كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- العمراني
- الكتاب
- البيان في مذهب الإمام الشافعي
- المؤلف
- أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)
- المحقق
- قاسم محمد النوري
- الناشر
- دار المنهاج - جدة
- الطبعة
- الأولى، 1421 هـ- 2000 م
- عدد الأجزاء
- 13 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[فرعٌ: وطء الجارية المشتراة]
]: إذا كان المبيع جارية، فوطئها المشتري في حال الخيار، وأحبلها.. تعلق بذلك سبعة أحكام: أربعة غير مبنية على الأقوال، وثلاثة مبنية عليها.
فأمَّا الأربعة: فلا يجب على المشترى حدّ؛ لأنه يملكها في بعض الأقوال، وله شُبهة ملك في بعضها، ويكون الولد ثابت النسب منه، لأن الحد إذا لم يجب.. ثبت النسب، ويكون الولد حرًّا؛ لأن الجارية إمّا ملكه أو له فيها شبهة ملك، وهل ينقطع خيارُه بذلك؟ فيه وجهان، مضى ذكرهما.
وأمَّا المهر، وقيمة الولد، وكون الجارية أم ولدٍ.. فمبنيَّةٌ على الأقوال، ثم ينظر فيه:
فإن أمضى البائع البيع، فإن قلنا: إن المشتري يملك بنفس العقد، أو قلنا: إنّ الملك موقوفٌ.. لم يجب على المشتري المهر، ولا يلزمه قيمة الولد، وتصير الجارية أم ولد، قولاً واحدًا؛ لأن وطأه صادف ملكه.
وإن قلنا: إنّ المشتري لا يملك إلا بشرطين.. فقال الشيخ أبو حامد، والبغداديون من أصحابنا: وجب عليه المهر؛ لأنّه وطئها وهي في ملك غيره.
وحكى في " المهذب "، عن أبي إسحاق المروزي: أنه لا يجب عليه المهر على هذا القول.
وقال المسعودي [في " الإبانة " [ق\237]: في وجوب المهر على هذا القول وجهان، بناءً على أن الاعتبار في الحال أو المآل، وهل يجب عليه قيمة الولد؟ فيه وجهان بناءً على القولين في الحمل، هل له حكمٌ؟ فإن قلنا: للحمل حكمٌ.. وجبت قمتُه؛ لأنّ العلوق كان في ملك البائع، وإن قلنا: لا حكم له.. لم يجب؛ لأن الوضع في ملك المشتري، ولا تصير الجارية أم ولدٍ له في الحال، وهل تصير أم ولدٍ إذا ملكها؟ فيه قولان، بناءً على القولين فيمن استولد جاريةَ غيره بشبهة.
وإن فسخ البائع البيع، فإن قلنا: إن الملك ينتقل إلى المشتري بشرطين، أو قلنا: إنه موقوف.. وجب عليه المهر؛ لأنّ وطأه صادف ملك البائع، ولا تصير الجارية أم ولدٍ له في الحال، وهل تصير أم ولدٍ له إذا وطئها؟ فيه قولان.
وإن قلنا: إن الملك ينتقل إلى المشتري بنفس العقد.. فهل يجب عليه المهر؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه لا يجبُ؛ لأن الوطء صادف ملكه.
والثاني: يجب؛ لأنها وإن كانت ملكه إلا أن حق البائع متعلق بها، ولا تصير الجارية أم ولد له على المنصوص، فإن ملكها.. صارت أم ولد له، قولاً واحدًا، وعلى قول أبي العباس: تصيرُ أم ولدٍ له في الحال، وهل يجب عليه قيمتها، أو الثمن المسمى؟ فيه وجهان، كما قلنا في العتق.
مسألة: نماء الجارية والبهيمة في الخيار
]: فإن اشترى جارية، أو بهيمة حاملاً، فولدت في مدة الخيار.. فلمن يكون الولد؟ يبنى ذلك على أصلين.
أحدُهُما: الأقوال في انتقال الملك، وقد مضى توجيهها.
والثاني: الحمل هل له حكمٌ، أو يأخذ قسطًا من الثمن؟ وفي ذلك قولان:
أحدهما: لا حكم له، ولا يأخذ قسطا من الثمن؛ لأنه جزء متصلٌ بها، فلم يأخذ قسطًا من الثمن، كسائر الأعضاء، ولأنه لو قال لجاريته الحامل: يدك حرّة.. لعتقت، وعتق حملها، فدلّ على: أنَّ الحمل كسائر أعضائها.
والثاني: له حكمٌ، ويأخذ قسطًا من الثمن، وهو الصحيح؛ لأن ما أخذ قسطًا من الثمن بعد الانفصال.. أخذ قسطًا من الثمن قبل الانفصال، كاللبن، ولأنه لو قال لجاريته الحامل: حملك حر.. لعتق الحمل، ولم تعتق الجارية، ولو كان كعضو منها.. لعتقت الجارية، كما إذا أعتق عضوًا منها.
فإذا قلنا بهذا: فالحمل مع الأم كالعينين المبيعتين، فإن أمضيا البيع.. كانا للمشتري، وإن فسخا البيع.. كانا للبائع.
وإن قلنا: لا حكم للحمل، قال الشيخ أبو حامد: فالحكم فيه وفي الكسب واحدٌ، فينظر فيه:
فإن أجاز البيع، فإن قلنا: إنّ المشتري يملك بنفس العقد، أو قلنا: إن الملك موقوفٌ.. فالولد والكسب للمشتري؛ لأنّه حدث في ملكه.
وإن قلنا: إنه لا يملك إلاَّ بشرطين.. ففيه وجهان: حكاهما ابن الصبّاغ في " الشامل ":
أحدهما ـ وهو قول أكثر أصحابنا، ولم يذكر في " التعليق " غيره ـ: أن الولد والكسب للبائع؛ لأنهما حدثا في ملكه.
والثاني ـ وهو قول أبي علي الطبري ـ: أنهما للمشتري تبعًا للأم.
وليس بشيء.
وإن فسخا البيع، فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلاَّ بشرطين، أو قلنا: الملك موقوفٌ.. فالولد والكسبُ للبائع؛ لأنهما حدثا في ملكه.
وإن قلنا: ينتقل الملك بنفس العقد.. ففيه وجهان:
أحدهما ـ وهو قول أبي إسحاق ـ: أنهما للبائع؛ لأنَّ عتق المشتري لا ينفذ على هذا.
والثاني ـ وهو الصحيح ـ: أنهما للمشتري؛ لأنهما نماء ملكه، ويخالف العتق، فإن العتق لا ينفذ إلاَّ في ملك تامّ، ألا ترى أن المكاتب لا ينفذ عتقه، ويتبعه ولده وإن ضعُف ملكه.
مسألة: تلف المشترى في مدة الخيار
]: وإن اشترى عينًا بشرط الخيار، فقبضها، ثم تلفت في مدة الخيار.. فحكى القاضي أبو الطيب: أن الشافعي نص في بعض كتبه: (أن البيع ينفسخ، ويجب على المشتري القيمة).
وقال في (الصداق): (يلزمه الثمن).
قال القاضي أبو
الطيّب: ويحتمل أنّه أراد بالثمن: القيمة، ويحتمل أنّه أراد: إذا كان الخيار للمشتري وحده، وقلنا: يملك بنفس العقد.
وذكر الشيخ أبو حامد: أن الخيار لا يسقط، فإن فسخا البيع أو أحدهما.. وجب على المشتري القيمة؛ لأن العين تلفت في يده، وإن أمضيا البيع، أو سكتا حتى انقضى زمان الخيار، فإن قلنا: إنَّ المشتري ملك بالعقد، أو قلنا: الملك موقوفٌ.. فقد تلف المبيع على ملك المشتري، فيستقرُّ عليه الثمن.
