البيان في مذهب الإمام الشافعيصفحات 484-523

كتاب الصداق

صفحات 484-523
عن هذه الطبعة
عَلَم
العمراني
الكتاب
البيان في مذهب الإمام الشافعي
المؤلف
أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
المحقق
قاسم محمد النوري
الناشر
دار المنهاج - جدة
الطبعة
الأولى، 1421 هـ- 2000 م
عدد الأجزاء
13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فرع الدعوة لوليمة كتابي

): وإن دعي إلى وليمة كتابي - وقلنا: تجب عليه الإجابة إلى وليمة المسلم - فهل تجب عليه الإجابة إلى وليمة الكتابي؟ فيه وجهان: أحدهما: تجب الإجابة عليه؛ لعموم الأخبار.
والثاني: لا تجب عليه الإجابة؛ لأن النفس تعاف من أكل طعامهم، ولأنهم يستحلون الربا، ولأن الإجابة إنما جعلت لتتأكد الأخوة والموالاة، وهذا لا يوجد في أهل الذمة.

فرع الدعوة بواسطة الغير وأعذار عدم الإجابة

): إذا جاءه الداعي وقال: أمرني فلان أن أدعوك فأجب.. لزمته الإجابة.
وإن قال: أمرني فلان أن أدعو من شئت أو من لقيت فاحضُر، أو إن خف عليك فاحضُر.. لم تلزمه الإجابة.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (بل أستحب له أن لا يجب؛ لأنه لم يعينه).
قال الصيمري: وإن قال له صاحب الوليمة: إن رأيت أن تجملني.. لزمه أن يحضر إلا من عذر.
والأعذار التي يسقط معها فرض الإجابة: أن يكون مريضًا، أو قيمًا بمريض، أو بميت، أو بإطفاء حريق، أو بطلب ماله، أو يخاف ضياع ماله، أو له في طريقه من يؤذيه؛ لأن هذه الأسباب أعذار في حضور الجماعة وفي صلاة الجمعة، ففي هذا أولى.

فرع دعوة الوليمة يومان

وإذا كانت الوليمة ثلاثة أيام، فدعي في اليوم الأول.. وجب عليه الإجابة.
وإن دعي في اليوم الثاني.. لم تجب عليه الإجابة، ولكن يستحب له أن يجيب.
فإن دعي في اليوم الثالث.. لم يستحب له أن يجيب، بل يكره له؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الوليمة في اليوم الأول حق، وفي اليوم الثاني معروف، وفي اليوم الثالث رياء وسمعة» وروي: أن سعيد بن المسيب دعي مرتين فأجاب، ودعي في اليوم الثالث فحصب الرسول.

فرع دعي إلى وليمتين

): إذا دعاه اثنان إلى وليمتين، فإن سبق أحدهما.. قدم إجابته، وإن لم يسبق أحدهما.. قدم أقربهما إليه دارًا؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا اجتمع داعيان.. فأجب أقربهما إليك بابًا؛ فإن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا، فإن سبق أحدهما.. فأجب الذي سبق» هكذا ذكر المحاملي وابن الصباغ.
وذكر الشيخ أبو إسحاق: أنهما إذا تساويا في السبق.. أجاب أقربهما رحما، فإن استويا في الرحم.. أجاب أقربهما دارًا.
وإن ثبت الخبر.. فأقربهما دارًا أولى؛ لأنه لم يفرق بين أن يكون أقربهما رحمًا أو أبعد.
فإن استويا في ذلك.. أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.

مسألة ضرب الدف في العرس أو وجود منكر كخمر

في الوليمة): يجوز ضرب الدف في العرس؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «فصل بين الحلال والحرام الدف».
«وروي عن أم نبيط: أنها قالت: هدينا فتاة من بني النجار إلى زوجها، فمضيت ومعي الدف مع نسوة من بني النجار، فكنت أضرب بالدف وأقول: أتيناكم أتيناكم... فحيونا نحييكم ولولا الذهب الأحم... ر ما حلت بواديكم فاستقبلنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: "ما هذا يا أم نبيط؟ " فقلت: هدينا فتاة من بني النجار إلى زوجها، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " ما الذي كنتم تقولون؟ "، فأعدته عليه.» وهذا

يدل على جوازه.
فإن دعي إلى وليمة عرس فيها ضرب الدف.. أجاب.
وإن دعي إلى وليمة فيها منكر من خمر أو مزامير وطنابير ومعازف وما أشبه ذلك، فإن علم بذلك قبل الحضور، فإن كان قادرًا على إزالته.. لزمه أن يحضر؛ لوجوب الإجابة وإزالة المنكر، وإن كان غير قادر على إزالته.. لم تلزمه الإجابة ولم يستحب له الحضور، بل ترك الحضور أولى، فإن حضر ولم يشارك في المنكر.. لم يأثم.
وإن لم يعلم به حتى حضر فوجده، فإن قدر على إزالته.. وجب عليه تغييره وإزالته؛ لأنه أمر بمعروف ونهي عن منكر، وإن لم يقدر على إزالته.. فالأولى له أن ينصرف؛ لما روي: (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى أن يجلس على مائدة يدار عليها الخمر».

فإن لم ينصرف؟ فإن قصد إلى استماع المنكر.. أثم بذلك.
وإن لم يقصد إلى استماعه، بل سمعه من غير قصد.. لم يأثم بذلك؛ لما روى نافع - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (كنت أسير مع ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما -، فسمع زمارة راع، فوضع إصبعيه في أذنيه، ثم عدل عن الطريق، فلم يزل يقول: أتسمع يا نافع؟ حتى قلت: لا، فأخرج إصبعيه من أذنيه، ثم رجع إلى الطريق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صنع).
فموضع الدليل: أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما - لم ينكر على نافع سماعه.
ولأن رجلًا لو كان له جار وفي داره منكر ولا يقدر على إزالته.. فإنه لا يلزمه التحول من داره لأجل المنكر.
وإن دعي إلى موضع فيه تصاوير، فإن كانت صور ما لا روح فيه، كالشمس والقمر والأشجار.. جلس، سواء كانت معلقة أو مبسوطة؛ لأن ذلك يجري مجرى النقوش.
وإن كانت صور حيوان، فإن كان على بساط أو مخاد توطأ أو يتكأ عليها.. فلا بأس أن يحضر؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رأى سترًا معلقًا في بيت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عليه صور حيوان، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اقطعيه مخاد» ولأنه يبتذل ويهان.
وإن كان على ستور معلقة.. فقد قال عامة أصحابنا: لا يجوز له الدخول إليها؛ لما روى «علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: اتخذت طعامًا فدعوت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما أتى الباب.. رجع ولم يدخل، وقال: لا أدخل بيتًا فيه صور؛ فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صور» وقيل: إن أصل

عبادة الأوثان كانت الصور؛ وذلك لأن آدم - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - لما مات.. جعل في تابوت، فكان بنوه يعظمونه، ثم افترقوا، فحصل قوم منهم على ذروة جبل، وقوم منهم في أسفله، وحصل التابوت مع أهل ذروة الجبل، فلم يقدر من في أسفله على الصعود إليهم، فاشتد عليهم ذلك، فصوروا مثاله من حجارة وعظموه، فلما طال الزمان ونشأ من بعدهم.. رأوا آباءهم يعظمون تلك الصور، فظنوا أنهم كانوا يعبدونها من دون الله فعبدوها.
فإذا كان هذا هو السبب.. وجب أن يكون محرمًا.
وقال ابن الصباغ: هذا عندي لا يكون أكثر من المنكر، مثل الخمر والميسر والملاهي، وقد جوزوا له الدخول إلى المواضع التي هي فيه، سواء قدر على إزالتها أو لم يقدر، وما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.. فلا يدل على التحريم، بل يدل على الكراهية، وما روي عن الملائكة.. يحتمل أن يكون في ذلك الزمان؛ لأن الأصنام كانت تعظم فيه التماثيل، فأما الزمان الذي لا يعتقد فيه تعظيم شيء من ذلك.. فلا يجري مجراه.
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (فإن كانت المنازل مسترة.. فلا بأس أن يدخلها، وليس فيه شيء أكرهه سوى السرف)؛ لما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: (لا تستر الجدر)، ولأن في ذلك سرفًا، فكره لمن فعله دون من يدخل إليه.

