كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وإن جلس ليشم الطيب.. فحكى الشيخ أبو حامد فيه قولين:
أحدهما: لا يكره، كما لا يكره الجلوس عند الكعبة وهي تجمر.
والثاني: يكره له ذلك، كما لو أخذ الطيب في صرة فشمه.
فرع شراء المحرم الطيب
ويجوز للمحرم أن يشتري الطيب، كما يجوز له أن يشتري المخيط والجارية.
قال الشافعي في " الأم " [2/129] (فإن عقد طيبا، فحمله في خرقة أو غيرها وريحه يظهر منها.. لم يكن عليه فدية، وكرهت له ذلك).
قال ابن الصباغ: ومن أصحابنا من قال: إذا جعل المسك في خرقة، وقصد شمه.. لزمته الفدية، وحمل كلام الشافعي إذا لم يقصد شمه.
وهكذا قال المسعودي [في " الإبانة " ق \ 191]: التطيب يقع بإمساك الطيب معه وإن لم يستهلك عينه.
ومن قال بالأول.. قال: هذه رائحته عن مجاورة، فأشبه إذا جلس في العطارين.
فرع مس المحرم الطيب
وإذا مس المحرم طيبا.. فلا يخلو: إما أن يكون رطبا أو يابسا.
فإن كان يابسا، كالمسك والكافور والذريرة، فإن علق بيده لونه وريحه.. كان عليه الفدية؛ لأن الطيب هكذا يستعمل، فهو كما لو تبخر بالعود.
فإن بقي في يده الرائحة، دون اللون.. ففيه قولان:
أحدهما: لا فدية عليه؛ لأن هذه الرائحة عن مجاورة، فهو كما لو جلس عند الكعبة وهي تجمر.
والثاني: عليه الفدية؛ لأن هذه رائحة عن مباشرة، فهو كما لو بقي معه اللون.
وإن كان الطيب رطبا، فإن علم أنه رطب، وقصد إلى مسه، فعلق بيده منه.. لزمته الفدية.
وإن مسه، وعنده أنه يابس، فكان رطبا، فعلق بيده منه.. ففيه قولان:
أحدهما: أن عليه الفدية؛ لأنه مس الطيب عن قصد منه وعلق به، فكان عليه الفدية، كما لو مسه مع العلم برطوبته.
والثاني: لا فدية عليه؛ لأن تعلق الطيب بيده كان بغير اختياره، فلم يكن عليه الفدية، كما لو رش عليه ماء ورد بغير اختياره.
ولو كان أخشم، فتطيب.. وجبت عليه الفدية؛ لأنه قد وجد منه استعمال الطيب مع العلم بتحريمه وإن لم ينتفع به، فوجبت عليه الفدية، كما لو حلق رأسه ولم يرتفق به.
فرع وجوب إزالة الطيب عن المحرم
وإذا تطيب المحرم.. وجب عليه إزالة الطيب، والمستحب له: أن يأمر محلا بإزالته عنه، حتى لا يباشره بنفسه.
فإن أزاله بنفسه ومسه عند الإزالة.. جاز؛ لأن ذلك ليس بتطيب، وإنما هو إزالة.
فإن كان معه من الماء ما لا يكفيه لغسل الطيب والطهارة به، فإن لم يمكنه إزالة الطيب بغير الماء.. فإنه يغسل الطيب بالماء، ويتيمم لأن للوضوء بدلا.
وإن أمكنه
إزالة الطيب بغير ماء.. أزاله به وتوضأ بالماء؛ لأن المقصود إزالة رائحة الطيب، وذلك قد يحصل بغير الماء.
وإن كان معه ماء يحتاج إليه لغسل نجاسة عليه، وعليه طيب.. أزال النجاسة بالماء؛ لأن النجاسة تمنع صحة الصلاة، والطيب لا يمنع صحة الحج.
مسألة عقد النكاح للمحرم
ولا يجوز للمحرم أن يتزوج ولا يزوج غيره بالولاية الخاصة، كتزوجه ابنته أو أخته، ولا أن يتوكل للزوج ولا للولي، ولا يزوج المرأة المحرمة.
وبه قال من الصحابة: عمر، وعلي، وابن عمر، وزيد بن ثابت.
وفي التابعين: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري.
وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يتزوج ويزوج غيره)، وبه قال الحكم.
دليلنا: ما روى عثمان بن عفان: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا ينكح المحرم ولا ينكح، ولا يخطب».
ولأنها عبادة تحرم الطيب، فتمنع النكاح، كالعدة، وفيه احتراز من الصوم والاعتكاف.
إذا ثبت هذا: فإن عقد المحرم النكاح، أو عقد على المرأة المحرمة النكاح.. كان باطلا ويفرق بينهما بغير طلاق.
وقال مالك: (يفرق بينهما بطلقة).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح»، والنهي يقتضي: فساد المنهي عنه، ولأن الطلاق من خصائص أحكام النكاح، فلم يتعلق بالفاسد، كالإيلاء والظهار.
فرع تزويج الإمام المحرم
وهل يجوز للإمام والحاكم المحرمين أن يزوجا بالولاية العامة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لعموم الخبر.
والثاني: يجوز؛ لأن الولاية العامة أوسع، بدليل: أن له أن يزوج الكافرة، ولا يملك الرجل المسلم تزويج ابنته الكافرة.
ولأن بالناس إلى النكاح حاجة، وفي منع النكاح من الإمام والحاكم إذا كانا محرمين مشقة.
فرع الزواج في الإحرام الفاسد وتوكيل الحلال المحرم
]: وإن فسد إحرامه.. لم يجز له أن يتزوج فيه، أو يزوج؛ لأن حكم الإحرام الفاسد - فيما يمنع منه - حكم الصحيح.
قال في " الإبانة " [ق \ 196]: إذا وكل حلال محرما ليوكل له محلا، ليتزوج له.. جاز؛ لأنه مستعار بينهما.
فرع توكيل المحل قبل إحرامه مثله ليتزوج له والعكس
وإن وكل محل محلا ليتزوج له امرأة، فأحرم الموكل، وتزوج له الوكيل، فإن اتفق الزوجان أن العقد وقع بعد إحرام الموكل.. حكم بفساد النكاح.
وإن اختلفا، فإن كان مع أحدهما بينة: أن العقد وقع بعد إحرام الموكل.. حكم بفساده أيضا.
وإن لم تكن بينة.. نظرت: فإن ادعت الزوجة: أن العقد وقع بعد الإحرام، وأنكر الزوج.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الظاهر سلامة العقد مما يفسده.
وإن ادعت المرأة صحة العقد، وادعى الزوج فساده.. فالقول قولها مع يمينها؛ لما ذكرناه، ولكن يحكم بانفساخه في الحال؛ لأنه أقر بتحريمها عليه.
فإن كان قبل الدخول.. كان لها نصف المهر.
وإن كان بعد الدخول.. وجب لها جميعه.
