحمن بن عوف في مرض موته، وقد كانت سألته الطلاق.
وقال الشيخ أبو حامد: لا ترثه قولا واحدا، وهو المذهب، لأنها إذا سألته الطلاق.. فلا تهمة عليه في طلاقها، وأما قصة تماضر: فلا حجة فيها، لأن عبد الرحمن قال لنسائه: (من اختارت منكن أن أطلقها.. طلقتها، فقالت تماضر: طلقني، فقال لها: إذا حضت فأعلميني، فأعلمته، ثم قال لها: إذا طهرت فأعلميني، فأعلمته فطلقها).
وليس طلاقه لها في هذا الوقت جوابا لكلامها، لأن قولها: طلقني.. يقتضي الجواب في الحال، فإذا تأخر، ثم طلقها.. كان ذلك ابتداء الطلاق.
[فرع: سألته في مرض موته طلاقاً واحدا فطلقها ثلاثاً]
ً]: وإن سألته في مرض موته: أن يطلقها واحدة، فطلقها ثلاثاً، ثم مات من مرضه ذلك.. فهل ترثه؟ فيه قولان، لأنها سألته تطليقة، فإذا طلقها ثلاثاً.. صار متهما بذلك، لأنه قصد قطع ميراثها، فصار كما لو طلقها ثلاثاً ابتداء من غير سؤال منها.
فرع: تعليق الطلاق بصفة ثم وجدت في مرض الموت
فرع: [تعليق المريض أو الصحيح طلاقه بصفة ثم وجدت في مرض موته]: إذا علق المريض طلاق امرأته ثلاثاً بصفة، ثم وجدت تلك الصفة في مرضه ومات منه.. فهل ترثه؟ نظرت:
فإن كانت صفة لها منها بد، مثل أن قال لها: إن دخلت الدار، أو خرجت منها.
أو كلمت فلانا، أو صليت النافلة، أو صمت النافلة، فأنت طالق ثلاثاً، ففعلت ذلك في مرض موته.. لم ترثه قولاً واحداً، لأنها إذا فعلت ذلك مع علمها بالطلاق.. فقد اختارت وقوع الطلاق عليها بما لها بد منه، فصارت كما لو سألته الطلاق.
وإن كانت صفة لا بد لها منها، بأن قال: إن تنفست، أو صليت الفرض، أو صمت الفرض، أو كلمت أباك أو أمك، فأنت طالق ثلاثاً، ففعلت ذلك في مرض موته ومات منه.. فهل ترثه؟ على القولين، لأنها لا بد لها من فعل هذه الأشياء، فصار كما لو طلقها ثلاثا طلاقاً منجزاً.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: وهكذا إن قال لها: إن قمت أو قعدت فأنت طالق ثلاثاً، فقامت أو قعدت في مرض موته.. فهل ترثه؟ على القولين، لأنها لا تجد بدا من القيام أو القعود.
وإن قال لها: إذا مرضت فأنت طالق ثلاثاً، فمرض.. طلقت ثلاثاً، فإن مات منه.. فهل ترثه؟
قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، لأنه لما جعل مرض موته صفة في وقوع الطلاق عليها.. كان متهما في ذلك، فهو كما لو طلقها في المرض.
فإن قال لها وهو صحيح: إذا جاء رأس الشهر، أو جاء الحاج، أو طلعت الشمس، وما أشبه ذلك فأنت طالق ثلاثاً، فوجدت هذه الصفات في مرض موته.. فهل ترثه؟
قال البغداديون من أصحابنا: لا ترثه قولا واحدا، لأنه غير متهم في ذلك، لأن اتفاق ذلك في مرضه مع هذه الصفات لم يكن من قصده.
وقال المسعودي [في " الإبانة "]: من أصحابنا من قال: في ميراثها منه قولان، كما لو قال فيمن قال لعبده: إذا قدم زيد فأنت حر، فقدم زيد في مرض موت السيد.. فهل يعتق العبد من الثلث أو من رأس المال؟ على قولين.
وأصحابنا البغداديون قالوا: يعتق من رأس المال قولا واحدا أيضاً.
فرع: علق طلاقها قبل موته بشهر أو بآخر حياته أو صحته
]: إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً قبل موتي بشهر، فإن عاش هذا الزوج بعد هذا القول أقل من شهر، ثم مات.. لم يحكم بوقوع الطلاق، لأنا لو حكمنا بوقوعه.. لأوقعناه
قبل إيقاعه وهذا لا يجوز.