وإن قلنا: إنّه لا يملك إلاَّ بشرطين.. ففيه وجهان:
أحدُهُما ـ وهو قول أكثر أصحابنا ـ: أنّه يجب على المشتري القيمة؛ لأنه تلف في يده، وهو ملك للبائع، فهو كالمقبوض بالسَّوْم إذا تلف في يده.
والثاني ـ حكاهُ ابن الصَّباغ عن الشيخ أبي حامد ـ: أنّه يجب عليه الثمن؛ لأنه مسمى ثبت بالعقد، فلم يسقط مع بقاء العقد، ولأن القبض إذا وقع.. استقرَّ به البيع، فلم ينفسخ بهلاك المبيع.
فال ابن الصبَّاغ: والأول أصحُّ؛ لأن المبيع إذا تلف في ملك البائع.. لا يجوز أن ينتقل إلى المشتري.
وقوله: إنّ العقد يستقرُّ بالقبض، فغيرُ صحيح؛ لأنه لا يستقرّ مع بقاء الخيار.
وبالله التوفيق
باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه
لا يجوز بيع الكلب، سواءٌ كان معلما أو غير معلم، ولا يجب على متلفه قيمته، وبه قال الحسن، وربيعة، وحمّاد، وأحمد رحمة الله عليهم.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (يجوز بيعه، ويجب على متلفه قيمته).
وقال مالكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يحل بيعه وأخذ ثمنه؛ لأجل النهي، ويجب على متلفه قيمته).
دليلنا: ما روى أبو مسعود البدري: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان الكاهن».
وروى ابن عباس: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثمن الخمر ومهر البغي حرام، وثمن الكلب حرام، فإن جاء صاحب الكلب يلتمس ثمنه.. فاملأ كفّيه تُرابًا».
وتجوز الوصية به؛ لأن ذلك نقل اليد، واليد تثبت عليه، وهل تصح هبته؟ فيه وجهان:
[أحدهما]: قال ابن القاص: تصح هبته.
و [الثاني]: قال القاضي أبو الطيب: لا تصح هبته؛ لأن الهبة تمليك، والكلب غير مملوك.
قال: ولعل أبا العباس أراد بالهبة: أنّها تصح على الوجه الذي تصحّ الوصية به؛ لأنه إذا نقلته إلى يد غيره على وجه التبرع.. صح، كما يصح ذلك في الوصية، ولم يكن له الرجوع في ذلك، وهذا معنى الهبة.
ولا يجوز بيع الخنزير؛ لما رُوي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الخنزير».
[مسألةٌ: بيع الخمر]
ولا يجوز بيع الخمر.
وقال أبو حنيفة: (يجوز للمسلم أن يؤكل ذِميًّا في بيعها وشرائها).
دليلنا: ما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرّم التجارة في الخمر».
وروى ابن عبّاس: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتاه جبريل، فقال: يا محمد، إنّ الله تعالى لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومسقيها».
وروى جابرُ بن عبد الله: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال عام الفتح بمكة: "إن الله ورسوله حرّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام"، فقيل يا رسول الله: أرأيت شُحوم الميتة فإنه يطلى بها السُّفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها؟ فقال: "لا، هو حرام"، ثم قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند ذلك: "قاتل الله اليهود، حرِّمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها، وأكلوا ثمنها".
إن الله إذا حرّم أكل شيء على قوم.. حرّم عليهم ثمنه»
إذا ثبت هذا: فإن اقتناء الخمر لا يجوز؛ لما روى أنسٌ: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن الخمر يصنع خلا، فكرهه، وقال: أهرقها»، ولأن اقتناء ما لا منفعة فيه سفهٌ، فلم يجز.
[فرعٌ: بيع السرجين]
ولا يجوز بيع السرجين.
وقال أبو حنيفة: (يجوز).
دليلنا: أنّه نجس العين، فلم يجز بيعه، كلحم الميتة.
قال الشيخ أبو إسحاق: ويكره اقتناؤه، وتربية الزرع به؛ لما فيه من مباشرة النجاسة.
ولا يجوز بيع العذرة والبول، ولا اقتناؤهما؛ لأنهما نجسا العين، ولا منفعة فيهما، فلم يجز بيعهما، ولا اقتناؤهما، كالخمر.
[فرعٌ: اقتناء الكلب]
]: ويجوز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية والزرع؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قال: «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد، أو ماشية أو زرع.. نقص من أجره كل يوم قيراطان».
وهل يجوز اقتناؤه لحفظ الدروب والدكاكين؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجوزُ؛ لأنّ الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: (لا يجوز اقتناؤه إلا لصاحب حرث، أو صيد، أو ماشية، أو ما كان في معناها)، ولأنّه اقتناه لحفظ مالٍ، فأشبه الماشية والزرع.
والثاني: لا يجوز؛ لأنّ النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خصّ الأشياء الثلاثة، فدلّ على: أنّه لا يجوز اقتناؤه لأجل غيرها.
وروي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلبٌ أو صورةٌ»، ولأنه إذا اقتناه لحفظ البيوت، ربما تتم عليه حيلةٌ، فيكون ذلك سبب تلف ماله، بخلاف الصيد والماشية والزرع، فإنّه لا يتم للمتّخذ له حيلةٌ عليه.
وإن اقتناه رجل ليس له زرع ولا ماشية، أو كان غير صائد، لكن إن حصل له زرع أو ماشية حفظهما [به]، أو ليصطاد به إن أراد ذلك.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ليس بصاحب شيء من ذلك.
والثاني: يجوز؛ لأنه اقتناه لذلك، ألا ترى أنّه إذا حصد الزرع.. جاز اقتناؤه لزرع مستقبل، فأما إذا اقتنى كلب صيد، ولا يريد أن يصطاد به.. فذكر الشيخ أبو حامد في " التعليق " فيه وجهين:
أحدهما: يجوز؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إلا كلب صيد».
وهذا كلبُ صيد.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه اقتناه لغير حاجةٍ ماسّة، فأشبه إذا كان غير ذلك من الكلاب، ومعنى الخبر في قوله: «إلاَّ كلب صيد»، أي: كلبٌ يصطادٌ به، وأمّا تربية الجرو للصيد، أو الماشية، أو الزرع.. فهل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجوز؛ لأنه ليس بكلب صيد، ولا ماشية، ولا زرع.
والثاني: يجوز؛ لأنه يكون لذلك، ولأن تعليمه لذلك.
إنما يكون في حال الصغر، فلو قلنا: لا يجوز اقتناؤه لذلك.. لم يمكن اقتناؤه لذلك أصلاً.
[مسألة: بيع الحاجات النَّجسة]
]: ويجوز بيع الثوب النجس، والخشبة النجسة، وما أشبه ذلك؛ لأن البيع يتناول العين، والنجاسة فيها من جهة المجاورة، فلا يمنع من بيعها.
وأمّا المائع: إذا وقعت فيه نجاسة.. فينظر فيه:
فإن كان مائعًا لا يمكن تطهيره، كالخلِّ والدِّبس واللَّبن.. فلا يجوزُ بيعه؛ لأنّها عينٌ نجسةٌ لا يمكن تطهيرها، فلا يجوز بيعها، كالخمر.
وإن كان ماء نجسًا.. فإنّه يمكن تطهيره، وهل يجوز بيعه؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجوز بيعُهُ؛ لأنّه نجسٌ حكمًا، فهو كنجس العين.