وإن لم يدع الزوجان شيئا من ذلك، وشكا: هل كان العقد قبل الإحرام أو بعده؟ قال الشافعي: (فالنكاح صحيح في الظاهر)؛ لأن العقد قد وقع صحيحا في الظاهر.
والأصل أن لا إحرام.
قال (غير أني أحب له في الورع أن ينزل عنها بطلقة؛ لجواز أن يكون قد وقع بعد الإحرام؛ لتحل لغيره بيقين).
فأما إذا وكل المحرم محلا ليتزوج له امرأة، فحل المحرم من إحرامه، وتزوج له الوكيل بالوكالة الأولى.. فالنكاح صحيح؛ لأن الاعتبار بحال العقد، وفساد الوكالة لا يوجب فساد العقد، كما لو وكل رجلا في بيع شيء وكالة فاسدة، فباعه.. فإن البيع صحيح.
ولو وكل صبي وكيلا في بيع شيء، فلم يبع الوكيل حتى بلغ الصبي، ثم باع.. فالبيع باطل.
والفرق بينهما: أن قول الصبي لا حكم له، فلم يتعلق بإذنه جواز التصرف، وليس كذلك هاهنا، فإن الوكالة وإن كانت فاسدة، إلا أن الإذن قائم.
فرع شهادة المحرم في النكاح وخطبة المحرم
فإن كان الزوجان والولي محلين، والشاهدان محرمين.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو قول أبي سعيد الإصطخري -: أنه لا يصح النكاح؛ لأنه قد روي في بعض الأخبار: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يشهد»، ولأن الشهادة أحد ما ينعقد به النكاح، فمنع منه الإحرام، كالزوجين والولي.
و [الثاني]- وهو المنصوص، وبه قال عامه أصحابنا -: أنه يصح، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نكاح إلا بولي وشاهدين».
ولم يفرق في الشاهدين، بين أن يكونا محلين أو محرمين.
ولأن الشاهد لا صنع له في النكاح.
وأما ما احتجوا به من الخبر: فغير ثابت، وإن صح.. حمل على أنه لا يشهد في نكاح عقده الولي، وهو محرم.
قال الشافعي: (وأحب له أن لا يخطب)؛ لحديث عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (ولا يخطب) فإن خطب.. لم يحرم عليه.
والفرق بين الإحرام والعدة، حيث حرمنا فيها الخطبة؛ لأنه ربما دعت الخطبة المرأة إلى أن تخبرنا بانقضاء عدتها قبل انقضائها، وهذا مأمون في مسألتنا.
فرع جواز مراجعة المحرم
ويجوز للمحرم أن يراجع زوجته، وبه قال كافة أهل العلم.
وقال أحمد: (لا يجوز له أن يراجعها).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] [البقرة: 228]. ولم يفرق.
ولأن الرجعة عقد لا يفتقر إلى الإشهاد، فلم يمنع منه الإحرام، كالبيع.
أو لأنه استباحة بضع يختص به الزوج، فلم يمنع منه الإحرام، كالتكفير في الظهار.
مسألة تحريم الوطء والمباشرة في الإحرام
]: ويحرم على المحرم الوطء في الفرج؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] [البقرة: 197]. ومعنى قوله: (فرض) أي: أوجب.
قال ابن عباس: (الرفث: الجماع).
وتجب به الكفارة على ما يأتي ذكرها، إن شاء الله تعالى.
ويحرم عليه المباشرة فيما دون الفرج بشهوة؛ لأنه إذا حرم عليه عقد النكاح..
فلأن يحرم عليه المباشرة بشهوة - وهي أدعى إلى الوطء في الفرج - أولى، وتجب به الفدية على ما يأتي ذكرها، إن شاء الله تعالى.
مسألة صيد المحرم
ويحرم على المحرم أخذ صيد البر؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] [المائدة: 96].
و (الحرم): جمع حرام، و (الحرام): هو المحرم.
ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] [المائدة: 2] فأباح الاصطياد للمحرم، إذا حل، فدل على: أنه كان قبل التحلل محرما عليه.
فإن أخذه.. لم يملكه، كما لو غصب مال غيره.
فإن كان الصيد مملوكا لآدمي.. وجب عليه رده إلى مالكه.
وإن كان مباحا.. وجب عليه أن يرسله في موضع يمتنع فيه عمن يأخذه.
ولا يزول عنه الضمان إلا بذلك؛ لأن ما حرم أخذه لحق الغير، إذا أخذه.. وجب رده على مالكه، كالمغصوب.
وإن تلف عنده.. وجب عليه الجزاء، كما لو غصب مال غيره وتلف عنده.
فرع هلاك الصيد بإنقاذه
قال الشافعي: (وإن خلص حمامة من فم هرة أو سبع أو شق جدار لحجت فيه أي بغرر أو أصابتها لدغة فسقاها ترياقا أو غيره ليداويها، فماتت.. فلا ضمان عليه؛ لأنه أراد صلاحها ومداواتها.
ولو قال قائل: إن عليه الضمان؛ لأنه قد أراد صلاحها، إلا أنها تلفت في يده، فضمها باليد.. كان وجها محتملا)؛ فحصل فيها قولان.
فرع صيد البحر
وإن أخذ المحرم شيئا من صيد البحر.. جاز، ولا جزاء عليه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] [المائدة: 96].
فأحل صيد البحر، ولم يفرق، وخص تحريم صيد البر على المحرم، فدل على أن صيد البحر لا يحرم عليه.
فرع قتل المحرم الصيد
وما حرم على المحرم أخذه من الصيد.. حرم عليه قتله؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] [المائدة: 95].
فإن قتله عمدا أو خطأ.. وجب عليه الجزاء، وبه قال عامة الفقهاء.
وقال داود: (إن قتله عمدا.. وجب عليه الجزاء، وإن قتله خطأ.. لم يجب عليه)، وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مجاهد: إن قتله عمدا.. لم يجب عليه الجزاء؛ لأن ذنبه أعظم من أن يكفره الجزاء.
وإن قتله خطأ أو ناسيا لإحرامه.. وجب عليه الجزاء.
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] [المائدة: 95].
وهذا يسقط قول مجاهد.
وعلى داود: ما روى جابر: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الضبع صيد، وفيه كبش إذا أصابه المحرم»، ولم يفصل.
ولأن هذا تكفير يتعلق بالقتل، فاستوى فيه العمد والخطأ، ككفارة القتل.
فرع قتل المحرم للصيد المملوك
وإن كان الصيد المقتول مملوكا لآدمي، فقتله... فعليه القيمة لمالكه، والجزاء للمساكين، وبه قال أبو حنيفة.
وقال مالك والمزني: (تجب فيه القيمة دون الجزاء).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] [المائدة: 95].
ولم يفصل بين المملوك والمباح.
ولأنه صيد ممنوع من قتله؛ لحرمة الإحرام، فوجب بقتله الجزاء، كغير المملوك.
