كتاب النفقات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ولا يجوز أن يزوجه أمة؛ لأنه صار مستغنياً به، ولا يعفه بقبيحة ولا بعجوز لا استمتاع بها؛ لأنه لا يحصل المقصود بذلك.
فإن ملكه جارية، أو دفع إليه مالاً، فتزوج به امرأة، ثم أيسر الأب.. لم يلزمه رد ذلك؛ لأنه قبض ذلك وهو يستحقه.
فإن طلق الزوجة، أو أعتق الأمة.. لم يلزم الولد أن يعفه ثانياً؛ لأنه فوت ذلك على نفسه.
وإن ماتت الزوجة أو الأمة.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه إعفافه ثانياً؛ لأنه إنما يجب عليه إعفافه مرة، وقد فعل.
والثاني: يلزمه أن يعفه ثانياً، وهو الأصح؛ لأنه لا صنع له في تفويت ذلك.
مسألة ما يجب على الأم من الرضاعة للولد
وإن ولدت المرأة ولداً.. وجب عليها أن تسقيه اللبأ حتى يروى؛ لأنه لا يعيش إلا بذلك.
فإن كان للطفل مال.. وجبت أجرة إرضاعه في ماله، كما تجب نفقته إذا كان كبيراً في ماله.
وإن لم يكن له مال.. وجبت أجرة إرضاعه على من تجب عليه نفقته لو كان كبيراً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6].
ولا يجب إرضاعه إلا في حولين؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233] [البقرة: 233].
وإن كان الولد من زوجته والأب ممن تجب عليه نفقة الولد.. لم تجبر الأم على إرضاعه، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد.
وقال أبو ثور: (تجبر على إرضاعه).
وعن مالك روايتان:
إحداهما: كقول أبي ثور.
والثانية - وهي المشهورة عنه -: (إن كانت شريفة.. لم تجبر على إرضاعه، وإن كانت دنيئة.. أجبرت على إرضاعه).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6].. وإذا امتنعت.. فقد تعاسرت.
ولأنها لا تجبر على نفقة الولد مع وجود الأب، فكذلك الرضاع.
إذا ثبت هذا: فإن تطوعت بإرضاعه.. فالأولى للأب أن لا يمنعها من ذلك؛ لأن الرضاع حق للولد، والأم أشفق عليه، ولبنها
أصلح له.
وهل يلزمه أن يزيدها على نفقتها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه؛ لأن نفقة الزوجة مقدرة بحال الزوج، فلو قلنا: تجب الزيادة لأجل الرضاع.. لكانت نفقتها مقدرة بحالها، فلم يلزمه ذلك، كما لو كانت رغيبة في الأكل.. فإنه لا تلزمه الزيادة في نفقتها.
والثاني: تلزمه الزيادة على نفقتها، وهو قول أبي سعيد الإصطخري، وأبي إسحاق؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] [البقرة: 233] فخص حال الولادة بذكر إيجاب النفقة، ولا فائدة بذكر وجوبها في الولادة إلا وجوب الزيادة.
ولأن العادة جرت أن المرضعة تحتاج من الطعام أكثر من غيرها.
فعلى هذا: يجتهد الحاكم في قدر الزيادة على ما يراه.
وإن استأجر امرأته على الرضاع.. فهل يصح عقد الإجارة؟ فيه وجهان:
أحدهما: يصح، وبه قال أحمد؛ لأن كل عقد صح أن يعقده الزوج مع غير الزوجة.. صح أن يعقده مع الزوجة، كالبيع.
والثاني: لا يصح، وهو المشهور، ولم يذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ غيره.
وكذلك: لو استأجرها لخدمة نفسه؛ لأن الزوج يملك الاستمتاع بها في جميع الأوقات، إلا في الأوقات المستحقة للعبادات، فإذا أجرت نفسها.. لم يتمكن من استيفاء حقه إلا بتعطيل حقه من الاستمتاع، فلم يصح، كما لو أجر العبد نفسه من سيده.
فإذا قلنا بهذا: واستأجرها على إرضاعه بعوض، فأرضعته.. فهل تستحق أجرة المثل؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ:
أحدهما: لا تستحق ذلك؛ لأنها لو استحقت أجرة في ذلك.. لجاز لها عقد الإجارة لذلك.
والثاني: تستحق أجرة المثل؛ لأن هذه منفعة لا يجب عليها بذلها، فإذا بذلتها بعوض ولم يحصل لها العوض.. وجب لها عوض المثل، كسائر منافعها.
فرع أبان امرأته المرضعة
وإن أبان الرجل امرأته وله منها ولد يرضع.. لم يملك إجبارها على إرضاعه؛ لأنه إذا لم يملك إجبارها على إرضاعه حال الزوجية.. لم يملك إجبارها بعد الزوجية.
فإن تطوعت بإرضاعه.. لم يجز للأب انتزاعه منها؛ لأنها لا حق له في استمتاعها.
وإن استأجرها على إرضاعه.. صح ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] ولأنه لا يملك الاستمتاع بها، بخلاف ما لو استأجرها في حال الزوجية.
فإن طلبت منه أجرة المثل، ولا يجد الأب من ترضعه بغير أجرة ولا بدون أجرة المثل.. وجب عليه بذل ذلك لها، ولم يجز له انتزاعه منها؛ لأن الرضاع حق للولد، ولبن الأم أنفع له من لبن غيرها.
وإن طلبت منه أكثر من أجرة المثل، والأب يجد من يتطوع بإرضاعه بغير أجرة أو بأجرة المثل.. كان له انتزاعه منها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6].
وإذا طلبت أكثر من أجرة المثل.. فقد تعاسرت.
وإن طلبت أجرة المثل، ووجد الأب من يرضعه بدون أجرة المثل أو من يرضعه بغير أجرة.. فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: أن الأم أحق برضاعه بأجرة المثل؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6].
ولم يفرق.
ولما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الأم أحق بحضانة ولدها ما لم تتزوج».
ولأن الرضاع حق للولد، ولبن الأم أنفع له
وأصلح،
فكانت أولى.