مسألة الحاضر للوليمة وهو صائم أو مفطر

): وإذا حضر المدعو إلى طعام.. فلا يخلو: إما أن يكون صائمًا، أو مفطرًا.
فإن كان صائمًا.. نظرت: فإن كان الصوم فرضًا.. فإنه يجب عليه الإجابة، ولا يجب عليه الأكل؛ لما روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من دعي إلى وليمة.. فليأتها، فإن كان مفطرًا.. فليأكل، وإن كان صائمًا.. فليدع "، وروي: " فليصل " - و (الصلاة): الدعاء - و: " ليَقُل: إني صائم» ولما روي: (أن ابن عمر دعي وهو صائم، فلما حضر الطعام.. مد يده، فلما مد الناس أيديهم.. قال: باسم الله كلوا؛ إني صائم).
وإن كان صوم تطوع.. استحب له أن يفطر؛ لأنه مخير بين الأكل والإتمام، وفي الإفطار إدخال المسرة على صاحب الوليمة.
فإن لم يفطر.. جاز؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وإن كان صائمًا.. فليدع»، ولم يفرق.
وإن كان المدعو مفطرًا.. فهل يلزمه أن يأكل؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه أن يأكل؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام.. فليجب، فإن كان مفطرًا.. فليأكل، وإن كان صائمًا.. فليصل» ولأن الإجابة واجبة، والمقصود منها الأكل، فكان واجبًا.

والثاني: لا يجب عليه الأكل؛ لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام.. فليجب، فإن شاء.. فليأكل، وإن شاء.. ترك» ولأنه لو كان واجبًا.. لوجب عليه ترك صوم التطوع؛ لأنه ليس بواجب.
ولأن التكثير والتبرك يحصل بحضوره، وقد حضر.

فرع آداب الطعام

): في آداب الطعام روي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده» يريد بذلك: غسل اليد.
وروت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا حضر الأكل إلى أحدكم..فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله.. فليقل إذا ذكر: باْسم الله في أوله وآخره».
وروى أبو جحيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أكل أحدكم.. فلا يأكل من أعلى القصعة، إنما يأكل من أسفلها؛ فإن البركة تنزل في أعلاها»

وروى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله؛ فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» وروى أبو هريرة: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «- ما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه.. أكله، وإن كرهه.. تركه» وروى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله تعالى ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة.. فيحمد الله عليها» ويستحب أن يدعو لصاحب الطعام؛ لما روى ابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفطر عند سعد بن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال: أفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة، وأكل طعامكم الأبرار»

مسألة نثر الحلوى والنقود

): قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في نثر السكر واللوز والجوز: (لو ترك.. كان أحب إلي؛ لأنه يؤخذ بخلسة ونهبة، ولا يتبين لي: أنه حرام).
وجملة ذلك: أن نثر السكر واللوز والجوز والزبيب والدراهم والدنانير وغير ذلك لا يستحب، بل يكره.
وروي: (أن أبا مسعود الأنصاري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان إذا نثر للصبيان.. يمنع صبيانه عن التقاطه، واشترى لهم).
وبه قال عطاء وعكرمة وابن سيرين وابن أبي ليلى ومالك.
وقال أبو حنيفة، والحسن البصري، وأبو عبيد، وابن المنذر: (لا يكره).
وقال القاضي أبو القاسم الصيمري: يكره التقاطه، وأما النثر نفسه: فمستحب، وقد جرت العادة للسلف به.
وروي (أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «- لما زوج عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وأرضاها - نثر عليهما» والأول هو المشهور، والدليل عليه: أن النثار يؤخذ نهبة ويزاحم عليه، وربما أخذه من يكرهه صاحبه، وفي ذلك دناءة وسقوط مروءة.
وما ذكره الصيمري غير

صحيح؛ لأنه لا فائدة في نثر إذا كان يكره التقاطه.
فإن خالف ونثر، فالتقطه رجل.. فهل للذي نثره أن يسترجعه؟ فيه وجهان، حكاهما الداركي: أحدهما: له أن يسترجعه؛ لأنه لم يوجد منه لفظ يملك به.
والثاني: ليس له أن يسترجعه، وهو اختيار المسعودي (في " الإبانة ")؛ لأنه نثر للتملك بحكم العادة.
قال المسعودي (في " الإبانة "): لو وقع في حجر رجل.. كان أحق به.
فلو التقطه آخر من حجره.. أو قام فسقط من حجره، فهل يملكه الملتقط؟ الصحيح: أنه لا يملكه.
قال الشيخ أبو حامد: وحكي أن أعربيًا تزوج امرأة فنثر على رأسه زبيبًا، وأنشد يقول: ولما رأيت السكر العام قد غلا... وأيقنت أني لا محالة ناكح نثرت على رأسي الزبيب لصحبتي... وقلت كلوا, أكل الحلاوة صالح قال أبو العباس: ولا يكره للمسافرين أن يخلطوا أزوادهم ويأكلوا، وإن أكل بعضهم أكثر من بعض، بخلاف النثار؛ لأن النثار يؤخذ بقتال وازدحام، بخلاف الزاد.
قال القاضي أبو الطيب: الكتب التي يكتبها الناس بعضهم إلى بعض قال بعض أصحابنا: لا يملكها المحمولة إليهم، ولكن لهم الانتفاع بها بحكم العادة؛ لأن العادة إباحة ذلك.
وبالله التوفيق