وإن عاش بعد ذلك شهرا أو مات مع الشهر.. لم يقع الطلاق، لأن الطلاق إنما يقع عقيب الإيقاع لا معه.
وإن عاش شهرا وجزءا، ثم مات.. طلقت قبل موته بشهر.
قال الشيخ أبو حامد: وهل ترثه؟ فيه قولان؛ لأنه متهم في ذلك، ثم إنه إنما قصد بذلك منعها من الميراث.
قال الصيمري: وإن قال لامرأته: إن مت من مرضي فأنت طالق ثلاثاً، فمات.. فلا طلاق، ولها الميراث.
ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً في آخر أجزاء حياتي..فهل ترثه؟ فيه قولان.
ولو قال هذا القول وهو صحيح.. فهو بمنزلة من طلق في المرض، لأن أحدا لا يموت إلا من سبب قبل وفاته.
قال: ولو قال لها: أنت طالق ثلاثاً في آخر أجزاء صحتي المتصلة بسبب وفاتي.. فلا ميراث لها، والطلاق واقع.
قال: والأجود أن يقول: المتصل بمرض موتي: لأنه قد يموت فجأة أو بهدم أو بغرق.
قلت: والذي يتبين لي: أنها على قولين، لأنه متهم في ذلك، كما قلنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق قبل موتي بشهر، فعاش شهراً وجزءا ثم مات.. فإنه لا فرق بين أن يقول ذلك في الصحة أو في المرض.
[فرع: طلقها ثلاثاً في مرضه ثم تخلل بين مرضه وموته حالة لا ترث فيها]
]: إذا طلقها ثلاثاً في مرضه، ثم صح من مرضه، ثم مرض، ثم مات.. فإنها لا ترثه قولاً واحداً؛ لأنه قد تخلل بين المرض والموت حالة لو طلقها ثلاثاً فيها.. لم ترث شيئاً، فكذلك لو طلقها قبل تلك الحالة.. وجب أن لا ترث.
وهكذا: إذا طلقها في مرض موته ثلاثاً، ثم ارتد الزوج أو الزوجة، ثم رجعا، ثم مات الزوج.. لم ترثه قولا واحداً، لأنه قد تخلل بينهما حالة لا ترث فيها.
فرع: قذف امرأته في صحته أو مرضه ثم لاعنها في مرض موته
فرع: [قذف امرأته في صحته أو مرض موته ثم لاعنها أو فسخ نكاحها بعيب في مرض موته]: إذا قذف امرأته في صحته، ثم لاعنها في مرض موته.. لم ترثه قولًا واحدا؛ لأنه مضطر إلى اللعان لدرء الحد عنه، فلا تلحقه التهمة.
فإن قذفها في مرض موته ثم لاعنها.. قال ابن الصباغ: فإنها لا ترثه قولاً واحداً، لأن به حاجة إلى اللعان لإسقاط الحد عن نفسه.
قال ابن اللبان: وهو ظاهر تعليل الشافعي.
قال ابن اللبان: ويحتمل أن يقال: إذا قذفها في حال مرضه.. فقد تلحقه التهمة، لأنه قصد تعييرها لتطالب بما يدفع العار عنها، فتلاعن، فتقع الفرقة، فلا ترث.
وقال: يحتمل أن يقال: إن كان قد نفى الحمل.. فإنها لا ترث، لأنه مضطر إلى قذفها.
وإن لم ينف الولد.. ورثته - يعني: في أحد القولين - لأنه لم يكن مضطرا إلى قذفها.
وإن فسخ نكاحها في مرض موته بأحد العيوب.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق:
أحدهما: أنه كالطلاق في المرض، فيكون في ميراثها منه قولان.
والثاني: لا ترثه قولا واحدا؛ لأنه يستند إلى معنى من جهتها، ولأن به حاجة إلى الفسخ، لما عليه من الضرر في المقام معها على العيب.
[فرع: طلق أمة ثلاثاً أو طلاقا رجعياً في مرض موته]
]: إذا كانت تحته أمة فطلقها ثلاثاً في مرض موته، ثم أعتقت، ثم مات الزوج.. فإنها لا ترثه قولاً واحداً؛ لأنها وقت طلاقها لم تكن وارثة، فكان غير متهم في قطع ميراثها منه.