والثاني: أن للأب أن ينتزعه منها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6] [الطلاق: 6] و (التعاسر): هو الشدة والتضايق، فإذا وجد الرجل من يرضعه بدون أجرة المثل أو بغير أجرة، وطلبت الأم أجرة المثل.. فقد تعاسرت، فكان له نزعه منها.
ولأن نفقة إرضاع الطفل كنفقة المراهق، ولو وجد من يتطوع بالإنفاق على المراهق.. لم يجب على الأب نفقته، فكذلك إذا وجد من يتطوع بإرضاع الطفل.. لا تجب أجرة المثل على الأب.
وقال أبو إسحاق: للأب انتزاعه منها، قولا ًواحداً، والقول الآخر لا يعرف في شيء من كتب الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وقال أبو حنيفة: (للأب انتزاعه، ولكن لا يسقط حق الأم من الحضانة، فتأتي المرضعة وترضعه عند الأم).
ودليلنا: أن الحضانة تابعة للرضاع، فإذا سقط حقها من الرضاع.. سقط حقها من الحضانة.
إذا ثبت هذا: فإن ادعى الأب: أنه يجد من يرضعه بغير أجرة أو بدون أجرة
المثل، وقلنا: له انتزاعه، فإن صدقته الأم أنه يجد ذلك.. كان له انتزاعه منها، وإن كذبته.. فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه يتعذر عليه إقامة البينة في ذلك، فقبل قوله مع يمينه، فإذا حلف.. انتزعه من يد الأم، وسلمه إلى المرضعة، ولا تمنع الأم من زيارته؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا توله والدة بولدها».
مسألة نفقة العبد والأمة على السيد
ويجب على السيد نفقة عبده وأمته وكسوتهما؛ لما «روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في الرجل الذي قال: معي دينار، قال: " أنفقه على نفسك "، قال: معي آخر، قال: " أنفقه على ولدك "، قال: معي آخر، قال: " أنفقه على أهلك "، قال: معي آخر، قال: " أنفقه على خادمك».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق».
وهو إجماع لا خلاف فيه.
فإن كان العبد غير مكتسب، بأن كان صغيراً، أو مريضاً، أو كبيراً زمناً.. فنفقته على سيده إلى أن يزول ملكه عنه ببيع، أو هبة، أو عتق، أو موت.
وإن كان مكتسباً.. فالسيد بالخيار: بين أن يجعل النفقة في كسبه، وبين أن يأخذ كسبه وينفق عليه من عنده.
فإن أنفق عليه من عنده.. أخذ جميع كسبه.
وإن اختار أن يجعل نفقته في كسبه، فإن كان كسبه وفق نفقته.. فلا كلام، وإن كان كسبه أكثر من نفقته.. كان الفضل للسيد، وإن كان الكسب أقل من نفقته.. كان على السيد تمام نفقته.
ويجب على السيد نفقة العبد من غالب قوت البلد؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف».
و (المعروف): هو ما يقتاته أهل البلد.
ولا يعتبر بما يأكله السيد؛ لأن السيد قد يأكل أعلى من قوت البلد، وقد يرضى لنفسه بدون قوت البلد.
فإن قيل: فقد روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون».
فالجواب: أن هذا خرج جواباً على سؤال سائل، وكان السائل من العرب، وكان طعامهم ولباسهم من جنس واحد.
وأما قدر طعامه: فاختلف أصحابنا فيه:
فقال أكثرهم: يجعل قدر قوته حكم الغالب، ولا يؤخذ بالشاذ النادر؛ لأنه قد يكون مملوكاً يخرج عن العادة بكثرة الأكل، وقد يكون خارجاً من العادة بقلة الأكل، فيعتبر الغالب ويقال: الغالب في العادة أن قوت هذا في اليوم كذا وكذا، فيدفع إليه.
وقال ابن الصباغ: عندي: إذا كان لا يكفيه الغالب واعترف السيد بذلك.. أن يلزمه ما يكفيه، فإذا كان يكفيه أقل من الغالب.. لم يلزمه أن يدفع إليه إلا قدر كفايته؛ لأن العبد لا طريق له إلى تحصيل شيء إلا من جهة كسبه، وكسبه لسيده.
فرع المملوك الطاهي لسيده
وإن كان المملوك يلي إصلاح طعام سيده.. فيستحب للسيد أن يجلسه معه ويطعمه معه منه، أو يطعمه منه؛ لما روى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كفى أحدكم خادمه طعامه، حره ودخانه.. فليدعه، فليجلسه معه، فإن أبى.. فليروغ له لقمة أو لقمتين»، ولأن الإنسان إذا ولي طعاماً.. اشتهى أن يأكل منه، فاستحب أن يطعم منه، كما يستحب لمن قسم الميراث أن يرزق من حضر القسمة منها.
وأيهما أفضل؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الأفضل أن يجلسه معه ليأكل؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدأ به، ولأنه إذا أكل معه أكل قدر كفايته.
و [الثاني]: منهم من قال: ليس أحدهما أفضل من الآخر، بل إن شاء.. أجلسه معه، وإن شاء.. أطعمه؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خيره: بين أن يجلسه وبين أن يروغ له لقمة أو لقمتين، و (الترويغ): أن يرويه بالدهن والدسم.
والأول أصح.
فرع كسوة المملوك
ويجب للملوك كسوته؛ للخبر، وتجب الكسوة من غالب كسوة أهل البلد.
فإن كان له جماعة عبيد.. لم يستحب له أن يفضل بعضهم على بعض في الكسوة؛ لأن المقصود منهم جميعاً هو الخدمة.
وإن كان له جماعة إماء، فإن لم يتسر واحدة منهن.. لم يستحب له أن يفاضل بينهن في الكسوة، كما قلنا في العبيد.
وإن تسرى بعضهن.. فهل يستحب له أن يفضل من تسراها بالكسوة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يستحب له تفضيلها بالكسوة، كما لا يستحب له تفضيلها بالطعام.
والثاني: يستحب له تفضيلها بالكسوة، وهو الأصح؛ لأن العرف أن الجارية التي يتسراها تفضل في الكسوة، ولأن غرضه تجميل من يريدها للاستمتاع.