والثاني: يجوزُ بيعُهُ؛ لأنَّه يمكن تطهيره، فجاز بيعه، كالثوب النجس.
وإن كان دُهنًا.. فهل يطهر بالغسل؟ فيه وجهان:
[أحدُهما]: قال أبو علي في " الإفصاح ": نص الشافعي على: (أنه لا يجوز بيعه).
ولو أمكن تطهيره.. لجاز بيعه؛ ولأنه لا يمكن عصره.
والثاني: يمكن غسله؛ لأنه يمكن مكاثرة الماء عليه، ثم استخراجه من الماء.
فإذا قلنا بهذا: فهل يجوز بيعه؟ فيه وجهان، كالماء النجس.
وإذا قلنا: أنه لا يطهر بالغسل.. لم يجز بيعه، وجهًا واحدًا، ولا يجوزُ أكله، ولا الانتفاع به بالبدن، وهل يجوز الانتفاع به بالاستصباح، ودهن السفينة، وما أشبه ذلك؟ فيه وجهان، حكاهُما في " العُدَّة ":
أحدُهما: لا يجوز الانتفاع به، كما لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدّباغ.
والثاني: يجوز، وهو المشهور، ولم يذكر الشيخ أبو حامد غيره، كما يجوز الانتفاع بالكلب للصيد، والماشية، والزرع.
فعلى هذا: ففي الدُّخان الذي يعلو من ذلك عند الاستصباح وجهان، مضى ذكرهُما في (إزالة النجاسات).
مسألة: الأعيان التي لا منفعة لها
قد مضى الكلام على الأعيان النجسة، وأمّا الأعيان الطاهرة: فضربان: ضربٌ لا منفعة فيه، وضربٌ فيه منفعةٌ.
فأمّا ما لا منفعة فيه: فلا يجوز بيعه، وذلك كالأسد، والذئب، والنمر، والرخم، والحدأة، والنسر، وما لا يجوز أكله من الغراب، وكذلك الفأرة، والحية، والعقرب؛ لأنه لا منفعة فيه، فبذل المال فيه من أكله بالباطل، فإن قيل: فعندكم إنَّ جلود السباع والذئاب تطهر بالدباغ، فهلاَّ جوَّزتم بيعها لذلك؟
قلنا: تلك منفعة غير مقصودة، ألا ترى أنّ الجلد قبل أن يدبغ لا يجوز بيعه؟ فكذلك الحيوان.
وهل يجوز بيع دارٍ لا طريق لها، أو بيع بيت من دار لا طريق له؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا يجوز؛ لأنّه غير منتفع به.
والثاني: يجوز؛ لأنه يمكن أن يحصل له طريقًا.
وأما ما فيه منفعة: فعلى ضربين: آدمي، وغير آدمي:
فأمّا الآدمي: فلا يجوز بيع الحرّ منهُ؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه قصمته: رجلٌ أعطى بي عهدًا ثم غدر، ورجلٌ باع حُرًّا فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفّه أجره»، ولأنه غير مملوك فلم يجز بيعه.
[فرعٌ: بيع أم الولد]
]: ولا يجوز بيع أمّ الولد، وبه قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعامّة أهل العلم.
وقال داود، والشيعة: (يجوز بيعها).
وروي ذلك عن علي وابن عباس وابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وأرضاهم.
وحكى الطبري في " العُدّة ": أنّ ذلك قولٌ آخر للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وليس بمشهورٍ عنه.
والدليل على أنه لا يجوز بيعها: ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع أمهات الأولاد».
فإن حكم حاكمٌ بصحة بيعها.. فهل يجوز نقضه؟ فيه قولان، حكاهما أبو علي السِّنجي في " شرح التلخيص " بناءً على أنّ أهل العصر الثاني إذا أجمعوا على أحد القولين بعد انقراض العصر الأول على الخلاف.. هل تصير المسألة إجماعًا؟ فيه قولان، أصحُّهما: لا تصير إجماعًا.
فعلى هذا: ينفذ حكمُهُ ولا يُنقَضُ.
والثاني: أنّ المسألة تصيرُ إجماعًا.
فعلى هذا: ينقض حكمه.
[فرعٌ: جواز بيع المدبر]
ويجوز بيع المدبَّر، وروي ذلك عن عائشة أم المؤمنين وعمر بن عبد العزيز.
وقال مالك: (لا يجوز بيعه).
وقال أبو حنيفة: (إن كان التدبير مقيدًا، بأن يقول: إن متُّ من مرضي هذا فأنت حرّ.. جاز بيعه، وإن كان مطلقًا، بأن يقول: إذا متُّ فأنت حرٌّ.. فإنّه لا يجوزُ بيعه).
دليلُنا: ما روى جابرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن رجلاً يقال له: أبو مذكور كان له عبدٌ يقال له: يعقوب، فأعتقه عن دبر منه، فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فباعه لدين كان عليه، فاشتراه نُعيم بن [عبد الله بن] النحّام).
قال جابرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهو عبد قبطي مات في أول إمارة ابن الزبير»
ويجوز بيع العبد المعلّق عتقه بصفة؛ لأنه ثبت له العتق بقول السيِّد وحَده، فجاز بيعُهُ، كالمدبَّر، وفيه احترازٌ من المكاتب إذا قلنا: لا يجوز بيعه.
[فرعٌ: بيع المكاتب]
وهل يجوز بيع رقبة المكاتب؟ فيه قولان:
[الأول]: قال في القديم: (يصح البيع).
فعلى هذا: لا تبطل الكتابة، ولكن إن أدّى المال إلى المشتري.. عتق، وكان الولاء له، وإن عجز ورُقَّ.. كان مملوكًا له، وبه قال عطاءٌ، والنخعي، وأحمد،
لما روي: «أنّ بريرة كاتبها أهلها على سبع أواق من الذهب، تؤديها إليهم في سبع سنين، فجاءت إلى عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تستعينُها، وشكت إليها، وأظهرت العجز، فقالت لها عائشة: إن باعوك.. عددت لهم الثمن عدًّا، فمضت إلى أهلها، فأخبرتهم بذلك، فقالوا: نبيعك على أنّ الولاء لنا، فأخبرت عائشة بذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: "اشتري، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق"، فاشترتها منهم» ولأن عتق المكاتب غير مستقر، فجاز بيعه، كالمدبر.
و [الثاني]: قال في الجديد: (لا يصح بيعه).
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفة وهو الصحيح؛ لأن الكتابة عقدٌ يمنع السيد من استحقاق كسب المكاتب، وأرش الجناية عليه، فمنع صحة بيعه، كما لو باعه من زيد، ثم باعه من عمرو، وفيه احترازٌ من المدبر، فإنّه يستحق كسبه، وأرش الجناية عليه.
وأمّا الخبر: فقد قيل: إن بريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عجَّزَت نفسها، وكان بيعُهم لها فسخًا لكتابتها، كما أن البائع إذا باع المبيع في مدة الخيار.. كان فسخًا للأوّل، وصحّ الثاني.
ولا يجوز بيع الموقوف، سواءٌ قلنا: إنّه ينتقل الملك فيه إلى الموقوف عليه، أو إلى الله تعالى؛ لأنّه يبطل بذلك حقُّ البطن الثاني.
[مسألةٌ: جواز بيع ما ينتفع به]
وأمَّا غير الآدمي: مما له منفعة من المأكول والمشروب والملبوس والمشموم.. فيجوز بيعه، وكذلك يجوز بيع ما ينتفع به من الوحوش، مثل: الفهد والظِّباء والغزلان، وما ينتفع به من الطيور للصيد، كالصقور والبزاة والعقبان.
