كتاب المكاتب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كتاب المكاتب الكتابة هي: العتق على مال يؤديه المكاتب في نجمين أو نجوم.
قال ابن الصباغ: وأصلها مشتق من الكَتْبِ، و (الكَتْبُ) هو: الضم والجمع، يقال: كتبت القربة: إذا ضممت رأسها.
وسميت الكتيبة بذلك لانضمام بعض الجيش إلى بعض.
وسمي الخط كتابة؛ لضم بعض الحروف إلى بعض.
وسمي هذا العقد كتابة؛ لضم بعض النجوم إلى بعض.
و (النجوم) هي: الأوقات التي يحل بها مال الكتابة.
وإنما سميت نجوما؛ لأن العرب كانت لا تعرف الحساب، وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم، فسميت الأوقات نجومًا.
والأصل في جواز الكتابة: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] (النور: 33).
ومن السنة ما روى سهل بن حنيف: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أعان غارمًا أو غازيًا أو مكاتبًا في كتابته.. أظله الله يوم لا ظل إلا ظله».
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم من الكتابة».
وروت أم سلمة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي.. فلتحتجب عنه».
قال الشافعي - رحمة الله -: (إنما أمرهن بالاحتجاب عنه قبل الأداء تعظيمًا لشأنهن، كما أمرهن الله أن يحتجبن ممن جعلهن أمهات لهم وحرمهن عليهم، وهم جماعة المسلمين.
ويحتمل أن يكون أمرهن بذلك لقرب عتقهم بالأداء، كما استحب الاحتجاب من المراهق لقرب بلوغه).
وأجمعت الأمة على جواز الكتابة.
إذا ثبت هذا: فإن الكتابة لا تصح إلا من جائز التصرف في المال.
فإن كاتب صبي أو مجنون عبده.. لم تصح الكتابة.
وقال أبو حنيفة وأحمد: (تصح كتابة الصبي المميز لعبده).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق».
ولأنه غير مكلف، فلم تصح كتابته، كالمجنون.
وإن كاتب رجل عبده الصغير أو المجنون.. لم تصح الكتابة؛ لأنها معاوضة، فلم تصح مع الصبي والمجنون، كالبيع.
مسألة يشترط في المكاتب الاكتساب والأمانة
): قال الشافعي: (وأظهر معاني الخير في العبد بدلالة الكتاب: الاكتساب والأمانة).
وجملة ذلك: أن العلماء اختلفوا في الخير المراد بقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] (النور:33).
فذهب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أن المراد بالخير هاهنا هو: الاكتساب والأمانة، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وعمرو بن دينار.
وحكي عن ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، ومجاهد: (أن الخير هاهنا هو الاكتساب لا غير).
وحكي عن الحسن البصري، والثوري: أنهما قالا: هو الأمانة والدين خاصة.
دليلنا: أن الله تعالى ذكر الخير في مواضع من كتابه وأراد به المال، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: 180] (البقرة: 180) وأراد به: إن ترك مالًا.
وكذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8] (العاديات: 8) وأراد به: المال.
وذكر في مواضع أخر الخير وأراد به الدين، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] (الزلزلة: 7) يعني: عملًا صالحًا.
فإذا كان الخير يقع عليهما.. حملناه هاهنا عليهما؛ لأن المقصود بالكتابة لا يحصل إلا باجتماعهما.
فإذا اجتمع في العبد الكسب والأمانة، وسأل سيده أن يكاتبه.. استحب له أن يكاتبه؛ للآية، ولا يجب عليه ذلك.
وبه قال كافة العلماء.
وحكي عن عمرو بن دينار، وعطاء، والضحاك، وداود: أنهم قالوا: (يجب عليه ذلك).
دليلنا: أنه عتق لم يتقدم وجوبه، فلا يجب بطلب العبد، كالعتق في غير الكتابة.
وإن طلب السيد أن يكاتب العبد فكره العبد.. لم يجبر العبد على الكتابة؛ لأنه عتق على مال، فلم يجبر العبد عليه، كما لو قال له: إن أديت إلي ألفًا فأنت حر.. فإنه لا يجبر على أدائه.
وإن عدم الكسب والأمانة في العبد.. لم تستحب كتابته؛ لأنه لا يحصل المقصود بالكتابة مع فقدهما، ولا تكره كتابته.
وقال أحمد وإسحاق: (تكره كتابته إذا لم يكن له كسب، كما تكره مخارجة الأمة التي لا كسب لها).
دليلنا: أنه تعليق عتق بصفة، فلا يكره، كما لو كان له كسب.
ويخالف الأمة، فإن ذلك ربما دعاها إلى الزنا، ولأن المخارجة ليس فيها تحصيل العتق، وهاهنا ربما
حصل له مال الكتابة مما يخصه من الزكاة، فافترقا.
وإن كانت له أمانة بلا كسب.. فهل تستحب كتابته؟ فيه وجهان:
أحدهما: تستحب؛ لأنه ربما حصل مال الكتابة من الصدقات.
والثاني: لا تستحب، وهو الأصح؛ لأن الله تعالى قال: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) (النور:33) وقد دللنا على أن الخير هاهنا: هو الكسب والأمانة، وقد فقد أحدهما.
فعلى هذا أيضًا: لا تكره كتابته.
فرع لا يكاتب من لا يكتسب
): ولا يجوز أن يكاتب عبدًا أجيرًا؛ لأنه لا يمكنه الاكتساب.
ولا تصح كتابة العبد الموقوف؛ لأنه لا يعتق بالمباشرة، فلا يعتق بالمكاتبة.
ولا تصح كتابة العبد المرهون؛ لأنه معرض للبيع في الرهن.
وتصح كتابة العبد المعار؛ لأنه في ملك المعير.
وتصح كتابة المدبر كما يجوز عتقه، فإن أدى المال قبل موت السيد.. عتق بالكتابة.
وإن مات السيد قبل الأداء وخرج من الثلث.. عتق بالتدبير، وإن لم يخرج من الثلث.. عتق منه ما احتمله الثلث وبقي الباقي على الكتابة.
وتصح كتابة أم الولد كما يصح عتقها، فإن أدت المال قبل موت السيد.. عتقت بالكتابة، وإن مات السيد قبل الأداء.. عتقت بالاستيلاد.
مسألة اشتراط قول السيد إن أديت فأنت حر
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يعتق حتى يقول في الكتابة: فإذا أديت فأنت حر، أو يقول بعد ذلك: إن قولي: كاتبتك كان معقودًا على أنك إذا أديت، فأنت حر).
وجملة ذلك: أن الكتابة تشتمل على معاوضة وصفة، (فالمعاوضة) قوله: كاتبتك على كذا.
و (الصفة) قوله: فإذا أديت فأنت حر.
فإذا قال ذلك، أو قال: كاتبتك على كذا، ونوى به العتق.. كان صريحًا.
وإن قال: كاتبتك على كذا، ولم يقل: فإذا أديت فأنت حر، ولا نوى ذلك.. فقد نص هاهنا: (أنه لا يعتق)، ونص في المدبر: أنه إذا قال: دبرتك، ولم يقل: إذا مت فأنت حر ولا نواه.. أنه يصير مدبرًا).
واختلف أصحابنا فيهما على طريقين، مضى ذكرهما في التدبير.
مسألة مكاتبة أحد الشريكين
): إذا كان عبد بين شريكين، فكاتبه أحدهما في نصيبه منه بغير إذن شريكه.. لم تصح الكتابة.
وقال الحكم، وابن أبي ليلى، والعنبري، والحسن بن صالح، وأحمد: (يصح)
دليلنا: أن الكتابة تقتضي إطلاقه في الكسب والسفر لأجل الكسب، وملك نصفه يمنع عن ذلك، ويمنع عن أن يأخذ شيئًا من الزكاة؛ لأن جميع ما يكتسبه يكون لسيده نصفه فلا يدفع إلى سيده الزكاة، ولأنه يضر شريكه بذلك؛ لأن قيمة نصيبه تنقص، فلم يصح.
وإن كاتبه بإذن شريكه.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يصح.
وهو اختيار المزني؛ لما ذكرناه فيه إذا كاتبه بغير إذن شريكه.
والثاني: يصح.
وبه قال أبو حنيفة إلا أنه قال: (إذنه في ذلك يقتضي أن يؤدي العبد مال الكتابة من جميع كسبه، ولا يرجع الآذن بشيء)، وعندنا يؤدي مال الكتابة مما يخص نصيب سيده الذي كاتبه من كسبه؛ لأن المنع من كتابته لحق شريكه، وقد زال ذلك بإذنه.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا أذن له.. صار جميعه مكاتبًا.
دليلنا: أن الكتابة عقد معاوضة، فلا تسري، كسائر العقود.
فرع مكاتبة من بعضه حر
): وإن كان يملك بعض عبد، وباقيه حر، فكاتبه على ما فيه من الرق.. صح؛ لأنه عقد الكتابة على جميع ما فيه من الرق، فهو كما لو كاتبه على جميعه وهو رقيق، ولأن حرية باقية لا تمنع شيئًا من مقصود الكتابة، فلم تمنع صحتها.
وإن كان العبد له فكاتبه على بعضه.. فنص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه لا يصح).
فمن أصحابنا من قال: إذا قلنا: إنه يصح أن يكاتب نصيبه في العبد المشترك بإذن شريكه.. صح هاهنا أيضًا؛ لأن اتفاقهما على كتابة بعضه كاتفاق الشريكين.