فرع تكليف المملوك بما يقدر عليه
ولا يكلف عبده وأمته من العمل إلا ما يطيقان الدوام عليه؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق».
قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (يعني: إلا ما يطيق الدوام عليه، لا ما يطيق يوماً أو يومين أو ثلاثة، ثم يعجز).
ولأن ما لا يمكنه الدوام عليه.. يلحقه الضرر بفعله، فلم يكلفه إياه.
وإن أتت أمته بولد من نكاح أو زناً، فإن كان لبنها وفق ولدها.. لم يكن للسيد أن يؤاجرها للرضاع؛ لأنها إذا أرضعت مع ولدها آخر.. أضر بولدها، وذلك لا يجوز، وإن كان لبنها فوق كفاية ولدها، أو كان ولدها يستغني عن لبنها بالطعام والشراب.. فللسيد أن يسترضعها فيما لا يحتاجه ولدها؛ لأنه لا ضرر على ولدها بذلك.
قال المسعودي [في " الإبانة "]: فطام ولد أمته حق للسيد، وله أن يفطمه قبل الحولين إذا لم يضر بالولد، بخلاف ولد الزوجين، فإنه لا يفطم قبل الحولين إلا باتفاقهما، وأما بعد الحولين: فمن طلب الفطام منهما أجيب إليه.
فرع طلب العطاء والإتاوة من أجر العبد
وإن أراد السيد أن يخارج عبده أو أمته، فقال السيد: خارجتك على أن تعطيني كل يوم من كسبك كذا، والباقي لك، ورضي العبد بذلك.. نظرت:
فإن كان كسبه يفي بما جعله السيد لنفسه وبنفقة العبد.. جاز ذلك، ولم يكره؛ لأنه إذا فعل ذلك.. حرص العبد في الكسب، وربما حصل له أكثر من المعتاد، فيوسع على نفسه في النفقة.
وإن كان كسبه لا يفي بهما في العادة.. لم يكن له ذلك، ومنعه السلطان من
ذلك؛ لما روي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه قال في خطبته: (لا تكلفوا الصغير الكسب، فإنكم متى كلفتموه الكسب.. سرق، ولا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة الكسب، فإنكم متى كلفتموها الكسب.. كسبت بفرجها).
وإن طلب السيد أن يخارج عبده، وامتنع العبد، أو طلب العبد المخارجة وامتنع السيد.. لم يجبر الممتنع منهما على المخارجة؛ لأن المخارجة معاوضة، فلم يجبر الممتنع منهما عليها، كالكتابة.
مسألة النفقة على البهيمة والحيوان
ومن ملك بهيمة.. لزمه القيام بعلفها، سواء كانت مما يؤكل أو مما لا يؤكل؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اطلعت في النار ليلة أسري بي، فرأيت امرأة فيها، فسألت عنها، فقيل: إنها ربطت هرة، فلم تطعمها ولم تسقها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت، فعذبها الله تعالى بذلك».
«واطلعت في الجنة، فرأيت امرأة مومسة - يعني: زانية - فسألت عنها، فقيل: إنها مرت بكلب يلهث من العطش، فأرسلت إزارها في بئر، ثم عصرته في حلقه، فغفر الله لها بذلك».
ولأن للبهائم حرمة بنفسها؛ ولهذا: (نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن تعذيب الحيوان)، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في كل كبد حرى أجر».
فلو قلنا: لا يجب الإنفاق عليها.. أسقطنا حرمتها.
فإن كان في المصر.. لزمه الإنفاق على علفها.
وإن كان في الصحراء، فإن كان فيها من الكلأ ما يقوم بكفايتها، فخلاها للرعي.. لم يجب عليه العلف؛ لأنها تجتزئ بذلك.
وقد أومأ الشافعي إلى: أن من البهائم من لا تجتزئ بالكلأ، ولا بد لها من العلف.
فقال أصحابنا البغداديون: هذا على عادة أهل مصر؛ لأن صحاريها يقل فيها العلف.
وقال الخراسانيون: إن كانت البهيمة مشقوقة الشفة العليا.. فإنها تجتزئ بالرعي عن العلف، وإن كانت غير مشقوقة الشفة العليا.. فلا تجتزئ بالرعي، ولا بد من علفها.
وإن لم يكن بها من الكلأ ما يقوم بها.. لزمه من العلف ما يقوم بها، فإن لم يعلفها، فإن كانت مما يؤكل.. جاز له أن يذبحها، وله أن يبيعها، وإن كانت مما لا يؤكل.. كان له بيعها، فإن امتنع من ذلك.. أجبره السلطان على علفها، أو بيعها، أو ذبحها إن كانت مما يؤكل، فإن لم يعلفها ولا باعها.. باعها عليه السلطان، أو أكراها وأنفق عليها من كرائها.
وقال أبو حنيفة: (لا يجبره السلطان على ذلك، بل يأمره به، كما يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر).
ودليلنا: أنها نفقة واجبة، فإذا امتنع منها.. أجبره السلطان عليها، كنفقة العبد.
وإن كان للبهيمة ولد.. لم يحلب من لبنها إلا ما فضل عن لبن ولدها؛ لأن لبنها غذاء لولدها، فلا يجوز منعه منه، كما قلنا في ولد الجارية.
وبالله التوفيق والعون
باب الحضانة
إذا بانت الزوجة، وبينهما ولد.. نظرت:
فإن كان بالغاً رشيداً.. لم يجبر على الكون مع أحدهما، بل يجوز له أن ينفرد عنهما، إلا أن المستحب له: أن لا ينفرد عنهما؛ لئلا ينقطع بره وخدمته عنهما، وهل يكره له الانفراد عنهما؟ ينظر فيه:
فإن كان رجلا.. لم يكره له الانفراد عنهما.
وإن كانت امرأة، فإن كانت بكراً.. كره لها الانفراد عنهما؛ لأنها لم تجرب الرجال، ولا يؤمن أن تخدع، وإن كانت ثيباً فارقها زوجها.. لم يكره لها الانفراد عنهما؛ لأنها قد جربت الرجال، ولا يخشى عليها أن تخدع.