قال ابن الصبّاغ: ويجوز بيع ما ينتفع بصوته من الطيور، وبيع القرد؛ لأنه ينتفع به، ولأنه يعلم أشياء فيتعلَّمها، وينتفع بها، ولأنه طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كالعبيد والجواري والخيل.
[فرعٌ: بيع السنور]
ويجوز بيع السنور، وروي ذلك عن ابن عبّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وروي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد رحمة الله عليهم: (أنهم كرهوا بيعه).
دليلنا: أنّه حيوان طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كالشاة.
[فرعٌ: لبن الآدمي]
ويجوز بيع لبن الآدميات.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يجوز).
دليلنا: أنّه طاهر منتفع به، فجاز بيعه، كلبن الشاة.
[فرعٌ: جواز بيع رباع مكة]
ويجوز بيع رباع مكة، وهبتها، ورهنها، وإجارتها، إلاَّ ما كان موقوفًا منها.
وقال مالك، وأبو حنيفة: (لا يجوز).
دليلنا: قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: 8] [الحشر: 8] فأضافها إليهم، وحقيقة الإضافة تقضي الملك.
ولما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما نزل مكة.. قيل له: ألا تنزل في رباعك؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "وهل ترك لنا عقيل من رباع! ". وفي بعض الروايات: وهل ترك لنا عقيل من ميراث؟!»
وأراد: أن أبا طالب مات كافرًا، وكان عقيل وطالب ابنا أبي طالب كافرين، فورثا رباعه، وباعها عقيل، وكان علي وجعفر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما مسلمين، فلم يرثا منه شيئا، فأضاف الرِّباع إلى عقيل، وحقيقة الإضافة تقتضي الملك، ولو كان بيع رباع مكة لا يصح.. لأبطله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولأنه إجماع الصحابة ومن بعدهم، فإنهم من لدن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى يومنا هذا يتبايعونها، ويؤاجرونها، ولا ينكر عليه منكرٌ، و: (اشترى أمير المؤمنين عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه دارًا بمكة من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجنًا)، و: (اشترى معاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من حكيم بن حزام دارين بمكة، إحداهما بستين ألف درهم، والأخرى بأربعين ألف درهم)، ولأنها أرضٌ حيّة، لم ترد عليها صدقة مؤبدةٌ.. فجاز بيعها كسائر البلاد.
فقولنا: (حية) احتراز من الموات.
وقولنا: (لم ترد عليها صدقة مؤبدة) احترازٌ من الوقف.
[فرعٌ: جواز بيع المصحف وكتب الحديث]
ويجوز بيع المصاحف، وكتب الحديث؛ لما روي: أنه سئل ابن عباس عن بيع المصاحف، فقال: (لا بأس، يأخذون أجور أيديهم)، ولأنه طاهر منتفع به، فهو كسائر الأموال.
قال الصيمري: قيل: إن الثمن يتوجّه إلى الدفتين؛ لأن كلاما لله تعالى لا يباع.
وقيل: ذلك بدلٌ من أجرة النسخ.
قال: ويكره بيع المصحف.
وقيل: يكره البيع، ولا يكره الشراء.
ولا بأس ببيع كتب الطِّب والشعر والنحو.
وبيع كتب الشرك باطل، وإحراقها لازم، ويجوز بيع دود القز، وجهًا واحدًا؛ لأنه طاهر منتفع به، وفي بيع بيضه وبيض ما لا يؤكل لحمه، كالصقر والبازي وجهان، بناءً على الوجهين في طهارة مَنِي ما لا يؤكل لحمه.
فإن قلنا: إنه طاهرٌ جاز بيعه، وإن قلنا: إنه نجس.. لم يجز بيعه.
والله أعلم بالصواب.
باب من نهي عنه من بيع الغرر وغيره
ولا يجوز بيع المعدوم، بأن يقول: بعتك ثمرة نخلي التي ستخرج عامًا، أو أعوامًا؛ لما روي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع المعاومة»، وأراد به: بيع ثمرة النخل أعوامًا، وروي: «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع السنين»، وروي: (أن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الغرر».
وقال الشيخ أبو حامد: و (الغرر): هو ما تردَّد بين السلامة والعطب، وليس أحدهما بأولى من الآخر، أو كان الغالب العطب.
وفي بيع الثمرة التي لم تخلق غرر؛ لأنه لا يدري إن خرجت.. أتسلم، أم تعطب؟
مسألة: بيع الفضولي
إذا باع مال غيره بغير إذنه، ولا ولاية له عليه، أو اشترى لغيره بغير وكالة، ولا ولاية.. لم يصح، ولم يوقف ذلك على إجازة المالك، ولا على إجازة من اشتري له أو بيع عليه.
وقال أبو حنيفة: (إذا باع مال غيره بغير إذنه.. وقف على إجازة المالك، فإن أجازه.. نفذ، وإن ردّه.. بطل.
وأما الشراء: فلا يوقف).
وقال مالك رحمة الله عليه: (يوقف البيع والشراء على إجازة المالك، والمشترى له).
وحكى صاحب " الإبانة " [ق\226]: أن ذلك قول الشافعي في القديم.
وليس بمشهور.
دليلنا: ما روى حكيم بن حزام: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تبع ما ليس عندك».
والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، فإن قيل: فدليل الخطاب من الخبر: أنه يجوز بيع ما عنده وإن كان ملكًا لغيره.. قلنا: دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يؤد إلى إسقاط النطق، وهذا يؤدي إليه؛ لأن الناس في هذه المسألة قائلان:
قائلٌ يقول: إن بيع الموقوف لا يجوز، سواءٌ كان المبيع في يد البائع، أو في يد غيره.
وقائل يقول: يجوز، سواء كان غائبا عنه أو في يده.
فمتى قلنا: يجوز بيع مال غيره إذا كان في يده، ويوقف على إجازة مالكه.. اقتضى أن يجوز بيعه وإن كان في يد مالكه؛ لأن أحدًا لم يفرق بينهما، ومتى قلنا بهذا.. سقط النطق، فأسقطنا دليل الخطاب.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا طلاق، ولا عتق، ولا بيع قبل الملك».
ولأنه عقد لغيره عقدًا بغير توكيل ولا ولاية، فلم يصح، كالشراء عند أبي حنيفة، أو نقول: لأنه عقد على ما لا يقدر على تسليمه، فلم يصح، كما لو باعه طائرًا في الهواء.
مسألة: البيع قبل القبض
إذا ملك عينًا بعقد معاوضة، فإن كانت ثمنًا، أو مثمنًا في بيع، أو أجرة في إجارة، أو مهرًا في نكاح، أو عوضًا في خلع، فإن كان طعامًا.. لم يجز له بيعه قبل قبضه بلا خلاف؛ لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وأرضاهما: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ابتاع طعامًا.. فلا يبعه حتى يستوفيه».
وإن كان غير الطعام.. فاختلف الناس فيه على أربعة مذاهب:
فمذهبنا: أن غير الطعام كالطعام، فلا يجوز بيعه قبل قبضه، فإن باعه.. لم يصحّ، وبه قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ومحمد بن الحسن.
وقال مالك: (يجوز بيع ما عدا الطعام قبل القبض).
وقال سعيد بن المسيب، والحسن، وأحمد: (ما كان مكيلا، أو موزونًا، أو معدودًا.. فلا يجوز بيعه قبل القبض، وما عدا ذلك.. يجوز بيعه قبل القبض)، وهو قول عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وأرضاه.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: (ما لا ينقل، ولا يحول، كالدور والعقار والأرضين والأشجار.. يجوز بيعها قبل القبض، وما ينقل ويحول، كالسلع والدراهم والدنانير.. لا يجوز بيعها قبل القبض).