وقال أكثر أصحابنا: لا يصح هاهنا قولًا واحدًا؛ لأنه إذا كاتبه على نصفه.. لم يعتق حتى يؤدي ضعف مال الكتابة؛ لأنه يحتاج أن يؤدي إليه النصف بحكم النصف الرقيق، ولأنه إذا أدى مال الكتابة.. عتق جميعه؛ لأن العتق يسري في الملك ولا يتبعض، فيؤدي كتابة نصفه ويعتق جميعه، وذلك خلاف مقتضى العقد، فلم يصح العقد.
فرع وصى بمكاتبة عبده
): وإن أوصى بكتابه عبده.. صحت الوصية؛ لأن الكتابة عقد يتعلق بها حق الله - تعالى - وحق الآدمي.
وتعتبر قيمة العبد من الثلث.
فإن كان قد قدر المال الذي يكاتب عليه.. كوتب عليه، سواء كان أقل من قيمته أو أكثر.
وإن لم يقدر ذلك.. كوتب على ما جرى العرف بكتابة مثله؛ لأن العرف أن العبد يكاتب على أكثر من قيمته.
فإن لم يختر العبد ذلك.. لم يجبر عليه، كما أنه لا يجبر على قبول الوصية، فإن طلب بعد ذلك.. لم يجب إليها؛ لأن الموصى له إذا رد الوصية.. سقطت في حقه ويوفر الثلث على باقي أهل الوصايا.
وإن لم يحتمل الثلث جميع قيمة العبد.. فنص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه يكاتب منه القدر الذي يحتمله الثلث).
واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: في هذا قولان، كما لو كاتب نصيبه من العبد المشترك بإذن شريكه.
فنص هاهنا على أحدهما.
وقال أكثرهم: يصح هاهنا قولًا واحدًا.
والفرق بينهما: أنا إنما منعنا المكاتبة في بعض المشترك لما يلحق الشريك من الضرر، وهاهنا لا ضرر على الورثة؛ لأنهم ملكوه وقد لزمتهم مكاتبته، ولأن الكتابة في العبد المشترك غير مستحقة، والوصية في الكتابة استحقت، فإذا تعذرت في جميعه.. بقي الاستحقاق في ببعضه.
فإذا قلنا بهذا: وأوصى أن يكاتب عبده على مائة وقيمته مائة ولا مال له غيره، أو كاتبه في مرض موته على مائة وقيمته مائة ولا مال له غيره.. صحت الكتابة في ثلثه بحصته من مال الكتابة.
وهل تزداد التركة إذا أدى المكاتب مال الكتابة؟ حكى المحاملي في " التجريد " فيه قولان:
أحدهما ـ وهو المشهور ـ: أن التركة لا تزداد بذلك؛ لأن التركة ما يخلفها الميت، ومال الكتابة حصل للورثة بعد موت السيد من ملكهم، فهو كثمرة البستان وولد الجارية بعد الموت.
والثاني ـ وهو اختيار المحاملي ـ أن التركة تزداد بذلك؛ لأن هذا المال إنما استفيد بعقد الكتابة، وعقد الكتابة وجب تنفيذه بوصية الميت، فكان كالمال الذي استفيد بسبب من جهة الميت.
فإذا قلنا بهذا: دخله الدور، وهو: أنه إذا كاتبه على مائة في مرض موته وقيمته مائة.. قيل للمكاتب: إن عجلت مال الكتابة.. جازت الكتابة في نصفك بنجمين، فحصل للورثة نصف الرقبة ونصف مال الكتابة، وذلك مثلا ما صحت فيه الكتابة.
وحسابه: تجوز الكتابة في شيء من الرقبة، وتبطل في رقبة إلا شيئًا، ويؤدي
المكاتب عما صحت فيه الكتابة شيئًا؛ لأن مال الكتابة مثل قيمته، فيحصل للورثة من الرقبة ومال الكتابة مائة درهم وذلك يعدل شيئين ـ الشيء نصف المائة ـ وذلك الجائز بالكتابة.
وإن لم يعجل مال الكتابة.. صحت الكتابة في الحال في ثلثه بثلث مال الكتابة، ويسلم إلى الورثة ثلثاه، فكلما أدى شيئًا زاد في الكتابة بقدر نصف ما أدى حتى يؤدي نصف الكتابة فيستوفي وصيته.
وهل يرد الورثة ما أخذوا من كسب سدسه؟ فيه وجهان:
الصحيح: أنهم يردونه.
وإن كاتبه على مائة وخمسين، فإن قلنا: لا تزداد التركة بأداء مال الكتابة.. صحت الكتابة في ثلثه بخمسين.
وإن قلنا: تزداد التركة بأداء مال الكتابة، فإن عجل المكاتب ما عليه.. جازت الكتابة في شيء منه بشيء ونصف شيء، فيحصل للورثة من الرقبة والكتابة مائة درهم ونصف شيء ـ وذلك يعدل شيئين ـ فأسقط نصف الشيء الزائد على المائة، وأسقط بإزائه نصف شيء من الشيئين المقابلين له.. فيبقى مائة تعدل شيئًا ونصف شيء، الشيء ثلثا المائة ـ وذلك ثلثا العبد ـ وهو الجائز في الكتابة بثلثي مال الكتابة ـ وهو مائة ـ فيبقى للورثة ثلث الرقبة، وقيمته ثلاثة وثلاثون وثلث، ومن مال الكتابة مائة، وذلك مثلا ما صحت فيه الكتابة.
والصحيح: أن التركة لا تزداد بأداء مال الكتابة؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال في آخر المسألة: (فإذا أدى.. عتق ثلثه ورق ثلثاه) فلو ازدادت التركة بذلك.. لكان العتق أكثر من ثلثه.
مسألة الكتابة على مال مؤجل بنجمين أو أكثر
): ولا تصح الكتابة إلا بعوض مؤجل، وأقل تأجيله نجمان.
وبه قال أحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: (تصح الكتابة بعوض حال).
دليلنا: ما روي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (أنه غضب على عبد له، فقال:
لأعاقبنك ولأكاتبنك على نجمين) فقصد التضييق عليه بذلك، ولو كانت الكتابة تصح على أقل من ذلك.. لكاتبه عليه.
وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال: (الكتابة على نجمين، والإيتاء من الثاني) وهذا يقتضي أقل ما يجوز عليه الكتابة؛ لأن الكتابة على أكثر من نجمين معلوم بالإجماع.
وروي: أن جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عقدوا الكتابة، وما روي عن أحد منهم أنه عقدها حالة، فدل على أن ذلك إجماع منهم.
ولأنه إذا كاتبه على عوض حال، توجهت المطالبة للسيد عليه به وهو معسر به؛ لأنه لا يملك شيئًا، فيفسخ السيد الكتابة، فيبطل المقصود بالكتابة.
قال أبو العباس: ولأن الكتابة مشتقة من ضم نجم إلى نجم، وأقل ذلك نجمان.
ألا ترى أن الكتابة بالخط لا تكون الكلمة فيها أقل من حرفين.
إذا ثبت هذا: فمن شرط مال الكتابة أن يكون معلومًا.
ومن شرط النجوم أن تكون معلومة، وما يؤدي من المال في كل نجم معلومًا، كما نقول في المسلم فيه.
فرع المكاتبة على عمل
): ويجوز أن يكاتبه على العمل في ذمته، كما يجوز أن يستأجره على عمل في ذمته.
فإن كاتبه على عملين في ذمته.. صح، كما يجوز أن يستأجره على ذلك.
فرع المكاتبة على خدمة شهر ومال بعده
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا بأس أن يكاتبه على خدمة شهر ودينار بعد انقضاء الشهر).
وهذا ينظر فيه: فإن كاتبه على خدمة شهر ودينار بعد انقضاء الشهر بيوم أو يومين.. صح، ومن شرط الشهر أن يكون متصلًا بالعقد، كما قلنا في الإجارة.
فإن قيل: فالعوض في الكتابة لا يكون حالًا.. فكيف جاز هاهنا أن يكون الشهر متصلًا بالعقد؟
قلنا: إنما لم يجز في العوض أن يكون حالًا؛ لأنه يتحقق عجزه عنه، وأما الخدمة: فهو قادر عليها، فلهذا جازت الكتابة عليها حالة.
وإن كتابه على خدمة شهر ودينار بعد انقضاء الشهر من غير فصل بينهما.. فهل يصح؟ فيه وجهان:
قال أبو إسحاق: لا يصح؛ لأنه يكون كتابة على نجم واحد، فلم تصح.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: يصح، وهو المذهب؛ لأن الكتابة إنما لم تصح على نجم واحد؛ لأنه لا يقدر على تحصيله، وهاهنا يقدر على خدمة شهر ودينار بعده، فصحت الكتابة.
وهكذا: لو كاتبه على خدمة شهر ودينار في أثناء الشهر.. صح ذلك؛ لأن الشافعي قال في " الأم " (7/374): (إذ شرط الدينار بعد الشهر أو معه.. كان جائزًا، وإن كاتبه على دينار وخدمة شهر بعد الدينار.. لم يصح).
وقال أصحاب أحمد: يصح.
دليلنا: أن من شرط الشهر أن يكون متصلا بالعقد، ومن شرط العوض أن يكون متراخيًا عن العقد بالأجل، فإذا شرط حلول الدينار وتأجيل الشهر.. لم يصح.