وإن قال لها في مرض موته: أنت طالق غداَ ثلاثا، فأعتقها سيدها قبل مجيء الغد، ثم جاء الغد، ثم مات الزوج.. فإنها لا ترث قولاً واحداً، لأن الزوج وقت عقد الطلاق لم تكن الزوجة ممن يرث أيضاً.
فإن أعتقت الأمة في مرض موته، ثم طلقها ثلاثاً.. فهل ترثه؟ فيه قولان.
وإن طلقها في مرض موته وأعتقت، ثم مات الزوج، فقالت الزوجة: أعتقت، ثم طلقت فلي الميراث، وقال الورثة: بل طلقت، ثم أعتقت، فلا ميراث لك.. فالقول قول الورثة مع أيمانهم، لأن الأصل أن لا عتق.
وإن طلقها في مرضه طلاقاً رجعيا، ثم أعتقت، ثم مات الزوج من مرضه، فإن مات وهي في العدة.. فلها الميراث قولا واحداً، لأنها في حكم الزوجات.
وإن مات بعد انقضاء عدتها.
فلا ميراث لها قولاً واحداً، لأنها ليست بزوجة ولا في معنى الزوجات.
[فرع: طلق نساءه الأربع في مرض موته طلاقاً بائناً ثم تزوج أربعاً]
ً]: إذا كان تحته أربع نسوة فطلقهن في مرض موته طلاقاً بائناً، ثم تزوج بعدهن أربعا سواهن، ثم مات من مرضه ذلك، فإن قلنا بقوله الجديد: وأن المبتوتة في مرض الموت لا ترث.. كان ميراثه للأربع الزوجات دون المطلقات.
وإن قلنا بقوله القديم: وأن المبتوتة في مرض الموت ترث.. ففي ميراث هذه ثلاثة أوجه حكاها الشيخ أبو حامد:
أحدها: أنه للزوجات الجديدات دون المطلقات؛ لأنه لا يجوز أن يرث الرجل أكثر من أربع زوجات، ولا بد من تقديم بعضهن على بعض، فكان تقديم الزوجات أولى، لأن ميراثهن ثابت بنص القرآن، وميراث المطلقات ثبت بالاجتهاد.
والثاني: أنه للزوجات المطلقات دون الزوجات الجديدات، لأنه لا يجوز أن يرثه أكثر من أربع، فكان تقديم المطلقات أولى، لأن حقهن أسبق.
والثالث: أنه يكون بين الزوجات والمطلقات بالسوية، لأن إرث الزوجات ثابت بنص القرآن، وإرث المطلقات ثابت بالاجتهاد، فشرك بينهن.
وقول من قال: لا يجوز أن يرثه أكثر من أربع زوجات.. ليس بصحيح، لأن الشرع إنما منع من نكاح ما زاد على أربع: وأما توريث ما زاد على أربع: فلم يمنع الشرع منه.
مسألة: مات متوارثان معا
] وإذا مات متوارثان- كالرجل وابنه، أو كالزوجين - بالغرق أو الهدم، فإن علم أن أحدهما مات أولا وعرف عينه.. ورث الثاني من الأول.
وإن علم أن أحدهما مات أولاً وعرف عينه، ثم نسي.. وقف الأمر إلى أن يتذكر من الأول منهما، فيرث منه الثاني، لأن الظاهر ممن علم ثم نسي أنه يتذكر، وهذا لا خلاف فيه.
وإن علم أنهما ماتا معا، أو علم أن أحدهما مات أولا ولم تعرف عينه - قال الشيخ أبو حامد: مثل أن غرقا في ماء فرئي أحدهما يصعد من الماء وينزل ولم يعرف بعينه، والآخر قد نزل ولا يصعد.. فإنه يعلم لا محالة أن الذي يصعد وينزل لم يمت، وأن الذي نزل ولم يصعد قد مات - أو لم يعلم: هل ماتا في حالة واحدة، أو مات أحدهما قبل الآخر.. فمذهبنا في هذه الثلاث المسائل: أنه لا يرث أحدهما من الآخر، ولكن يرث كل واحد منهما ورثته غير الميت معه، وبه قال أبو بكر، وعمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أهل العلم.
وذهب علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى: (أنه يرث كل واحد منهما الآخر ثم يرثهما ورثتهما).
وبه قال داود.
دليلنا: ما روي عن زيد بن ثابت: أنه قال: (ولاني أبو بكر مواريث قتلى اليمامة، فكنت أورث الأحياء من الأموات، ولا أورث الموتى من الموتى).