وقال مالك: (يجب على الابنة أن لا تفارق أمها حتى تتزوج ويدخل بها زوجها).
دليلنا: أنها إذا بلغت رشيدة.. فقد ارتفع الحجر عنها، فكان لها أن تنفرد
بنفسها، ولا اعتراض عليها، كما لو تزوجت، ثم بانت عنه.
وإن كان الولد صغيراً لا يميز - وهو: الذي له دون سبع سنين - أو كبيراً إلا أنه مجنون أو مشتبه العقل.. وجبت حضانته؛ لأنه إذا ترك منفرداً.. ضاع.
مسألة لا حضانة لرقيق ومعتوه ونحوه
ولا تثبت الحضانة لرقيق؛ لأنه لا يقدر عليها مع خدمة مولاه، ولا تثبت لمن لم تكمل فيه الحرية؛ لأنه ناقص بالرق.
فإن زوج الرجل أمته فأتت بولد، أو زنت فأتت بولد.. فالولد مملوك لسيد الأمة، فإن تركه مع أمه.. فلا كلام، وإن أراد انتزاعه منها وتسليمه إلى غيرها.. فهل له ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأنه ملكه، يصنع به ما شاء.
والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه لما لم يكن له أن يفرق بينهما في البيع لئلا يضر بها.. لم يكن له ذلك في الحضانة.
ولا تثبت الحضانة لمعتوه ولا لمجنون؛ لأنه لا يصلح للحضانة.
ولا تثبت الحضانة لفاسق؛ لأنه لا يؤمن أن ينشئ الولد على طريقته.
وإن كان أحد الأبوين مسلماً.. فالولد للمسلم، ولا تثبت عليه الحضانة للكافر.
وقال أبو سعيد الإصطخري: تثبت للكافر على المسلم؛ لما «روى عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه، [عن جده]: أنه قال: أسلم أبي، وأبت أمي أن تسلم، فاختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: " يا غلام، اذهب إلى أيهما شئت، إن شئت.. إلى أبيك، وإن شئت.. إلى أمك "، فتوجهت إلى أمي، فلما رآني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.. سمعته يقول: " اللهم اهده "، فملت إلى أبي، فقعدت في حجره».
والمذهب الأول؛ لأن الحضانة لحظ الولد، ولا حظ له في حضانة الكافر؛ لأنه لا يؤمن أن يفتنه عن دينه.
وأما الحديث: فغير معروف عند أهل النقل، وإن صح.. فيحتمل أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علم أنه يختار أباه، فلهذا خيره، فيكون ذلك خاصاً لذلك الولد دون غيره.
فرع زواج المطلقة يسقط حقها من الحضانة
وإذا تزوجت المرأة.. سقط حقها من الحضانة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة.
وقال الحسن البصري: لا يسقط حقها؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] [النساء: 23] ولـ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوج أم سلمة ومعها بنتها زينب، فكانت عندها».
«وروى ابن عباس: أن علياً وجعفراً ابني أبي طالب، وزيد بن حارثة تنازعوا في حضانة ابنة حمزة بن عبد المطلب، واختصموا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال جعفر: أنا أحق بها، أنا ابن عمها، وخالتها تحتي.
وقال علي: أنا أحق بها؛ أنا ابن عمها، وابنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تحتي - يعني: ابنة ابن عمها - وقال زيد: أنا أحق بها؛ لأنها ابنة أخي - وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخى بين حمزة وزيد بن حارثة - فقضى بها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لخالتها، وقال: " الخالة أم ". فقضى بها للخالة وهي مزوجة».
ودليلنا: ما روى «عبد الله بن عمرو بن العاص: أن امرأة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وإن أباه طلقني، ويريد أن ينزعه مني، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أنت أحق به ما لم تنكحي».
وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الأم أحق بولدها ما لم تتزوج».
ولأنها إذا تزوجت.. استحق الزوج الاستمتاع بها إلا في وقت العبادة، فلا تقوم بحضانة الولد.
وأما الآية: فالمراد بها: إذا لم يكن هناك أب يستحق الحضانة، أو كان ورضي.
وأما زينب وابنة حمزة: فلأنه لم يكن هناك من النساء من يستحق الحضانة خالية من الأزواج.
إذا ثبت هذا: فإن طلقت الزوجة طلاقاً بائناً أو رجعياً.. عاد حقها من الحضانة.
وقال مالك: (لا يعود حقها من الحضانة بحال).
وقال أبو حنيفة، والمزني: (إن كان الطلاق بائناً.. عاد حقها، وإن كان رجعياً.. لم يعد حقها؛ لأن الزوجية باقية بينهما).
ودليلنا: أن حقها إنما سقط باشتغالها عن الحضانة باستمتاع الزوج، ولا يملك الزوج الاستمتاع بها بعد الطلاق البائن والرجعي، فعاد حقها من الحضانة.
وإن أعتق الرقيق، أو عقل المجنون والمعتوه، أو عدل الفاسق، أو أسلم الكافر.. عاد حقهم من الحضانة؛ لأن الحضانة زالت لمعنى، وقد زال ذلك المعنى، فعادت الحضانة.
مسألة ثبوت الحضانة للوارثين من ذوي الأرحام
ولا تثبت الحضانة لمن لا يرث من الرجال من ذوي الأرحام، كابن الأخت وابن الأخ للأم، وأبي الأم، والخال، وابن العم للأم؛ لأنه ذكر لا يرث، فأشبه الأجنبي.
قال الشيخ أبو إسحاق: لا تثبت الحضانة لابن البنت.
وهذا الذي قاله لا يتصور في حضانة الصغير، وإنما يتصور في حضانة الكبير المجنون؛ لأنا قد قلنا: تجب حضانته كما تجب حضانة الصغير.
ولا تثبت الحضانة لمن أدلى من النساء والرجال بهؤلاء الرجال؛ لأن الحضانة إذا لم تثبت لهم بأنفسهم.. لم تثبت لمن أدلى بهم.