فرع جرح الصيد وإتلاف بعضه
ويحرم عليه جرح الصيد وإتلاف أجزائه؛ لأن ما منع من إتلافه لحق الغير.. منع من جرحه وإتلاف أجزائه، كالآدمي.
فإن جرحه أو أتلف جزءا منه.. وجب عليه الجزاء.
وقال مالك وأبو حنيفة وداود: (لا جزاء عليه في جرح الصيد، ولا في قطع عضو منه).
دليلنا: أن الصيد حيوان مضمون بالإتلاف، فوجب أن تكون الجناية عليه مضمونة، قياسا على العبد وسائر الدواب.
فرع تنفير الصيد
ويحرم عليه تنفير الصيد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مكة: «لا ينفر صيدها»، وإذا حرم ذلك في صيد الحرم.. حرم ذلك على المحرم.
فإن نفره، فتلف من نفوره، بأن صدمة شيء أو وقع في ماء أو بئر أو أكله في حال نفوره حية أو سبع.. فإن عليه الجزاء؛ لما روي: أن عمر علق رداءه، فوقع عليه طير، فخاف أن ينجسه، فطيره فنهشته حية، فقال: (أنا طردته حتى نهشته الحية، فسأل من كان معه أن يحكموا عليه، فحكموا عليه بشاة).
ولأنه تلف بسبب فعله، فهو كما لو جرحه، فمات.
قال الشافعي: (وإن كان راكبا دابة، أو سائقا لها، أو قائدا لها، فأتلفت بفمها أو يديها أو رجلها أو ذنبها صيدا.. فعليه الجزاء)؛ لأنها في يده، فكانت جنايتها كجنايته.
فرع قتل الصيد وغيره بسبب فعله
قال الشافعي في القديم: (وإن رمى المحرم إلى صيد سهما، فأصابه وأنفذه إلى آخر، فأصابه وقتلهما... كان عليه جزاؤهما)؛ لأن الأول قتله عمدا، والثاني قتله خطأ.
وإن رمى إلى صيد سهما.. فأصابه، فاضطرب الصيد، فوقع على فرخة فقتلها، أو على بيضة فكسرها.. كان عليه ضمان الصيد والفرخ والبيض؛ لأن الصيد قتله بفعله، والفرخ والبيض بسبب فعله.
فرع الدلالة والإعانة على قتل الصيد
ويحرم على المحرم أن يعين على قتل الصيد بدلالة أو إعارة آلة؛ لأن ما منع من إتلافه.. حرمت عليه الإعانة على قتله، كالآدمي.
فإن خالف وأعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة.. كان الجزاء على قاتله إن كان محرما، ولا شيء عليه إن كان محلا، ولا يجب على المعين جزاء، سواء كانت الدلالة أو إعارة الآلة مما يستغنى عنهما، بأن يكون الصيد ظاهرا يراه كل أحد، فدل عليه المحرم، أو أعار القاتل سلاحا ومعه مثله.
أو كان ما فعله مما لا يستغني عنه القاتل، بأن يكون الصيد مختفيا لم يره غير المحرم، أو أعار القاتل سلاحا وليس مع المستعير ذلك.
وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة في الدلالة الظاهرة وإعارة السلاح الذي يستغنى عنه مثل قولنا.
فأما في الدلالة الخفية وإعارة ما لا يستغني عنه القاتل.. فعلى كل واحد منهما جزاء.
وقال عطاء ومجاهد وحماد وأحمد: (إن كانا محرمين.. وجب عليهما جزاء واحد، وإن كان القاتل حلالا.. وجب الجزاء على المحرم المعين).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] [المائدة: 95].
والدال والمعير ليسا بقاتلين للصيد.
ولأن ضمان الصيد ضمان نفس، فوجب أن لا يتعلق بالدلالة وإعارة السلاح، كضمان الآدمي.
فرع أكل المحرم للصيد
يجوز للمحرم أكل ما لم يصد له، ولا أعان على قتله.
فإن صيد له.. حرم عليه أكله سواء علم به وأمر، أو لم يعلم به ولم يأمر.
وكذلك يحرم عليه أكل ما أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة، سواء دل عليه دلالة ظاهرة أو خفية، وسواء أعاره ما يستغني عنه القاتل أو ما لا يستغني عنه.
وقال أبو حنيفة كقولنا فيما صيد له بأمره، أو كان له أثر لا يستغني عنه القاتل.
فأما إذا صيد له بغير علمه، أو أعان عليه بدلالة ظاهرة أو إعارة آلة يستغني عنها القاتل.. فيجوز له أكله.
وقال بعض الناس: لا يجوز للمحرم أكل الصيد بحال.
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصيد حلال لكم، ما لم تصيدوه أو يصد لكم».
وهذا
يبطل قول من قال: لا يحل الصيد بحال وقول أبي حنيفة.
وما «روى أبو قتادة قال: خرجت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، وهم محرمون، وأنا حلال، فرأيت حمارا وحشيا، فسألتهم أن يناولوني رمحا، فلم يفعلوا، وسألتهم أن يناولوني سوطا، فلم يفعلوا، فشددت على دابتي فأخذته، فبعضهم أكل وبعضهم لم يأكل، ثم أخبروا بذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: " طعمة أطعمكموها الله ". وفي رواية: أنه قال: " هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ " قالوا: لا، فقال: " كلوا ما بقي» ولم يفصل في الإشارة والإعانة.
فإن خالف وأكل من لحم ما صيد له، أو أعان على قتله.. فهل يضمن ما أكله بالجزاء؟ فيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (يجب عليه الجزاء)؛ لأن الأكل ممنوع منه، كما أن القتل ممنوع منه، فإذا وجب عليه الجزاء بالقتل.. وجب عليه بالأكل.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا جزاء عليه)، وهو الصحيح؛ لأن كل لحم لو أكله الحلال.. لم يضمنه بالجزاء، فإذا أكله المحرم.. لم يضمنه بالجزاء، كما لو أكل من لحم صيد قتله بنفسه.
ولأن الجزاء إنما يجب بإتلاف ما كان ناميا، كالصيد وشجر الحرم، أو ما يكون منه النماء، كالبيض.
واللحم ليس بنام ولا يؤول إلى النماء، فهو كالبيض المذر، والشجر اليابس.
فرع أكل ما ذبحه المحرم من الصيد
إذا ذبح المحرم صيدا.. لم يحل له أكله؛ لأنه إذا لم يحل له أكل ما صيد له.. فلأن لا يحل له أكل ما ذبحه أولى، وهل يحل لغيره؟ فيه قولان:
[الأول]: قال في القديم: (يحل)؛ لأن كل من حل بذكاته غير الصيد.. حل بذكاته الصيد، كالحلال والذمي، وعكسه المجوسي.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يحل) لأنها ذكاة ممنوع منها، لحق الله تعالى، فلم يبح الأكل، كذكاة المجوسي وفيه احتراز من ذبح شاة الغير بغير إذنه.. فإنه ممنوع منها؛ لحق مالكها.