قال ابن الصباغ: وإطلاق الخدمة يكفي؛ لأنها معلومة بالعرف، ويلزمه خدمة مثله.
ولو قال: على منفعة شهر.. لم يصح؛ لأنها تختلف.
وإن كاتبه على خدمة شهرين.. لم يصح؛ لأنه نجم واحد.
فرع كاتبه على دينار بعد شهر ودينارين بعد شهرين
): وإن كاتبه على دينار إلى شهر، ودينارين إلى شهرين، على أنه إذا أدى الدينار الأول، عتق، وإذا أدى الدينارين، فهو حر.. فحكى أبو العباس فيها قولين:
فـ (أحدهما): من أصحابنا من قال: هذا عقد جمع بين شيئين مختلفي الأحكام؛ لأنها صفقة جمعت كتابة وعتقًا بصفة، فكان فيها قولان، كما لو جمع بين الكتابة والبيع.
و (الثاني): منهم من قال: فيها قولان مختصان بها:
أحدهما: لا تصح الكتابة؛ لأنه شرط فيها ما ينافيها؛ لأن مقتضى الكتابة أن يعتق بعد أداء جميع مالها، فإذا شرط أن يعتق بأداء بعضه.. لم يصح.
والثاني: يصح؛ لأنه لو كاتبه كتابة مطلقة فأدى بعض مال الكتابة، فأعتقه على أن يؤدي الباقي بعد عتقه.. صح.
فإذا شرط ذلك في الابتداء.. وجب أن يصح.
مسألة كاتب عبدين أو ثلاثة على مائة درهم
): وإن كاتب رجل عبدين أو ثلاثة أعبد له بمائة درهم، في نجمين أو أكثر، بعقد واحد.. فنص الشافعي: (أن الكتابة صحيحة، وتقسم المائة بينهم على قدر قيمتهم).
ونص: (أنه لو تزوج أربع نسوة بعقد واحد على عوض واحد.. صح النكاح، وفي المهر قولان.
وإن خالع أربع نسوة بعوض واحد.. صح الخلع، وفي العوض قولان).
قال أصحابنا: وهكذا القولان في الكتابة:
أحدهما: تصح الكتابة ويقسم العوض المسمى عليهم على قدر قيمتهم.
وبه قال مالك وأبو حنيفة؛ لأن جملة العوض معلوم، وإنما يجهل ما يقابل كل واحد منهم، فلم يؤثر، كما لو باع رجل ثلاثة أعبد له من رجل بعوض.
والثاني: لا تصح الكتابة.
قال المحاملي: وهو الأشبه؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين، وعقد الواحد مع الثلاثة بمنزلة ثلاثة عقود.
ولو كاتب كل واحد منهم بعقد منفرد مع الجهل بالعوض.. لكان باطلًا، فكذلك هذا مثله.
ويخالف البيع، فإنه إذا باع رجل من رجل ثلاثة أعبد له بعوض واحد.. صح؛ لأنه عقد واحد وصفقة واحدة.
وهكذا: إذا باع ثلاثة أنفس ثلاثة أعبد لهم مشاعة بينهم، من رجل بعقد واحد بثمن واحد.. صح البيع قولًا واحدًا؛ لأن نصيب كل واحد منهم يقع بثلث الثمن مشاعًا.
وهكذا إن باع رجل ثلاثة عبيد له من ثلاثة أنفس بعقد واحد.. صح قولا واحدًا، ويملك كل واحد منهم ثلث العبيد مشاعًا.
وإن باع رجل ثلاثة عبيد له، من ثلاثة أنفس بعقد واحد، من كل واحد عبدًا، بثمن واحد، بأن يقول: بعتك يا زيد هذا العبد، وبعتك يا عمرو هذا الآخر، وبعتك يا خالد هذا الآخر بألف.. ففيه طريقان:
(أحدهما): قال أبو العباس: في البيع قولان كالكتابة.
و (الثاني): قال أبو إسحاق وأبو سعيد الإصطخري: يبطل البيع قولًا واحدً، وقد مضى ذكرها في (البيع).
فإذا قلنا: تصح الكتابة.. قسم المال المسمى على قيمتهم وقت عقد الكتابة.
مسألة الشريكان في العبد يكاتبانه على قدر نصيبهما
): وإن كان عبد بين شريكين.. لم يجز لهما أن يكاتباه إلا على قدر ملكهما، ولا يجوز لهما التفاضل في المال مع تساوي الملكين، ولا التساوي في المال مع تفاضل الملكين.
وقال أبو حنيفة: (يجوز).
ودليلنا: أن ذلك يؤدي إلى أن ينتفع أحدهما بمال الآخر؛ لأنه إذا دفع إلى أحدهما أكثر من قدر ملكه، ثم عجز.. رجع الآخر عليه بذلك.
وإن فعل أحدهما ذلك بإذن شريكه.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان، كما لو كاتبه أحدهما دون الآخر بإذن شريكه، وهو ظاهر النص.
ومنهم من قال: لا يصح هذا قولًا واحدًا؛ لأن هاهنا يؤدي إلى أن ينتفع أحدهما بنصيب شريكه، وإذا كاتبه أحدهما بإذن شريكه.. لم يؤد إلى أن ينتفع أحدهما بنصيب شريكه، فافترقا.
فرع الكتابة على شرط فاسد أو مستقبل
): ولا تصح الكتابة إلى شرط فاسد، ولا تعليقها على شرط مستقبل؛ لأنها معاوضة، فلا تصح على شرط فاسد ولا تعليقها على شرط، كالبيع.
مسألة لزوم الكتابة من جهة السيد
): وإذا صحت الكتابة.. لزمت من جهة السيد، فلا يجوز له فسخها قبل عجز المكاتب؛ لأنه أسقط حقه منه بالعوض، فهو كما لو باعه.
ولا تلزم الكتابة من جهة العبد، بل يجوز له أن يمتنع من أداء الكتابة، ولا يجبر على أدائها وإن كان موسرًا بها؛ لأن كل ما لا يجبر على فعله إذا لم يجعل شرطًا في
عتقه، لم يجبر على فعله وإن جعل شرطًُا في عتقه، كالسنن في الصلاة وسائر التطوعات.
وللسيد أن يفسخ الكتابة بنفسه إذا عجز العبد أو امتنع من الأداء، إلا أنه إنما أسقط حقه منه بالعوض، فإذا تعذر العوض.. كان له أن يرجع إلى عين ماله، كما لو باع من رجل عينًا وأفلس المشتري بالثمن.
وهل يجوز للعبد أن يفسخ الكتابة؟ فيه وجهان:
أحدهما: له أن يفسخ؛ لأنه عقد لحظه، فملك فسخه، كالمرتهن.
والثاني: ليس له أن يفسخ، ولم يذكر المحاملي غيره؛ لأنه لا ضرر عليه في البقاء على العقد، ولا فائدة له في الفسخ.
والأول أقيس؛ لأنه يستفيد بالفسخ وجوب نفقته على المولى.
فإن تراضيا على الفسخ وفسخا.. صح؛ لأنه عقد يلحقه الفسخ بحال فجاز لهما فسخه بالتراضي، كالبيع.
وفيه احتراز من الخلع.
فرع موت السيد لا يبطل الكتابة
): وإذا مات المولى قبل الأداء... لم تبطل الكتابة؛ لأنه لازم من جهته، فلم تبطل بموته، كسائر العقود اللازمة.
فإن مات العبد وقد بقي عليه شيء من مال الكتابة... مات رقيقًا، وكان جميع ما خلفه للمولى، سواء خلف وفاء بما عليه أو لم يخلف.
وقال أبو حنيفة ومالك: (إن خلف وفاء عليه.. لم تنفسخ الكتابة).
إلا أن أبا حنيفة يقول: (إذا خلف وفاء.. أدى عنه مال الكتابة، وعتق في آخر جزء من أجزاء حياته.
وإن لم يخلف وفاء.. حكم الحاكم بعجزه، وانفسخت الكتابة).
ومالك يقول: (إن كان له ولد حر.. انفسخت الكتابة.
وإن كان مملوكًا للمكاتب.. أجبر على دفع المال إن كان له مال، وإن لم يكن له مال.. أجبر على الاكتساب والأداء).
دليلنا: أنه مات قبل أداء مال الكتابة، فانفسخت الكتابة، كما لو لم يخلف وفاء.
فإن قيل: إذا لم يبق على المكاتب من مال الكتابة إلا قدر يسير بقدر الإيتاء الذي يجب على السيد.. فهلا قلتم إنه يعتق؛ لأنه يجب على السيد الإيتاء؟
قلنا: إنما لم يعتق؛ لأن على السيد أن يفعله، فلا يقع بنفسه، كما لو وصى بأن يعتق عنه عبد، فمات السيد، ثم مات العبد قبل أن يعتق.
مسألة مكاتبة الذمي عبده الكافر
): وإذا كاتب الذمي عبده الكافر.. صحت الكتابة؛ لأن الكتابة تشتمل على معاوضة وصفة، وهما يصحان من الذمي كالمسلم.
فإن ترافعا إلى الحاكم.. نظر في الكتابة:
فإن كانت صحيحة في شرعنا.. حكم الحاكم بصحتها، سواء ترافعا إلى الحاكم قبل الإسلام أو بعده.