باب عشرة النساء والقسم

إذا تزوج الرجل امرأة كبيرة أو صغيرة يجامع مثلها، بأن تكون ابنة ثمان سنين أو تسع، وسلم مهرها وطلب تسليمها.. وجب تسليمها إليه؛ لما روي عن عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «تزوجني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا ابنة سبع سنين، وبنى بي وأنا ابنة تسع سنين».
فإن طلبت المرأة أو ولي الصغيرة من الزوج الإمهال لإصلاح حال المرأة.. فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يؤخر يومًا ونحوه، ولا يجاوز بها الثلاث).
وحكى القاضي الشيخ أبو حامد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال في " الإملاء ": (إذا دفع مهرها ومثلها يجامع.. فله أن يدخل بها ساعة دفع إليها المهر، أحبوا أو كرهوا).
واختلف أصحابنا فيها: فقال الشيخ أبو حامد: يجب على الزوج الإمهال قولًا واحدًا، وما قاله في " الإملاء ".. أراد به بعد الثلاث.
وقال القاضي أبو حامد: هل يجب عليه الإمهال؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجب عليه الإمهال؛ لأنه قد سلم العوض، فوجب تسليم المعوض، كالمتبايعين.
والثاني: يجب عليه الإمهال؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تطرقوا النساء ليلًا لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة»، فإذا منع الرجل أن يطرق امرأته التي قد تقدمت صحبتها وألف بعضهما بعضًا ليلًا لكي تصلح شأنها.. فلأن يكون ذلك في التي لم يصحبها أولى.
ولا يجب عليه الإمهال أكثر من ثلاثة أيام؛ لأنها كثيرة.
وإن عرضت الزوجة التي يجامع مثلها على الزوج.. وجب عليه تسلمها.
وإن كانت المنكوحة صغيرة لا يجامع مثلها، أو مريضة مرضًا يرجى زواله وطالب الزوج بها.. لم يجب تسليمها إليه؛ لأن المعقود عليه هو المنفعة، وذلك لا يوجد في حقها؛ وذلك لأنه لا يؤمن أن يحمله فرط الشهوة على جماعها فيوقع بذلك جناية بها.
وإن عرضت على الزوج.. لم يجب عليه تسلمها؛ لما ذكرناه إذا طالب بها، ولأنها تحتاج إلى حضانة، والزوج لا يجب عليه حضانة زوجته.
وإن كانت المرأة نضوة من أصل الخلق - بأن خلقت دقيقة العظام قليلة اللحم - وطلب الزوج تسليمها إليه.. وجب تسليمها إليه.
فإن كان يمكن جماعها من غير ضرر بها.. كان له ذلك.
وإن كان لا يمكن جماعها إلا بالإضرار بها.. لم يجز له جماعها، بل يستمتع بها فيما دون فرجها، ولا يثبت له الخيار في فسخ النكاح.
والفرق بينها وبين القرناء والرتقاء: أن تعذر الجماع في الرتقاء والقرناء من جهتها؛

ولهذا لا يتمكن أحد من جماعها، وهاهنا العذر من جهته وهو كبر خلقه؛ ولهذا: لو كان مثلها.. أمكنه جماعها.
وهكذا: إن كانت مريضة مرضًا لا يرجى زواله.. فحكمه حكم نضوة الخلقة.
فإن أقضها.. منع من وطئها حتى يلتئم الجرح.
فإن اختلفا، فادعى الزوج: أنه قد التأم الجرح التئامًا لا يخاف تخريقه، وادعت الزوجة: أنه لم يلتئم.. فالقول قولها مع يمينها؛ لأنها أعلم بذلك.

مسألة إجبار الزوجة على الغسل

): وللزوج أن يجبر زوجته الذمية والمسلمة على الاغتسال من الحيض والنفاس.
وقال أبو حنيفة: (ليس له إجبار الذمية).
دليلنا: أن الوطء يقف عليه، فأجبرها عليه، كما يجبرها على الوقوف في بيته.
وهل له أن يجبرها على الاغتسال من الجنابة؟ فيه قولان: أحدهما: ليس له إجبارها؛ لأنه يجوز وطء الجنب.
والثاني: له أن يجبرها؛ لأن النفس تعاف من وطء الجنب.
هذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال القفال: إن طالت مدتها، بحيث يقذرها الزوج.. فله أن يجبرها، وإلا.. فلا.
وهذا إنما يأتي في الذمية أو المسلمة الصغيرة، فأما المسلمة الكبيرة: فلا يتأتى فيها طول المدة على الجناية؛ لأنه يجب عليها الغسل للصلاة، وتجبر عليه قولًا واحدًا.

فرع إجبار الزوجة على قص الأظفار وحلق الشعور وغير ذلك

): وهل له أن يجبرها على قص الأظفار وحلق العانة؟ ينظر فيه: فإن كان ذلك قد طال وصار قبيحًا في المنظر.. فله أن يجبرها عليه قولًا واحدًا؛ لأن ذلك يمنع من الاستمتاع بها.
وأما إذا صار بحيث يوجد في العادة.. فهل له إجبارها على إزالته، وعلى إزالة الدرن الوسخ من البدن؟ قال الشيخ أبو إسحاق: فيه وجهان، وحكماهما الشيخ أبو حامد وغيره قولين: أحدهما: ليس له إجبارها عليه؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع بها.
والثاني: له إجبارها؛ لأنه يمنع كمال الاستمتاع.
وهل له أن يمنعها من أكل ما يتأذى برائحته، كالبصل والثوم والكراث؟ قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، وحكاهما الشيخ أبو إسحاق وجهين، وتعليلهما ما مضى.
وقال القاضي أبو الطيب: له أن يمنعها منه قولًا واحدًا؛ لأنه يتأذى برائحته، إلا أن تميته طبخًا؛ لأن رائحته تذهب.

فرع يمنع زوجته من تعاطي ما يسكر أو أكل لحم الخنزير

وإن كانت ذمية فأرادت أن تشرب الخمر.. فله أن يمنعها من السكر؛ لأنه يمنعه من الاستمتاع، ولا يؤمن أن تجني عليه.
وهل له أن يمنعها من القدر الذي لا تسكر منه؟ حكى الشيخ أبو إسحاق فيه وجهين، وسائر أصحابنا حكوهما قولين: أحدهما: ليس له أن يمنعها منه؛ لأنها مقرة عليه، ولا يمنعه من الاستمتاع.
والثاني: له منعها منه؛ لأنه لا يتميز القدر الذي تسكر منه عن القدر الذي لا تسكر منه مع اختلاف الطباع، فمنعت الجميع، ولأنه يتأذى برائحته، ويمنعه كمال الاستمتاع.

وإن كانت الزوجة مسلمة.. فله منعها من شرب الخمر؛ لأنه محرم عليها.
فإن أرادت أن تشرب ما يسكر من النبيذ.. فله منعها منه؛ لأنه محرم بالإجماع.
وإن أرادت أن تشرب منه ما لا يسكر، فإن كانا شافعيَّيْن.. فله منعها منه؛ لأنهما يعتقدان تحريمه.
وإن كانا حنفيَّيْن أو هي حنفية.. فهل له منعها منه؟ فيه قولان، كما قلنا في الذمية إذا أرادت أن تشرب القليل من الخمر.
وهل له أن يمنع الذمية من أكل لحم الخنزير؟ قال الشيخ أبو حامد: فيه قولان، كشرب القليل من الخمر.
وحكاهما الشيخ أبو إسحاق وجهين، وتعليلهما ما مضى.
قال ابن الصباغ: وظاهر كلام الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إن كان يتقذره وتعافه نفسه.. فله منعها منه.
وإن لم تعفه نفسه.. لم يكن له منعها منه.
إذا ثبت هذا: فإن شربت الخمر، أو أكلت لحم الخنزير، أو شربت الحنفية النبيذ.. فله أن يجبرها على غسل فيها؛ لأنه نجس وإذا قبلها.. نجس فمه.

فرع لا يمنعها لبس الحرير ونحوه ويمنعها من جلد الميتة ونحوه

): وليس له أن يمنع زوجته من لبس الحرير والديباج ولا الحلي؛ لأن ذلك مباح لها.
وله أن يمنعها من لبس جلد الميتة الذي لم يدبغ؛ لأنه نجس، وربما نجسه إذا التصق به.
وله أن يمنعها من لبس الثوب المنتن؛ لأنه يمنع القرب إليها والاستمتاع بها.