ولأن كل من لم تعلم حياته عند موت مورثه.. لم يرثه، وأصله الحمل، وهو: أن الرجل إذا مات وخلف امرأة حاملاً، فإنه إن خرج حياً.. ورث، لأنا تيقنا حياته عند موت مورثه.. وإن خرج ميتاً.. لم يرث، لأنا لا نعلم حياته عند موت مورثه.
ولأن توريث كل واحد منهما من الآخر خطأ بيقين، لأنهما إن ماتا معاً في حالة واحدة.. لم يرث أحدهما من الآخر.
وإن مات أحدهما قبل الآخر.. فتوريث السابق منهما موتاً من الآخر خطأ، فإذا كان كذلك.. لم يرث أحدهما من الآخر، لأنه ليس أحدهما أن يكون مات أولا بأولى من الآخر.
مسألة: يرث الأسير ما دام حيا
]: وإن مات رجل وخلف ولداً أسيراً في أيدي الكفار.. فإنه يرث ما دام تعلم حياته.
وبه قال كافة أهل العلم.
وقال النخعي: لا يرث الأسير.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] [النساء: 11].
ولم يفرق بين الأسير وغيره.
فأما إذا لم تعلم حياته.. فحكمه حكم المفقود.
وإذا فقد رجل وانقطع خبره.. لم يقسم ماله حتى يعلم موته أو يمضي عليه من
الزمان من حين ولد زمان لا يعيش في مثله، فحينئذ يحكم الحاكم بموته، ويقسم ماله بين ورثته الأحياء يومئذ دون من مات من ورثته قبل ذلك.
وقال مالك: (إذا مضى له من العمر ثمانون سنة.. قسم ماله).
وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا مضى له تسعون سنة.. حكم الحاكم بموته.
وقال أبو حنيفة: (إذا مضى له مائة وعشرون سنة.. حكم بموته).
وحكى بعضهم: أن ذلك مذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
وإن مات للمفقود من يرثه قبل أن يحكم بموته.. أعطي كل وارث من ورثته ما يتيقن أنه له، ووقف المشكوك فيه إلى أن يتبين أمر المفقود، مثل: أن تموت امرأة وتخلف زوجاً، وأختين لأب وأم، وأخا لأب وأم مفقوداً.. فإن الزوج لا يستحق النصف كاملاً إلا إذا تيقنا حياة الأخ عند موت المرأة، ولا تستحق الأختان أربعة أسباع المال إلا إذا تيقنا موت الأخ عند موت المرأة.
والعمل في هذه وما أشبهها أن يقال: لو كان الأخ ميتا وقت موت أخته.. لكانت الفريضة من سبعة: للزوج ثلاثة، وللأختين للأب والأم أربعة.
ولو كان الأخ حيا وقت موت أخته.. لكانت الفريضة من ثمانية: للزوج أربعة، ولكل أخت سهم، وللأخ سهمان.
والثمانية لا توافق السبعة بشيء، فتضرب الثمانية في سبعة - فذلك ستة وخمسون - فيعطى الزوج أقل نصيبيه وهو عند موت الأخ، فله حينئذ ثلاثة من سبعة مضروبة في ثمانية - فذلك أربعة وعشرون - وتعطى كل
أخت أقل نصيبيها وهو عند وجود الأخ حيا وعند موت أخته، وذلك سهم من ثمانية مضروب في سبعة - فذلك سبعة - ويبقى من المال ثمانية عشر سهما فيوقف ذلك إلى أن يتبين أمر الأخ.
فإن بان أنه كان حيا وقت موت أخته.. كان له سهمان من ثمانية في سبعة، فذلك أربعة عشر نأخذه من الموقوف، وللزوج أربعة من ثمانية في سبعة - فذلك ثمانية وعشرون - فمعه أربعة وعشرون، ويبقى له أربعة، فيأخذها من الموقوف وقد استوفى الأختان نصيبهما.
وإن بان أن الأخ كان ميتاً وقت موت أخته.. كان للأختين أربعة من سبعة في ثمانية - فذلك اثنان وثلاثون - فمعهما أربعة عشر، ويبقى لهما ثمانية عشر وهو الموقوف، فيأخذانه وقد استوفى الزوج نصيبه.
هذا هو المشهور من المذهب.