وإن كانت فاسدة في شرعنا، بأن كاتبه على خمر أو خنزير وما أشبهه، فإن تقابضا في حال الشرك، ثم ترافعا إلى الحاكم قبل الإسلام أو بعده.. لم يتعرض الحاكم لنقضها ولا لصحتها، بل يحكم بعتق العبد بأداء ما وقعت عليه الكتابة؛ لأن ما فعلاه في حال الشرك قد لزم بالقبض.
وإن أقبضه ذلك بعد الإسلام، ثم ترافعا إلى الحاكم.. حكم بعتق العبد بحكم الصفة، وثبت التراجع بينهما، كالكتابة الفاسدة بين المسلمين.
وإن أقبضه بعض العوض في حال الشرك، ثم ترافعا بعد الإسلام.. فإن الحاكم يحكم بفساد هذه الكتابة؛ لأن الكتابة الفاسدة لا يعتق العبد فيها بقبض بعض العوض.
إذا ثبت هذا: فلا فرق بين أن يسلما، أو يسلم أحدهما فيما ذكرناه؛ لأن التغلب لحكم الإسلام.
وقال أبو حنيفة: (إذا كاتبه على خمر ثم أسلم.. لم يبطل العقد، ويؤدي إليه قيمة الخمر).
دليلنا: أن هذا العقد لو عقداه بخمر أو خنزير.. كان فاسدًا، فإذا أسلم أحدهما قبل التقابض.. حكم بفساده، كالبيع.
مسألة مكاتبة الحربي عبده
): إذا كاتب الحربي عبده.. صحت الكتابة؛ لأن له ملكًا تامًا.
وقال مالك: (لا يملك).
وقال أبو حنيفة: (ملكه ناقص؛ لأنه يجوز للمسلم تملكه عليه).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ [الأحزاب: 27] (الأحزاب: 27) وهذه إضافة إليهم تقتضي ملكهم.
إذا ثبت هذا: فإن دخلا دار الإسلام مستأمنين.. لم يتعرض الحاكم لهما.
فإن ترافعا إليه، فإن كانت كتابة صحيحة.. ألزمهما الحاكم حكمها.
وإن كانت فاسدة.. بين لهما فسادها.
فإن جاءا وقد قهر أحدهما الآخر في دار الشرك.. فقد بطلت الكتابة؛ لأن العبد إن قهر سيده.. فقد ملك نفسه، وبطلت الكتابة.
وإن قهر السيد العبد على إبطال الكتابة.. فقد عاد رقيقًا؛ لأن دار الكفر دار القهر والإباحة.
ولهذا: لو قهر حر حرًا على نفسه.. ملكه.
وإن قهر أحدهما الآخر في دار الإسلام... لم يصح قهره، وكانا على ما كانا عليه قبل القهر؛ لأن دار الإسلام دار حظر لا يؤثر فيها القهر إلا بالحق.
فرع مكاتبة المسلم عبده الكافر
): وإن كاتب المسلم عبده الكافر.. صح؛ لأن ملكه صحيح عليه، فإذا أدى إليه مال الكتابة.. عتق، وقيل له: إن أسلمت.. فلا كلام، وإن اخترت المقام على الكفر، فإن أردت المقام في دار الإسلام.. فاعقد الذمة والتزم بالجزية إن كنت ممن يجوز له عقد الذمة، وإلا.. فالحق بدار الحرب.
فإن اختار الرجوع إلى دار الحرب.. صار حربًا لنا، فإن وقع في الأسر.. كان الإمام مخيرًا فيه بين القتل والمن والفداء.
ولا يجوز استرقاقه؛ لأن في ذلك إبطال ولاء سيده الذي ثبت له عليه بالعتق.
مسألة مكاتبة المرتد عبده
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لو كاتب المرتد عبده قبل أن يقف الحاكم ماله.. كان جائزًا).
وقال في (المدبر): (إذا دبر عبده.. ففيه ثلاثة أقوال: أحدهما: يصح.
والثاني: لا يصح.
والثالث: أنه موقوف).
واختلف أصحابنا في الكتابة:
فمنهم من قال: فيها ثلاثة أقوال كالتدبير؛ لأنه عتق بصفة كالتدبير.
ومنهم من قال: في الكتابة قولان:
أحدهما: يصح.
والثاني: لا يصح.
ولا يجيء القول بالوقف؛ لأن الكتابة عقد معارضة، وعقود المعارضات لا تقع موقوفة عندنا.
والأول أصح.
إذا ثبت هذا: فإن أدى المكاتب مال الكتابة إلى سيده المرتد، فإن كان قبل أن يقف الحاكم ماله ويحجر عليه.. ففي صحة الأداء ثلاثة أقوال بناء على الكتابة:
فإن قلنا: إن الكتابة صحيحة.. صح الأداء وعتق العبد.
وإن قلنا: إن الكتابة باطلة.. لم يصح الأداء ولم يعتق العبد؛ لأن عدم الصحة لعدم الملك، وذلك مانع من صحة العتق، فهو كما لو كاتب الصبي عبده.
وإن قلنا: إنها موقوفة.. وقف الأداء.
فإن عاد إلى الإسلام صح الأداء وعتق العبد.
وإن مات أو قتل على الردة.. لم يصح الأداء ولم يعتق العبد.
وإنٍ كان الأداء بعد أن وقف الحاكم ماله وحجر عليه، فإن قلنا: إن الكتابة صحيحة.. فالأداء غير صحيح لأجل الحجر، فإن كان المال باقيا في يد السيد... استرجعه منه ورفعه إلى الحاكم وعتق.
وإن كان تالفًا.. لم يرجع المكاتب على سيده بشيء؛ لأنه فرط بالدفع إليه، وطالب الحاكم المكاتب بمال الكتابة، فإن أداه.. عتق.
وإن عجز.. عاد رقيقًا.
فإن أسلم السيد قبل أن يعتق العبد.. احتسب للعبد بما كان دفعه إليه في حال الردة.
فإن قيل: أليس لو دفع إلى المحجور عليه لسفه مالًا فأتلفه، لم يضمن، وإذا زال الحجر، لم يحتسب عليه به؟
قلنا: الفرق بينهما: أن السفيه حجر عليه لحفظ ماله، فلو احتسب عليه بما قبضه في حال الحجر.. سقطت فائدة الحجر، والمرتد حجر عليه لحق المسلمين في ماله، فإذا عاد إلى الإسلام.. سقط حقهم من ماله.
وإن قلنا: إن الكتابة فاسدة.. لم يعتق العبد بالأداء.
وإن قلنا: إن الكتابة موقوفة.. فإن الأداء لا يصح، كما إذا قلنا: إنها صحيحة.
ويسترجعه الحاكم إن كان صحيحًا باقيًا.
فرع ارتداد العبد وقت مكاتبته
): وإن ارتد العبد بمكاتبة سيده.. صحت كتابته؛ لأنه يصح بيعه له وعتقه، ثم ينظر فيه، فإن أسلم.. كان حكمه حكم المكاتب المسلم.
وإن لم يسلم.. نظرت:
فإن أدى مال الكتابة.. عتق وطولب بالإسلام، فإن لم يسلم.. قتل، وكان ما بقي في يده فيئًا، كالحر المرتد.
وإن لم يؤد مال الكتابة وقتل أو مات على الردة.. كان ما بيده لسيده؛ لأن بقتله أو بموته انفسخت الكتابة، فكان ما بيده لسيده.
وبالله التوفيق
باب ما يملكه المكاتب وما لا يملكه
والمكاتب في البيع والشراء والأخذ بالشفعة وسائر جهات التجارة كالحر؛ لأنه عقد الكتابة ليحصل له العتق، ولا يحصل له إلا بالأداء، ولا يمكنه الأداء إلا بالاكتساب بالبيع والشراء وسائر جهات التجارة.
ويجوز له أن يشتري من سيده، ويبيع منه، ويأخذ منه بالشفعة، كما يجوز ذلك من الأجنبي؛ لأنه صار بعقد الكتابة كالخارج من ملكه، وإنما له مال في ذمته، فهو كرجل له دين عليه.
ويصح إقراره بالبيع والشراء؛ لأنه يصح ذلك منه، فصح إقراره به كالحر.
مسألة مال المكاتب محجور عليه
): والمكاتب محجور عليه في ماله فليس له استهلاكه ولا هبته ولا المحاباة به بغير إذن السيد؛ لأن حق السيد لم ينقطع عنه؛ لأنه قد يعجز فيعود إليه؛ لأن القصد بالكتابة تحصيل العتق بالأداء، فإذا وهب ماله.. أدى إلى فوات المقصود.
وإن وهب المكاتب شيئًا من ماله بإذن سيده.. فنص الشافعي في " الأم " (7/34) و" المختصر ": (أنه يصح).
وقال الربيع: وفيه قول آخر: (أنه لا يصح).
وقال في " الجامع ": (إذا اختلعت المكاتبة نفسها بعوض بإذن سيدها... لم يصح الخلع).
والمكاتبة في بذل العوض كالواهبة؛ لأنها تبذل العوض فيما لا فائدة لها فيه.
واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين:
فمنهم من قال: في المسألة قولان:
أحدهما: لا تصح الهبة والخلع.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأن المكاتب ناقص الملك، والسيد لا يملك ما بيده، فلم يصح ذلك باجتماعهما، كالأخ إذا زوج أخته الصغيرة بإذنها.