مسألة للزوج منع المرأة من الخروج إلى المسجد وغيره

وللزوج أن يمنع زوجته من الخروج إلى المسجد وغيره؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحل لامرأة أن تخرج من بيت زوجها وهو كاره.
»

وروى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما -: «أن امرأة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: ما حق الزوج على زوجته؟ فقال: (أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت.. لعنها الله وملائكة الرحمة وملائكة الغضب حتى تؤوب أو ترجع)، قالت: يا رسول الله وإن كان لها ظالمًا؟ قال: وإن كان لها ظالمًا».
وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مثل الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة؛ لا نور لها» وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المرأة عورة، فإذا خرجت.. استشرفها الشيطان» ولأنها تفوت بالخروج من يملك عليها من الاستمتاع.
فإن قيل: فقد روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» وروي: «لا تمنعوا نساءكم المساجد» ؟! قيل: له ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه أراد به الاستحباب في غير ذوات الهيئات.
والثاني: أنه أراد به الاستحباب في الجمع والأعياد.
والثالث: أنه أراد به المسجد الحرام إذا أرادت الحج.
وهذا التأويل ضعيف؛ لأنه قال: (مساجد الله)، وذلك جمع.
ٍ

مسألة للزوج منعها من شهود الجنائز وعيادة المرضى

]: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وله منعها من شهود جنازة أبيها وأمها وولدها).
وجملة ذلك: أن للزوج أن يمنع زوجته من عيادة أبيها وأمها إذا مرضا، ومن

حضور موتهما وتشييعهما إذا ماتا؛ لما روى ثابت البناني عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «-: أن رجلًا سافر فنهى امرأته من الخروج، فمرض أبوها، فاستأذنت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عيادته، فقال لها: (يا هذه اتقي الله ولا تخالفي زوجك) - قال- فمات أبوها، فاستأذنت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تشييع جنازته، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يا هذه اتقي الله ولا تخالفي زوجك "، فأوحى الله عز وجل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الله قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها».
ولأن عيادة أبيها وأمها وحضور مواراتهما ليس بواجب عليها، فلا تترك له واجبًا عليها.
ويستحب للزوج أن لا يمنعها من ذلك؛ لأن ذلك ربما أدى إلى العداوة بينهما.

مسألة معاشرة الأزواج بالمعروف

ويجب على كل واحد من الزوجين معاشرة صاحبه بالمعروف؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: 50] [الأحزاب:50]، ولقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34] [النساء:34] يعني: بالإنفاق عليهن وكسوتهن، ولقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] [البقرة:228] والمماثلة هاهنا بالتأدية لا في نفس الحق؛ لأن حق الزوجات النفقة والكسوة وما أشبه ذلك، وحق الأزواج على الزوجات التمكين من الاستمتاع، وقال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] [النساء:19].
قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وجماع المعروف بين الزوجين: كف المكروه، وإعفاء صاحب الحق من المؤنة في طلبه، لا بإظهار الكراهية في تأديته، فأيهما مطل بتأخيره.. فمطل الغني ظلم بتأخيره).
قال أصحابنا: و (كف المكروه) هاهنا هو: أن لا يؤذي أحدهما الآخر بقول ولا فعل، ولا يأكل أحدهما، ولا يشرب ولا يلبس ما يؤذي الآخر.
وقوله: (وإعفاء صاحب الحق من المؤونة في طلبه): إذا وجب لها على الزوج نفقة أو كسوة.. بذله لها، ولا يحوجها إلى أن ترفعه إلى الحاكم، فيلزمها في ذلك

مؤونة؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مطل الغني ظلم» وكذلك: إذا دعاها إلى الاستمتاع.. لم تمتنع، ولم تحوجه إلى أن يرفع ذلك إلى الحاكم، فيلزمه في ذلك مؤنة؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وأرضاه: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا دعا أحدكم امرأته إلى فراشه فأبت عليه، فبات وهو عليها ساخط.. لعنتها الملائكة حتى تصبح».
وقوله: (لا بإظهار الكراهية في تأديته): إذا طلبت الزوجة حقها منه أو طلب الزوج حقه منها.. بذل كل واحد منهما ما وجب عليه لصاحبه وهو باش الوجه ضاحك السن؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صلى الله عيه وسلم - قال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم» وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد.. لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها».

فرع حق الاستمتاع وترك الزوج له وجمعه بين زوجتيه بمسكن

ولا يجب على الزوج الاستمتاع بها.
وحكى الصيمري: أن مالكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قال: (إذا ترك جماع زوجته المدة الطويلة.. أمر بالوطء، فإن أبى.. فلها فسخ النكاح).
وقال آخرون: يجبر على أن يطأ في كل أربع ليالٍ ليلة.
وهذا غير صحيح؛ لأنه حق له فجاز له تركه.
ولأن الداعي إليه الشهوة، وذك ليس إليه.
والمستحب: أن لا يخليها من الجماع؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأمس النساء، فمن رغب عن سنتي.. فليس مني» ولأنه إذا لم يجامعها.. لم يؤمن منها الفساد، وربما كان سببًا للعداوة والشقاق بينهما.
وإن كان له زوجتان.. لم يجمع بينهن في مسكن واحد إلا برضاهما؛ لأن ذلك يؤدي إلى خصومتهما.
ولا يطأ إحداهما بحضرة الأخرى؛ لأن ذلك قلة أدب وسوء عشرة.

مسألة ما يقوله أول ما يرى زوجته أو عند إرادته الجماع

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في القديم: (وإذا تزوج رجل امرأة.. فأحب له أول ما يراها أن يأخذ بناصيتها ويدعو باليمن والبركة، فيقول: بارك الله لكل واحد منا في صاحبه؛ لأن هذا بدء الوصلة بينهما، فأستحب له أن يدعو بالبركة).
ويستحب له إذا أراد أن يجامعها أن يقول: (باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا)؛ لما روي: أن الني - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أراد أحدكم أن يجامع امرأته، فقال ذلك، فإن رزقا ولدًا.. لم يقربه الشيطان».

مسألة إتيان المحاش من النساء

قال المزني: قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ذهب بعض أصحابنا في إتيان النساء في أدبارهن إلى إحلاله، وآخرون إلى تحريمه، ولا أرخص فيه، بل أنهى عنه).
وروى محمد بن عبد الحكم: أن الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (ما صح فيه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيء في تحريمه، ولا في تحليله شيء، والقياس أنه حلال).
قال الربيع: كذب ابن عبد الحكم والذي لا إله إلا هو، فقد نص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على تحريمه في ستة كتب، فلا يختلف مذهبنا: في أنه محرم.
وبه قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو الدرداء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ومجاهد، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وأحمد، وعامة أهل العلم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وحكى العراقيون من أصحاب مالك عن مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مثل مذهبنا.
وحكى المصريون وأهل الغرب عنه: أنه مباح، ونص عليه في (كتاب السير).

وحكي: أن مالكًا سئل عن ذلك، فقال: (الآن اغتلست منه).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] [البقرة:222]، فأمر باعتزال النساء في المحيض للأذى، وأذى الحيض أخف من أذى الموضع المكروه.
وروي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ملعون من أتى امرأته في دبرها» وروى خزيمة بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن».
وروي: «أن أعرابيًا أتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، الرجل يكون في الفلاة وتكون معه الزوجة ويكون في الماء قلة؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذا فسا أحدكم فليتوضأ، ولا تأتوا النساء في أعجازهن، إن الله لا يستحيي من الحق» وسئل قتادة عن ذلك، فقال: سمعت عمرو بن شعيب يحدث عن أبيه عن جده - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هي اللوطية الصغرى».

فرع جواز التلذذ بين الأليتين مقبلة مدبرة

ويجوز التلذذ بما بين الأليتين من الزوجة من غير إيلاج في الدبر؛ لأنه إنما نهي عن الإيلاج في الدبر لما فيه من الأذى، وذلك لا يوجد فيما بين الأليتين.