وخرج ابن اللبان في ذلك وما أشبهه وجهين آخرين:
أحدهما: أن يجعل حكم الأخ المفقود حكم الحي، لأن الأصل بقاء حياته، فلا ينقص الزوج عن النصف كاملاً لجواز موته، فيدفع إلى الزوج النصف كاملاً، وإلى كل أخت الثمن، ويوقف ربع المال.
فإن بان أن الأخ كان حيا وقت موت أخته.. دفع الربع الموقوف إليه أو إلى ورثته إن كان قد مات.
وإن بان أنه ميت وقت موت أخته.. أخذ من الزوج نصف السبع ودفع ذلك مع الربع الموقوف إلى الأختين.
وهل يؤخذ من الزوج ضمين في نصف السبع؟ فيه قولان:
أحدهما: يؤخذ منه ضمين، لجواز أن يكون الأخ ميتاً.
والثاني: لا يؤخذ منه ضمين، كما يقسم مال الغرقى على الأحياء من ورثتهم ولا يؤخذ منهم ضمين.
قال: وهذان القولان مأخوذان مما لو مات رجل فادعى رجل: أنه ابنه وأقام بينة أنه ابنه ولم تقل البينة: لا نعلم له وارثا سواه.. فإنه يبحث عن حال الميت: هل له وارث غيره أم لا؟ ثم يدفع إليه المال، وهل يؤخذ منه ضمين؟ فيه قولان.
والوجه الثاني: أن يجعل حكم المفقود مع الورثة الموجودين حكم الميت، لأنا لا نعلم للميت وارثا غير الموجودين في الظاهر، فحكم لهم بجميع الميراث، وإمكان أن يكون المفقود حيا لا يمنع من القضاء في الظاهر في هذا الوقت، كما لم يمنع إمكان أن يتبين في الغرقى من مات أولا في أن يورث الأحياء من ورثهم.
فعلى هذا: يدفع إلى الزوج النصف عائلاً وهو ثلاثة أسهم من سبعة، ويدفع إلى الأختين الثلثان عائلا وهو أربعة من سبعة.
وهل يؤخذ من الأختين ضمين مما جاوز الربع؟ على قولين.
والله أعلم بالصواب
باب ميراث أهل الفرض
والفروض المذكورة في كتاب الله تعالى ستة:
النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
وإن شئت، قلت: النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما.
وأهل الفروض عشرة: الزوج، والزوجة، والأم، والجدة، والبنت، وبنت الابن، والأخت، وولد الأم، والأب مع الابن أو ابن الابن، والجد مع الابن أو ابن الابن.
فأما (الزوج): فله فرضان، النصف مع عدم الولد أو ولد الابن، والربع مع وجود الولد أو ولد الابن وإن سفل ذكرا كان الولد أو أنثى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: 12] [النساء: 12].
وأما (الزوجة): فلها الربع من زوجها إذا لم يكن له ولد ولا ولد ابن وإن سفل، ولها منه الثمن إذا كان له ولد أو ولد ابن وإن سفل، ذكرا كان الولد أو أنثى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12] [النساء: 12].
وللزوجتين والثلاث والأربع ما للزوجة الواحدة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ﴾ [النساء: 12] [النساء: 12] وهذا لفظ جمع.
وإنما كان للزوجة نصف ما كان للزوج عند عدم الولد وعند وجوده، لأن الأنثى ترث نصف ميراث الذكر.
مسألة: ميراث الأم
]: فأما (الأم): فلها ثلاثة فروض: الثلث، أو السدس، أو ثلث ما يبقى، ولها سبع أحوال.
أحدها: أن يكون معها ولد ذكر أو أنثى، أو ولد ابن ذكر أو أنثى وإن سفل.. فلها السدس، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11] [النساء: 11].
الحالة الثانية: أن لا يكون مع الأم ولد، ولا ولد ابن، ولا أحد من الإخوة والأخوات.. فللأم الثلث، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] [النساء: 11].
الحالة الثالثة: أن يكون مع الأم ثلاثة إخوة أو ثلاث أخوات أو منهما.. فلها السدس، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] [النساء: 11]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: 11] لفظ جمع، وأقل الجمع ثلاثة.
الحالة الرابعة: أن يكون مع الأم أخ أو أخت.. فلها الثلث أيضاً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] [النساء: 11].
فحجبها عن الثلث إلى السدس بالإخوة وذلك جمع، ولا خلاف: أن الواحد ليس بجمع.