والثاني: تصح؛ لأن المال لا يخرج من بين المكاتب والسيد، فإذا اتفقا على هبته.. صح كالراهن والمرتهن في الرهن.
ومنهم من قال: تصح الهبة قولًا واحدًا على ما نص عليه في " الأم " و " المختصر "، وما ذكره الربيع تخريج منه، وما ذكره في الخلع على ظاهره.
والفرق بينهما: أن المكاتب إذا وهب، حصل له الثواب عاجلا في الدنيا أو آجلًا في الآخرة، وليس كذلك بذل العوض في الخلع، فإنه لا يحصل لها فيه ثواب عاجل ولا آجل، بل عليها ضرر في سقوط نفقتها.
والطريق الأول أصح.
فرع ليس للمكاتب أن يكفر بالمال
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يكفر المكاتب في شيء من الكفارات إلا بالصوم).
وجملة ذلك: أن المكاتب إذا لزمته كفارة في قتل أو جماع أو ظهار أو يمين.. فلا يجوز له أن يكفر بالمال من غير إذن سيده؛ لأن ملكه غير تام.
وإن أذن له أن يكفر بالمال، فإن إذن له أن يكفر بالعتق.. لم يصح؛ لأنه يتضمن الولاء، ولا يثبت له الولاء.
وإن أذن له أن يكفر بالإطعام، فإن قلنا: إن العبد لا يملك المال، لم يصح تكفيره به؛ لأنه لا يملك ذلك المال، فلم يصح التكفير به.
وإن قلنا: إنه يملك المال.. صح تكفيره به؛ لأنه قد ملك ذلك وأذن له السيد بالتكفير به.
فرع المكاتب لا يبيع نسيئة
): وقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يجوز أن يبيع بدين).
وجملة ذلك: أنه ممنوع من البيع بالدين المؤجل؛ لأن فيه غررًا وهو ممنوع من التغرير بالمال، وسواء باع بما يساوي أو بأكثر مما يساوي؛ لأن الغرر حاصل بالأجل إلا أن يبيعه بأكثر مما يساوي، فتكون الزيادة على ثمنه مؤجلة؛ لأنه لا تغرير في ذلك.
فإن ابتاع المكاتب بثمن مؤجل.. صح؛ لأن الغرر على البائع دون المكاتب، فإن دفع به رهنًا.. لم يصح الرهن؛ لأن في ذلك تغريرًا بالمال المرهون؛ لأنه أمانة وقد يتلف في يد المرتهن، فيكون من ضمان الراهن.
ويجوز أن يستسلف في ذمته إلى أجل؛ لأن الحظ له في ذلك؛ لأنه يأخذ الثمن فينتفع به إلى أن يحل عليه المسلم فيه.
ولا يجوز أن يرهن بما في ذمته؛ لما ذكرناه.
فرع المكاتب يأخذ للقراض والقرض ولا عكس
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يجوز أن يدفع شيئًا من المال الذي في يده قراضًا؛ لأن فيه غررًا؛ لأنه يخرج المال من يده، فربما يعود إليه وربما لا يعود، ويجوز أن يأخذ المال قراضًا؛ لأنه من أنواع الكسب.
وليس له أن يقرض؛ لأن ذلك تبرع، وله أن يقترض؛ لأنه ينتفع بذلك).
فرع لا تصح هبة المكاتب ولو بزيادة منفعة
): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (ولا يهب بشرط الثواب).
وجملة ذلك: أنه إذا وهب لغيره شيئًا بشرط الثواب، فإن قلنا: لا يصح ذلك من غيره.. لم يصح من المكاتب.
وإن قلنا: إنه يصح من غير المكاتب، فإن كان ذلك بغير إذن السيد.. لم يصح؛ لأن عوضها متأخر، ولأن المقصود بالهبة الوصلة والمحبة دون الثواب، فيصير كالهبة بغير ثواب.
فإن كان ذلك بإذن السيد.. كان على الطريقين في الهبة بغير ثواب.
فرع شراء المكاتب من يعتق عليه
): وليس للمكاتب أن يشتري من يعتق عليه ـ كوالده أو ولده ـ بغير إذن سيده.
وقال أبو حنيفة وأحمد: (يجوز له شراؤهما ولا يجوز له بيعهما).
وقال فيمن عداهما ممن يعتق عليه برحم: (يجوز له بيعهم).
دليلنا: أنه تصرف بما يؤدي إلى إتلاف ماله، فلم يصح منه بغير إذن سيده، كالهبة.
وإن اشترى ذلك بإذن سيده، فإن قلنا: لو وهب لغيره بإذن سيده، صح قولًا واحدًا.. صح هاهنا أيضًا قولًا واحدًا.
وإن قلنا: في الهبة قولان.. فاختلف أصحابنا في هذا:
فمنهم من قال: فيه قولان كالهبة.
وقال أبو إسحاق: يصح قولًا واحدًا؛ لأن الهبة لا منفعة للمكاتب فيها، وهاهنا يحصل له به جمال، ويحصل كسب العبد له وأرش الجناية عليه له.
فإذا قلنا: يصح الشراء.. لم يكن له بيعه، وكان موقوفًا على كتابته، وينفق عليه بحكم الملك دون النسب.
وإن وصى له بوالده أو ولده، فإن كان غير مكتسب.. لم يجز له قبول الوصية فيه بغير إذن سيده؛ لأنه يستضر بوجوب نفقته عليه.
وإن كان مكتسبًا يمكن الإنفاق عليه من كسبه.. جاز له قبول الوصية؛ لأنه يحصل له بذلك جمال ومنفعة من غير ضرر.
فإن كان كسبه وفق نفقته.. فلا كلام.
وإن كان كسبه أكثر من نفقته.. كان الفضل للمكاتب.
وإن كان أقل من نفقته.. وجب على المكاتب تمام نفقته بحكم الملك، ويكون عتقه موقوفًا على أداء المكاتب.
فإن جنى والد المكاتب أو ولده.. لم يكن له أن يفديه من غير إذن سيده؛ لأن في ذلك إتلافًا لماله.
فإن أذن له سيده في ذلك.. فهو كالهبة.
فرع المكاتب لا يعتق ولا يكاتب
): ولا يجوز للمكاتب أن يعتق ولا يكاتب بغير إذن سيده.
وقال أبو حنيفة: (يجوز له أن يكاتب ولا يعتق).
دليلنا: أنه لا يجوز له العتق، فلا يجوز له الكتابة، كالعبد المأذون له في التجارة، فإن أذن له سيده في ذلك.. فهو كالهبة.
فإن قلنا: لا تصح كتابته ولا عتقه.. لم يعتق العبد بالأداء.
وإن قلنا: يصح عتقه وكتابته، فأعتق أو كاتب عبدًا، فأدى إليه ما كاتبه عليه قبل أن يؤدي هو كتابته.. ففي ولاء معتقه قولان:
أحدهما: (أنه للسيد) وبه قال أبو حنيفة؛ لأن العتق لا ينفك عن الولاء، والمكاتب ليس من أهل الولاء.
والثاني: أنه يكون موقوفًا على أداء المكاتب؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الولاء لمن أعتق»، والسيد لم يعتق.
فعلى هذا إن أدى المكاتب المال.. كان ولاء هذا المعتق له.
وإن عجز ورق.. كان ولاؤه لسيده.
وإن مات هذا المعتق قبل أداء المكاتب.. ففي ماله قولان:
أحدهما: أنه يكون موقوفًا كالولاء.
والثاني: أنه يكون للسيد؛ لأن الولاء يجوز أن يكون لشخص ثم ينتقل عنه، والميراث لا يجوز أن يكون لشخص ثم ينتقل عنه.
والصحيح: أن الميراث موقوف على هذا القول أيضًا.
فرع بة المكاتب أو محاباته لسيده
فرع: (هبة المكاتب أو محاباته لسيده): وإن وهب المكاتب لسيده أو حاباه.. فهل يصح؟ فيه طريقان، كما لو فعل ذلك مع غير السيد بإذن السيد؛ لأن قبوله لذلك كالإذن له في ذلك.
فإن قلنا: يصح.. فلا كلام.
وإن قلنا: لا يصح.. فله أن يسترجع ذلك منه قبل أن يعتق.
فإن لم يسترجع ذلك منه حتى عتق.. فهل يجوز له استرجاعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: له أن يسترجعه؛ لأنه وقع فاسدًا، فلا يملكه السيد إلا بعقد آخر.
والثاني: ليس له أن يسترجعه؛ لأنه إنما لم يصح لنقصانه، وقد زال ذلك.
فرع لا يتزوج المكاتب إلا بإذن سيده
]: ولا يجوز للمكاتب أن يتزوج بغير إذن سيده؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده.. فهو عاهر».
و (العاهر): الزاني.
والمكاتب هو عبد قبل الأداء، فإن إذن له سيده في النكاح.. صح قولًا واحدًا؛ للخبر، ولأن الحاجة تدعو إليه.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، كالهبة.
والأول أصح.
ولا يجوز له أن يطأ جاريته بغير إذن سيده؛ لأنه ربما أحبلها فتتلف.
فإن أذن له سيده في ذلك، فإن قلنا: إن العبد لا يملك.. لم يجز له وطؤها.
وإن قلنا: إنه يملك إذا ملك.. فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: هو كالهبة، وفيه قولان.
ومنهم من قال: يصح قولًا واحدًا، كالنكاح.