فإن أكل المحرم من لحم ما ذبحه.. فقد فعل محرما، ولا جزاء عليه للأكل.
وقال أبو حنيفة: (عليه الجزاء)، وهو: ضمان قيمة ما أكل.
دليلنا: قوله: «الضبع صيد، وفيه كبش إذا أصابه المحرم»، ولم يفصل بين أن يأكل منه أو لا يأكل، فاقتضى الظاهر: أن هذا جميع ما يلزمه.
فرع تملك المحرم للصيد
ولا يجوز للمحرم أن يتهب الصيد، ولا يقبل هديته.
فإن اتهبه أو قبل الهدية فيه.. لم يملكه؛ لما روى ابن عباس: «أن الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمارا وحشيا فرده عليه، وقال: " إنه ليس بنا رد، ولكنا حرم».
وكذلك لا يملك المحرم الصيد بالابتياع؛ لأنه سبب يملك به باختياره، فلم يملك به الصيد، كالهدية.
وإن مات للمحرم من يرثه، وفي ملكه صيد.. فهل يرثه المحرم؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يدخل في ملك المحرم؛ لأن الإرث أحد أسباب الملك، فلم يملك به المحرم الصيد، كالهدية والبيع.
فعلى هذا: يبقى الصيد في حكم ملك الميت، حتى يحل المحرم من إحرامه، فيملكه.
والثاني: أنه يملكه؛ لأن الإرث أقوى من الهدية والبيع؛ لأنه يدخل في ملكه بغير اختياره.
قال القاضي أبو الطيب: لا يتصور هذا الوجه إلا إذا قلنا: لا يزول ملكه عن الصيد بالإحرام، وأما إذا قلنا: يزول ملكه.. فلا يرثه.
وهذه طريقة أصحابنا البغداديين.
وقال القفال: المحرم يملك الصيد بالإرث قولا واحدا، وهل يملكه بالهبة والبيع؟ فيه قولان.
كما يملك الكافر العبد المسلم بالإرث قولا واحدا، وهل يملكه بالهبة والبيع؟ فيه قولان.
إذا ثبت هذا: فاتهب المحرم صيدا، أو ابتاعه وقبضه، وقلنا: لا يملكه فإن تلف في يده.. قال ابن الصباغ: أو أتلفه متلف.. وجب عليه الجزاء، ولم يجب عليه قيمة الموهوب لمالكه، ووجبت عليه قيمة المبيع.
والفرق بينهما: أن الهبة الصحيحة لا تقتضي الضمان، فكذلك الفاسدة، والبيع الصحيح يقتضي الضمان، وكذلك الفاسد.
وإن كان الصيد باقيا في يده.. قال الشافعي: (فعليه إرساله).
فمن قال من أصحابنا: إن المحرم يملك الصيد بالهبة والبيع.. تعلق بهذه اللفظة وقال: لولا أنه ملكه.. لما ملك إرساله.
ومن قال منهم: لا يملكه.. قال: أراد به إرساله من يده.
واختلف من قال: لا يملكه في كيفية الإرسال:
فقال الشيخ أبو حامد: يرده إلى يد مالكه ولا يسيبه حتى يتوحش؛ لأن ملك
الواهب والبائع لم يزل عنه بالهبة والبيع.
وقال ابن الصباغ: بل يحمل كلام الشافعي على ظاهره، فيرسله بحيث يتوحش، ويمتنع على من يأخذه.
ويرد على مالكه القيمة؛ لأن برده إلى مالكه.. لا يزول عنه ضمان الجزاء، وإنما يسقط عنه ضمان قيمته.
فإذا أمكنه الجمع بين الحقين.. لم يسقط أحدهما.
فإن قيل: فكيف يسقط حق المالك من الصيد مع بقاء ملكه عليه؟
قيل: لأنه كان السبب؛ لكونه في يد المحرم، وإيجاب إرساله عليه.
فرع الإحرام بعد بيع الصيد
فإن باع المحل صيدا من محل، فأفلس المشتري، وقد أحرم البائع.. لم يكن له أن يرجع فيه، كما لا يجوز له أن يبتاعه.
وإن أحرم البائع، ووجد المشتري بالصيد عيبا، وأراد رده، فإن قلنا: إن المحرم يرث الصيد.. جاز للمشتري رده عليه؛ لأنه يدخل في ملكه بغير اختياره، وإن قلنا: لا يرث الصيد.. ففيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: يرده؛ لأن ذلك حق للمشتري، فلا يسقط بإحرام البائع.
والثاني: لا يرده؛ لأنه لا يملك الصيد، فلم يملك رده عليه.
فعلى هذا: ما يصنع المشتري؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال القاضي أبو الطيب: يرد البائع عليه الثمن، ويوقف الصيد حتى يتحلل فيرده عليه؛ لأن الذي يتعذر هو رد الصيد دون رد الثمن.
و [الثاني]: قال ابن الصباغ: يكون بالخيار: بين أن يقفه حتى يتحلل ويرده، أو يرجع بالأرش؛ لتعذر الرد في الحال؛ لأنه لو ملك المشتري الثمن.. لزال ملكه عن الصيد إلى البائع ولوجب رده عليه.
فرع الإحرام حال ملك الصيد
وإن أحرم وفي ملكه صيد.. ففيه قولان:
أحدهما: لا يزول ملكه عنه - وبه قال مالك، وأحمد، وأبو حنيفة - لأنه ملكه، فلا يزول عنه بالإحرام، كالزوجة.
ولأن المحل لو أخذ صيدا من الحل، وأدخله الحرم.. لم يزل ملكه عنه بدخوله إلى الحرم، فكذلك بدخوله في الإحرام.
والثاني: يزول ملكه عنه؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] [المائدة: 96].
ولم يفرق.
ولأن الصيد لا يراد للاستدامة والبقاء، فإذا منع المحرم من ابتداء ملكه.. منع من استدامة ملكه، كلبس المخيط، وفيه احتراز من النكاح والطيب؛ لأنه لا ينكح ليطلق، ولا يتطيب ليغسله، وإنما اللباس يلبس وينزعه عند الغسل والنوم.
وكذلك الصيد يتملكه ليبيعه أو يهبه أو يذبحه، فهو باللباس أشبه.
فإن قلنا: لا يزول ملكه عنه.. فله أن يتصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما، ولا يجوز له قتله، فإن قتله.. وجب عليه الجزاء.
وإن قلنا: يزول ملكه عنه.. وجب عليه إرساله بحيث يمتنع ممن يريد أخذه، فإن تلف في يده.. نظرت: فإن تلف قبل أن يتمكن من إرساله.. فلا جزاء عليه.
وإن تلف بعدما تمكن من إرساله.. كان عليه الجزاء؛ لأنه مفرط في إمساكه.
وإن أتلفه غيره، فإن كان محلا.. فلا جزاء عليه.