دليلنا: ما «روى حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله، إني أبيع بيوعا كثيرة، فما يحل لي منها، وما يحرم؟ فقال: إذا بعت بيعا.. فلا تبعه حتى تستوفيه» وهذا عامٌّ في جميع المبيعات.
وروي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما بعث عتّاب بن أسيد إلى مكة أميرًا.. قال له: انههم عن بيع ما لم يقبضوا، أو ربح ما لم يضمنوا».
وروي «عن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: ابتعت زيتًا في السوق، فلما استوجبت.. رآني رجلٌ، فأعطاني ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفتُّ، فإذا زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال: لا تبعه حتى تحوزه إلى رحلك، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن تباع السلع حيث تباع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم» وهذا عامٌّ في الطعام وغيره.
ولأنه مبيع لم يقبضه المبتاع فلم يجز بيعه، كالطعام.
[فرعٌ: جواز التصرف قبل القبض]
]: وأما إنكاح الأمة المبيعة قبل القبض.. فيصح؛ لأن النكاح لا يقتضي الضمان، وهل يصح إجازة البيع قبل قبضه؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ.
ولا يصح كتابة العبد المبيع قبل القبض؛ لأن الكتابة تفتقر إلى تخليته للتصرف، وهل يصح عتقه قبل القبض؟ فيه وجهان:
[الأول]: قال ابن خيران: لا يصح؛ لأنه إزالة ملك، فلم يصح في المبيع قبل القبض، كالبيع.
و [الثاني]ـ المذهب ـ: أنه يصح؛ لأن للعتق قوة وسراية، بدليل: أنه إذا أعتق شقصًا له في عبدٍ وهو موسر.. عتق الجميع، ولو باع شقصًا له في عبد.. لم ينفذ بيعه في ملك غيره، ولا فيما لم يبع من ملكه فيه.
[فرعٌ: قبض ثمن المبيع عند تسلمه]
]: إذا اشترى عينًا بثمن غير مؤجل.. لم يجز للمشتري قبض العين قبل تسليم الثمن؛ لأن العين محبوسة مع البائع إلى أن يستوفي الثمن، فإن خالف المشتري وقبضها بغير إذن البائع.. قال الشيخ أبو حامد: دخلت في ضمان المشتري، ولا يجوز له التصرف فيها؛ لأنه قبض فاسد، وإن اشتراها بثمن مؤجل، أو حال، فسلم الثمن.. فله أن يقبضها بغير إذن البائع، فإذا قبضها.. صح تصرفه بها؛ لأنه لا حق لبائعها فيها.
[فرعٌ: البيع مقايضة]
]: لأبي العباس: إذا باع عبدًا بعبد، وقبض أحدهما ما اشترى، ثم باعه قبل أن يقبض صاحبه ما باعه منه.. صح تصرفه في الذي اشتراه؛ لأنه قد قبضه، فإن تلف عبده الذي باعه من صاحبه قبل قبضه.. بطل البيع الأول؛ لتلف المبيع قبل القبض، ولا يبطل الثاني؛ لتعلق حق المشتري الثاني به، ولكن يلزم بائعه قيمته للذي اشتراه منه أولا؛ لأنه تعذر تسليمه إليه، فوجبت قيمته عليه.
فإن اشترى من رجل شقصا من دار بعبد، وقبض المشتري الشقص، فأخذه الشفيع بالشفعة، ثم تلف العبد في يد المشتري قبل أن يقبضه بائع الشقص.. انفسخ البيع في العبد، ولم تنفسخ الشفعة، ولا يؤخذ الشقص من يد الشفيع، فيجب على المشتري قيمة الشقص للبائع، ويجب على الشفيع للمشتري قيمة العبد.
[فرعٌ: التصرف بالعين في عقد لا عوض فيه]
]: إذا ملك عينًا بعقد لا عوض فيه.. نظرت:
فإن كان هبة.. فإنه لا يملكها قبل القبض، فلا يصح بيعه لها، ويأتي حكمها إن شاء الله.
وإن كانت بوصية.. ملك بيعها قبل القبض؛ لأنه لا يخشى انفساخها.
وهكذا: لو ورث شيئًا.. جاز بيعه قبل قبضه؛ لأنه لا يخشى انفساخ ملكه.
وإن باع عينًا، وقبضها المشتري، ثم تقايلا في البيع، وأراد البائع بيعها من آخر قبل قبضها.. فالبغداديون من أصحابنا قالوا: يصح البيع؛ لأنه ملكها بغير عوض.
وأما المسعودي: فقال: [في " الإبانة " [ق\229] هل يصح بيعها قبل القبض؟ فيه قولان:
إن قلنا: إن الإقالة فسخ عقد.. جاز بيعها.
وإن قلنا: إن الإقالة بيع.. لم يصح بيعها قبل قبضها.
[فرعٌ: الدين في الذمة]
وأما الدين في الذمة: فعلى ثلاثة أضرب:
[الأول]: دين مستقر لا يخاف انتقاصه، كأرش الجناية، وبدل المتلف، وبدل القرض، فهذا يجوز بيعه ممن عليه، وهل يجوز بيعه من غيره؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه ربما جحده.
والثاني: يجوز، وهو الأصح، كما يجوز بيعه ممن عليه، ولأن ما جاز بيعه ممن عليه.. جاز بيعه من غيره؛ لأن الظاهر: أنه يقدر على تسليمه من غير جحود.
والضرب الثاني: دين غير مستقر، وهو المسلم فيه، فلا يجوز بيعه ممن عليه، ولا من غيره؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أسلم في شيء.. فلا يصرفه إلى غيره»، ولأنه غير مستقر؛ لأن العقد قد ينفسخ بعدم المسلم فيه في أحد القولين، وبالفسخ في الآخر، فلم يجز بيعه قبل القبض، كالعين المبيعة قبل القبض.
والضرب الثالث: هو الثمن، أو الأجرة، أو الصداق، أو عوض الخلع في الذمة، فهل يصح بيعه قبل القبض؟ في قولان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة، فلم يجز بيعه قبل قبضه، كالمثمن.
والثاني: يجوز، وهو الصحيح؛ لما روي «عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أنه قال: كنت آتي البقيع، فأبيع الإبل بالدنانير، وآخذ عنها الدراهم، أو بالدراهم، فآخذ عنها الدنانير، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأخبرته بذلك، فقال: "لا بأس، إذا تفرّقتما وليس بينكما شيء»
ولأن الثمن في الذمة مستقر؛ لأنه لا يخشى انتقاص البيع بهلاكه، فجاز التصرف فيه، كالمبيع بعد القبض.
إذا ثبت هذا: فاختلف أصحابنا في الثمن والمثمن:
فقال بعضهم: (الثمن): هو الدراهم أو الدنانير، و (المثمن): ما قابله، فإن لم يكن في البيع دراهم ولا دنانير.. فالثمن ما دخلت فيه الباء، والمثمن ما قابله.
ومنهم من قال: الثمن ما دخله الباء بكل حال، والمثمن ما قابله.
والأول أصح.
فرعٌ: بيع نجوم الكتابة
]: وهل يجوز بيع نجوم المكاتب قبل قبضها؟
المنصوص عليه للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في " المختصر ": (أنه لا يصح).
وقال أبو إسحاق: أومأ الشافعي في القديم إلى: (أنه يصح بيعها).
قال أصحابنا: لم يذكر الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في القديم إلا جواز بيع رقبته، وليس إذا جاز بيع رقبته.. جاز بيع نجومه؛ لأن الرقبة ملك للسيد، وإنما سقط حق السيد بأداء المال، وهاهنا يملك العبد إسقاط حقه من المال.