مسألة الأم تقدم للحضانة مع جماعة النساء
وإذا اجتمع النساء من القرابة، وهن يصلحن للحضانة، ولا رجل معهن، وتنازعن في حضانة المولود.
قدمت الأم على غيرها؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الأم أحق بولدها ما لم تتزوج»، ولأنها أقرب إليه وأشفق عليه.
فإن عدمت الأم.. انتقلت الحضانة إلى أمها، ثم إلى أم أمها وإن علت.
فأما أمهات أبيها.. فلا مدخل لهن في الحضانة.
فإن عدمن الجدات من قبل الأم.. ففيه قولان:
[أحدهما]: قال في القديم: (تنتقل الحضانة إلى الأخوات والخالات، ويقدمن على أمهات الأب؛ لأنهن يدلين بالأم، وأمهات الأب يدلين بالأب، والأم تقدم على الأب، فقدم من يدلي بها على من يدلي بالأب).
فعلى هذا: تكون الحضانة للأخت للأب والأم، ثم للأخت للأم، ويقدمان على الخالة؛ لأنهما أقرب؛ لكونهما ركضا مع الولد في رحم واحد، ثم تنتقل إلى الخالة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الخالة أم».
فتكون الحضانة للخالة للأب والأم، ثم للخالة للأب، ثم للخالة للأم.
فإذا عدمن الأخوات للأب والأم، أو للأم، والخالات.. انتقلت الحضانة إلى أم الأب، ثم إلى أمهاتها الوارثات، ثم تنتقل إلى الأخت للأب، ثم إلى العمة، وتقدمان على أمهات الجد؛ لأن الأب أقرب من الجد، فقدم من يدلي به على من يدلي بالجد، ثم تنتقل إلى أمهات الجد الوارثات، الأقرب فالأقرب.
هكذا ذكر الشيخ أبو إسحاق.
وقال ابن الصباغ، والطبري: تقدم الأخت للأب على الأخت للأم على هذا أيضاً.
و [الثاني]: قال في الجديد: (إذا عدم من يصلح للحضانة من أمهات الأم.. انتقلت الحضانة إلى أمهات الأب الوارثات، فإن عدم من يصلح لها من أمهات الأب.. انتقلت إلى أمهات الجد، ثم إلى أمهات أبي الجد.
فإن عدم من يصلح لها من الجدات من قبل الأب.. انتقلت إلى الأخوات).
وبه قال أبو حنيفة؛ وهو الأصح؛ لأنهن جدات وارثات، فقدمن على الأخوات، كالجدات من قبل الأم.
ويقدمن الأخوات على الخالات والعمات؛ لأنهن أقرب، فتكون الحضانة للأخت
للأب والأم، ثم للأخت للأب، ثم للأخت للأم؛ لأنهن أقرب.
وقال أبو حنيفة، والمزني، وأبو العباس ابن سريج: (تقدم الأخت للأم على الأخت للأب؛ لأنها تدلي بالأم، والأخت للأب تدلي بالأب، فقدم من يدلي بالأم على من يدلي بالأب، كما تقدم الأم على الأب).
والمذهب الأول؛ لأن الأخت للأب تقوم مقام الأخت للأب والأم في التعصيب، فقامت مقامها في الحضانة.
ثم تنتقل إلى الخالات، ويقدمن على العمات؛ لأنهن يدلين بالأم، فتكون الحضانة للخالة للأب والأم، ثم للخالة للأب، ثم للخالة للأم، ثم للعمة للأب والأم، ثم للعمة للأب، ثم للعمة للأم.
وعلى قول من قدم الأخت للأم على الأخت للأب: تقدم الخالة والعمة للأم على الخالة والعمة للأب.
والذي يقتضي المذهب: أن الحضانة لا تنتقل إلى الخالات إلا بعد عدم بنات الأخ وبنات الأخت؛ لأنهن أقرب، ولا تنتقل الحضانة إلى العمات إلا بعد عدم بنات الخالات.
مسألة من يقدم للحضانة من الرجال
وإن اجتمع الرجال ولا نساء معهم، وهم من أهل الحضانة.. قدم الأب على غيره من الرجال؛ لأن له ولاية عليه، ثم تنتقل إلى آبائه الوارثين الأقرب فالأقرب؛ لأنهم يلون عليه بأنفسهم، فقاموا مقام الأب، وهل تثبت الحضانة لغيرهم من العصبات؟ فيه وجهان: [أحدهما]: من أصحابنا من قال: لا تثبت لهم الحضانة؛ لأنه لا معرفة لهم في
الحضانة، ولا يلون على ماله بأنفسهم، فلم يكن لهم حق في الحضانة، كالأجانب، إلا أن لهم تأديب الولد وتعليمه.
و [الثاني]: منهم من قال: تثبت لهم الحضانة، وهو المنصوص؛ لأن علياً وجعفراً ادعيا حضانة ابنة حمزة - لكونهما ابني عم - بحضرة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولم ينكر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليهما دعواهما بذلك.
وروى عمارة الجرمي قال: (خيرني علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بين عمي وأمي).
ولأن له تعصيباً بالقرابة.. فثبت لها الحضانة، كالأب، والجد.
فعلى هذا: إذا عدم الأجداد.. قال الشيخ أبو إسحاق: انتقلت الحضانة إلى الأخ للأب والأم، ثم إلى الأخ للأب، ثم إلى ابن الأخ للأب والأم، ثم إلى ابن الأخ للأب، ثم إلى العم للأب والأم، ثم إلى العم للأب، ثم إلى ابن العم.
وقال ابن الصباغ: تنتقل إلى الأخ للأب والأم، ثم إلى الأخ للأب، ثم إلى الأخ للأم.
قال: وعلى قول أبي العباس - حيث قدم الأخت للأم على الأخت للأب - يكون هاهنا وجهان:
أحدهما: لا يقدم الأخ للأم على الأخ للأب؛ لأنه ليس من أهل الحضانة بنفسه، وإنما يستحق بقرابته بالأم، والأخ للأب أقوى، فقدم عليه.