وإن أولد منها ولدًا.. كان ابنا له ومملوكًا له، ولا يعتق عليه، بل يكون موقوفًا على عتقه، ويلزمه أن ينفق عليه بحكم الملك لا بحكم النسب.
فرع سفر المكاتب بالمال
): وإن أراد المكاتب أن يسافر بالمال بغير إذن المولى فقد قال الشافعي في موضع: (يجوز)، وقال في موضع: (لا يجوز).
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن في ذلك تغريرًا بالمال.
والثاني: يجوز؛ لأن فيه تنمية المال.
ومنهم من قال: إن كان السفر طويلًا.. لم يجز، وإن كان قصيرًا.. جاز.
والأول أصح.
مسألة حرمة وطء المكاتبة
): إذا كاتب الرجل أمة له.. حرم عليه وطؤها؛ لأن ملكه على رقبتها قد ضعف وزال ملكه عن منفعتها.
ولهذا لو وطئها غيره بشبهة.. وجب عليه المهر لها.
فإن خالف السيد ووطئها.. فلا حد عليه، سواء علم بالتحريم أو لم يعلم.
وبه قال جماعة الفقهاء إلا الحسن البصري، فإنه قال: يجب عليه الحد إذا علم تحريم وطئها.
دليلنا: أن له فيها ملكًا بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم».
ومن وطئ ملكه.. لم يحد.
إذا ثبت هذا: فإن كانا عالمين بالتحريم... عزرا.
وإن كانا جاهلين بالتحريم.. لم يعزرا ونهيا عن العود.
وإن كان أحدهما عالمًا والآخر جاهلًا.. عزر العالم، ولم يعزر الجاهل ونهي عن العود.
وأما المهر، فنقل المزني: (أنه إذا أكرهها.. وجب المهر).
فمن أصحابنا من حمله على ظاهره، وقال: إذا طاوعته على ذلك.. لم يجب لها المهر؛ لأنها بذلت نفسها بغير عوض، فهي كالزانية.
ومنهم من قال: يجب لها المهر، سواء طاوعته أو أكرهها.
وهو الصحيح، وقد نص الشافعي على هذا في " الأم " (7/388) لأن الحد يسقط عنها بشبهة الملك، وهذه الشبهة توجب لها المهر؛ لأنها ثابتة في حقها.
وقال مالك: (لا يجب لها المهر؛ لأن بضعها ملكه، ولهذا لا تتزوج إلا بإذنه).
ودليلنا: أن المكاتبة في يد نفسها ومنافعها لها، ولهذا لو وطئها أجنبي بشبهة.. وجب لها عليه المهر.
إذا ثبت هذا: فإنه لا يجب لها إلا مهر واحد، سواء وطئها مرة واحدة أو وطئها مرارًا، كما قلنا في النكاح الفاسد، إلا أن يطأها ويدفع إليها المهر، ثم يطأها، فيلزمه المهر ثانيًا؛ لأن الوطء الأول قد استقر حكمه.
ويجب لها المهر من غالب نقد البلد، فإن لم يحل عليها نجم.. كان لها المطالبة بما وجب لها عليه من المهر.
وإن حل عليها نجم، فإن كان مال الكتابة من غير جنس نقد البلد.. كان لها المطالبة بالمهر.
وإن كان من نقد البلد.. فهل يتقاصان فيما استويا فيه؟ فيه أربعة أقوال يأتي ذكرها.
وإن أذهب بكارتها.. لزمه أرشها، كما لو قطع عضوًا منها.
وإن أحبلها... صارت مكاتبة له وأم ولد، وقد مضى بيانها.
فرع كاتب أمة وشرط وطئها
): وإن كاتب أمة وشرط في عقد الكتابة أن يطأها.. كان الشرط والعقد فاسدين.
وقال مالك: (يصح العقد، ويبطل الشرط).
وقال أحمد: (يصح العقد والشرط).
دليلنا: أنه لا يملك وطئها مع إطلاق العقد، فلا يملكه بالشرط، كما لو زوجها واشترط لنفسه الوطء.
مسألة لا يطأ الشريكان مكاتبتهما
): وإذا كانت أمة بين رجلين نصفين فكاتباها.. لم يحل لواحد منهما وطؤها؛ لأنه لا يحل لواحد منهما وطؤها قبل الكتابة، فلأن لا يحل بعد الكتابة ـ وقد ضعف ملكهما ـ أولى.
فإن خالف أحدهما ووطئها.. فلا حد عليه لشبهة الملك.
فإن كانا عالمين بالتحريم.. عزرًا، وإن كانا جاهلين.. لم يعزرًا، وإن كان أحدهما جاهلًا والآخر عالمًا.. عزر العالم دون الجاهل.
ويلزم الواطئ جميع مهرها للمكاتبة؛ لأنه بمنزلة كسبها، فإن لم يحل عليها نجم من الكتابة.. أخذت منه المهر وتصرفت فيه.
وإن كان قد حل عليها نجم وكان مال الكتابة من نقد البلد، فإن كان في يدها ما تدفع إلى سيدها الذي لم يطأها بقدر مهرها.. دفعت إليه مما في يدها، واحتسب على الواطئ بالمهر الذي عليه من النجم الذي حل له عليها.
وإن لم يكن بيدها ما تدفعه إلى الذي لم يطأها.. أخذت من الواطئ نصف مهرها، وسلمته إلى الذي لم يطأها، واحتسب على الواطئ بنصفه من النجم الذي حل له.
فإذا أدت ما بقي من مال الكتابة.. عتقت، وإن عجزت.. عادت رقيقة لهما.
فإن كانت قد قبضت من الواطئ مهرها.. فقد برئت ذمته منه؛ لأنها قبضته في وقت تستحق قبضه.
فإذا كان باقيًا في يدها.. أخذ كل واحد منهما نصفه، وإن كان تالفًا.. سقط حكمه فيه؛ لأنها تصرفت في ملكها في حال نفوذ تصرفها.
وإن لم تكن قبضت المهر، فإن كان في يدها شيء من كسبها بقدر مهرها.. دفعته إلى الذي لم يطأها، واحتسب على الواطئ بمهرها عليه من كسبها.
وإن لم يكن في يدها شيء.. رجع سيدها الذي لم يطأها على الواطئ بنصف مهرها، وبرئت ذمته من نصفه.
وإن أحبلها الواطئ.. فالحكم في الحد والتعزير والمهر على ما مضى.
وأما الولد، فإن ادعى الواطئ أنه استبرأها وحلف على أنه استبرأها، وأتت بولد بعد الاستبراء لستة أشهر.. لم يلحقه ولدها، وكان كولدها من زوج أو زنًا على ما يأتي بيانه.
وإن لم يدع الواطئ أنه استبرأها.. صار نصيبه من الجارية أم ولد له ومكاتبًا له.
فإن كان معسرًا.. لم يسر الإحبال إلى نصيب شريكه من الجارية، كما لو أعتق شركًا له من عبد وهو معسر، وفي الولد وجهان:
(أحدهما): قال أبو علي بن أبي هريرة: ينعقد جميعه حرًا، ويثبت في ذمة الواطئ نصف قيمته لشريكه؛ لأنه يستحيل أن ينعقد نصفه حرًا ونصفه مملوكًا.
و (الثاني): قال أبو إسحاق: يكون نصفه حرًا ونصفه مملوكا، كولدها الذي تأتى به من زوج أو زنا على ما يأتي بيانه، وهو الأصح؛ لأنه إذا لم يسر الاستيلاد لإعساره، فكذلك حرية الولد لا تسري لإعساره.
وقول الأول يبطل بالمرأة إذا كان نصفها حرًا ونصفها مملوكًا فأتت بولد من زوج أو زنا، فإن نصفه حر ونصفه مملوكًا.
وإن كان الواطئ موسرا.. قوم عليه نصيب شريكه من الجارية، فيصير جميعها أم ولد له ونصفها مكاتبًا له؛ لأن الإحبال كالعتق.
ولو أعتق نصيبه منها وهو موسر.. قوم عليه نصيب شريكه من الجارية، فكذلك إذا أحبلها، فإذا قومت عليه.. انفسخت الكتابة في نصيب الشريك وبقي نصفها مكاتبًا للواطئ، فإن أدت إليه نصف مال الكتابة.. عتق نصفها بالكتابة ويسري العتق إلى باقيها.
وإن مات الواطئ قبل الأداء.. عتق جميعها عليه بالاستيلاد.
ومتى تقوم عليه؟ فيه طريقان:
(الأول): قال أبو إسحاق: فيها قولان، كما لو أعتقه:
أحدهما: تقوم في الحال ولا ينتظر العجز، كما لو أحبل جارية بينه وبين شريكه وهي غير مكاتبة، أو أعتقها.
والثاني: لا تقوم عليه إلا بعد العجز؛ لأنه قد ثبت لشريكه فيها حق الولاء بعقد الكتابة، فلا يجوز إبطال ذلك عليه بالتقويم.
و (الطريق الثاني): قال أبو علي بن أبي هريرة: لا تقوم إلا بعد عجزها قولًا واحدًا، وإنما القولان إذا أعتقها؛ لأن الحظ يحصل لها بالتقويم بالعتق؛ لأن عتقها يتنجز، والحظ لها هاهنا في أن لا تقوم؛ لأنها ربما أدت مال الكتابة، فتعجل عتقها بالكتابة.