ويجوز الوطء في الفرج مقبلة ومدبرة؛ لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قالت اليهود: إذا جامع الرجل امرأته من ورائها.. جاء ولده أحول، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] الآية [البقرة:223].

فرع حرمة الاستمناء

ويحرم الاستمناء، وهو: إخراج الماء الدافق بيده.
وبه قال أكثر أهل العلم.
وقال ابن العباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (نكاح الأمة خير منه، وهو خير من الزنا).
وروي: أن عمرو بن دينار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رخص فيه عند الاضطرار وخوف الهلكة.
وبه قال أحمد ابن حنبل - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] [المؤمنون 5-6]، فمنها دليلان: أحدهما: أنه أباح الاستمتاع بالفرج بالزوجة أو ملك اليمين، وهذا ليس بواحد منهما.
والثاني: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 7] [المؤمنون:7]، والاستمناء وراء ذلك.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ملعون ناكح كفه» ولأن فيه قطع النسل والامتناع من التزويج، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تناكحوا تكْثُرُوا».

مسألة كراهية العزل

ويكره العزل، وهو: أن يولج، فإذا قارب الإنزال.. نزع وأنزل خارج الفرج؛ لما روى أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «ذكرنا العزل عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: لم يفعل ذلك أحدكم؟».
وروت جدامة بنت وهب قالت: «حضرت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسألوه عن العزل فقال: ذلك الوأد الخفي».
و (الوأد) هو: أن أهل الجاهلية كانوا إذا ولدت لهم ابنة.. قتلوها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: 8] ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 9] [التكوير:8-9]. وهل يحرم عليه ذلك؟ ينظر فيه: فإن كان في وطء أمته.. لم يحرم عليه؛ لأن الاستمتاع حق له.
وإن كان في وطء زوجته: فإن كانت زوجته أمة.. جاز له العزل بغير إذنها وغير

إذن سيدها؛ لأن له غرضًا في ذلك، وهو: أن لا يكون ولده منها مملوكًا.
وإن كانت حرة: فإن أذنت له في ذلك.. جاز؛ لأن الحق لهما، وإن لم تأذن له.. ففيه وجهان: أحدهما: يحرم عليه ذلك؛ لما روي: عن ابن عباس وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أنهما قالا: (تستأذن الحرة، ولا تستأذن الأمة) ولأنه لا غرض له في ذلك.
والثاني: لا يحرم عليه؛ لما روى أبو سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سئل عن ذلك فقال: (أو تفعلون ذلك؟) فقيل له: نعم، فقال: ولا عليكم أن تفعلوا، إن الله لم يقض لنفس أن يخلقها إلا وهي كائنة» ولأن حقها في الإيلاج دون الإنزال؛ بدليل: أن العنين والمولى إذا أولج فيها ولم ينزل.. سقط حقها، فلا معنى لاعتبار إذنها.

فرع استحباب خدمة الزوجة

]: ولا يجب على الزوجة الخدمة للزوج في الخبز والطبخ والغزل وغير ذلك؛ لأن المعقود عليه هو الاستمتاع دون هذه الأشياء.

مسألة القسم للزوجات

وإذا كان له زوجتان أو أكثر.. لم يجب عليه القسم ابتداء، بل يجوز له أن ينفرد عنهن في بيت؛ لأن المقصود بالقسم هو الاستمتاع، وهو حق له.. فجاز له تركه.
وإن أراد أن يقسم بينهن.. جاز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقسم بين نسائه.
ولا يجوز له أن يبدأ بواحدة منهن من غير رضا الباقيات إلا بالقرعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] [النساء:129]. وروي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كانت له امرأتان يميل إلى إحداهما دون الأخرى.. جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» وفي البداءة بإحداهن من غير قرعة ميل.
فإن كان له زوجتان.. أقرع بينهما مرة واحدة، وإن كان ثلاثًا.. أقرع مرتين، وإن كن أربعًا.. أقرع ثلاث مرات؛ لأنهن إذا كن ثلاثًا فخرجت القرعة لواحدة.. قسم لها، ثم أقرع بين الباقيتين.
وهكذا في الأربع.
وإن قام عند واحدة منهن من غير قرعة.. لزمه القضاء للباقيات؛ لأنه إذا لم يقض.. صار مائلًا.

مسألة القسم للمريضة والحائض والمحرمة وغيرهن

ويقسم للمريضة، والرتقاء، والقرناء، والحائض، والنفساء، والمحرمة، والتي آلى منها أو ظاهر؛ لأن المقصود الإيواء والسكن، وذلك موجود في حقهن.
وأما المجنونة: فإن كان يخاف منها.. سقط حقها من القسم؛ لأن الإيواء والألفة لا تحصل معها.
وإن لم يخف منها.. وجب لها القسم؛ لأن الإيواء يحصل معها.
وإن دعاها إلى منزل له فامتنعت.. سقط حقها من القسم، كالعاقلة.

فرع القسم على المريض والمحرم ونحوه

ويقسم المريض والمجبوب والعنين والمحرم؛ لأن الأنس يحصل به.
وإن كان مجنونا يخاف منه.. لم يقسم له الولي؛ لأنه لا يحصل به الأنس.
وإن كان لا يخاف منه.. نظرت: فإن كان قد قسم لواحدة في حال عقله، ثم جن قبل أن يقضي.. لزم الولي أن يقضي للباقيات قسمهن منه، كما لو كان عليه دين.
وإن جن قبل أن يقسم لواحدة منهن، فإن لم ير الولي أن له مصلحة في القسم.. لم يقسم لهن، وإن رأى الولي المصلحة له في القسم.. قسم لهن؛ لأنه قائم مقامه.
وهل يجب على الولي ذلك أم لا؟ على قولين، وحكاهما بعض الأصحاب وجهين: أحدهما: لا يجب عليه، كما يجب على العاقل.
والثاني: يجب عليه ذلك؛ لأن العاقل له اختيار في ترك حقه، والمجنون لا اختيار له، فلزم الولي أن يستوفي له حقه بذلك.
فإن حمله إلى واحدة.. حمله ليلة أخرى، وكان بالخيار: بين أن يطوف على نسائه، وبين أن يتركه في منزله ويستدعيهن واحدة واحدة إليه.
وإن طاف به على البعض واستدعى البعض.. جاز.
فإن قسم الولي لبعضهن ولم يقسم للباقيات.. أثم الولي.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وقال المسعودي [في (الإبانة) ]: هل يقسم الولي للمجنون؟ فيه وجهان- قال- فإن كان يجن يومًا، ويفيق يومًا فأقام ليلة جنونه عند واحدة، وليلة عقله عند الأخرى.. لم تحتسب بليلة جنونه عندها حتى يقضي لها.
ولو أقر الولي أنه ظلم إحداهن.. لم يسمع إقراره حتى تقر المقسومة لها للمظلومة.

مسألة النفقة والقسم للمسافرة

وإن سافرت المرأة مع زوجها.. فلها النفقة والقسم؛ لأنها في مقابلة الاستمتاع، وذلك موجود.
وهكذا: إذا أشخصها من بلد إلى بلد للنقلة أو لحاجة له.. فلها النفقة والقسم وإن لم يكن معها.

وإن سافرت من بلد إلى بلد وحدها لحاجة لها بغير إذنه.. فلا نفقة لها ولا قسم؛ لأنها ناشزة عنه.
وإن سافرت لحاجة لها وحدها بإذنه.. ففيه قولان: أحدهما: لا نفقة لها ولا قسم، لأنها في مقابلة الاستمتاع.
وذلك متعذر منها.
والثاني: لها النفقة والقسم، لأنها غير ناشزة، فهو كما لو أشخصها لحاجة له.
والأول أصح.