والثاني: يقدم لإدلائه بالأم، وهي أقوى من الأب، فقدم من يدلي بها على من يدلي بالأب.
ثم بنو الإخوة وإن سفلوا، ثم العم، ثم بنو العم، ثم عم الأب، ثم بنوه.
مسألة يقدم حق الأم وأمهاتها على غيرهن من النساء والرجال
]: قال الشافعي: (ولا حق لأحد مع الأب غير الأم وأمهاتها).
وجملة ذلك: أنه إذا اجتمع الرجال والنساء وهم من أهل الحضانة.. نظرت:
فإن اجتمع الأب والأم.. قدمت الأم على الأب؛ لما روى عبد الله بن عمرو: «أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أنت أحق به ما لم تنكحي»، ولأن الأم أشفق عليه، وولادتها له من طريق القطع، فقدمت عليه.
وإن اجتمع الأب مع أم الأم وإن علت.. قدمن على الأب؛ لأنهن يقمن مقام الأم في تحقق الولادة، ومعرفة الحضانة، فقدمن على الأب، كالأم.
وإن امتنعت الأم من الحضانة ولها أم.. ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول ابن الحداد -: أن الحضانة تنتقل إلى الأب، ولا تنتقل إلى أم الأم؛ لأنه لا حق لأم الأم مع بقاء الأم، فلم تنتقل إليها، كالولي إذا عضل عن النكاح.. فإن الولاية لا تنتقل إلى من دونه من الأولياء.
والثاني: أن الحضانة تكون لأم الأم، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ؛ لأنه لا حق للأب في الحضانة مع وجود أم الأم، فإذا امتنعت الأم من الحضانة.. انتقلت إلى أمهاتها، كما لو ماتت أو فسقت أو جنت، وتخالف ولاية النكاح، فإن الحاكم يقوم مقام العاضل، وهنا لا مدخل للحاكم في الحضانة بنفسه، فلم يقم مقام غيره.
وإن اجتمع الأب وأم نفسه.. قدم الأب.
ومن أصحابنا من قال: تقدم أم الأب وأمهاتها عليه؛ لأن حضانة النساء
أصلح
للصغير وأوفق له.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا يقتضي أن تكون حضانة الأخوات والخالات والعمات أولى من الأب، وهو خلاف النص؛ لأن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (ولا حق لأحد مع الأب غير الأم وأمهاتها)، ولأنها تدلي به، فلم تقدم عليه.
وإن اجتمع الأب مع الأخت للأم أو مع الخالة.. ففيه وجهان:
أحدهما: تقدمان على الأب، وهو قول أبي العباس، وأبي سعيد الإصطخري، وأبي حنيفة؛ لأن لهما معرفة بالحضانة، وتدليان بالأم، فقدمتا على الأب، كأمهات الأم.
والثاني - وهو المنصوص -: (أن الأب يقدم عليهما؛ لأن له ولادة وإرثاً، فقدم عليهما، كالأم).
فرع تعيين من له الحضانة بحضرة الأب
وإن اجتمع الأب وأم الأب والأخت للأم أو الخالة، فإن قلنا بقوله القديم: (إن أم الأب تسقط بالأخوات والخالات).. بنينا هاهنا على الوجهين في الأب: هل يسقط الأخت للأم والخالة؟
إن قلنا: إنه يسقطهما.. كانت الحضانة للأب.
وإن قلنا: إنهما يقدمان عليه.. كانت الحضانة للأخت للأم، ثم للخالة، ثم للأب، ثم لأمه.
وإن قلنا بقوله الجديد: (أن أم الأب تسقط الأخوات والخالات).. بنينا على الوجهين أيضاً في الأب إذا اجتمع مع أم نفسه.
فإن قلنا: تقدم عليه.. كانت الحضانة لها.
وإن قلنا: إنه يسقطها.. بنيت على الوجهين في الأب إذا اجتمع مع الأخت للأم أو الخالة.
فإن قلنا بالمنصوص: (أن الأب يسقطهما).. كانت الحضانة للأب؛ لأنه يسقطهما ويسقط أم نفسه، فكانت الحضانة له.
وإن قلنا بقول أبي العباس، وأبي سعيد الإصطخري: إنهما يسقطان الأب.. فهاهنا وجهان:
[أحدهما]: قال أبو سعيد الإصطخري: تكون الحضانة للأب؛ لأن الأخت والخالة تسقطان بأم الأب، وأم الأب تسقط بالأب، فصارت الحضانة له، وقد يحجب الشخص غيره من شيء ثم يحصل ذلك الشيء لغير الشخص الحاجب، كما تحجب الأخوات الأم من الثلث إلى السدس ويكون للأب.
و [الثاني]: قال أبو العباس: تكون الحضانة للأخت أو الخالة؛ لأن الأب يسقط أم نفسه، والأب يسقط بالأخت أو بالخالة، فبقيت الحضانة لهما.
وإن اجتمع الأب والأخت للأب والأم، فإن قلنا: إن الأب يقدم على الخالة.. قدم الأب على الأخت للأب والأم، وإن قلنا: إن الخالة تقدم على الأب.. فهاهنا وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد، عن أبي سعيد الإصطخري:
أحدهما: أن الأخت أحق؛ لأن الأخت تسقط الخالة، والخالة تسقط الأب، فإذا سقط الأب مع من تسقطه الأخت.. فلأن يسقط معها أولى.
والثاني - وهو الأصح -: أن الأب أحق؛ لأن الأخت تدلي به، فلا يجوز أن يكون المدلي أولى من المدلى به.
وإن اجتمع أب وأخت لأب وخالة، فإن قلنا: إن الأب يسقط الخالة.. كانت الحضانة للأب، وإن قلنا: إن الخالة تسقط الأب.. ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الحضانة للأخت؛ لأن الأخت تسقط الخالة، والأب يسقط بالخالة، فإذا أسقطته الخالة.. فلأن يسقطه من يسقط الخالة أولى.
والثاني: أن الحضانة للأب؛ لأن الأخت تسقط الخالة، والأخت تسقط بالأب؛ لأنها تدلي به، فتصير الحضانة للأب، ولا يمتنع أن يسقط الشخص غيره من شيء ثم يحصل ذلك الشيء لغيره، كما قلنا في حجب الإخوة للأم عن الثلث إلى السدس.