الحالة الخامسة: أن يكون مع الأم اثنان من الإخوة أو الأخوات، أو منهما.. فللأم السدس.
وبه قال عامة الصحابة والفقهاء أجمع، إلا ابن عباس، فإنه قال: (لها الثلث)، وله خمس مسائل في الفرائض انفرد بها، هذه إحداهن.
دليلنا: أنه حجب لا يقع بواحد وينحصر بعدد، فوجب أن يوقف على اثنين.
أصله حجب بنات الابن بالبنات.
فقولنا: (حجب لا يقع بواحد) احتراز من حجب الزوج والزوجة، فإنه يقع بالواحد من الأولاد.
وقولنا: (ينحصر بعدد) احتراز من حجب البنين للبنات، والإخوة للأخوات، لأن الابنة فرضها النصف والأخت فرضها النصف، وإذا حصل مع أحدهما أخوها.. حجبها من النصف، ولكن لا ينحصر هذا الحجب بعدد، بل كلما كثر الإخوة حجبوها
أكثر.
ولأنا وجدنا الاثنين من الأخوات كالثلاث في استحقاق الثلثين.. فوجب أن يكون حجب الاثنين من الإخوة للأم حجب الثلاثة.
وروي: (أن ابن عباس دخل على عثمان، فقال له: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11].
وليس الأخوان إخوة بلسان قومك، فقال عثمان: لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي، وانتشر في الأمصار وتوارث به الناس)، فدل بهذا: أنهم قد أجمعوا على ذلك.
الحالة السادسة: إذا كان هناك زوج وأبوان.. قال أصحابنا: فللزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وللأب الباقي.
وأصلها من ستة: للزوج ثلاثة، وللأم ثلث ما بقي- وهو سهم - وللأب سهمان.
وقال القاضي أبو الفتوح بن أبي عقامة: للأم هاهنا السدس ولا يقال: لها ثلث ما بقي.
قلت: ومعنى العبارتين واحد، لأن العبارة الأولى هي المشهورة.
وبه قال عامة الصحابة والفقهاء.
وقال ابن عباس: (للزوج النصف، وللأم ثلث جميع المال، وللأب ما بقي، وأصلها من ستة: للزوج ثلاثة، وللأم سهمان، وللأب سهم).
وتابعه على هذا شريح.
الحالة السابعة: إذا كان زوجة وأبوان.. فللزوجة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وللأب ما بقي.
وأصلها من أربعة: للزوجة سهم، وللأم ثلث ما بقي وهو سهم، وللأب ما بقي وهو سهمان.
وبه قال عامة الصحابة وأكثر الفقهاء.
وقال ابن عباس: (للزوجة الربع، وللأم ثلث جميع المال، وللأب ما بقي، وأصلها من اثني عشر: للزوجة الربع ثلاثة، وللأم أربعة، وللأب خمسة).
وهاتان المسألتان من المسائل التي انفرد بها ابن عباس عن الصحابة وتابعه على هذه من التابعين شريح وابن سيرين.
ودليلنا: أن في الأولى يؤدي إلى تفضيل الأم على الأب، وهذا لا يجوز.
ولأنهما أبوان معهما ذو سهم، فوجب أن يكون للأم ثلث ما بقي بعد ذلك السهم، كما لو كان مع الأبوين بنت.
ولأن كل ذكر وأنثى لو انفرد.. لكان للذكر الثلثان وللأنثى الثلث، فوجب إذا كان معهما زوج أو زوجة أن يكون ما بقي بعد فرض الزوج أو الزوجة بينهما كما كان بينهما إذا انفردا، كالابن والابنة والأخ والأخت.
مسألة: ميراث الجدات
وأما الجدة أم الأم وأم الأب: فإنها وارثة، لما روى عبد الله بن بريدة، عن أبيه: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أطعم الجدة السدس إذا لم يكن دونها أم».
وروى بلال بن الحارث: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى الجدة أم الأم السدس».
وأجمعت الأمة: على توريث الجدة.
إذا ثبت هذا: فإن فرضها السدس، سواء كانت أم الأم أو أم الأب.
وبه قال كافة الصحابة والفقهاء.
وروي عن ابن عباس رواية شاذة: أنه قال: (أم الأم ترث الثلث، لأنها تدلي بالأم فورثت ميراثها، كالجد يرث ميراث الأب).