وإن كان محرما.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: أن الجزاء على القاتل؛ لأنه صاحب مباشرة، والممسك صاحب سبب، والضمان يتعلق بالمباشرة.
والثاني: أن الجزاء عليهما نصفان؛ لأنه وجد من كل واحد منهما معنى يضمن به الصيد، فاشتركا في الضمان، كما لو قتلاه.
وإن لم يرسله، حتى حل من إحرامه.. ففيه وجهان:
أحدهما - وهو المنصوص -: أنه يلزمه إرساله؛ لأنه متعد بامتناعه من الإرسال، فلا يزول التعدي إلا بإرساله.
والثاني - وهو قول أبي إسحاق -: أنه يعود إلى ملكه؛ لأنه إنما زال ملكه عنه بالإحرام، وقد زال الإحرام، فوجب أن يعود إلى ملكه.
فإن قلنا بالمنصوص، فقتله بعد تحلله.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد:
أحدهما: لا جزاء عليه؛ لأنه محل قتل صيدا في الحل.
والثاني - وهو المذهب -: أن عليه الجزاء؛ لأنه قد ضمنه باليد في حال الإحرام، فلم يزل عنه الضمان إلا بالإرسال.
هذا مذهبنا.
وقد وافقنا أبو حنيفة: أنه لا يزول ملكه عنه بالإحرام، ولكن قال: (إن كان ممسكا له بيده.. لزمه رفع اليد عنه، وإن كان ممسكا له في بيته.. لم يلزمه رفع اليد عنه)، ففرق بين اليد المشاهدة واليد الحكمية، وعندنا لا فرق بينهما.
دليلنا: أن كل ما لا يلزمه إزالة يده الحكمية عنه.. لا يلزمه إزالة اليد المشاهدة عنه، كسائر أملاكه.
مسألة الصيد المتولد بين مأكول وغيره
وإن كان الصيد غير مأكول.. نظرت: فإن كان متولدا بين ما يؤكل وما لا يؤكل كالسبع: المتولد بين الذئب والضبع، والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الأهل.. وجب الجزاء بقتله، تغليبا لما يجب فيه الجزاء، كما حرم أكله، تغليبا لما لا يحل أكله.
قال الشافعي: (وإذا ذبح المحرم دجاجة أهلية.. فلا جزاء عليه، ولو ذبح دجاجة حبشية.. كان عليه الجزاء).
قال الشيخ أبو حامد: أراد بالدجاجة الحبشية التي قد ملكت واستأنست؛ لأنها على أصلها.
فرع ذبح ما يؤكل وجزاء ما لا يؤكل
]: وإن ذبح المحرم الإبل والبقر والغنم.. جاز، ولا جزاء عليه، بلا خلاف.
وأما ما لا يؤكل من الوحش.. فعلى ثلاثة أضرب:
ضرب: يجب فيه الجزاء، بلا خلاف، وهو المتولد بين ما يؤكل وما لا يؤكل، وقد مضى ذكره.
وضرب: لا يجب فيه الجزاء، بلا خلاف، وهو الحية والعقرب والفأرة وما شاكل ذلك من حشرات الأرض، ومن الطيور: الحدأة وما لا يحل من الغراب، ومن البهائم: كالكلب العقور والذئب.
وضرب: اختلف فيه، وهو الأسد والفهد والنمر، ومن الجوارح مثل: الصقر والشاهين.. فهذا لا جزاء فيه عندنا.
وقال أبو حنيفة: (يضمن بالجزاء)، غير أنه قال في السبع: (إنه يضمن بأقل الأمرين: من قيمته أو شاة).
ودليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خمس لا جناح على من قتلهن في حل ولا حرم: العقرب، والفأرة، والحدأة، والغراب، والكلب العقور».
فنبه بكل واحدة من هذه الخمس على ما كان في معناها: فنبه بالعقرب على الحيات؛ لأن الأذى فيهن أكثر، ونبه بالفأرة على الوزغ والقراد والحلم، ونبه بالغراب والحدأة على العقاب والصقر والبازي والشاهين؛ لأن العدوان فيهن أكثر، ونبه بالكلب على الأسد والفهد والنمر؛ لأن العقر والعدو فيهن أكثر.
إذا ثبت هذا: فهل يكره قتل ما لا جزاء فيه؟ ينظر فيه:
فإن كان فيه أذى.. جاز لكل واحد قتله، بل هو مندوب إليه، وذلك مثل: السبع والنمر والذئب والكلب العقور وما أشبه ذلك، وكذلك حشرات الأرض، مثل: الحية والعقرب والقراد والحلم، ومن الطيور: الحدأة والغراب.
قال الشافعي: (وفي هذا المعنى الزنابير والبراغيث والقمل، غير أن المحرم لا يقتل القمل من رأسه ولحيته، فإن فعل ذلك.. تصدق بشيء لا لأجل القملة، ولكن لأجل إماطة الأذى عن رأسه، وليس ذلك بواجب عليه، وإن قتلها من ثيابه وبدنه.. فلا شيء عليه).
وأما ما ليس بمؤذ، مثل: الخنافس والجعلان وبنات وردان والرخمة.. فالمحل والمحرم فيه سواء، فإن شاء.. قتله، وإن شاء.. تركه، والأولى أن لا يقتله؛ لأنه لا غرض له فيه.
قال الشافعي: (وأكره قتل النملة)؛ لأنه روي: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن قتلها) فإن قتلها.. فلا شيء عليه؛ لأنها ليست بصيد.
هذا مذهبنا.
وقال مالك: (لا يجوز للمحرم تقريد بعيره) وروي ذلك عن ابن عمر.
وقال سعيد بن المسيب في المحرم إذا قتل قرادا: يتصدق بتمرة أو تمرتين.
دليلنا: ما روي عن عمر: (أنه كان يقرد بعيره بالسقيا بالطين الرطيب).
ولأنه يتأذى به، فأشبه الحية.
مسألة إتلاف بيض الصيد
كل صيد وجب على المحرم الجزاء بقتله.. وجب عليه الجزاء بإتلاف بيضه.
وبه قال كافة أهل العلم.
وقال المزني وداود: (لا يجب فيه الجزاء).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94] [المائدة: 94].
قال مجاهد: ما تناله أيدينا: البيض والفرخ، وما تناله رماحنا: الصيد.
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كسر المحرم بيض نعامة.. فعليه ثمنها».
إذا ثبت هذا: فإن كسر بيض الجراد.. ضمنه؛ لأن الجراد مضمون، فكذلك بيضه.
وإن أخذ بيض صيد وتركه تحت الدجاجة.. نظرت: فإن حضنتها تحتها وطارت ونشأت.. فلا شيء عليه، وإن فسدت.. ضمنها.
وإن أخذ بيض دجاجة فجعلها تحت الصيد، فلم يقعد الصيد على بيضه، أو قعد عليه ففسد.. فعليه ضمان بيض الصيد؛ لأن الظاهر أنه إنما لم يقعد على بيضه لأجل ما ترك تحته من بيض الدجاج، وكذلك فساده فضمنه.