والصحيح هو الأول؛ لأن الإحبال أقوى من العتق، بدليل أنه يصح من المجنون والسفيه، والعتق لا يصح منهما، ولأن الحظ لها بالتقويم بالإحبال أكثر من انتظار عجزها؛ لأنها إذا قومت على الواطئ.. بقي نصفها مكاتبًا للواطئ، فإذا أدت إليه نصف مال الكتابة.. عتق جميعها، وذلك أخف من أن يبقى جميعها مكاتبًا فلا تعتق إلا بأداء جميع مال الكتابة.
وإذا قومت على الواطئ.... سرى الإحبال إلى باقيها.
ومتى وقعت السراية؟ فيه ثلاثة أقوال، كالعتق:
أحدهما: في الحال.
والثاني: بدفع القيمة.
والثالث: أنه موقوف، فإن أدى القيمة... بان أن السراية وقعت بالإحبال.
وإن لم يدفع القيمة.. تبينا أن السرية لم تقع.
وأما قيمة نصف الولد، فإن قلنا: إنها تقوم في الحال، وقلنا: إن الإحبال يسري إلى نصيب الشريك في الحال.. لم يلزمه قيمة نصف الولد؛ لأنها تضعه في ملكه.
وإن قلنا: إنها لا تقوم إلا بعد العجز، وقلنا: إن الإحبال لا يسري إلا بعد دفع القيمة، فوضعت الولد قبل العجز أو قبل دفع القيمة.. لزمه نصف قيمة الولد لشريكه؛ لأنه كان من سبيله أن يكون نصفه مملوكًا لشريكه، وقد أتلف رقه عليه.
فرع كاتبا جارية ثم جامعاها
): وإن كاتبا جارية بينهما نصفين، ثم وطئها كل واحد منهما.. فالكلام في التحريم والحد والتعزير على ما مضى، ويجب على كل واحد منهما مهر مثلها.
فإن لم يحل عليها نجم... كان لها مطالبة كل واحد منهما بالمهر الذي وجب عليه لتتصرف فيه.
وإن كان قد حل عليها نجم، وكان مال الكتابة من جنس المهر.. فهل يسقط عن كل واحد منهما قدر ما وجب له عليها مما عليه لها من المهر؟ على الأقوال في المقاصة.
وإن فضل لها فضل عليهما أو على أحدهما من المهر.. طالبته به، وإن عجزت نفسها... رقت لهما.
فإن كانت قد قبضت المهرين.. فقد برئت ذمتهما، ويقتسمان ما كان في يدها.
وإن كانت لم تقبض المهرين.. برئت ذمة كل واحد منهما من نصف المهر الذي وجب عليه؛ لأن نصفها عاد رقيقًا له فيسقط عنه ما يقابل ملكه منها، ويبقى عليه نصف المهر لأجل حق شريكه.
فإن كان المهران متساويين.. فهل يسقط ذلك عنهما؟ على الأقوال في المقاصة.
وإن كان أحد المهرين أكثر من الآخر: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (بأن يطأها أحدهما وهي بكر، ويطأها الآخر وهي ثيب، أو يطأها أحدهما وهي صحيحة،
ويطأها الآخر وهي مريضة أو معيبة.. تقاصا فيما استويا فيه، ومن بقي له فضل طالب شريكه به، وإن أفضاها أحدهما.. وجب عليه للآخر نصف قيمتها مع المهر.
وكذلك إن افتضها أحدهما.. لزمه لشريكه نصف أرش الافتضاض مع المهر.
فإن ادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه أفضاها أو افتضها.. حلف كل واحد منهما لشريكه، وسقط حكم الإفضاء والافتضاض).
وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، فحلف عليه شريكه.. لزم الناكل نصف قيمتها للإفضاء، ونصف الأرش للافتضاض.
فإن أتت بولد.. نظرت:
فإن ادعيا أنهما استبرآها وحلفا وأتت بولد لستة أشهر بعد الاستبراء.. انتفى الولد عنهما، وكان كالولد الذي تأتي به من زوج أو زنا.
وإن لم يدعيا الاستبراء.. فلا يخلو من أربعة أحوال: إما أن لا يمكن أن يكون من واحد منهما، أو يمكن أن يكون من الواطئ الأول ولا يمكن أن يكون من الثاني، أو يمكن أن يكون من الثاني ولا يمكن أن يكون من الأول، أو يمكن أن يكون من كل واحد منهما.
فإن لم يمكن أن يكون من كل واحد منهما، مثل: أن تأتي به لأكثر من أربع سنين من وطء كل واحد منهما، أو لدون ستة أشهر من وطء كل واحد منهما.. انتفى عنهما، فكان كولدها الذي تأتي به من زوج أو زنا.
وإن أمكن أن يكون من الأول دون الثاني، بأن تأتي به لدون أربع سنين من وطء الأول، أو لستة أشهر فما زاد من وطئه، ولدون ستة أشهر من وطء الثاني.. لحق الولد بالأول.
فإن كان معسرًا.. صار نصيبه من الجارية أم ولد له ومكاتبًا له، ولا يسري الإحبال إلى نصيب شريكه من الجارية.
وفي الولد وجهان:
(أحدهما): على قول أبي علي بن أبي هريرة: ينعقد جميعه حرًا، ويثبت في ذمته نصف قيمته لشريكه.
و (الثاني): على قول أبي إسحاق: يكون نصفه حرًا ونصفه الآخر كولدها من زوج
أو زنا، وتستحق الجارية على كل واحد منهما جميع مهرها.
وإن كان المحبل موسرًا.. صار نصيبه من الجارية أم ولد له ومكاتبًا له، ويقوم عليه نصيب شريكه فيها.
وهل يقوم عليه في الحال أو بعد العجز؟ على الطريقين في المسألة قبلها.
وهل يلزمه نصف قيمة الولد؟
إن قلنا: يقوم في الحال ويسري الإحبال قبل دفع القيمة.. لم يلزمه نصف قيمة الولد؛ لأنها تضعه في ملكه.
وإن قلنا: لا يقوم إلا بعد العجز، أو قلنا: لا يسري الإحبال إلا بعد دفع القيمة، فإن وضعت بعد العجز والتقويم ودفع القيمة.. لم يلزمه نصف قيمته؛ لأنها وضعته في ملكه.
وإن وضعته قبل ذلك.. لزمه نصف قيمته.
ويجب على الواطئ المحبل جميع مهرها؛ لأنه وطئها وجميعها مكاتب، فيكون للجارية نصف المهر لأجل النصف الذي بقي على الكاتبة، ونصف المهر لسيدها الذي لم يحبل؛ لأن نصيبه قد انفسخت الكتابة فيه إما بالتقويم أو بالعجز، وكان ما يخص نصيبه من كسبها له.
وأما ما يجب على الثاني من المهر، فإن قلنا: إن الإحبال يسري في الحال فقد وطئها الثاني ولا ملك له فيها.. فيلزمه جميع المهر، ويكون للأول نصفه لأجل النصف الذي قوم عليه، وصارت أم ولد له.
وأما النصف الثاني من المهر، فإن كانت قد عجزت نفسها عن كتابة نصيب الذي استولدها.. كان له أيضًا.
وإن كانت لم تعجز نفسها.. كان للجارية؛ لأنه كسب لنصفها الذي بقي على الكتابة.
وإن قلنا: إن الإحبال لا يسري إلا بدفع القيمة، فإن وطئها قبل دفع القيمة.. سقط عن الثاني نصف مهرها لأجل نصفها الذي له؛ لأنه عاد رقيقا له بالتقويم، وهل يجب عليه نصف مهرها لأجل نصفها الذي هو للمحبل؟
فإن كانت قد عجزت نفسها عن الكتابة.. استحق المحبل نصف مهرها على الثاني.
وإن لم تعجز نفسها.. كان ذلك النصف للجارية؛ لأن نصفها باق على الكتابة.
وإن وطئها الثاني بعد أن أخذ نصف قيمتها.. وجب عليه كمال مهرها، فيكون للمحبل نصفه لأجل النصف الذي قوم عليه.
وأما النصف الثاني من المهر، فإن كانت قد عجزت نفسها عن أداء كتابة نصفها الباقي.. كان للمحبل أيضًا.
وإن لم تعجز نفسها.. كان لها.
وإن أمكن أن يكون الولد من الثاني دون الأول، بأن تأتي به لأكثر من أربع سنين من وطء الأول، ولدون أربع سنين ولستة أشهر فما زاد من وطء الثاني.. لحق الولد بالثاني، وانتفى عن الأول، فصار نصيب الثاني من الجارية أم ولد له ومكاتبًا له.
وإن كان معسرًا.. لم يسر الإحبال إلى نصيب الأول منهما.
وأما الولد: فعلى قول أبي علي: ينعقد جميعه حرًا، ويثبت في ذمة الثاني نصف قيمته للأول.
وعلى قول أبي إسحاق: يكون نصفه حرًا ونصفه ليس بحر، بل يكون كولدها الذي تأتي به من زوج أو زنا، ويلزم كل واحد منهما جميع المهر لها فتقبضه منهما إن لم يحل عليها نجم، وإن حل عليها نجم.. كان كما لو لم تلد.
وإن كان الثاني موسرًا.. صار نصيبه من الجارية أم ولد له ومكاتبًا له، ويسري الإحبال إلى نصيب شريكه منها، ويقوم عليه.
ومتى يقوم؟ على الطريقين.
والكلام في قيمة الولد كما ذكرناه في التي قبلها.