ودليلنا: ما ذكرناه من الخبرين عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وروى قبيصة بن ذؤيب: (أن جدة أتت أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تطلب ميراثها، فقال أبو بكر: ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس، ثم سأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد أعطاها السدس، فقال أبو بكر: من يشهد معك؟ فقام محمد بن مسلمة وشهد بمثل ما شهد المغيرة، فأنفذه أبو بكر، ثم أتت الجدة الأخرى إلى عمر تطلب ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله شيء، وما كان ذلك القضاء الذي قضى به إلا لغيرك، ولست بزائد في الفرائض، وإنما هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما.. فهو بينكما، وأيكما خلت به.. فهو لها).
قال الشيخ أبو حامد: والجدة التي أتت أبا بكر هي أم الأم، والجدة التي أتت عمر هي أم الأب.
ومعنى قول أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ما لك في كتاب الله شيء): أن الكتاب محصور، وليس فيه ذكر الجدة، ولهذا قلنا: إن اسم الأم لا يطلق على الجدة، لأنه قال: (ما لك في الكتاب شيء)، وفي الكتاب ذكر الأم، ثم قال: (وما علمت لك في السنة شيئاً)، فلم يقطع به، لأن السنة لا تنحصر، ولكن أراد على مبلغ علمه.
ومعنى قول عمر: (لست بزائد في الفرائض) أي: لا أزيد في الفريضة لأجلك، وإنما هو ذلك السدس الذي قضى به.
وأما الاحتجاج بقول ابن عباس: لما كانت تدلي بالأم أخذت ميراثها.. فيبطل بالأخ من الأم، فإنه يدلي بها ولا يأخذ ميراثها.
إذا ثبت هذا: فإن أول منازل الجدات يجتمع فيه جدتان، وهي: أم الأم وأم الأب.
فإن عدمت إحداهما ووجدت الأخرى.. كان السدس للموجودة منهما، وإن اجتمعتا.. كان السدس بينهما.
قال الشيخ أبو إسحاق: لما روى الحكم عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى الجدتين السدس».
وروى القاسم بن محمد، قال: (أتت الجدتان- أم الأم وأم الأب - أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فأعطى أم الأم السدس، ولم يعط أم الأب شيئاً، فقال له رجل من الأنصار: ورثتها عمن لو ماتت لم يرثها، ولم تورثها عمن لو ماتت.. لورثها! فأشرك أبو بكر بينهما السدس).
قال الشيخ أبو حامد: وأصحابنا يحكمون أن هذه القضية كانت لعمر، وإنما هي قضية أبي بكر.
ومعنى قول الأنصاري: (ورثتها عمن لو ماتت.. لم يرثها) أي: أن أم الأم ورثتها عن ابن ابنتها، فهذه الجدة لو ماتت.. لم يرثها ابن بنتها، ولم ترث أم الأب عمن لو ماتت.. لورثها، لأنه ابن ابنها.
فإذا ارتفعت الجدات إلى المنزلة الثانية.. اجتمعن أربع جدات: اثنتان من جهة الأم، وهما: أم أم الأم، وأم أبي الأم، واثنتان من جهة الأب، وهما: أم أم الأب، وأم أبي الأب.
فأما أم أم الأم، وأم أم الأب: فهما وارثتان بلا خلاف، وأما أم أبي الأم: فإنها غير وارثة.
وهو قال كافة الفقهاء، إلا ما روي عن ابن سيرين: أنه ورثها.
وهذا خطأ، لأنها تدلي بمن ليس بوارث، فلم تكن وارثة، كابنة الخال.
وأما الجدة أم أبي الأب..فهل ترث؟ فيه قولان:
أحدهما: لا ترث - وهي إحدى الروايتين عن زيد بن ثابت، وبه قال أهل الحجاز: الزهري وربيعة ومالك - لأنها جدة تدلي بجد.. فلم ترث، كأم أبي الأم.
فعلى هذا: لا ترث قط إلا جدتان.
والثاني: أنها ترث، وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس، وهي إحدى الروايتين عن زيد بن ثابت، وبه قال الحسن البصري وابن سيرين، وأهل الكوفة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وهو الصحيح، لأنها جدة تدلي بوارث فورثت، كأم الأم.
ولأن تعليل الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - موجود فيها، حيث قيل لأبي بكر في أم الأب: ورثتها عمن لو ماتت: لم يرثها، ولم تورثها عمن لو ماتت.. لورثها! فورثها أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لهذه العلة، وهي موجودة في أم أبي الأب.