ووجه ما قال أبو إسحاق على القديم: أن السيد يملك المال في ذمة المكاتب، فجاز بيعه، كسائر أمواله.
[فرعٌ: كيفية القبض]
]: قد ذكرنا: أنه لا يصح بيع المبيع قبل القبض.
وإذا ثبت هذا: فإن القبض ـ فيما ينقل ـ النقل، فإن كان المبيع عبدًا.. فقبضه: أن يستدعيه فيجيء، وإن كان بهيمة.. فقبضها: أن يسوقها، فإن أمر العبد بعمل لا ينتقل فيه من موضعه، أو ركب البهيمة ولم تنتقل عن موضعها.. فإن الذي يقتضيه المذهب: أنّه لا يحصل القبض بذلك؛ لأنّه لا يكون بذلك غاصبًا، فكذلك لا يكون بذلك قابضًا في البيع، وإن وطئ الجارية.. فهل يكون قبضًا؟ فيه وجهان:
أحدهما ـ المشهور ـ: أنه ليس بقبض؛ لأنه لم ينقلها.
والثاني ـ حكاه في " الحاوي " ـ: أنه يحصل به القبض؛ لأن ذلك أبلغ من النقل.
وإن كان المبيع ثيابًا، أو خشبًا، أو طعامًا اشتراه جزافًا.. فقبضه: أن ينقله ويحوله من مكان إلى مكان آخر، وإن كان عقارًا أو شجرًا.. فقبضه: التخلية.
وقال مالك، أبو حنيفة: (قبض جميع الأشياء بالتخلية).
دليلنا: ما «روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه»
ولأن الشرع ورد بالقبض، وليس له حد في اللغة، ولا قدر في الشرع، فوجب الرجوع فيه إلى عرف الناس وعادتهم، كما قلنا في الحرز والإحياء.
والعرف عند الناس ما ذكرناه.
هذا نقل أصحابنا البغداديين.
وذكر المسعودي [في " الإبانة " [ق\230ـ231] في هذا ثلاث مسائل:
الأولى: إذا اشترى منه ما ينقل، فوضعه البائع بين يدي المشتري.. ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقوم ذلك مقام القبض، كالوديعة إذا وضعها بين يديه.. فلا يكون قبضًا، حتى إن لم يحفظها إلى أن ضاعت.. لم يضمن.
والثاني ـ قال: وهو الأصح ـ: أنّه يقوم مقام القبض، بخلاف الوديعة؛ لأن قبولها لا يلزم، وليس كذلك في مسألتنا.
[المسألة] الثانية: إذا اشترى دارًا وأمتعة فيها.. فالتخلية في الدار تكون قبضا، وفي الأمتعة وجهان:
أحدهما: تكون التخلية قبضًا لها تبعًا للدار.
والثاني: يشترط نقلها.
[المسألة] الثالثة: إذا اشترى شيئًا في دار البائع، ونقله من زاوية إلى زاوية، فإن أذن له البائع في ذلك.. حصل له القبض في ذلك، وكأن البائع أعاره تلك الزاوية، وإن لم يأذن له في ذلك.. لم يحصل القبض.
قال الصيمري: وإن اشترى من رجل صبرة طعام، ثم اشترى العرصة التي تحت الصبرة.. حصل له القبض في الصبرة من غير نقل.
[فرعٌ: قبض الوديعة بدل الدين]
إذا كان لرجل في ذمة غيره دين مستقر، وعند من له الدين لمن عليه الدين وديعة أو رهن مما ينقل، فباع منه الوديعة أو الرهن بذلك الدين.. فله أن يقبض الوديعة أو الرهن بغير إذن بائعه؛ لأنه قد استحق قبض ذلك، والقبض فيه: هو أن يمضي عليه زمان يمكن فيه القبض، وهل يحتاج إلى نقله من مكانه، أو يكفي فيه مضي الزمان؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ.
أحدهما: يحتاج إلى النقل؛ لأنه مما ينقل، ويحول، فلم يحصل قبضه إلا بذلك.
والثاني: أنه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأن النقل يراد لحصوله في يده، وهو حاصلٌ في يده.
وإن باعه الوديعة أو الرهن بثمن في ذمته، ولم يقبضه الثمن.. لم يكن للمودع نقل الوديعة إلا بإذن البائع، فإن قبضها بغير إذنه.. لم تصر مقبوضة قبضًا يملك به التصرف.
[فرعٌ: أخذ مثلاً بدلاً عن ثمن]
قال الصيمري: إذا باعه طعامًا بثمن إلى أجل، وحل الثمن.. جاز أن يأخذ بالثمن طعامًا أو تمرًا حاضرًا.
وإن أراد أن يأخذ عن الدين المؤجل عوضًا، إما عرضًا، أو غيره، قبل حلول الدين.. لم يصح، وأما تقديمه: فيجوز؛ لأنه لا يملك المطالبة به قبل محله، فكأنه أخذ البدل عمّا لا يستحقه، وهكذا ذكره الصيدلاني.
[فرعٌ: بيع الصكوك]
]: قال الصيمري: ولا يجوز بيع الصكوك قبل قبضها، وهي: أرزاق الجند، إذا صك السلطان على بيت المال.
مسألة: بيع ما لا يقدر على تسليمه
]: إذا باع طيرًا في الهواء، فإن كان لا يملكه.. لم يصح بيعه لعلتين:
إحداهما: أنه لا يملكه.
والثانية: أنه لا يقدر على تسليمه.
وإن كان يملكه.. لم يصح بيعه، سواء كان يألف الرجوع أو لا يألفه؛ لأنه لا يقدر على تسليمه في الحال.
وإن باعه طيرًا في برج، فإن كان الباب مفتوحًا.. لم يصح بيعه؛ لأن الطير إذا قدر على الطيران لم يقدر على تسليمه في الحال، وإن كان مغلقًا، فإن كان لا يحتاج في أخذه إلى كلفة ومشقة.. جاز بيعه، وإن كان يحتاج إلى ذلك.. لم يجز.
وإن باعه سمكةً في بركة عظيمة، يدخل فيها السمك ويخرج، فإن كان لا يملك البركة.. لم يصح بيعه؛ لأنه لا يملك السمكة، ولأنه لا يقدر على تسليمها، وإن كان في بركة صغيرة، يقدر على أخذها من غير كلفة، وكان الماء صافيًا يشاهد السمكة فيه، وكان قد ملكها.. صح بيعه، وإن كان لا يقدر على أخذها إلا بالاصطياد.. فنص الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (أنه لا يصح بيعها).
قال الشيخ أبو حامد: وخرج أبو العباس وجهًا آخر: أنه يصح.
ولا وجه له.
[فرعٌ: استئجار برك السمك]
]: قال في " الإملاء ": (ولا يجوز تقييل برك الحيتان ـ يريد: استئجارها ـ لأخذ السمك منها)؛ لأن العين لا تملك بالإجارة.
فإن استأجر بركة ليحبس بها السمك ويأخذها.. قال الشيخ أبو حامد: لا يجوز، لأن الصيد ينحبس فيها بغيرها.
وقال ابن الصبّاغ: يجوز؛ لأن البركة يمكن الاصطياد بها، فجاز استئجارها لذلك، كالشبكة.
قال: وأمّا قول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (لا يجوز تقييل برك الحيتان) أراد: إذا حصل فيها حيتان، فاستأجرها لأخذ ما قد حصل فيها.. فلا يصح؛ لأن الأعيان لا تملك بالإجارة.