مسألة التسوية في القسم بين المسلمة والذمية

]: وإن كان عنده مسلمة وذمية.. سوى بينهما في القسم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وعاشروهن بالمعروف) [النساء:19]، ولم يفرق.
ولعموم الوعيد في الخبر.

مسألة القسم للحرة والأمة

وإن اجتمع عنده حرة وأمة.. قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة.
وبه قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه -، وأبو حنيفة، وهي إحدى الروايتين عن أحمد.
وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (يسوي بينهما).
دليلنا: ما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تنكح الأمة على الحرة؛ للحرة الثلثان من القسم، وللأمة الثلث».
وللأمة أن تحلل الزوج من قسمها أو تهبه لبعض ضرائرها بغير إذن سيدها؛ لأن الحق لها فيه دون سيدها.

فرع القسم للحرة والأمة إذا عتقت

وإن كانت عنده حرة وأمة، فقسم للحرة ليلتين، ثم انتقل إلى الأمة فأعتقت، فإن أعتقت بعد أن أقام عندها ليلة ويومًا.. فلا شيء عليه لها غير ذلك.
وإن أعتقت قبل

استكمال الليلة واليوم.. تمم لها ليلتين ويومين، لأنه لم يوفها حقها حتى صارت مساوية للحرة.
وإن قسم للأمة أولًا ليلة ويومًا، ثم دار إلى الحرة، فأعتقت الأمة، فإن أعتقت في الليلة الأولى ويومها.. لم يزد الحرة على ذلك، لأنها صارت مساوية لها.
وإن أعتقت بعد انقضاء الليلتين.. لم يلزمه أن يقضي للأمة لليلة، لأنه قسم للحرة ليلتين وهي مستحقة لهما.
ويستأنف القسم لهما من الآن متساويًا.

مسألة القسم في الليل إن كان معاشه بالنهار

وإذا كان طلب معاش الرجل بالنهار.. فعماد قسمته الليل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: 96] [الأنعام:96]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: 10] ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 11] [النبأ 10-11] وإن كان طلب معاشه بالليل.. فعماد قسمته النهار.
والمستحب: أن يقسم مياومة، وهو: أن يقيم عند واحدة يومًا ثم عند الأخرى يومًا، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هكذا كان يقسم، ولأنه أقرب إلى إيفاء الحق.
وإن أراد أن يقسم لكل واحدة ليلتين أو ثلاثًا.. جاز، لأن ذلك قريب.
وإن أراد أن يقيم عند كل واحدة أكثر من الثلاث..فقد قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الإملاء ": إن أراد أن يقسم لهن مياومة، أو مشاهرة، أو مساناة.. كرهت له، وأجزأه).
قال أصحابنا: يجوز له ما زاد على الثلاث برضاهن، وأما بغير رضاهن: فلا يجوز، لأنه كثير.
ويدخل النهار في القسم، لما روي عن عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقسم لنسائه، ولكل واحدة يومها وليلتها، غير أن سودة وهبت ليلتها لعائشة)، وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: (توفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري»، فأضافت اليوم إليها، لأنه كان يوم نوبتها.
و (السحر): الرئة، لأنه كان متكئا على صدرها.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل إلى بيت حفصة فلم يصادفها، فقعد عند مارية جاريته - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فقالت: يا رسول الله، أفي بيتي، وفي يومي!»، فأضافت اليوم إليها.
والأولى: أن يجعل اليوم تابعًا لليلة التي مضت قبله، لأن الشهر هلالي.
وإن جعل النهار تابعًا لليلة التي بعده.. جاز.

مسألة من ترك القسم مدة قضاه

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - في " الأم ": (وإذا كان له أربع زوجات، فترك إحداهن من القسم أربعين ليلة.. قضى لها عشر ليال).
واختلف أصحابنا في تأويله: فقال أكثرهم: أراد أنه أقام عند كل واحدة من الثلاث عشرًا، ثم أقام عشرًا وحده في بيت، فيقضي للرابعة عشرًا.. فأما لو أقام عند الثلاث أربعين ليلة.. قضى للرابعة ثلاث عشرة ليلة وثلثًا.
وقال ابن الصباغ: ظاهر كلامه أنه أقام عندهن أربعين ليلة.. وما قال.. له وجه جيد عندي، لأن الذي تستحقه بالقضاء عشر وثلاث ليال وثلث تستحقها أداء، لأن زمان القضاء، لها فيه قسم.

فرع يقسم للناشزة من حين طاعتها ويخص البكر بسبع والثيب بثلاث

قال في " الأم ": وإن كان له أربع نسوة، فسافرت واحدة منهن بغير إذنه، وأقام عند اثنتين ثلاثين يومًا، عند كل واحدة خمسة عشر يومًا، فلما أراد أن يقيم عند الثالثة رجعت الناشزة وصارت في طاعته.. فلا حق لها فيما مضى من القسم، لأنها كانت عاصية، ولا يمكن أن يقسم للثالثة خمس عشرة ليلة، لأن القادمة تستحق الربع، فيجعل الليالي أربعًا، ويقيم عند القادمة ليلة وهو حقها، ويجعل للثالثة ثلاث ليال: ليلة هي حقها، وليلتين من حق الأولتين.
فإذا دار بين القادمة والثالثة خمسة أدوار كذلك.. استوفت الثالثة خمس عشرة ليلة، والقادمة خمسا، واستأنف القسم بين الأربع.
ولو كان بدل المسافرة زوجة جديدة تزوجها قبل أن يوفي الثالثة.. خص الجديدة إن كانت بكرًا بسبع، وإن كانت ثيبًا بثلاث، ثم يقسم ثلاثًا للثالثة الأولى وليلة للجديدة حتى يدور خمسة أدوار، واستأنف القسم للأربع).

فرع سقوط حق الناشزة ويقضي لمن وجب لها قبل طلاقها لو راجعها

قال في " الأم ": (وإن كان له أربع زوجات فقسم لثلاث ليلة ليلة، فلما كان ليلة الرابعة نشزت عنه وأغلقت دونه بابها، وادعت عليه الطلاق.. فقد سقط حقها.
فإن عادت إليه وأطاعته.. استأنف لهن القسم ولم يقض لها، لأن حقها قد سقط.
ولو قسم للثلاث، ثم طلق الرابعة قبل أن يوفيها حقها.. أثم بذلك، لأنه أسقط حقها بعد وجوبه.
فإن راجعها أو بانت منه فتزوجها.. قضى لها تلك الليلة، لأنها كانت واجبة لها).

مسألة الطواف على النساء في منازلهن أو باستدعائهن

والمستحب: أن يطوف على نسائه في منازلهن؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعل ذلك، ولأن ذلك أصون لهن.

وإن قعد في منزل واستدعى كل واحدة إليه في ليلتها.. كان له ذلك؛ لأن ذلك ليس بأكثر من السفر بهن.
وإن طاف على بعض نسائه في منازلهن واستدعى البعض إلى منزله.. كان له ذلك، فإن لم تأته واحدة منهن إلى حيث استدعاها.. سقط حقها من القسم، لأنها ناشزة.
وإن كان محبوسًا في مكان يصلن إليه ويصلح للسكنى، وأراد أن يقسم بينهن ويستدعيهن إليه.. كان له ذلك؛ لأنه كالمنزل.
وإن كان له امرأتان في بلدين فأقام في بلد إحداهما، فإن أقام معها.. قضى للأخرى.
وإن لم يقم معها.. لم يقض للأخرى، لأن إقامته في البلد التي هي بها من غير أن يقيم معها ليس بقسم.