ويلزم الثاني جميع مهرها: نصفه للمكاتبة لأجل نصفها الذي بقي على الكتابة، ونصفه للواطئ الأول الذي لم يحبلها لأجل نصفها الذي انفسخت فيه الكتابة بالتقويم.
وأما الأول: فإنه يسقط عنه نصف مهرها لأجل نصفها الذي انفسخت فيه الكتابة، وعاد رقيقًا له بالتقويم، ويجب عليه نصف المهر لأجل نصفها الذي للمحبل.
فإن كانت قد عجزت نفسها عن أداء كتابة نصفها الذي للثاني.. كان ذلك النصف من مهرها للثاني.
وإن لم تعجز نفسها.. كان ذلك للمكاتبة.
وإن أمكن أن يكون الولد من كل واحد منهما، بأن تأتي به لأكثر من ستة أشهر ولدون أربع سنين من وطء كل واحد منهما.. عرض الولد على القافة، فإن ألحقته بالأول.. لحق به وانتفى عن الثاني، وكان الحكم كما لو أمكن أن يكون من الأول دون الثاني على ما مضى.
وإن ألحقته بالثاني.. كان الحكم فيه كما لو أمكن أن يكون من الثاني دون الأول على ما مضى.
وإن ألحقته القافة بهما، أو نفته عنهما، أو أشكل عليها أمرهما، أو لم توجد قافة.. يترك الولد حتى يبلغ وينتسب إلى أحدهما، وينفقان عليه، فإذا بلغ، وانتسب إلى أحدهما.. لحق به، وكان الحكم فيه كما لو لحقه بالإمكان، ويلزمه أن يغرم للآخر ما أنفقه على ولده؛ لأنه بان أنه ولده.
فرع كاتبا أمة ثم وطئاها وأتت بولدين
): وإن كانت أمة بينهما نصفين فكاتباها، ثم وطئها كل واحد منهما، وأتت من كل واحد منهما بولد اعترف به واعترفا بالسابق منهما، وأظهرت العجز، وفسخ السيدان الكتابة.. فلا يخلو حالهما: إما أن يكونا موسرين، أو يكون الأول موسرا والثاني معسرا، أو يكون الأول معسرا والثاني موسرا، أو يكونا معسرين.
فإن كانا موسرين.. فإن الأول يجب عليه نصف المهر لشريكه؛ لأنها بانفساخ الكتابة عادت بمعناها قبل الكتابة، فوجب عليه نصف المهر لأجل نصف شريكه، ويسقط عنه نصف المهر لأجل نصفه الذي عاد رقيقًا له، ويكون الولد حرًا، ونصيبه من الجارية أم ولد له ومكاتبًا له، ويسري الإحبال إلى نصيب شريكه، ومتى يسري الإحبال؟ على الأقوال الثلاثة في وقت سراية العتق.
وأما قيمة نصف الولد: فمبني على القولين في وقت السراية، فإن قلنا: إن السراية تقع في الحال.. لم يجب عليه قيمة نصف الولد؛ لأنها تضعه في ملكه.
وإن قلنا: لا تقع السراية إلا بعد دفع القيمة، فإن ولدت قبل دفع القيمة.. فإنه يلزمه نصف قيمة الولد لشريكه.
وإن دفع القيمة، ثم ولدت.. لم يلزمه نصف قيمة الولد.
وأما ما يجب على الثاني: فإن قلنا: إن السراية تقع في الحال، فقد وطئها الثاني وأحبلها بعد أن صارت أم ولد للأول.. فيلزم الثاني للأول جميع مهرها، ويكون ولده حرًا للشبهة، ويلزمه جميع قيمته للأول.
وإن قلنا: لا تقع السراية إلا بعد دفع القيمة، وكان وطؤه قبل دفع القيمة.. وجب على الثاني نصف مهرها للأول لأجل نصفه منها، ويسقط عنه نصف مهرها لأجل نصفه الذي انفسخت الكتابة فيه له، ويصير الولد حرًا للشبهة، ويلزمه للأول نصف قيمته، ويسقط عنه النصف، ولا تصير الجارية أم ولد للثاني؛ لأنه قد استحق تقويمها على الأول بحكم الاستيلاد ولا ينفذ استيلاد الثاني فيها، فيتقاصان فيما استويا فيه، ويرجع من له فضل شيء على صاحبه بما بقي له، والحكم في الحد والتعذير على ما مضى.
وإن كان الأول موسرًا والثاني معسرًُا.. فالحكم في الأول على ما مضى.
وأما الثاني: فإن قلنا: إن إحبال الأول يسري في الحال فقد وطئها الثاني وأحبلها بعد أن صارت أم ولد للأول.. فيجب عليه للأول جميع مهرها.
قال أبو إسحاق: ويكون الولد مملوكًا للأول.
وقال ابن أبي هريرة: يكون حرًا وتثبت قيمته في ذمة الثاني.
وإن قلنا: إن إحبال الأول لا يسري إلا بعد دفع القيمة فوطئها الثاني قبل دفع
القيمة.. لزم الثاني للأول نصف المهر ويسقط عنه النصف.
وعلى قول أبي إسحاق: يكون نصف ولد الثاني حرًا ونصفه مملوكًا للأول.
وعلى قول أبي علي: يكون جميعه حرًا ويكون في ذمة الثاني نصف قيمته للأول، ولا يصير نصيب الثاني من الجارية أم ولد له؛ لأنه قد استحق تقويمه على الأول.
وإن كان الأول معسرًا والثاني موسرًا.. فإن نصيب الأول من الجارية صار أم ولد له، ولا يسري إلى نصيب الثاني من الجارية.
وفي ولد الأول وجهان:
(أحدهما): قال أبو إسحاق: يكون نصفه حرًا ونصفه مملوكًا للثاني.
و (الثاني): قال أبو علي بن أبي هريرة: يكون جميعه حرًا، ويثبت في ذمته نصف قيمته للثاني، ويجب على الأول نصف المهر في ذمته للثاني.
وأما الثاني: فيجب عليه للأول نصف مهرها، ويسقط عنه النصف، ويصير نصيبه من الجارية أم ولد له، ولا يسري إلى نصيب الأول من الجارية؛ لأنه قد صار أم ولد للأول.
وأما ولد الثاني: فيكون حرًا وجهًا واحدًا، ويلزمه نصف قيمته للأول.
وإن كانا معسرين.. فعلى كل واحد منهما لصاحبه نصف المهر، ويصير نصيب كل واحد منهما من الجارية أم ولد له، ولا يسري إلى نصيب شريكه.
وأما الولدان: فعلى قول أبي إسحاق: يكون نصف ولد كل واحد منهما حرًا، ونصفه مملوكًا لصاحبه.
وعلى قول أبي علي: يكونان حرين، ويثبت في ذمة كل واحد منهما نصف قيمة ولده لصاحبه.
وإن اختلفا في السابق منهما، وكل واحد منهما يقول: أنا الأول.. فلا يخلو: إما أن يكونا موسرين، أو معسرين، أو أحدهما موسرًا والآخر معسرًا.
فإن كانا موسرين، فكل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف قيمة الجارية؛ لأنه يقول: أن أحبلتها أولا، ويسري الإحبال إلى نصيبك، ويقر له بنصف المهر؛ لأنه
يقر أنه وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره، ويقر له بنصف قيمة الولد على القول الذي يقول: إن السراية لا تقع إلا بدفع القيمة.
وعلى القول الذي يقول: إن السراية تقع في الحال.. يقول: لا شيء علي من قيمة الولد، ويدعي كل واحد منهما على صاحبه بجميع المهر وجميع قيمة الولد في أحد القولين ـ وهو إذا قلنا: إن السراية تقع في الحال ـ وبنصف المهر ونصف قيمة الولد في القول الآخر ـ وهو إذا قلنا: إن السراية لا تقع إلا بعد دفع القيمة ـ فيسقط إقرار كل واحد منهما لصاحبه بنصف قيمة الجارية؛ لأن كل واحد منهما يكذب إقرار صاحبه له بذلك.
وأما المهر: فكل واحد منهما يقر لصاحبه بنصفه والمقر له يدعي جميعه في أحد القولين، وهو إذا قلنا: إن السراية تقع في الحال، فيجب على كل واحد منهما لصاحبه نصف المهر الذي اتفقا عليه، ويحلف كل واحد منهما لصاحبه على النصف الذي يدعيه وينكره صاحبه.
وأما على القول الذي يقول: لا يسري الإحبال إلا بدفع القيمة.. فإن كل واحد منهما لا يدعي على صاحبه إلا نصف المهر، فكل واحد منهما يقر لصاحبه بنصف المهر، فلا يمين على أحدهما للآخر؛ لأن كل واحد منهما يقر لصاحبه بما يدعيه عليه.
وأما قيمة الولدين: فإن كل واحد منهما يحلف لصاحبه بما يدعيه عليه من ذلك؛ لأنا إذا قلنا: إن الإحبال يسري في الحال.. فإن كل واحد منهما يقول: أنا أحبلتها أولًا ويسري إحبالي، ووضعته في ملكي، فلا يلزمني قيمة ولدي، وأنت أحبلتها بعدى وقد صارت أم لولدي، فيلزمك جميع قيمة ولدك، فيحلف كل واحد منهما لصاحبه ـ على هذا ـ أنه لا يستحق جميع قيمة الولد التي يدعيها ولا بعضها.