والثالث: أن الحضانة للخالة؛ لأن الخالة تسقط الأب، والأب يسقط الأخت، فإذا سقطا.. بقيت الحضانة للخالة.
فرع من يقدم على الأب يقدم على الجد
وإن لم يكن أب، واجتمع الجد، والأم، وأم الأم وإن علت.. قدمن على الجد، كما يقدمن على الأب.
وإن اجتمع الجد وأم الأب.. قدمت عليه؛ لأنها مساوية في الدرجة، ولها ولادة، فقدمت عليه، كما تقدم الأم على الأب.
وإن اجتمع الجد والأخت للأم أو الخالة.. ففيه وجهان، كما لو اجتمعا مع الأب.
وإن اجتمع الجد والأخت للأب.. ففيه وجهان:
أحدهما: يقدم عليها؛ لأن له ولادة وتعصيباً، فقدم عليها، كالأب.
والثاني: تقدم عليه؛ لأنها تساويه في الولادة، وتنفرد بمعرفة الحضانة، فقدمت عليه، كما قدمت الأم على الأب.
فرع تساوي الرجال والنساء في الحضانة غير الأب والجد
وإن اجتمع رجل من العصبات غير الأب والجد مع من يساويه في الدرجة من النساء كالأخ والأخت، والعم والعمة، وابن العم وابنة العم، وقلنا: إن لهم حقاً في الحضانة.. فأيهما أحق بالتقديم؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الرجل أحق بالحضانة؛ لأنه أحق بتأديبه وتعليمه، فكان أحق بحضانته.
والثاني: أن المرأة أحق بالحضانة؛ لأنها تساويه في الدرجة، وتنفرد بمعرفة
الحضانة، فقدمت عليه، كما قدمت الأم على الأب.
وإن اجتمع شخصان في درجة واحدة، كالأختين.. أقرع بينهما؛ لأنهما لا مزية لإحداهما على الأخرى.
فرع ثبوت الحضانة للخنثى
قال القاضي: إذا كان لطفل أخت لأب وأم، وخنثى لأب وأم.. فالحضانة للأنثى دون الخنثى.
وإن كان له أخت لأب، وخنثى لأب وأم.. ففيه وجهان:
أحدهما: أن الخنثى أولى.
والثاني: أن الأخت أولى.
وإن اجتمع خنثيان: أحدهما خال، والآخر عم.. فالحضانة للخال؛ لأنه لما تقابلت أحوالهما.. قوي الخال لقوة إدلائه بالأم؛ لأن الغالب أن أحكام الخنثى حكم المرأة.
فإن عدم من تصلح للحضانة من النساء والعصبات من الرجال، وهناك رجل من رجال ذوي الأرحام.. ففيه وجهان:
أحدهما: تثبت له الحضانة؛ لأن الحضانة لحظ الصغير، وهو أشفق عليه من الأجنبي.
والثاني: أنه لا حق له في الحضانة، بل يستأجر السلطان من يراه يصلح لها؛ لأنه لا حق له في الحضانة في الأصل، فكانت إلى السلطان، كالميراث.
والمستحب للسلطان: أن يقيم لها من يصلح لها منهم؛ لأنهم أشفق عليه من غيرهم.
وإن ثبتت الحضانة لشخص وكان غائباً.. كانت الحضانة لمن بعده في الدرجة؛ لأن الغائب بمنزلة المعدوم، فإذا حضر الغائب نقل الصغير إليه؛ لأن الحضانة له، ولم يسقط حقه بغيبته.
مسألة ثبوت خيار ابن السبع لأحد أبويه
وإن بانت المرأة من زوجها في حال الحياة، وبينهما ولد له سبع سنين فما زاد وهو مميز، وتنازع الأبوان فيمن يكون عنده.. فإنه يخير بينهما، فإذا اختار أحدهما.. كان عنده.
وقال أبو حنيفة، ومالك: (لا يخير بينهما)، إلا أن أبا حنيفة يقول: (إن كانت بنتاً.. فالأم أحق بها إلى أن تبلغ، وإن كان ابناً.. فالأم أحق به إلى أن يبلغ حداً يأكل بنفسه، ويشرب بنفسه، ويستنجي بنفسه، ويلبس بنفسه، ثم الأب أولى به إلى أن يبلغ).
ومالك يقول: (الأم أحق بالبنت إلى أن تتزوج ويدخل بها زوجها، وهي أحق بالابن إلى أن يبلغ).
وقال أحمد: (إن كان ذكراً.. خير بينهما، وإن كان أنثى.. لم تخير، بل الأم أحق بها).
دليلنا: ما روي عن أبي هريرة: «أنه خير غلاماً بين أبويه».
وروى أبو داود في " سننه " [2277] «عن أبي هريرة قال: (كنت جالساً عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأتته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إن هذا ولدي، وإنه نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، وإن أباه يريد أن يذهب به.
فخيره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به».
وروي: (أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خير غلاماً بين أبويه).
وروي عن عمارة الجرمي: أنه قال: (خيرني علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بين أمي وعمي، وكنت ابن سبع أو ثمان سنين).
ولا مخالف لهم في الصحابة، فعلم أنه إجماع.
وإذا ثبت هذا في الذكر.. قسنا الأنثى عليه.
ولا يثبت التخيير بينهما إلا إذا كان كل واحد منهما يصلح للحضانة، فإن كان أحدهما مملوكاً، أو معتوهاً، أو فاسقاً، أو كافراً.. فلا تخيير بينه وبين الآخر؛ لأنه لا حق له في كفالته.
فرع اختار الوليين أو لم يختر أقرع بينهما
وإن خير بينهما، فاختارهما معاً، أو لم يختر واحداً منهما.. أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر، ولا يمكن اجتماعهما على كفالته، ولا قسمته بينهما، فأقرع بينهما.