مسألة لا يشترط الوطء في القسم

وليس من شرط القسم الوطء، غير أن المستحب: أن يساوي بينهن في الوطء، لأنه هو المقصود.
فإن وطئ بعضهن دون بعض.. لم يأثم بذلك؛ لأن الوطء طريقه الشهوة، وقد تميل شهوته إلى بعضهن دون بعض، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: 129] [النساء: 129]، قيل في التفسير: في الحب والجماع.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقسم بين نسائه ويقول: «اللهم، إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك»، يعني: قلبه.

[مسألة دخوله ليلًا على ضرة المقسم لها]

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولا يدخل في الليل على التي لم يقسم لها).
وجملة ذلك: أنه إذا قسم بين نسائه.. فلا يجوز أن يخرج من عند المقسوم لها في ليلتها لغير ضرورة من غير إذنها؛ لأن عماد القسم الليل.
فإن دعت ضرورة إلى ذلك، بأن مرض غيرها وأشرفت على الموت، فاحتاج إلى أن يخرج إليها لتوصي إليه، أو تكون تحتاج إلى قيم ولا قيم لها، أو ماتت واحتاج إلى الخروج لتجهيزها.. جاز له الخروج؛ لأن هذا موضع عذر.
فإن برئت المريضة التي خرج إليها.. قضى للتي خرج من ليلتها من قسم ليلة المريضة مثل الذي أقام عندها.
وإن ماتت.. لم يقض، بل يستأنف القسم للباقيات.
إذا ثبت هذا: فنقل المزني: (ويعودها في ليلة غيرها).
قال أصحابنا: هذا سهو في النقل أيضًا، إنما هو في يوم غيرها.
فإن خالف وخرج عنها في ليلتها لغير عذر إلى غيرها، وأقام عندها قليلًا.. فقد أساء، ولا يقضي ذلك؛ لأن ذلك يسير لا يضبط.
وإن أقام عندها مدة طويلة من الليل.. قضى للأخرى من ليلة التي أقام عندها مثل ذلك في وقته من الليل.
وإن قضى مثله في غير وقته من الليل.. جاز؛ لأن المقصود الإيواء، وجميع الليل وقت للإيواء.
وإن دخل إلى غيرها في ليلتها، وجامعها وخرج سريعًا.. فما الذي يجب عليه؟ فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: لا يجب عليه القضاء؛ لأن القصد الإيواء، ولم يفوت عليها بجماع غيرها الإيواء؛ لأن قدر مدته يسير.
والثاني: يجب عليه أن يقضيها بليلة من حق الموطوءة؛ لأن المقصود بالإيواء هو الجماع، فإن وقع ذلك لغيرها في ليلتها.. وجب عليه أن يقضيها بليلة الموطوءة.
والثالث: أنه يدخل عليها في ليلة الموطوءة فيطؤها؛ لأنه أعدل.

فرع حبس أو فوت نصف ليلتها

فرع: [إن حبس أو فوت نصف ليلتها قضاه]: فإن أخرجه السلطان عنها في ليلتها وحبسه نصف ليلتها، أو خرج عنها إلى بيت وقعد فيه نصف الليل.. وجب عليه أن يقضيها مثل الذي فوت عليها.
فإن فوت عليها النصف الأول من الليل.. فإنه يأوي إليها النصف الأول من الليل، ثم يخرج منها إلى منزل له أو لغيره، وينفرد عنها وعن سائر نسائه النصف الأخير.
وقال ابن الصباغ: قال بعض أصحابنا: إلا أن يخاف العسس، أو يخاف اللصوص.. فيقيم عندها في باقي الليل ولا يخرج للعذر، ولا يقضي للباقيات.
وإن فوت عليها النصف الأخير من الليل.. فالمستحب: أن يقضيها في النصف الأخير، وينفرد عنها وعن سائر نسائه النصف الأول من الليل، ويأوي إليها النصف الأخير.
وإن أوى إليها النصف الأول وانفرد في النصف الأخير.. جاز.

[فرع خروجه للحاجة ودخوله على ضرة المقسم لها نهارًا]

ويجوز أن يخرج في نهار المقسوم لها؛ لطلب المعيشة إلى السوق ولقضاء الحاجات.

وإن دخل إلى غيرها في يومها، فإن كان لحاجة، مثل: أن يحمل إليها نفقتها، أو كانت مريضة فدخل عليها يعودها، أو دخل لزيارتها لبعد عهده بها، أو يكلمها بشيء، أو تكلمه، أو يدخل إلى بيتها شيئًا، أو يأخذ منه شيئًا، ولم يطل الإقامة عندها.. جاز، ولا يلزمه القضاء لذلك؛ لأن المقصود بالقسم الإيواء، وذلك يحصل بالليل دون النهار.
ولا يجامعها؛ لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها قالت: «ما كان يوم إلا كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يطوف علينا جميعًا، فيقبل ويلمس، فإذا جاء إلى التي هي يومها.. أقام عندها».
وهل له أن يستمتع بالتي يدخل إليها في غير يومها بغير جماع؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ: أحدهما: لا يجوز؛ لأن ذلك مما يحصل به السكن فأشبه الجماع.
والثاني - وهو المشهور -: أنه يجوز؛ لحديث عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. فإن دخل إليها في يوم غيرها وأطال المقام عندها.. لزمه القضاء، كما قلنا في الليل.
وإن أراد الدخول إليها في غير يومها لغير حاجة.. لم يجز؛ لأن الحق لغيرها.
وإن دخل إليها في يوم غيرها، ووطئها وانصرف سريعًا.. ففيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو إسحاق: أحدهما: لا يلزمه القضاء؛ لأنه غير مستحق، ووقته لا ينضبط.
والثاني: يلزمه أن يدخل إليها في يوم الموطوءة فيطأها؛ لأنه أعدل.

[مسألة زواجه بجديدة يقطع الدور سبعًا للبكر وثلاثًا للثيب]

إذا كان تحته زوجة أو زوجتان فتزوج بأخرى.. قطع الدور للجديدة.
فإن كانت بكرًا.. أقام عندها سبعًا، ولا يقضي.
وإن كانت ثيبا.. كان بالخيار: بين أن يقيم عندها ثلاثا ولا يقضي، وبين أن يقيم عندها سبعًا ويقضي ما زاد على الثلاث.
ومن أصحابنا من قال: يقضي السبع كلها.
والأول هو المشهور.
هذا مذهبنا، وبه قال أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والشعبي، والنخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق رحمة الله عليهم.
وقال ابن المسيب والحسن البصري: يقيم عندها إذا كانت بكرًا ليلتين، وعند الثيب ليلة.
وقال الحكم وحماد وأبو حنيفة وأصحابه: (يقيم عند البكر سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا، ويقضي مثل ذلك للباقيات).
دليلنا: ما روي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «للبكر سبع، وللثيب ثلاث» وما روي عن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها قالت: «دخل علي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: (ما بك على أهلك هوان! فإن شئت.. سبعت عندك وقضيت لهن، وإن شئت.. ثلثت عندك ودرت)، فقلت: ثلث.
وروي: " إن شئت.. سبعت عندك، وسبعت عندهن».