وإن نزا ديك على يعقوبة فباضت، أو نزا يعقوب على دجاجة فباضت.. لم يجز للمحرم كسر ذلك البيض تغليبا للتحريم، وكذلك لا يجوز إتلاف فرخه، فإن أتلفه.. فعليه الجزاء.
فرع كسر المحرم بيض الصيد
إذا كسر بيضة من بيض الصيد.. لم يجز له أكلها، كما إذا ذبح صيدا.. لم يحل له أكله.
قال الشافعي: (ويحل لغيره).
قال الشيخ أبو حامد: هذا على أحد القولين في المحرم إذا ذبح صيدا... هل يحل لغيره؟ وكذلك الجرادة إذا قتلها المحرم.
وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: يحل لغيره قولا واحدا؛ لأن البيض والجراد لا تفتقر إباحته إلى الذكاة، بدليل: أنه لو ابتلع بيضة من غير كسر.. جاز، وكذلك لو ماتت الجرادة حتف أنفها.. حلت، فلم يكن لفعل المحرم تأثير في إباحتها، بخلاف الصيد الذي لا يحل إلا بذكاة.
فرع كسر البيض الفاسد
]: وإن كسر بيضة مذرة - وهي الفاسدة - فإن كانت بيضة نعامة.. وجب عليه الجزاء؛ لأن لقشرها قيمة.
وإن كانت من غير النعامة.. لم يجب عليه الجزاء؛ لأنه لا قيمة لها.
فرع حلب لبن الصيد للمحرم
فرع: [حلب لبن الصيد]:
وإن حلب لبن صيد.. ضمنه.
قال ابن الصباغ: وحكى أصحابنا عن أبي حنيفة: (إن نقص الصيد بذلك.. ضمنه، وإن لم ينقص.. لم يضمنه).
دليلنا: أنه أتلف شيئا من الصيد، فأشبه البيض والريش.
فرع حبس الطائر في الحل وفرخه في الحرم وعكسه
إذا حبس المحل طائرا في الحل وله فرخ في الحرم، حتى مات الطائر والفرخ.. ضمن الفرخ دون الطائر؛ لأنه أتلف الطائر في الحل، وأتلف الفرخ في الحرم بسبب كان منه في الحل، فهو كما لو رماه من الحل.
وإن حبس طائرا في الحرم وله فرخ في الحل، فمات الطائر والفرخ.. ضمنهما جميعا؛ لأنه أتلف الطائر في الحرم وأتلف فرخه بسبب كان منه في الحرم، فهو كما لو رماه من الحرم إلى الحل.
مسألة اضطرار المحرم لفعل محظور
مسألة: [اضطرارالمحرم لفعل محظور المحرم لفعل محظور]:
كل ما نهي عنه المحرم إذا احتاج إلى فعله، مثل: أن يحتاج إلى اللباس لحر أو برد، أو احتاج إلى الطيب لمرض، أو احتاج إلى حلق الرأس أو قطع الظفر للأذى، أو إلى قتل الصيد للمجاعة.. جاز له فعله؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] [الحج: 78].
وفي المنع من هذا عند الحاجة إليه حرج.
وتجب عليه الفدية، إلا في لبس السراويل عند عدم الإزار.. فإنه لا فدية عليه، وقد مضى بيانه.
والدليل - على وجوب الفدية في هذه الأشياء -: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196].
وتقدير الآية: فمن كان منكم مريضا فتطيب، أو به أذى من رأسه فحلق شعره... ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
ولحديث كعب بن عجرة الذي تقدم ذكره.
فرع صيال الصيد
وإن صال عليه صيد، فلم يندفع عنه إلا بقتله، فقتله.. لم يجب عليه الجزاء.
وقال أبو حنيفة: (عليه الجزاء).
دليلنا: أنه ألجأه إلى قتله، فهو كما لو قتل آدميا دفعا عن نفسه.. فإنه لا شيء عليه.
فرع إيذاء الشعر أو قلم بعض الظفر
وإن نبت شعر في عينيه فقلعه، أو نزل شعر حاجبيه فغطى عينيه فقص المسترسل.. فلا جزاء عليه؛ لأنه ألجأه إلى ذلك، فهو كالصيد إذا صال عليه.
فإن قيل: فقد يكثر الشعر على الرأس فيؤذيه ويحميه، فهلا أجزتم تقصيره من غير فدية؟
قلنا: لا نقول ذلك؛ لأن الحمي مضاف إلى الوقت وإن كان الشعر سببا، ألا ترى أن الشعر لا يحمي عليه في زمان البرد.
وإن انكسر بعض ظفره فأخذه.. فلا شيء عليه.
نص عليه الشافعي في (مختصر الحج)؛ لأن ذلك يؤذيه، فهو بمنزلة الشعر في عينيه.
وإن أزال مع المكسور شيئا من الصحيح.. ضمنه بما يضمن به الظفر؛ لأنه لو أزال بعض الظفر ابتداء.. وجب ضمانه.
قال الشافعي: (وإن قلم بعض ظفره ولكنه لم يستوف ما على اليد منه، بل خففه أو أخذ بعضه.. ففيه الفدية، وضمنه بما يضمن جميع الظفر.
وهو: مد؛ لأنه لا يتبعض).
قال الشيخ أبو حامد: وينبغي أن يكون الحكم، إذا أخذ بعض شعره، كالحكم في الظفر.
فرع افتراش الجراد الطريق وإباضة الصيد على الفراش
وإن افترش الجراد في الطريق، فلم يجد المحرم سبيلا إلى المشي فيه إلا بقتل الجراد، فمشى فيه وقتل الجراد.. ففيه قولان:
أحدهما: لا جزاء عليه؛ لأنه مضطر إلى قتله، فلم يجب عليه الجزاء، كما لو صال عليه صيد فقتله.
والثاني: يجب عليه الجزاء.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الأشبه؛ لأنه أتلفه لمنفعة نفسه فضمنه، كما لو اضطر إلى أكله فأكله.
وإن باض صيد على فراشه فنقله عنه، ولم يحضنه الصيد حتى فسد... ففيه قولان، كالجراد إذا مشى عليه في الطريق.
مسألة فعل محظور سهوا أو جهلا
وإن لبس، أو تطيب، أو دهن رأسه أو لحيته ناسيا أو جاهلا بالتحريم... فلا فدية عليه.
وبه قال الثوري وعطاء والزهري.
وقال مالك وأبو حنيفة والمزني: (يجب عليه الفدية).
دليلنا: قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، ولم يرد رفع الفعل؛ لأن الفعل إذا وقع.. لم يرتفع، وإنما أراد رفع حكم الخطأ من الإثم والفدية.