وأما إذا لم يكن فيها سمكٌ: فإن العقد على منفعة مقصودة، فجاز العقد عليها.
وإن استأجر أرضًا للزراعة، فدخل فيها السمك، ثم نضب الماء منها، وبقي السمك.. لم يملكه المستأجر، ولكن يكون أحق به؛ لأن غيره لا يملك التخطي في أرضه، فإن تخطى أجنبي، فأخذه.. ملكه بذلك.
[فرعٌ: بيع النادِّ والفارِّ]
ِّ]: ولا يجوز بيع الجمل الشارد، والفرس العائر؛ لأنه لا يقدر على تسليمه في الحال، ولا يجوز بيع العبد الآبق، وروي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: (أنه باع عبدًا له أبق)، وقال ابن سيرين: إن عرف موضعه.. جاز بيعه، وإن لم يعرف موضعه.. لم يجز بيعه.
دليلنا: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الغرر».
وفي بيع الآبق غرر.
ولأنه لا يقدر على تسليمه، فلم يصح بيعه، كالطير في الهواء.
فإن رجع الآبق.. لم ينقلب البيع صحيحًا.
وقال أبو حنيفة: (ينقلب صحيحًا).
دليلنا: أنه وقع باطلاً، فلم ينقلب صحيحًا، كما لو باع طيرًا في الهواء، ثم وقع الطير في يده.
[فرعٌ: بيع الوديعة والعارية]
]: فإن باع عينًا له مودعة، أو معارة عند غيره.. صح بيعها، سواء باعها ممن هي في يده أو من غيره؛ لأنها عينٌ يملكها، مقدورٌ على تسليمها، فصحَّ بيعها، كما لو كانت بيده.
وإن كانت له عين مغصوبة عند غيره، فإن باعها من الغاصب.. صح البيع، وإن باعها من غير الغاصب، وقال البائع أو المشتري: أنا قادر على انتزاعها من الغاصب.. صح البيع، فإن قدر على انتزاعها من الغاصب.. نفذ البيع، وإن لم يقدر على انتزاعها.. ثبت للمشتري الخيار في فسخ البيع، وإن كان البائع أو المشتري غير قادرين على انتزاعها من الغاصب.. لم يصح البيع؛ لأنه باع ما لا يقدر على تسليمه، فهو كالطير في الهواء.
ويصح إنكاح الأمة المغصوبة ممن يقدر على انتزاعها، وممن لا يقدر على انتزاعها؛ لأن النكاح لا يقتضي الضمان.
ويصح إعتاقها؛ لما ذكرناه، ولا يصح كتابتها؛ لأن الكتابة تقتضي التصرف، والمغصوبة ممنوعة من التصرف.
ويصح إعتاق العبد الآبق؛ لما ذكرناه.
[مسألةٌ: بيع غير المعيَّن]
إذا باع عبدًا من عبدين، أو ثلاثة، أو أكثر.. لم يصح.
وقال أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا باعه عبدًا من عبدين، أو ثلاثة، بشرط خيار ثلاثة أيام.. صح، وإن باعه عبدًا من أربعة أعبد، أو أكثر.. لم يصح).
وقال مالكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (إذا باعه عبدًا من عبيد، أو ثوبًا من ثياب، وكانت كلها متقاربة بالصفة، وشرط الخيار للمشتري.. صحَّ البيع).
دليلنا: أن ذلك مما يختلف فيه الغرض، فلم يصح بيعه من غير تعيين، كما لو باعه عبدًا من أربعة.
وإن قال: بعتك قفيزًا من هذه الصبرة.. صح البيع؛ لأن الصبرة تتساوى أجزاؤها، فصح بيع بعضها، وإن كان غير معين.
[مسألةٌ: بيع الغائب]
ولا يجوز بيع العين الغائبة إذا جهل جنسها أو نوعها، بأن يقول: بعتك ما في هذا الجراب، أو بعتك ما في كمي، أو ما في بيتي.
وقال أبو حنيفة: (يصح بيع العين الحاضرة المشار إليها وإن كانت غير مشاهدة، ولا يفتقر إلى ذكر الجنس، وإن كانت غائبة.. صح بيعها إذا ذكر الجنس).
دليلنا: ما روى أبو هريرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الغرر».
و (الغرر): ما خفي على الإنسان أمره، وانطوت عليه عاقبته، ولهذا روى عن رؤبة بن العجاج: أنه اشترى ثوبًا من بزَّاز، فقال له: اطوه على غرِّه، أي: على طيِّه.
وقالت عائشة أم المؤمنين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - في وصف أبيها: (فردٌ نشر الإسلام على غرِّه)، أي: على طيِّه.
وهذا المعنى موجودٌ في بيع ما جهل جنسه أو نوعه.
فأما إذا ذكر الجنس والنوع، بأن قال: بعتك الثوب المروي الذي في كمي، أو عبدي الزِّنجي، فإن كان لا يملك عبدًا زنجيًّا غيره.. كفاه، وإن كان يملك عبدًا زنجيًّا غيره، فقال: عبدي الزنجي الذي في داري.. نظرت:
فإن كان البائع قد نظر المبيع، ولم يره المشتري.. فلا خلاف بين أصحابنا أنها على قولين:
أحدهما: يصح البيع، وبه قال الحسن، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اشترى شيئًا لم يره.. فله الخيار إذا رآه».
وروي: (أن عثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما تناقلا بدارين، إحداهما بالمدينة، والأخرى بالكوفة، فقيل لعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قد غبنت، فقال: لا أبالي، لي الخيار إذا رأيت، فتحاكما إلى جبير بن مطعم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقضى بصحة البيع، وجعل الخيار لعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -).
ولأنه عقد معاوضة، فلم يفسده عدم الرؤية، كالنكاح.
والثاني: لا يصح البيع، وهو قول الحكم، وحمّاد، وهو الصحيح؛ لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الغرر»، ولأنه مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد، فلم يصح، كما لو قال: بعتك ثوب خز.. فلا خلاف أنه لا يصح.
ومن قال بهذا: قال بحديث أبي هريرة: «من اشترى شيئا لم يره.. فهو بالخيار إذا رآه».
رواه عمر بن إبراهيم بن خالد، وكان كذّابًا.
وقيل: رواه مجاهد، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرسلا.
وإن صح.. فمعنى قوله: "لم يره" أي: حال العقد وكان قد رآه قبل ذلك.
وقيل: أراد: "إذا رآه" في أن يعقد عليه بعد الرؤية، وكذلك حديث عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، معناه: لا أبالي، لي الخيار إذا رأيتها متغيرة عما كنت رأيتها.
فأما إذا كان البائع والمشتري لم ينظرا جميعًا إلى المبيع: فاختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: فيه قولان، كالأولى.
قال ابن الصباغ: وهو المشهور في المذهب؛ لأنّ حكم البائع حكم المشتري في ذلك.
ومنهم من قال: يبطل البيع هاهنا، قولاً واحدًا؛ لأن البائع إذا لم يشاهد المبيع.. فإنما يصفه عن صفة، لا عن مشاهدة، وبيع العين بصفة عن صفة لا يصح، ألا ترى أن الأعمى لا يصح بيعه لما لم يره؛ لأنه يصف المبيع عن صفة، لا عن مشاهدةٍ؟! ولأن البائع إذا كان قد شاهد المبيع، ولم يشاهده المشتري.. قل الغرر، وإذا لم يشاهده واحدٌ منهما.. كثر الغرر.
فأمّا إذا كان المشتري قد شاهد المبيع، ولم يشاهده البائع:
فمن قال في التي قبلها: إذا لم يشاهده البائع ولا المشتري، إنها على قولين.. فإنه لا يجعل لرؤية البائع تأثيرًا، فيصح البيع هاهنا، قولاً واحدًا.