فعلى هذا: ترث في الدرجة الثانية ثلاث جدات.
فإذا ارتفعت الجدات إلى الدرجة الثالثة.. اجتمع ثماني جدات، فترث منهن أربع ولا ترث أربع.
وإنما كان كذلك، لأن الميت واحد فله في المنزلة الأولى جدتان، فإذا ارتفعن إلى الدرجة الثانية.. كان للميت أبوان، ولكل واحد منهما جدتان، فلذلك قلنا: له في الدرجة الثانية أربع جدات، فإذا ارتفعن إلى الدرجة الثالثة.. كان له جدان وجدتان، لكل واحد منهما جدتان، فيجتمع له في الدرجة الثالثة ثماني جدات.
ثم في الرابعة ست عشرة جدة، وكلما ارتفع الميت درجة.. ازداد عدد الجدات ضعفاً.
وأما الوارثات منهن: فترث في الدرجة الأولى جدتان، وفي الثانية ثلاث، وفي الثالثة أربع، وفي الرابعة خمس، إلى أن ترثه مائة جدة في الدرجة التاسعة والتسعين؛ لأن عدد الجدات الوارثات يزيد عن عدد الدرجات بواحدة.
وإذا اجتمعن الجدات الوارثات وهن متحاذيات.. كان السدس بينهن، لما ذكرناه في الجدتين: أم الأم، وأم الأب.
وإن اجتمع جدتان، إحداهما أبعد من الأخرى.. نظرت: فإن كانتا من جهة واحدة، بأن كان هناك أم أم، وأم أم أم.. كان السدس لأم الأم، لأن البعدى تدلي بهذه القربى، وكل من أدلى بغيره.. فإنه لا يشاركه في فرضه، كالجد مع الأب، وابن الابن مع الابن.
وعلى هذا جميع الأصول.
فإن قيل: أليس الأخ للأم يدلي بالأم، ومع ذلك فإنه يرث معها؟
فالجواب: أنه لا يرث أخاه بالإدلاء إليه بالأم، ولكن لأجل أنه ركض معه في رحم واحد، لأنه وإن أدلى بها.. فقد احترزنا عنه بقولنا: (لا يشاركه في إرثه)، وهو: أن السدس إرث للقربى لو انفردت، فلو ورثت الجدة البعدى.. لشاركتها في ذلك السدس، وليس كذلك الأخ للأم، فإنه لا يشارك أمه في إرثها، بل تأخذ حقها ويأخذ هو حقه.
وإن اجتمع أم أب، وأم أبي الأب.. فإن السدس يكون لأم الأب، وتسقط أم أبي الأب.
وبه قال علي وزيد، والفقهاء أجمع.
وقال ابن مسعود - في إحدى الروايتين عنه-: (يشتركان في السدس).
وهذا ليس بصحيح، لأنهما من جهة واحدة، لأنهما يدليان بالأب، وإحداهما أقرب من الأخرى، فسقطت البعدى منهما بالقربى، كأم الأم إذا اجتمعت مع أم أم الأم.
وإن كانتا من جهتين: إحداهما من جهة الأم، والأخرى من جهة الأب.. نظرت: فإن كانت القربى من جهة الأم، والبعدى من جهة الأب.. فإن القربى تسقط البعدى.
وقال ابن مسعود: (لا تسقطها، وإنما يشتركان في السدس).
دليلنا: أن إحداهما أقرب من الأخرى فسقطت البعدى بالقربى، كما لو كانتا من جهة واحدة.
وإن كانت القربى من جهة الأب، والبعدى من جهة الأم.. ففيه قولان:
أحدهما: أن البعدى منهما تسقط بالقربى- وبه قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وهو قول أهل الكوفة، ورووا ذلك عن زيد بن ثابت - لأنهما جدتان لو انفردت كل واحدة منهما.. لكان لها السدس، فإذا اجتمعتا.. وجب أن تسقط البعدى بالقربى، كما لو كانت القربى من جهة الأم.
والثاني: لا تسقط البعدى بالقربى، بل تشتركان في السدس - وهي الرواية الثانية عن زيد، رواها المدنيون عنه- وهو الصحيح، لأن الأب لو اجتمع مع أم الأم.. لم يحجبها وإن كان أقرب منها، فلأن لا تسقط الجدة التي تدلي به من هو أبعد من جهة الأم أولى.