«وروى يعلى بن أمية قال: كنت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالجعرانة، فأتاه أعرابي وعليه مقطعة - يعني: جبة مضمخة بالخلوق - فقال: يا رسول الله، أحرمت بعمرة وعلى هذه، فما أصنع؟ فقال: " ما كنت تصنع في حجك؟ " قال: كنت أنزع الجبة وأغسل الصفرة، فقال: " اصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك».
ولم يأمره بالفدية.
فإن ذكر ما فعله ناسيا، أو علم ما فعله جاهلا.. فإنه ينزع عنه اللباس ويزيل عنه الطيب في الحال إذا أمكنه ذلك وإن طال الزمان بنزع الثياب وإزالة الطيب؛ لأن ذلك ترك له.
وإن تركه مع إمكانه.. لزمته الفدية قل ذلك أو كثر؛ لأنه كابتدائه للطيب واللباس.
وإن تعذر عليه ذلك، بأن كان بيده علة أو كان زمنا، ولا يمكنه نزع الثياب ولا إزالة الطيب، فانتظر من ينزع الثياب عنه ويزيل الطيب.. فلا فدية عليه؛ لأنه كالمكره على استدامته.
إذا ثبت هذا: فإنه ينزع عنه الثياب، كما ينزع لباسه في العادة، فإن كان قميصا نزعه من قبل رأسه.
وحكي عن بعض التابعين: أنه قال: يشق [عن] بدنه، ولا ينتظر نزعه من قبل رأسه.
دليلنا: ما روى أبو داود: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر الأعرابي أن ينزع الجبة، فنزعها من قبل رأسه، ولم ينكر عليه».
فرع جهل معرفة الطيب
قال المسعودي [في " الإبانة " ق\191]: لو علم أن الطيب محظور، ولكن تطيب بطيب وهو يجهل أنه طيب، أو يظن أنه ليس بطيب فكان طيبا.. فإن عليه الفدية، كما لو أمسك وردا وظن أنه ليس بطيب.
فرع الترفه ناسيا أو جاهلا للمحرم وقتل غير المكلف للصيد
فرع: [الترفه ناسيا أو جاهلا وقتل غير المكلف للصيد]:
وإن حلق الشعر، أو قلم الظفر، أو قتل الصيد ناسيا أو جاهلا بالتحريم.. قال الشافعي: (فعليه الفدية).
ولو زال عقله بجنون أو إغماء، وقتل صيدا.. ففيه قولان:
أحدهما: أن عليه الفدية؛ لأن ضمان الصيد يجري مجرى حقوق الآدميين.
والثاني: لا فدية عليه؛ لأنه إنما منع من قتله للتعبد، والمجنون والمغمى عليه ليسا من أهل التعبد.
فمن أصحابنا: من نقل هذين القولين إلى الناسي في إتلاف الشعر والظفر والصيد.
ومنهم من قال: بل تجب الفدية على الناسي قولا واحدا؛ لأن المجنون غير مكلف، والناسي مكلف.
فرع الجماع ناسيا أو جاهلا
]: وإن جامع ناسيا، أو جاهلا بالتحريم.. ففيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (يفسد حجه، ويلزمه الكفارة) - وبه قال مالك، وأبو حنيفة - لأنه سبب يتعلق به وجوب القضاء، فاستوى عمده وسهوه كالفوات.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يفسد حجه، ولا يلزمه الكفارة).
وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
والمراد به: رفع الحكم.
ولأنا لو أفسدنا الحج عليه، وأوجبنا عليه القضاء.. لم يؤمن مثل ذلك في القضاء؛ لأن الاحتراز من النسيان لا يمكن، وما كان هذا سبيله.. سقط، كما قلنا في الناس إذا أخطؤوا ووقفوا يوم العاشر أو الثامن بعرفة.
فرع شعر المحرم على سبيل الوديعة أو العارية
ولا يجوز للمحرم ولا للمحل أن يحلقا شعر المحرم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] [البقرة: 196].
والمراد به: لا يحلق بنفسه ولا بغيره، وانصرافه إلى حلقه بغيره أظهر؛ لأن العادة أن الإنسان لا يحلق رأسه بنفسه.
إذا ثبت هذا: فإن حلق واحد منهما شعر المحرم.. نظرت: فإن كان بأمره.. وجبت الفدية على المحلوق؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لكعب بن عجرة: «احلق رأسك، وانسك شاة» ولم يفرق بين أن يحلقه بنفسه، أو بغيره.
ولأنه مستحفظ على شعره، أما على سبيل العارية أو الوديعة، فأيهما كان وأتلفه في يده باختياره.. وجب عليه الضمان، ولا يجب على الحالق شيء.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الحالق محرما.. كان عليه صدقة).
دليلنا: أنه أزال شعره بإذنه، فلم يكن على المزيل شيء، كما لو كان الحالق حلالا.
وإن حلقه غيره بغير إذنه، بأن كان نائما أو أكرهه على ذلك.. وجبت الفدية وعلى من تجب؟ فيه طريقان:
[الأول]: قال أبو علي بن أبي هريرة: تجب على الحالق قولا واحدا.
فإن هرب، أو غاب، أو كان معسرا.. فهل تجب على المحلوق؟ فيه قولان.
و [الثاني]: قال الشيخ أبو إسحاق والشيخ أبو حامد وعامة أصحابنا: في الوجوب قولان:
أحدهما: يجب على الحالق ولا شيء على المحلوق.
وبه قال مالك وأبو حنيفة، وهو الصحيح؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
ولأنه شعر زال عنه بغير اختياره، فأشبه إذا مرض وتمعط عنه شعره.
ولأنه أمانة عنده، فإذا أتلفه غيره.. كان الضمان على المتلف، كالوديعة.
والثاني: يجب على المحلوق، ويرجع بها على الحالق؛ لأن المحلوق هو الذي
ترفه بالحلق، فكانت الفدية عليه.
ولأنه شعر زال عن المحرم بفعل آدمي، فكانت الفدية عليه، كما لو حلقه بإذنه.
قال الشيخ أبو حامد: وأصل المسألة أن قول الشافعي اختلف في أن شعر المحرم عنده على سبيل الوديعة أو العارية؟ وفيه قولان:
أحدهما: أنه كالوديعة.
فعلى هذا: إذا تلفا بغير تفريط.. فلا ضمان عليه.
والثاني: أنه كالعارية، فإذا تلف بأي وجه كان.. فعليه الضمان.
وقال القاضي أبو الطيب: هذا خطأ عندي، وينبغي أن يكون كالوديعة؛ لأن العارية ما أمسكها لمنفعة نفسه، وهذا منفعته في إزالته.
ولأنه لو احترق بشرارة وقعت عليه أو تمعط بمرض.. لم يجب عليه ضمانه.
قال الشيخ أبو حامد: ولا يلزم على قولنا: إنه على سبيل العارية، إذا تلف بشرارة أو مرض؛ لأن العارية إنما يجب ضمانها على المستعير إذا تلفت بغير فعل المالك وهاهنا إذا زال شعره بالاحتراق أو بالمرض.. فإنما هو بمنزلة من أعار غيره عينا، فأتلفها المالك.. فإنه لا ضمان على المستعير.