ومن قال في التي قبلها: إن البيع يبطل، قولا واحدا.. جعل لرؤية البائع هاهنا تأثيرًا، فيجعل هذه على قولين.
فأمّا إذا قلنا: لا يصح بيع خيار الرؤية.. فلا تفريع عليه، وإذا قلنا: يصح.. فلا بد من ذكر الجنس والنوع، وهل يحتاج إلى ذكر غيرهما من الصفات؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها ـ وهو قول أبي علي في " الإفصاح " ـ: أنه لا بد من أن يذكر جميع صفاته، كالمسلم فيه.
والثاني ـ وهو قول القاضي أبي حامد ـ: أنه لا بد من وصفه بمعظم الصفات، وإن لم يأت بالجميع؛ لأن الاعتماد على الرؤية.
والثالث ـ وهو المنصوص ـ: (أنه يكفي ذكر الجنس والنوع)؛ لأن المعتمد في هذا البيع على الرؤية، لا على الصفة.
فإذا قلنا بهذا: فوصف المبيع بصفة المسلم فيه، أو ثبت عند وصفه بخبر التواتر.. ففيه طريقان، حكاهما في " الإبانة " [ق\232]:
[الأول]: من أصحابنا من قال: هو كالمرئي، فيصح بيعه، قولا واحدا.
و [الثاني]: منهم من قال: هي على قولين، كالأولى.
إذا ثبت هذا: فإن وصف له البائع المبيع بصفات، وقلنا: لا بد من ذكرها، أو قلنا: لا يفتقر إلى ذكرها، لكنه قد وصفه بذلك، فوجده المشتري أنقص من تلك الصفة.. ثبت له الخيار؛ لأنه أنقص مما وصف له، فثبت له الخيار، كالمسلم فيه إذا أتى به على خلاف الوصف، وإن وجده على ما وصف له، أو أعلى منها.. فهل يثبت له الخيار؟ فيه وجهان:
أحدُهما: لا خيار له، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه وجده على ما وصف له، فلم يثبت له الخيار، كالمسلم فيه.
والثاني: يثبت له الخيار، وهو المنصوص عليه؛ لأن هذا البيع يختص باسم بيع خيار الرؤية، بلا خلاف بين أهل العلم، فلم يخل من الخيار.
وإذا ثبت له الخيار.. فهل يكون على الفور؟ فيه وجهان:
أحدُهما: أنه على الفور، فإن فسخ، وإلا لزمه البيع؛ لأنه خيار يتعلق بمشاهدة المبيع، فكان على الفور، كخيار الردّ بالعيب، فإنه يتعلق بمشاهدة العيب.
والثاني: يتقدر بالمجلس بعد الرؤية؛ لأنه خيار ثبت بمقتضى العقد، فكان مقدرًا
بالمجلس، كخيار المجلس.
فإن اختار إمضاء البيع قبل الرؤية.. لم يصح؛ لأن الخيار متعلق بالرؤية، ولأنه يؤدي إلى أن يلزمه المبيع، وهو مجهول الصفة، وإن فسخ البيع قبل الرؤية.. صح الفسخ؛ لأن الفسخ يصح في المجهول.
وإذا باع ما رآه البائع، ولم يره المشتري.. فهل يثبت الخيار للبائع؟ فيه وجهان، حكاهما ابن الصباغ، والطبري:
أحدهما: يثبت له؛ لأنه خيارٌ ثبت بمطلق العقد، فاشترك فيه البائع والمشتري، كخيار المجلس.
والثاني: لا يثبت له، وهو المنصوص للشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (الصرف)؛ لأنه أحد المتبايعين، فلا يثبت له خيار الرؤية مع تقدم الرؤية، كالمشتري.
وأمّا إذا كان البائع لم يشاهد المبيع، وباع، وقلنا: يصح بيعه.. فهل يثبت له الخيار إذا رأى المبيع؟ فيه وجهان:
أحدُهما ـ وهو قول القفّال، وأبي حنيفة ـ: أنه لا يثبت للبائع الخيار؛ لأنا لو أثبتنا له الخيار.. لكنَّا قد أثبتنا له الخيار لتوهم الزيادة، والزيادة في المبيع لا تثبت الخيار، ألا ترى أنه لو باع شيئًا على أنه معيب، فبان أنه غير معيب.. لم يثبت له الخيار، ولو اشترى شيئًا على أنه غير معيب، فبان معيبًا.. ثبت له الخيار؟ ! والثاني ـ وهو قول الشيخ أبي حامد ـ: أنه يثبت للبائع الخيار؛ لأنه جاهل بصفة المعقود عليه، فأشبه المشتري، ولأن الخيار لا يتعلق بالزيادة والنقصان، ألا ترى أن المشتري لو قال: هو فوق ما طلبته، ولكن قد اخترت الفسخ.. جاز الفسخ؟!
إذا ثبت هذا: فإن كان المشتري قد رآه، دون البائع، وقلنا: يثبت الخيارُ للبائع.. فهل يثبت الخيار للمشتري معه؟ يحتمل الوجهين في ثبوت الخيار للبائع مع تقدم رؤيته له، وقد مضى توجيههما.
[فرعٌ: يصح البيع إذا رأى المبيع ولو غاب]
وأما إذا رأيا المبيع، ثم غاب عنهما، وعقدا عليه البيع.. فالمنصوص: (أنه يصح البيع).
وقال أبو القاسم الأنماطي: لا يصح، وهو قول الحكم، وحمّاد؛ لأن الرؤية شرطٌ في صحة العقد، فلم تتقدم على حال العقد، كالشهادة في النكاح.
ووجه المنصوص: أن الرؤية إنما تراد؛ ليصير المبيع معلومًا عندهما، وهذا المعنى موجودٌ وإن تقدمت الرؤية على حال العقد، وتخالف الشهادة في النكاح؛ لأنها تراد ليثبت الفراش بالعقد، فلم يجز أن يتقدم على العقد.
إذا ثبت هذا: فإن كان المبيع لا ينقص، ولا يتلف على طول الزمان، كالحديد والرصاص والنحاس وما أشبه ذلك، وكانا قد شاهداه، ثم عقدا عليه البيع، ثم شاهداه، فإن كان على صفته الأولى.. فلا خيار للمشتري، وإن كان قد تغير ونقص عما كان عليه.. ثبت للمشتري الخيارُ؛ لأنه ناقص عما كان رآه، وإن اختلفا: هل تغير، أم لا؟ قال الشافعي: (فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأن الثمن ينتزع منه، فلا يجوز إلا بقوله).
وإن كان المبيع لا يبقى على طول الزمان، مثل: الهريس والطبيخ والبطيخ، وكان قد مضى من حين المشاهدة إلى حين العقد مدة يتلف فيها.. فالبيع باطل؛ لأنه غرر.
وإن مضى عليه مدة قد يتلف فيها وقد لا يتلف، أو كان المبيع حيوانا.. ففيه وجهان:
[أحدهما]: من أصحابنا من قال: لا يصح البيع؛ لأنه يجوز أن يكون قد تلف، أو تغير، فصار مجهولاً، وبيع المجهول لا يصح.
والثاني ـ وهو المنصوص ـ: (أن البيع صحيح)؛ لأن الظاهر منه السلامة.
[فرعٌ: بيع الغائب الموصوف مضمون]
]: قال الشافعي في (الصرف): (ولا يجوز له أن يبتاع عينًا غائبة بصفة مضمونة، ولا إلى أجل، ويجوز بالنقد والدين).