فإن قلنا: يجب عليه قضاء السبع إذا أقامها عند الثيب.. فوجهه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سبعت عندك، وسبعت عندهن».
وإذا قلنا: يقضي ما زاد على الثلاث.. فوجهه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثلثت عندك ودرت» فلو كان يجب قضاء الثلاث كما كان يجب قضاء ما زاد.. لما كان للتخيير معنى.
ولأن الثلاثة مستحقة لها، بدليل: أنها لو اختارت أن يقيم عندها الثلاث لا غير.. لم يجب عليه قضاؤها، فكذلك لا يجب قضاؤها إذا أقامها مع الأربع.

فرع زفاف اثنتين بليلة

فرع: [كراهة زفاف اثنتين بليلة]: ويكره أن تزف إليه امرأتان في ليلة واحدة؛ لأنه لا يمكنه أن يوفيهما حق العقد معًا، وإذا أقام عند إحداهما.. استوحشت الأخرى.
فإن زفتا إليه، فإن كانت إحداهما قبل الأخرى.. أوفى الأولى حق العقد ثم الثانية؛ لأن الأولى لها مزية بالسبق.
وإن زفتا إليه في حالة واحدة.. أقرع بينهما؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وإن كان عنده امرأتان فبات عند إحداهما ليلة، فزفت إليه زوجة جديدة قبل أن يوفي الثانية حقها.. قضى للجديدة حق العقد؛ لأن حقها آكد؛ لأنه متعلق بالعقد، وحق الأولى متعلق بفعله، فإذا قضى حق العقد؛.. فقد بقي للثانية من الأوليين ليلة: نصفها من حقها ونصفها من حق الأولى، فيوفيها إياها.
ويجب للجديدة بحق القسم نصف ليلة؛ لأجل هذه الليلة، ثم يستأنف القسم بينهن.

فرع زفت أمة إلى عبد وعنده زوجة

وإن زفت إلى عبد أمة وعنده امرأة أخرى، سواء كانت حرة أو أمة.. ففي الذي تستحقه الأمة بحق العقد ثلاثة أوجه، حكاها ابن الصباغ:

أحدها: أنها كالحرة، فإن كانت بكرًا.. أقام عندها سبعًا.
وإن كانت ثيبًا، فإن شاءت.. أقام عندها ثلاثًا ولا يقضي، وإن شاءت.. أقام عندها سبعًا ويقضي؛ لأن هذا يراد للأنس وزوال الوحشة، والأمة كالحرة في ذلك.
والثاني: أن الأمة على النصف من الحرة، كما قلنا في القسم الدائم، إلا أن الليالي والأيام تكمل.
فعلى هذا: إن كانت بكرًا.. أقام عندها أربع ليال.
وإن كانت ثيبًا، فإن شاءت.. أقام عندها ليلتين ولا يقضي، وإن شاءت.. أقام عندها أربع ليال ويقضي، كما قلنا في الأقراء.
والثالث: أنها على النصف، ولا تكمل الليالي والأيام، فيقيم عند البكر ثلاث ليال ونصفًا، وعند الثيب إن شاءت.. ليلة ونصفًا ولا يقضي، وإن شاءت.. ثلاث ليال ونصفًا ويقضي؛ لأنها تتبعض، بخلاف الأقراء.

[فرع ملازمة صلاة الجماعة ونحوها نهارًا إذا أقام عند الجديدة]

فرع: [استحباب ملازمة صلاة الجماعة ونحوها نهارًا إذا أقام عند الجديدة]: قال في (الأم): (ولا أحب له أن يتخلف عن صلاة الجماعة، ولا يمنعه ذلك من عيادة مريض، ولا شهود جنازة، ولا إجابة وليمة).
وجملة ذلك: أنه إذا أقام عند الجديدة بحق العقد.. فهو كالقسم الدائم، فعماده الليل.
وأما بالنهار: فله أن ينصرف في طلب معاشه، ويصلي مع الجماعة، ويشهد الجنازة، ويعود المريض، ويجيب الولائم؛ لأن الإيواء عندها بالنهار مباح، وهذه الأشياء طاعات، فلا يترك الطاعات للمباح.
قال ابن الصباغ: فأما بالليل: فقال أصحابنا: لا يخرج فيه لشيء من ذلك؛ لأن حق الزوجة فيه واجب، وما يخرج له.. فليس بواجب، بخلاف الكون عندها بالنهار.. فإنه ليس بواجب.

مسألة المعدد إذا أراد السفر وتخييره

وإذا كان لرجل زوجتان أو أكثر، وأراد السفر.. كان بالخيار: بين أن يسافر وحده ويتركهن في البلد؛ لأن عليه النفقة والكسوة والسكنى دون المقام معهن، كما لو كان بالحضر وانفرد عنهن.
وإن أراد أن يسافر بهن جميعهن.. لزمهن ذلك، كما يجوز أن ينتقل بهن من بلد إلى بلد.
وإن أراد أن يسافر ببعضهن.. جاز؛ لـ «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سافر ببعض نسائه».
وإذا أراد أن يسافر ببعض نسائه.. أقرع بينهن؛ لما روت عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرع بين نسائه إذا أراد السفر، فأيتهن خرج سهمها.. خرج بها» وهو بالخيار: بين أن يكتب الأسماء ويخرج على السفر والإقامة، وبين أن يكتب السفر والإقامة ويخرج على الأسماء.
فإذا خرج السفر على واحدة.. لم يلزمه المسافرة بها، بل لو أراد أن يدعها ويسافر وحده.. كان له ذلك.
وإن أراد أن يسافر بغيرها.. لم يجز؛ لأن ذلك يبطل فائدة القرعة.
وإن اختار أن يسافر باثنتين، وعنده أكثر.. أقرع بينهن.
فإن خرجت قرعة السفر على اثنتين.. سافر بهما، ويسوي بينهما في القسم في السفر، كما لو كان في الحضر.
وإذا سافر بها بالقرعة، فإن كان السفر طويلًا.. لم يلزمه القضاء للمقيمات.
وإن كان السفر قصيرًا.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه القضاء للمقيمات، كالسفر الطويل.
والثاني: يلزمه؛ لأنه في حكم الحضر.
هذا مذهبنا.
وقال داود: (يلزمه القضاء للمقيمات في الطويل والقصير).

دليلنا: حديث عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها ذكرت السفر ولم تذكر القضاء.
ولأن المسافرة اختصت بمشقة السفر، فاختصت بالقسم.

فرع السفر بإحداهن بلا قرعة

وإن سافر بواحدة منهن من غير قرعة.. لزمه القضاء للمقيمات.
وبه قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى: (لا يقضي).
دليلنا: أنه خص بعض نسائه بمدة على وجه تلحقه فيه التهمة، فلزمه القضاء، كما لو كان حاضرًا.
وقال المسعودي [في (الإبانة) ]: فلو قصد الرجوع إليهن.. فهل تحتسب عليه المدة من وقت القصد؟ فيه وجهان:

فرع سافر بقرعة ثم أقام أو غير جهة السفر

وإن سافر بواحدة منهن بالقرعة، ثم نوى الإقامة في بعض البلاد وأقام بها معه، أو لم ينو الإقامة إلا أنه أقام بها أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج.. قضى ذلك للباقيات؛ لأنه إنما لم يجب عليه أن يقضي مدة السفر، وهذا ليس بسفر.
وإن سافر بها إلى بلد، فلما بلغه.. عنَّ له أن يسافر بها إلى بلد آخر فسافر بها.. لم يقض للمقيمات؛ لأنه سفر واحد وقد أقرع له.

فرع انتقل بواحدة فيقضي للبواقي

قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (ولو أراد النقلة.. لم يكن له أن ينتقل بواحدة إلا أوفى البواقي مثل مقامه معها).
واختلف أصحابنا في تأويلها:

جارٍ التحميل