إذا ثبت ما ذكرناه: فإن قلنا: إن الفدية تجب على الحالق ابتداء.. نظرت: فإن أخرجها.. فلا كلام، وهو مخير في الافتداء بين: الهدي أو الإطعام أو الصيام، وإن لم يخرجها.. فقال عامة أصحابنا: للمحلوق مطالبته بالإخراج؛ لأنه وجب بسببه، وقال ابن الصباغ: ليس له ذلك؛ لأن الوجوب تعلق بالفاعل لحق الله تعالى دون المحلوق.
فإن كان الحالق معسرا.. بقيت في ذمته ولا شيء على المحلوق وإن قلنا: إن الفدية تجب على المحلوق، فإن كان الحالق حاضرا قادرا على
الكفارة.. قال الشيخ أبو حامد: وجب عليه أن يفتدي لأنه لا معنى أن نأمر المحلوق بالفدية، ثم يرجع على الحالق.
فإن أراد المحلوق هاهنا أن يفتدي.. كان عليه أن يفتدي بالهدي، أو بالإطعام، وأما بالصيام: فلا؛ لأنه يتحمل هذه الفدية بدلا عن غيره، والصوم لا يصح فيه التحمل.
وإن غاب الحالق، أو هرب، أو كان حاضرا وهو معسر بالهدي، أو الإطعام.. كان على المحلوق أن يفتدي ليسقط الفرض عن نفسه، وله أن يفتدي: بالهدي أو الإطعام أو الصيام، فإن افتدى بالهدي أو الإطعام.. رجع بأقلهما قيمة، فإن افتدى بالهدي، وكانت قيمة الطعام أقل من قيمة الهدي.. رجع عليه بقيمة الطعام.
وإن افتدى بالإطعام، وكانت قيمة الهدي أقل.. رجع عليه بقيمة الهدي؛ لأن الفرض يسقط عنه بأقلهما، فإذا افتدى بالأكثر.. كان كالمتطوع في الزائد، فلم يرجع به.
وإن افتدى بالصوم.. فالمذهب: أنه لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه له قيمة للصوم، فيرجع به.
ومن أصحابنا من قال: يرجع عليه بثلاثة أمداد؛ لأن صوم كل يوم مقدر بمد.
وليس بشيء.
وإن حلق رأسه، والمحلوق متيقظ ساكت لم يمنعه.. ففيه طريقان:
[الأول]: من أصحابنا من قال: حكمه حكم ما لو أكرهه، فيكون على قولين؛ لأن سكوت المتلف عليه.. لا يوجب ضمان ما يجب له، كما لو خرق رجل ثوبه وهو ساكت.
و [الثاني]: منهم من قال: حكمه حكم ما لو أمره.. فتكون الفدية على المحلوق.
قال الشيخ أبو حامد: وهو الصحيح؛ لأن الشعر عنده إما أن يكون على سبيل الوديعة، أو العارية، وأيهما كان.. فإنه إذا قدر على منع من يتلف ذلك، فلم يفعل.. وجب عليه الضمان.
مسألة اغتسال المحرم والغطس في الماء
يجوز للمحرم أن يغسل رأسه وبدنه بالماء، ويدخل الحمام؛ لما روى أبو أيوب الأنصاري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغتسل وهو محرم».
وروي: (أن ابن عباس دخل حماما بالجحفة، وقال: ما يعبأ الله بأوساخنا شيئا).
وأما دلك البدن باليد عند الغسل: فجائز؛ لأنه لا يخشى منه قلع الشعر؛ لأن شعر البدن لا ينقطع بذلك.
ولا يكره دلك البدن، وإزالة الوسخ عنه.
وقال مالك: (لا يفعل، فإن فعل.. كان عليه صدقة).
دليلنا: حديث ابن عباس، حيث قال: (ما يعبأ الله بأوساخنا شيئا).
وأما دلك شعر الرأس واللحية في الغسل، فإن كان الغسل للتبرد والتنظف.
لم يحرك شعره بيده مخافة أن يقطع به الشعر.
وإن كان يغتسل للجنابة، أو للحيض، أو للنفاس.. خلل شعره ببطون أنامله، ولا يحركه بأظفاره، ويخلل الماء في أصول شعره تخليلا رفيقا؛ لما روي: أنه «سئل أبو أيوب: كيف اغتسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو محرم؟ وكان أبو أيوب يغتسل، فأمر من يصب الماء على رأسه، ووضع يده على رأسه ودلك شعره ببطون أصابعه، وقال: هكذا رأيته يفعل»
فإن دلك شعره بيده - إما دلكا رفيقا أو شديدا - وخرج على يده شعر.. فالاحتياط أن يفتدي مخافة أن يكون قد قلعه، ولا يجب عليه شيء حتى يتيقن أنه انقلع بفعله؛ لأن الشعر قد يكون مقلوعا، فإذا مسه خرج.
ويجوز للمحرم أن ينزل في الماء ويتغطس فيه: لما روي عن ابن عباس: أنه قال: قال لي عمر بن الخطاب: (تعال حتى أباقيك في الماء: لننظر: أينا أطول نفسا ونحن محرمان.
فرع غسل المحرم رأسه بالمنظفات
ويجوز للمحرم أن يغسل رأسا بالسدر والخطمي، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: (لا يجوز، وإذا غسله بالخطمي.. وجبت عليه الفدية).
دليلنا: أن هذا ليس بطيب، ولا يحصل به ترجيل الشعر، فلم يمنع منه المحرم كالماء.
فرع الحجامة والافتصاد للمحرم وحج الأغلف
ويجوز للمحرم أن يحتجم، ويفتصد، ويقطع العروق ما لم يقطع الشعر لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احتجم، وهو صائم محرم» وإذا ثبت الاحتجام بالخبر.. جاز الافتصاد قياسا عليه.
قال الشافعي: (وكذلك لو استاك فأدمى فمه أو حك بدنه فأدماه.. فلا شيء عليه لأنه أقل من الحجامة.
وقال الشافعي: (وإذا حج الرجل وهو أغلف.. صح حجه)؛ لأن أكثر ما فيه أنه وجب عليه قطع جلدة من بدنه، وذلك لا يمنع صحة الحج، كما لو كان عليه قطع في سرقة أو قصاص.
فرع اكتحال المحرم
وأما الاكتحال بما لا طيب فيه، فإنه كان أبيض كالتوتياء... فيجوز للمحرم أن يكتحل به لحاجة ولغير حاجة؛ لأنه يقصد به التداوي، ولا يحسن العين، بل يزيدها مرها وقبحا.
وإن كان أسود - وهو الإثمد - فإن لم يكن بالمحرم إليه حاجة
كره له أن يكتحل به؛ لأنه يحسن العين ويزيل شعثها وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الحاج أشعث أغبر.