وإذا خير الولد بين الأبوين، فاختار أحدهما.. نظرت:
فإن كان أنثى واختارت الأم.. كانت عندها ليلاً ونهاراً، وإذا أحب الأب أن يزورها وينظر إليها.. جاء إليها من غير أن يتبسط في بيت الزوجة.
وإن كان ذكراً.. كان عند أمه بالليل، وبالنهار يأخذه الأب، ويسلمه إلى المكتب أو إلى أهل الصنع ليتعلم؛ لأن الأب أعلم بمصلحته في ذلك.
وإن اختار الولد الأب.. كان عند الأب ليلاً ونهاراً، ذكراً كان أو جارية، فإن أرادت الأم نظره، فإن كان الولد جارية.. جاءت الأم إليها؛ لأنهما - وإن كانتا عورتين - فالأم أولى بالخروج؛ لأنه لا يخاف عليها أن تخدع، والبنت يخاف عليها ذلك، ولا تطيل الإقامة في بيت الزوج، ولا تخلو بالزوج.
وإن كان ذكراً.. أرسله الأب إلى أمه لتنظر إليه، ولا يكلفها المجيء إليه.
وإن مرض الولد عند الأب.. كانت الأم أحق بتمريضه؛ لأنه بالمرض صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم به.
قال الشيخ أبو إسحاق: وتمرضه في بيتها.
وقال ابن الصباغ: تجيء إليه وتمرضه، ولا تخلو مع الزوجة.
وإن مرض أحد الأبوين، والولد عند الآخر.. لم يمنع الولد من زيارة المريض منهما؛ لأن في المنع من ذلك قطع الرحم.
وإن اختار الولد أحدهما.. سلم إليه، فإن اختار الآخر.. حول إليه، فإن اختار الأول.. أعيد إليه؛ لأن هذا تخيير شهوة وليس بلازم، بدليل: أنه يصح من الصغير، ولأن ذلك جعل لحظه، وقد يرى الحظ لنفسه في الإقامة عند أحدهما زمانا وعند الآخر في الزمن الآخر.
قال الشيخ أبو حامد: فعلى هذا أبداً: متى اختار أن يتحول إلى الآخر.. حول إليه.
وأما الجويني: فقال: إذا أكثر من ذلك.. لم يلتفت إليه.
فرع تخيير الصغير بين الجد والأم
وإن لم يكن له أب، وله جد وأم.. خير بينهما كما يخير بين الأب والأم.
فإن لم يكن له أب ولا جد، فإن قلنا: لا حق لسائر العصبات غير الأب والجد في الحضانة.. ترك الولد عند الأم.
وإن قلنا: إن لهم حقاً في الحضانة.. نظرت في الولد:
فإن كان ذكراً خير بين الأم وبين سائر العصبات؛ لما ذكرناه من حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وإن كان الولد جارية، فإن كان العصبة محرماً لها، كالأخ وابن الأخ والعم.. خيرت بينه وبين الأم، وإن كان غير محرم لها، كابن العم.. لم تخير بينه وبين الأم؛ لأنه لا تجوز له الخلوة بها، فلم يجز أن تسلم إليه.
قال ابن الصباغ: فإن كانت له بنت.. سلمت إلى بنته.
مسألة الأم بائنة وأراد أحد الأبوين السفر بالولد
إذا بانت المرأة من زوجها وبينهما ولد صغير، وأراد أحد الأبوين السفر إلى بلد.. نظرت:
فإن كان السفر لحاجة، ثم يعود.. فالمقيم أحق بالولد؛ لأن في السفر إضراراً به.
وهكذا ذكر الشيخ أبو إسحاق، وابن الصباغ.
وذكر الشيخ أبو حامد: إذا سافر الأب لحاجة، فإن كان الولد صغيراً.. ترك مع الأم، وإن كان مميزاً.. خير بينهما، فإن اختار الأب.. لم يسافر به، وإنما يسلمه إلى من يقوم به.
وإن كان السفر للنقلة.. نظرت:
فإن كان الطريق الذي يسافر إليه مخوفاً.. فالمقيم منهما أحق بالولد؛ لأن في السفر إضراراً به.
وإن كان الطريق آمناً، والسفر مما تقصر فيه الصلاة.. فالأب أحق بالولد، سواء كان المسافر الأب أو المقيم، وسواء كان الولد مميزاً أو غير مميز، وبه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: (إن كان الأب هو المنتقل.. فالأم أحق به، وإن كانت الأم هي المنتقلة، فإن انتقلت إلى بلد.. فهي أحق به، وإن انتقلت من قرية إلى قرية.. فالأب أحق به).
دليلنا: أن في كون الولد مع الأم حظاً للولد في الحضانة، وفي كونه مع الأب الحظ له في حفظ نسبه وتأديبه وتعليمه، ومراعاة حفظ النسب والتعليم أولى من مراعاة الحضانة، وغير الأم يقوم مقامها في الحضانة، ولا يقوم غير الأب مقامه في حفظ النسب.
وإن كان السفر للنقلة، أو إلى مسافة لا تقصر فيها الصلاة.. فذكر الشيخان: أن حكمهما في حضانة الصغير وتخيير المميز حكم المقيمين؛ لأنهما يستويان في انتفاء أحكام السفر، ومراعاة الأب له ممكنة.
وقال ابن الصباغ: حكمهما حكم السفر إلى مسافة القصر؛ لأنه لا يمكنه تأديبه وتعليمه في ذلك.
وإن كان الأب هو المسافر، فقال الأب: أسافر للنقلة، وقالت الأم: بل تسافر لحاجة.. فالقول قول الأب مع يمينه؛ لأنه أعرف بما أراد.
فإن سافر الأب إلى بلد للنقلة، وسافرت الأم معه إلى تلك البلد.. لم يسقط حقها من الحضانة.
وإن سافر الأب ولم تسافر الأم معه، ورجع الأب.. عاد حقها؛ لأن حقها سقط لمعنى، وقد زال المعنى.
وإن ثبتت الحضانة لغير الأب من العصبات.. فحكمه حكم الأب فيما ذكرناه من السفر؛ لأنه يقوم مقام الأب في حفظ النسب، وتأديب الولد.
وبالله التوفيق